LOGIN~ أديلاين ~
مدَّ جرس الإنذار للحصة الثانية صوته الصاخب. جررتُ قدميَّ عبر الممرات الغريبة حتى تراءت لي اللوحة العريضة لمادة الأحياء. دفعتُ الباب مفتوحاً، آملةً أن أتسلل دون أن يلاحظني أحد… لكن حظي لم يكن بذاك السخاء. تلاشت همسات الثرثرة في الفصل في اللحظة ذاتها التي خطوتُ فيها إلى الداخل. شعرتُ بأربع وعشرين عيناً تعلقُ بي… شددتُ ظهري ورفعتُ رأسي عالياً وأنا أمشي… وما إن تجاوزتُ الصَّفَّين الأولَين من المقاعد، حتى عادت الهمهمات للانتعاش مجدداً. سحتُ ببصري في أرجاء الغرفة ولمحتُ كرسياً شاغراً عند طاولة بالقرب من الخلف. لم يكن يجلس هناك سوى فتاة واحدة تخرج دفاترها من حقيبتها. كانت الفتاة فتّانة بلا أدنى شك، بشعر أشقر طويل تتخلله خصلة واحدة مصبوغة بالوردي. سألتُها: "هل هذا المقعد مشغول؟" توقفت، ورفعت بصرها إليّ بعينين عسليّتين: "لا، إنه فارغ." أومأتُ برأسي، ثم انزلقتُ على الكرسي، وألقيتُ بحقيبتي على الأرض. مددتُ يدي إلى السحّاب، ولكن قبل أن أتمكن من إخراج أوراقي ودفتري، مالت الفتاة نحوي. لم تكتفِ بالاقتراب فحسب… بل مالت واستنشقت الهواء. اهتزت أرنبة أنفها وكأنها تحاول أرشفة رائحتي. تجمدتُ في مكاني، وأدرتُ رأسي لأحدق فيها. كانت عيناها متسعتين… تطرفان بسرعة خاطفة وهي تتراجع إلى الخلف. سألتُها، غير قادرة على إخفاء الحيرة من نبرتي: "هل كل شيء بخير؟" ما الخطب مع قاطني هذه المدينة؟ ألا يعرفون المفهوم الأساسي للمساحة الشخصية؟ أجابت: "أجل، أنتِ البشرية الجديدة." لم تنطق بها كملحوظة عابرة، بل كإقرار وثّقته بينها وبين نفسها. بشرية جديدة. رددتُ عليها مستفسرة وأنا أجبر شفتيَّ على رسم ابتسامة صغيرة: "ألسنا جميعاً بشراً؟" طرفت بعينها. مرّ شيء يشبه الهلع على وجهها قبل أن ترفع حاجبيها وتومئ برأسها بسرعة تتجاوز الحد الطبيعي. "بالتأكيد. بالتأكيد. بكل تأكيد." عادت للعبث بمتعلقاتها. بالنظر إلى جانبي وجهها، كانت تفوح منها طاقة فتاة مدللة لأب ثري. كل قطعة أخرجتها… مجلداتها، أوراقها اللاصقة، حتى الفرو الناعم المثبت على قمة قلمها، كان بدرجة ما من درجات الوردي الباهت. قلتُ وأنا أراقب جسدها المشدود: "أنا أديلاين كوبر، بالمناسبة." تنهدت. راقبتُ التوتر وهو يغادر كتفيها وهي تلتفت إليّ بابتسامة أكثر صدقاً بكثير. "ليلي بيكهام." انقلبت معدتي. سارعتُ بضبط ملامحي لتغدو محايدة، مجاهدة الصدمة التي اعترتني. بيكهام. كان هذا اسم عائلة العملاق المستفز ذي النظرات الحادة من فصل الأدب. جاسبر. هل هما شقيقان؟ أبناء عمومة؟ أم أنها مجرد مصادفة تعسة؟ فتحتُ فمي لأسأل، لكن باب الفصل انفتح بقوة ودخل معلم الأحياء، ليدخل مباشرة في إلقاء محاضرة عن البنى الخلوية… خمس وأربعون دقيقة تالية مرت ببطء قاتل. تم تقسيمنا إلى مجموعات لإنجاز مهمة، وأثبتت ليلي أنها مفيدة، رغم أنها استمرت في إلقاء هذه النظرات الفضولية نحوي كلما ظنت أنني لا أنظر إليها. سألتني في اللحظة التي دق فيها الجرس وهي تغلق مقلمة أقلامها الوردية: "مهلاً، هل أنتِ ذاهبة لتناول الغداء؟" أخبرتها وأنا أعلق حقيبة الظهر على كتفي: "أوه، أجل، لكنني خططتُ في الواقع لقضاء الوقت مع أحدهم." تقطب وجهها: "من؟" قلتُ وأنا أرفع حاجبيّ أمام ردة فعلها: "جوزيفين هاريس، أنا أقيم مع عائلتها خلال سنة المنحة الدراية." أجابت: "أوه! حسناً، جوزي وأنا على وفاق. هيا بنا، سآخذكِ إليها." تبعتها خارجة من الفصل… فكرتُ في أنها كانت لطيفة بحق… كانت ليلي ثاني شخص نقي التقيتُ به في وولفيبروك كريست بأكمله ينجح في جعل أسوار دفاعاتي تتهدم قليلاً. بينما كنا نسير في الممر نحو المقصف، خطت مجموعة من ثلاث فتيات إلى منتصف الممر، مجبرات حركة المرور على الانقسام من حولهن. كن يبدون جميلات، يلمعن ويتألقن… مع اقترابي أنا وليلي، كشّرت الفتاة التي في المنتصف وازدرت وهي تستنشق الهواء. بصقت بكلماتها في اتجاهي: "البشرية الصغيرة." تجمدتُ في مكاني. تنهدت ليلي… وأمسكت بمعصمي محاولة سحبي للأمام. خطوتُ خطوة مترددة، لكن فتاة أخرى من الثلاثي شخرت بسخرية. "آه، انظري إلى تلك الساقين. أليستا طويلتين أكثر من اللازم بالنسبة لجسدها؟ يا إلهي، إنها تبدو ككلب ضال." ماذا؟ التفتُّ ومشيتُ نحوهن. اعتدلن في وقفتهن… واستطعتُ أن أرى أعيناً تتألق بالحماس… سألت الفتاة الأولى: "ماذا؟" كان لها شعر أسود طويل بغرة… وقوام أنثوي ساحر يجذب الانتباه، وطولها يصل إلى نحو خمسة أقدام وست بوصات. من الميل المتكبر لذقنها والطريقة التي وقفت بها الأخريان من حولها، كانت بوضوح ملكة هذه المجموعة. أجبتُ وأنا أثبتُ عينيَّ في عينيها: "كنتِ تتحدثين عني." تحدتني وهي تخطو خطوة بعيداً عن الخزانات لتُضيّق المسافة بيننا: "وماذا في ذلك؟" حذرتها ليلي من خلفي: "كاميلا." تجاهلتها كاميلا، وظلت عيناها مركزتين على وجهي فقط. قالت بنبرة ساخرة متمططة: "ماذا يا ليلي؟ هل أصبحتِ حاميتها الجديدة؟ ألا يمكننا أن نحظى بقليل من المرح مع البشرية؟" استنشقت رائحتي مرة أخرى! شخرت باشمئزاز: "رائحتها غريبة." سألتُها: "عذراً؟" كنتُ في غاية الإحراج والخزي. أولاً تعليق "البشرية" مجدداً، والآن تخبرني أن رائحتي غريبة؟ كان الأمر شاذّاً. استطعتُ أن أشعر بأنها الفتاة الشريرة التقليدية في المدرسة الثانوية التي تتغذى على تحطيم الآخرين، لكن إهاناتها كانت غريبة فحسب… كانت جوزي على حق. لم يمضِ على وجودي هنا سوى بضع ساعات، وبدأ الطلاب يتحولون بالفعل إلى أسوأ كوابيسي. همست لي: "لديّ نصيحة لكِ أيتها الفتاة الجديدة." "تصرفي وكأنكِ غير موجودة هنا. ليس من المفترض بكِ أن تكوني هنا، أنتِ…" "كاميلا!..." زأر صوت ليلي بسلطة غير طبيعية أورثت الرعب في نفسي، وراقبتُ بصدمة كيف أغلقت كاميلا فمها فجأة. انحنى رأسها، وتراجعت خطوة إلى الخلف وكأن قوة ما قد دفعتها. استدرتُ لأنظر إلى ليلي. لثانية واحدة، أقسمتُ أن عينيها ومضتا باللون الذهبي… طرفتُ بعينيَّ بقوة. حين فتحتُ عينيَّ… عادت عيناها طبيعيتين مجدداً. كنتُ مشتتة للغاية بكلمات كاميلا التهديدية بحيث لم أستطع استيعاب ما رأيته للتو. "ليس من المفترض بكِ أن تكوني هنا." ماذا كانت تقصد بحق السماء بذلك؟ لقد مُنحتُ هذه المنحة الدراسية. لم أطلبها. لم أتوسل للحصول عليها! فتحتُ فمي لأطالب بإجابة، لكن يد ليلي سحبتني بعيداً. تمتمت ليلي وهي تجرني نحو أبواب المقصف: "تجاهليها يا أدي. إنها تستمتع فقط بالتنمر على الناس." ألقيتُ نظرة خاطفة فوق كتفي لأرى الفتيات الثلاث يراقبن ذهابي. كانت كاميلا تبتسم ابتسامة ساخرة وهي تلف خصلة من شعرها حول إصبعها. يا للروعة. قائمة الأشخاص الذين يحاولون تدمير سلامي هنا تتزايد بين الدقيقة والأخرى. لم أحزم أمتعة حياتي المحطمة وأنتقل على بعد ألف ميل، فقط لأصبح كيس ملاكمة لمجموعة من أطفال الأثرياء في بلدة صغيرة. أردتُ فقط النجاة… وجمع ما أستطيعه من نقود من وظيفة بدوام جزئي، والهروب إلى الكلية حتى لا أضطر أبداً إلى الاعتماد على عمي الجشع مجدداً. هل كان هذا بحق طلباً كبيراً لهذه الدرجة؟ بمجرد دخولنا إلى المقصف، سمعتُ اسمي يتردد بوضوح عبر القاعة، ولمحتُ جوزي تلوح من إحدى الطاولات… أسرعتُ أنا وليلي نحوها… قالت جوزي… وعيناها تنتقلان بيننا: "أرى أنكِ التقيتِ بليلي." تنهدتُ وأنا أهوي على المقعد: "أجل، في فصل الأحياء." تقطب حاجباها وتساءلت: "هل أنتِ بخير؟ تبدين مجهدة." قبل أن أتمكن من الإجابة، تدخلت ليلي. "حاولت كاميلا وعصابتها السخيفة محاصرتها في الممر، لكن لحسن الحظ كنتُ هناك لإيقاف الأمر." تعبس وجه جوزي وتمتمت باعتذار، ثم ذهبنا لطلب الطعام… وبحلول الوقت الذي دفعنا فيه ثمن صوانينا واستقررنا مجدداً عند طاولتنا، خيّم الصمت على المقصف بأكمله. رفعتُ بصري عن طعامي لأرى مجموعة من الشباب يسيرون بخيلاء. وكان يتقدم المجموعة جاسبر. قلبتُ عينيَّ على الفور. "بالطبع." خلفه، مشى ستة شبان آخرين، يتحركون بنفس الهيبة التي فرضت سيطرتها على القاعة. الوجهان الوحيدان اللذان تعرّفتُ عليهما كانا كالب وديلان، شقيقيّ في المنزل المستضيف… التفتُّ مجدداً نحو طاولتنا ولمحتُ جوزي تحدق… شاخصة البصر… كانت وجنتاها متوردتين باللون الأحمر، وعيناها مسمرتين على شاب يمشي عند الكتف الأيمن لجاسبر. كان بطول جاسبر تقريباً وشديد الوسامة… مع هالة الفتى الشرير. نظرتُ إليها مجدداً… كانت تبدو أرقّ من أن تنجذب لشاب كهذا. كان يملك تقريباً نفس الهواء المتكبر الذي يملكه جاسبر. لا أعلم ما إذا كان ذلك لأنهم يبدون كعارضي أزياء حقيقيين، لكن كل من رأيته حتى الآن في هذه المدرسة كان يبدو وسيمأ بحق… جميعهم تقريباً. كانت لديهم أجساد مذهلة وعضلات مفتولة… والفتيات يملكن صدوراً بارزة وأوراكاً ممتلئة، كأشخاص لا