FAZER LOGINرد الأستاذ منير بتنهيدة عميقة: "جالي عقد شغل وسافرت السعودية، وقعدت هناك شوية وعيشت أيام طويلة.. بنتي الصغيرة اللي أنقذتها زمان كبرت واتجوزت واستقرت هناك، وابني كمان شغله كله بقى بره مصر.. وأهو، آدي السنين دارت ورجعت لبلدي تاني، كفاية كدا غربة وتعب من بلد لبلد ومن محطة لمحطة.. بس قولي، أنتوا عزلوا من البيت القديم من زمان، وأخبار والدك الطيب إيه؟ وحشني جداً".
نكس إسلام رأسه بحزن وألم دفين، وقال بصوت خافت: "الله يرحمه ويحسن إليه.. توفي من زمان جداً يا أستاذ منير، ووالدتي كمان لحقت بيه وماتت، ومبقاش ليا في الدنيا دي كلها غير أختي الصغيرة ملك اللي عايش عشانها". دمعت عينا منير واقترب من إسلام وربت على كتفه بابتسامة حانية: "الله يرحمهم ويجعل مثواهم الجنة يا ابني.. متقولش إنك لوحدك تاني؛ اعتبرني من النهاردة أبوك وعيلتك وسندك في الدنيا دي". (العودة للحاضر - غرفته بالمستشفى) أفاق إسلام من فلاش باك الذكريات على صوت أستاذ منير وهو يكمل حديثه: "سنين طويلة عدت يا إسلام والشكل والملامح اتغيروا تماماً، الكبر ساب علاماته عليا وأنت بقيت راجل ودكتور أد الدنيا.. لكن سبحان الله، قلبي كان حاسس إني أعرفك ومن أول لحظة دخلت عليا فيها قلتلك إن وشك مألوف ليا جداً". رد إسلام بابتسامة: "وأنا أول ما الممرضة هناء قالت لي على اسمك بالكامل في الدفاتر افتكرتك على طول وعرفت أنت مين.. لكن قولي يا أستاذ منير، هو ليه المستشفى والإدارة كانوا مقلوبين وعاملين قلق وتأمين مشدد كدا يوم العملية بتاعتك؟". انفجر منير بالضحك وقال بنبرة مرحة: "أنت لسه بتقولي يا أستاذ منير وفاكرني مجرد مدرس حساب بسيط زي زمان! لكن الحقيقة أنا مش مدرس.. أنا زمان كنت مندوب من الوزارة وجاي في مهمة وتفتيش محدد للمدرسة دي، ولما سافرت بره مصر اترقيت في مناصبي وبقى ليا منصب كبير جداً وعلاقات واسعة في الدولة، وابني كمان دلوقتي شغال في السلك الدبلوماسي في السفارة.. ولما تعبت وحسيت بالمرض، قلت لازم أرجع بلدي، محبتش أبداً إني أموت بره مصر وبعيد عن ترابها". هز إسلام رأسه بتفهم وقال: "امممم.. عشان كدا بقى الأمن والوزارة كانوا هنا.. بس معقول يا أستاذ منير تسيب المستشفيات الكبيرة والمتقدمة بره في أوروبا والعلاج المضمون هناك، وترجع وتخاطر وتتعالج هنا في مصر؟ دا الناس هنا بتسافر مخصوص بره عشان تتعالج وبتستنى الدكاترة الأجانب ييجوا بالشيء الفلاني!". نظر إليه منير بنظرة مليئة بالوطنية والرضا وقال بيقين: "أولاً يا إسلام، المستشفى دي من أحسن وأكبر المستشفيات في مصر كلها وفيها دكاترة شاطرين زيك وزي زمايلك.. ثانياً، أنا كنت عارف ومتأكد من التقارير إن حالتي الطبية صعبة جداً والمعادلة معقدة، ونسبة نجاح العملية كانت ضعيفة وضئيلة.. وأنا كان كل همي وأمنيتي إني لما أموت، أموت في بلدي ووسط ناسي.. مش كفاية عيشت عمري كله غريب وفي غربة؟ كمان هموت غريب وادفن في مدافن الغرباء وما ألاقيش حد يزور قبري بعد وفاتي ويقرأ لي الفاتحة ويدعي لي بالرحمة؟! الحمد لله إن ربنا جعل شفائي على إيدك أنت يا ابن الغاليين". اقترب إسلام من فراش الأستاذ منير، وربت على يده بحنان ووقار وهو يقول بنبرة دافئة: "ألف سلامة عليك يا أستاذنا، وبعد الشر عليك من كل سوء.. أهو يا سيدي قمت بالسلامة وجرحك زي الفل، ومع العلاج والمتابعة هتتحسن أكتر وترجع أحسن من الأول كمان. اديني بقى عنوانك الجديد فوراً عشان أجي أزورك أنا وملك إن شاء الله، ومش هقبل أي أعذار". تهللت أسارير منير، وأملاه عنوان سكنه الجديد بالتفصيل، وتبادلا أرقام الهواتف