يزعجون أنفسهم باتباع حمية غذائية. فجأة، أصبح للأمر معنى تام حول سبب استهلاك عائلة هاريس لكل تلك اللحوم على طاولة العشاء… كل ذلك يذهب إلى أجسادهم. راقبتُ جاسبر وهو يقود "حاشيته" إلى جانبنا من المقصف. الطلاب الذين كانوا يشغلون الطاولة المقابلة لطاولتنا تماماً هجروا مكانهم في اللحظة التي توقف فيها جاسبر أمامهم. لم يضطر حتى لنطق كلمة واحدة. كززتُ على أسناني. من بين كل الطاولات الفارغة في المقصف، لماذا كان عليه اختيار الطاولة المقابلة لنا؟ يبدو أن الطلاب هنا يحترمونه أكثر حتى من احترامهم لطاقم الموظفين والمعلمين، وهو أمر غريب تماماً. جلس جاسبر وهو يثبت هاتين العينين خاصته عليّ… رائع. أصبح بإمكانه الآن أن يبتسم بعبوس في وجهي بينما آكل أيضاً؟ همست ليلي وهي تراقب جوزي: "أوه، اصمتي يا جوزي. لقد حذرتكِ ألف مرة من أن لوغان سيحطم قلبكِ." تمتمت جوزي: "لا أستطيع منع نفسي يا ليلي. هل تصدقين أنني رأيته للتو يقبل إحدى فتيات مشجعات الاستعراض بينما كنتُ داخلة؟ لقد كان يضغطها على خزانته، ويقبلها قبلة فرنسية كاملة على مرأى من الجميع." فركت عينيها. شتمتُ في سري: "تباً." أعرف كم هو سيئ ذلك الشعور عندما يقبل الشخص الذي تحبه شخصاً آخر أمام عينيك مباشرة. إنه يلدغ! حذرتُها وأنا ألقي بنظرة حادة نحو طاولة الشباب: "عليكِ حقاً تجنبه يا جوزي." "إنه محطم قلوب. الأمر مكتوب على وجهه المغرور بأكمله. في الواقع، إنه مكتوب على وجه ذاك المدعو جاسبر أيضاً." "انتظري، هل تعرفين جاسبر؟" "هل التقيتِ بجاسبر؟" نطقت ليلي وجوزي بالسؤال في الوقت ذاته… ترقرق صوتهما عالياً لدرجة أنني جفلتُ… زاحفةً بعينيَّ بعيداً عن جاسبر الذي ضبطتُه في تحدٍّ بالنظرات. أجبتُ وأنا أشعر فجأة بالرغبة في الدفاع عن نفسي تحت تعابيرهما المصدومة: "أجل." "كنا معاً في فصل الأدب هذا الصباح. إنه غريب أطوار تماماً. جلس في الخلف فقط وأخذ يرمقني بنظرات حاقدة طوال الدقائق الأربعين كاملة." تبادلت الفتاتان نظرة محملة بالمعاني جعلتني أرفع حاجبيّ. قالت ليلي: "هذا أخي." على الرغم من أنني كنتُ أشك في ذلك، إلا أن التأكيد ما زال مفاجئاً لي. حدقتُ في ليلي. لم يكن بينهما أي تشابه. بالتأكيد، كانا يتشاركان نفس العينين العسليتين الساحرتين، ونفس الأنف المستقيم، لكن شخصيتيهما كانتا متضادتين. قالت ونبرة من الإعجاب في صوتها: "إنه رائع حقاً بمجرد أن تتعرفي عليه فعلياً. الجميع يحب جاسبر." تحديتها وأنا أشير بشوكتي نحوها: "إذا كان الجميع يحبه، فلماذا يتصرفون وكأنهم مرعوبون منه؟" "لقد راقبتُ الطلاب وهم يبتعدون عن طريقه هنا في المقصف… حتى السيدة بيرت بدت مهابة عندما حضر متأخراً إلى حصتها." أجابت جوزي وهي تجنب التلاقي مع عينَي: "هذا… شيء مختلف تماماً. إنه، ممم… مجرد شخص ذي سلطة هنا." إجابتها المترددة لم تزد دماغي إلا حيرة. سلطة؟ كان طالباً في السنة الأخيرة من الثانوية في الثامنة عشرة من عمره. أي سلطة يمكن أن يملكها بحق السماء؟ قبل أن أتمكن من المطالبة بتفسير، انخفضت مستويات الضوضاء في المقصف مجدداً. التفتُّ نحو المدخل وشعرتُ بدمي يغلي. دخلت كاميلا مع صديقاتها… تتهادى بأوراكها لدرجة أن تنورة زيها المدرسي التفت إلى مستوى غير قانوني. راقبتُ بذهول كيف تجاوزت الطاولات الأخرى وتوجهت مباشرة إلى مكان جاسبر. تمتمت جوزي: "ها هي قادمة." "أنا حقاً لا أعرف ما الذي يراه جاسبر فيها." قطعت ليلي حديثها: "إنها فاتنة يا جوزي. الشباب يحبون وجود امرأة جميلة على أذرعتهم، وأنتِ تعرفين ذوق أخي…" توقفتُ عن المضغ. راقبتُ كاميلا وهي تصل إلى الطاولة. أفسح لوغان مساحة لها… واستندت هي بكامل ثقلها على جانب جاسبر… دفنت يدها في تجعيدات شعره الداكنة الكثيفة وضغطت فمها على فمه في قبلة. "ماذا؟" انزلقت الكلمة من فمي قبل أن يستطيع دماغي إيقافها. ضحكت جوزي. "هذا بالضبط كيف تتصرف من حوله. إنها تستغل كل دقيقة عامة لتطالب بملكيتها له بصرياً." كررتُ الكلمة وأنا أشعر بأنني غبية تماماً: "تطالب بملكيتها؟" أوضحت ليلي وهي تراقب وجهي: "إنهما يتواعدان." في اللحظة التي غادرت فيها الكلمات فمها واستقرت في دماغي… مزق الألم قلبي كسكين تتلوى داخل جسدي… سارقة الهواء من رئتيّ. شهقتُ وأنا أسقط شوكتي على صينيتي. سألت ليلي: "هل أنتِ بخير؟" هل كنتُ بخير؟ تباً. لم أستطع التنفس. لماذا بحق اللعنة كنتُ منزعجة من أن هذا الأحمق ذو النظرات الحادة يملك حبيبة حسناء؟ لم يكن للأمر أي معنى. لم تكن حبيبته فحسب، بل كانت الفتاة ذاتها التي حاصرتني في الممر، تهددني وتخبرني أنني لا أنتمي إلى هذه البلدة. اختنقتُ بكلماتي وأنا أدفع كرسيي إلى الخلف: "عليّ الذهاب. سأتوجه مبكراً إلى حصتي الأخيرة." بينما أسرعتُ نحو الباب، خاطرتُ بإلقاء نظرة أخيرة فوق كتفي نحو طاولة جاسبر، عبر القاعة المزدحمة كانت عيناه مثبتتين بالفعل على جسدي المتراجع. لم أكن أعلم ما إذا كنتُ أتخيل الأشياء، ولكن بينما واصلتُ السير، رأيتُ فكه ينقبض. أمسك بمعصم كاميلا ودفعه بقسوة بعيداً عن شعره. لم أنتظر لأرى المزيد. اندفعتُ خارجة… محاولة العثور على مكان هادئ أستطيع فيه تذكر كيفية التنفس…~أديلين~ "وإلى أين تظنين أنكِ عائدة يا أديلين؟" صرخت ميراندا في هواء المساء العليل في اللحظة التي وطأت فيها حذائي شرفة المنزل. استجمعت قواي واستعددتُ مسبقاً للنبرة الجليدية التي كنتُ أعلم أنها تنتظرني في كل كلمة توجهها إليّ. "أنا آسفة... ذهبتُ إلى مكان مهم مع ليلي." "مهم؟" خطت إلى الخارج تحت الضوء، وكان يبدو عليها وكأنها تمسك نفسها بصعوبة عن الإمساك بكتفيّ. "هل نسيتِ أن العشاء في الساعة السابعة؟ هل أخبرتِ أي شخص إلى أين أنتِ ذاهبة؟ هل سقط من ذهنكِ أننا فتحنا منزلنا لكِ، ومن حقنا الكلي أن نعرف أنكِ بخير وأمان؟" "ميراندا، لم أكن أقصد..." "أترأى ما أعنيه يا جيمس؟" استدارت بقدماً نحو جيمس. "هذا هو السبب بالضبط الذي جعلني لا أريد فتاة بشرية في هذا المنزل! لن تجلب لنا جميعاً سوى المتاعب!" وقال جيمس: "دعاني تتحدث أولاً"، كان صوته يبدو وكأنه تعب بالفعل من الشجار قبل أن يبدأ بشكل صحيح. "فقط دعوا الفتاة تخبرنا ما الذي أخرها." وقفتُ هناك، والحرارة تتصاعد في عنقي، لقد فقدتُ الإحساس بالوقت بحق، وانشغلتُ بالحديث مع سايمون والسير عبر مطعم الوجبات السريعة، كنتُ أعلم أنه كان ينبغي
~أديلين~لم أكن أعرِف ما الذي كانت تقصده بذلك، لكنني لم أستطع المجادلة في مدى السرعة التي ساءت بها الأمور، ومن بين زخات المطر لمحتُ مبنىً أمامي تتوهج منه أضواء ذهبية دافئة.أشرتُ قائلة: "هناك.""لننعطف إلى الداخل حتى يهدأ المطر قليلاً."أومأت ليلي ورأست المحرك مجدداً، وزحفت بالسيارة إلى الأمام حتى دخلنا إلى موقف السيارات الصغير، وكانت اللافتة فوق الباب تحمل كلمة "فروستبايت" بحروف بيضاء كبيرة، مع رسومات صغيرة لكعكات الدونات وفناجين القهوة على طول الحافة السفلية.قالت ليلي وهي تطفئ المحرك: "ربما هذا هو المكان الذي كان ينبغي أن نكون فيه بالضبط.""يمكننا الانتظار حتى تنتهي العاصفة والسؤال عن عمل أثناء وجودنا هنا. ما رأيكِ؟"قلتُ لها: "هذا ما كنتُ أفكر فيه بالضبط"، وأمسكتُ بالمظلة الصغيرة التي كانت تحتفظ بها في المقعد الخلفي وجعلتها فوقنا نحن الاثنتين ونحن نركض نحو الباب.جرس صغير أصدر رنيناً فوقنا عندما خطونا إلى الداخل، وضَرَبَ الهواء الدافئ وجهي على الفور، برائحة الخبز الطازج والقهوة الغنية والكعك الحلو.كان هناك بضعة أشخاص آخرين فقط يجلسون عند طاولات متناثرة في أرجاء الغرفة، يتحدثون به
~ أديلين ~ "الراتب ممتاز للغاية أيضاً،" أضافت ليلي، وكأنها ظنت أنني أتردد بسبب المال. أومأتُ برأسي وابتلعتُ غصّة صعبة تشكّلت في حلقي. أخذت بيدي وقادتني نحو جناح العاملين حيث يقع مكتب المدرّب رومان. كانت المدرسة حقاً ضخمة وفخمة، كل ممر فيها مصقول وفي أبهى نظام، وكأن لا شيء سيئاً قد حدث قط داخل هذه الجدران. انتظرنا زهاء ساعة قبل أن يعود أخيراً من التدريب، وعندما دخل كان يبدو تماماً كما تتوقع من مدرّب هوكي رفيع المستوى… عريض المنكبين، قبيلاً، طويلاً لدرجة أنه اضطر للانحناء قليلاً ليعبر من الباب، وشعره مقصوص بقصر ونظام، وما زال يلمع قليلاً بفعل العرق. وقف عند عتبة الباب واستنشق الهواء. مرة. ثم مرتين. ثم شبّك ذراعيه أمام صدره وتطلع إليّ من رأسي إلى قدميّ وكأنه يقيّم لاعباً جديداً. "أأنتِ البشرية الجديدة؟" سأل بنبرة جامدة. تدخلت ليلي لتشرح من أكون ولماذا نحن هنا. "هل أنتِ متأكدة من قدرتكِ على التعامل مع غرفة تبديل ملابس مليئة بلاعبي هوكي مشاغبين؟" سأل، وسَمِعت الشك في نبرته. وكأنه كان يملك الإجابة مسبقاً. أومأتُ برأسي، ولا أزال عاجزة عن صياغة رد على هذا السؤال.