الحديثة، ثم قال بنبرة تحمل رجاء الأب: "أنا هستناك يا ابني، أوعى تكسفني.. ابقى اسأل عليا يا إسلام، ومتقطعش بيا". ابتسم له إسلام ابتسامة صافية ووعده بلقاء قريب يجمعهم، ثم استأذن وتركه لينصرف من المشفى، متوجهاً مباشرة إلى الجامعة ليلحق بميعاد ياسمين كالعادة. مرت دقائق الانتظار أمام بوابة الجامعة ثقيلة وطويلة بشكل غير معتاد، وكان إسلام يراقب البوابة بقلق ينهش صدره. وفجأة، لمحها تأتي من بعيد، لكن المشهد أرسل قشعريرة باردة في أوصاله؛ كانت ياسمين تسير بصعوبة بالغة، تستند بكل ثقلها على كتف فتاة من زميلاتها، وفي عينيها انكسار وحزن لم يره فيهما من قبل، والأقسى من ذلك.. أن عكازها لم يكن معها! نزل إسلام من سيارته سريعاً بخطوات واسعة مشحونة بالقلق، وفتح لها الباب الخلفي وهو يسألها بنبرة لاهثة ومتفاجئة: "في إيه؟ مالك يا ياسمين؟! وفين العكاز بتاعك؟ مش كان معاكي الصبح وأنتِ نازلة؟!". لم ترد ياسمين، بل شاحت بوجهها بعيداً وقد لمعت الدموع الحبيسة في عينيها كشظايا زجاج مكسور، وحاولت ابتلاع غصتها في صمت مرير. لترد زميلتها "منى" بنبرة يملؤها الحنق والضيق: "في ولد هنا في الكلية مستقصدها على طول وبايخ جداً، والنهاردة زاد فيها أوي وشده منها وعكسه ورفض يديهولها.. ولما حاولت تقاومه، اختل توازنها ووقعت على الأرض قدام المدرج، وفضل هو والشلة اللي معاه يتريقوا ويضحكوا عليها كتير!". في تلك اللحظة، شعر إسلام بدمائه تغلي في عروقه، وسيطر عليه غضب عارم أحرق كل هدوئه، وزاد مرأى دموع ياسمين من ألمه وحسرته، فصاح بصوت جهوري: "فين الولد ده؟! وليه متصلتيش بيا فوراً وأنا في الطريق؟ وليه مروحتوش تشتكوه لعميد الكلية عشان يربيه ويمسح بكرامته الأرض؟!". نظرت إليه ياسمين بعيون دامعة ونبرة يملؤها اليأس الحزين: "عشان الولد ده يبقى ابن عميد الكلية نفسه يا دكتور إسلام.. ومش معقول يعني العميد هينصفني أنا الغريبة ويدين ابنه!". اشتد غضب إسلام وضغط على مقود السيارة بقوة حتى ابيضت قفا يديه وقال: "وأنتِ جربتِ يعني تشتكيه عشان تحكمي؟!". تدخلت منى قائلة بشهادة حق: "يا دكتور إسلام، العميد إنسان محترم جداً ووقور، ولا يمكن يقبل أبداً باللي ابنه بيعمله ده لو عرف، لكن ياسمين هي اللي بترفض تشتكيه.. أنا قلت لها كتير تقدم شكوى رسمية فيه وهي اللي متمسكة بالرفض!". علقت ياسمين بحزن وقناعة مريرة: "مهما كان العميد كويس ومحترم يا منى، هيفضل في الآخر ابنه وحتة منه.. وساعتها الأمور هتتحول ضدنا، والله أعلم يمكن يستقصدني في الامتحانات أو يشيلني المواد، وأنا مش حمل بهدلة تانية". التفت إليها إسلام وقال بنبرة حازمة وقاطعة: "الولد ده قليل الأدب ولازم يتربى ويعرف إن بنات الناس مش لعبة.. قولي لي اسمه إيه؟ أو شكله إيه؟ وأنا بنفسي هعرف أتصرف معاه بره الكلية لو مش عاوزة تشتكيه رسمي، بس مينفعش أبداً تسكتي وتسيبي حقك يتمرمط بالشكل ده!". نظرت إليه بيأس وسألته بصوت خافت: "تفتكر هتفرق في حاجة يا إسلام؟". نظر إسلام في عينيها مباشرة، وقال بنبرة لائمة ومحفزة في آن واحد: "طبعاً تفرق! أنا شايف قدامي دلوقتي واحدة ثانية خالص غير ياسمين اللي عرفتها.. واحدة محبطة ومستسلمة! هو نجح يحبطك ويكسر نفسك يا ياسمين خلاص؟!". أشاحت بوجهها نحو النافذة وقالت بصوت مجهد هارب: "روحني يا إسلام أرجوك.. أنا تعبانة ومحتاجة أنام". تمسكت بالصمت المطبق طوال طريق العودة، ولم تستجب نهائياً لكل محاولاته العفوية في التهوين عليها أو إخراجها من تلك الكآبة التي فرضت نفسها على تفكيرها. أوصلها إلى منزلها، وعاد هو إلى بيته مشغول