~أديلين~ "إذن كيف كانت النتيجة؟" سألت ليلي، مقتربة لتلتقي بي بينما كنتُ أدخل نتائج اختبار تحديد المستوى في خزانتي. كان الممر شبه خالٍ الآن، وأغلب الطلاب يتهيأون بالفعل للتوجه إلى منازلهم لهذا اليوم. سحبتُ الورقة مجدداً ومددتها إليها. تنفست بصوت خافت قائِلة: "تباً،" بينما هرولت جوسي لتنضم إلينا. سألت بكل إشراق ومرح: "ما الأمر يا رفاق؟" وتلك الخفة العذبة في صوتها كانت غافلة تماماً عما كنا ننظر إليه. هبطت عيناي إلى يديها… كانت لا تزال تحمل الكيس الورقي الذي يحتوي على زِيّي الممزق. أدارت ليلي الورقة حتى تتمكن جوسي من رؤيتها أيضاً. هتفت جوسي: "يا إلهي،" مالت ليلي متسائلة: "إذن ماذا قالوا؟" "إنه ليس رسوباً بالضبط يا أديلين. إنه مجرد نجاح بدرجة منخفضة… لم يطلبوا منكِ المغادرة." أضافت جوسي: "ليس رسوباً، ولكن قريب منه بما فيه الكفاية… " نظرتُ بينهما، وشعرتُ بدفء غريب يتكور في صدري… ذلك الشعور الذي يواصل التساؤل عن السبب الذي جعل هاتين الفتاتين تقرران الوقوف إلى جانبي بينما لم أكن سوى غريبة في هذه المدينة الجديدة العجيبة. تنهدتُ، تاركة كتفيّ تسترخيان قليلاً. "لقد أعطوني م
~جاسبر~ لهثتْ قائِلة: "تباً يا جاسبر..." أمسكتُ بعصاي وحاولتُ التجاوز من حولها، لكنها تحركت وأمسكت بيديّ المغطاتين بالقفازين. زمجر ذئبي. انتزعتُ يديّ بقوة من بين قبضتيها، ووجهتُ إليها أشد نظرة نظرتها في حياتي. قوة سحبي أفقدتها توازنها، فترنحت إلى الخلف وسقطت بقوة على الأرض. توقفتُ مذهولاً في مكاني. تمتم كالب وهو يندفع للأمام ليقدم لها يداً: "مهلاً، كاميلا..." صرخت وهي تلوّح بيديها لإبعاده: "لا تلمسني!" رفع كالب يديه وتراجع إلى الخلف. وبينما كانت كاميلا تنهض على قدميها، لمحتُ حركة في رؤيتي الجانبية؛ كانت إحدى مرافقيها عند الباب تمسك بهاتفها خفية. عرفتُ تماماً ما كانت تفعله، لكنني لم أهتم. الطيور على أشكالها تقع. شهقت والدموع تلطخ مسكرتها في خطوط داكنة على وجنتيها: "جاسبر، أنت... لا يمكنك الانفصال عني هكذا ببساطة! بعد عام كامل؟ بعد أن استغللتني؟" كان جسدها بالكامل يرتجف الآن. "لا يمكنك التخلي عني هكذا! لا يمكنك!" "لقد فعلتُ ذلك للتو. ولن أكرر كلامي يا كاميلا. أنتِ تعلمين أنني لا أراوغ،" "تتجولين لمضايقة الطلاب، وتتعاملين مع الناس وكأنهم لا شيء. لقد ط
~جاسبر~ "أبدعت يا جاسبر! حقاً، ما أروع علاقتك برفيقتنا المقدرة،" قالها داكس بينما كنت أشق طريقي صاعداً إلى غرفة تبديل الملابس لتغيير ثيابي. كان المدرب رومان قد أرسل الإشعار في وقت سابق: «حصة تدريب إجبارية بعد المدرسة اليوم. لا أعذار، ولا استثناءات. من يتغيب يجلس على مقاعد الاحتياط.» لقد حذرنا، وفي هذه اللحظة بالذات، لم أكن في أفضل حالاتي النفسية. كان ينبغي لداكس أن يدرك ذلك، لكنه كان غاضباً مني إلى حدٍّ يمنعه من الاكتراث. كنت أعاني من الألم أيضاً. كنت في حرب ضارية مع عقلي، وأحشائي، وجسدي، وإحساسي بالواجب تجاه والدي، وعشيرتي، وفريقي... كل هذا في وقت لا تزال فيه أديلين تجهل تماماً ما تعنيه لي بحق. «اعلمها بعلامتك يا رجل، تباً! لندع هذه الفرصة تبدأ. ضع علامتك عليها ليلمس الجميع، تباً، لمن تنتمي... وخاصة تلك العاهرة، كاميلا!» «أأصبحت عاهرة الآن يا داكس؟» أجبته مباغتاً ومصدوماً بعض الشيء من الوصف الذي يطلقه ذئبي على حبيبتي. «حبيبتك السابقة يا جاسبر!» زأر بها، وجعلت شدة غضبه فكي يشتد قسوة. ارتطمت بي أنظار جميع رفاقي في الفريق ما إن وطأت قدمي غرفة تبديل الملابس. ابتلعت ريقي بصعوبة، متك