البال، شارد الذهن وقلبه يعتصره الضيق لأجلها. استقبلته شقيقته ملك بمزاحها المعتاد وقفشاتها الطريفة، لكنه لم يستطع مجاراتها أو الابتسام حتى، فتحجج بالتعب الشديد وحاجته الماسة للنوم ودخل غرفته وأغلق الباب— "خلاص بقى.. يلا بينا عشان العيلة مستنيانا بره ومجهزين احتفال تاني خالص بيكِ وبخطوبتنا!" في إحدى القاعات الكبرى المطلة على النيل.. سادت أجواء من الفخامة والبهجة؛ الأضواء الدافئة تعكس جمال الورود البيضاء والذهبية الممتدة في كل أرجاء القاعة، وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان بالسكينة والسرور. لم تكن هذه خطوبة العادية، بل كانت احتفالية ردّ اعتبار كاملة لياسمين أمام الأهل والجميع، واسترجاعاً لكل لحظة حزن عاشتها. تألقت ياسمين بفستان أبيض راقٍ يشبه فساتين الأميرة، تزينها ابتسامة ناصعة تعكس طيبة قلبها وكرامتها المستردة. كان إسلام يقف بجانبها بكامل أناقته وسعادته، وعيناه لا تفارقان عينيك كأنه يعتذر ويحتفل بها في كل لحظة. حضَرت العائلة بالكامل: الأم تبكي دموع الفرح، ومريم تقف بجانب ياسمين وملك تساعدهما باهتمام ومحبة صادقة، وملك ترتدي فستاناً هادئاً وابتسامتها تضيء وجهها بعد الشفاء. وفي منتصف الحفل، استأذن إسلام وأخذ الميكروفون، وعمت القاعة حالة من الصمت والاهتمام. وقف إسلام في المنتصف، ونظر إلى ياسمين ثم وجه كلامه إلى الحضور بثبات ونبرة قوية مليئة بالافتخار: — "أهلاً بكل حضراتكم
بعد أن انتهت ياسمين من كلماتها الشجاعة المؤثرة، والتي اختتمتها بالآية الكريمة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وهي تنظر في اتجاه الرجل المقعد على الكرسي المتحرك... كان ذلك الرجل ينكس رأسه إلى الأسفل، وعيناه تفيضان بالدموع، وجسده المنهك يرتجف انكساراً وندماً. لم يكن ذلك الرجل سوى والد سيف، الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك النفوذ والقوة والتجبر، وظلم ياسمين وتجبر عليها واستغل سلطته لدهس حقها! ودار الزمان دورته.. وأصبح المقعد الضعيف الذي لا يستطيع الحركة بمفرده، بينما تقف هي أمامه في قمة نجاحها وقوتها وشرفها، كالعلم الشامخ الذي يصفق له الجميع! وفي تلك اللحظة.. دخل سيف القاعة بخطوات ثقيلة ومترددة. كان سيف يرتدي بدلة أنيقة، لكن ملامح وجهه كانت تحمل ذلاً واضحاً وحزناً غائراً. تحرك بخطوات بطيئة نحو الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه والده. التفتت إليه ياسمين بنظرة ثاقبة وهادئة، بينما نظر سيف إليها بعيون متوسلة ملؤها الخجل والندم، لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه في عينها القويتين. اقترب سيف من والده، وانحنى على الكرسي ليضع يده على كتفه، فقال الأب بصوت متهدج ومختنق
ردت ياسمين بابتسامة خافتة ورسمية: — "ميرسي." — "ألف مبروك على النجاح." قالت بتواضع: — "دا لسه الافتتاح!" ابتسم علي وأوضح لها: — "قصدي نجاحك أنتِ.. الكلية!" تنهدت وقالت: — "اه.. الله يبارك فيك.." سألها باهتمام: — "ناوية على إيه؟" ردت بنظرة طموحة رغم الحزن: — "السلك الدبلوماسي.. بس مش عارفة هتقبل وأنجح في الاختبارات ولا لأ." قال علي علي سبيل المزاح وهو يشير بطرفه إلى القاعة: — "أظن كارت واحد من أصغر اسم في الناس اللي جوه دي ينجحك في أي اختبار!" التفتت إليه ياسمين بسرعة، وقالت بصلابة وكبرياء نقي: — "مش عوزة أنجح بالواسطة.. أفضل أسقط أحسن ما أنجح بالواسطة! عوزة أنجح علشان إمكانياتي وكفاءتي، وإني أستاهل المكان اللي أروحه.." تطلع علي إليها بإكبار شديد، وقال وابتسم في ثقة: — "تستاهلي وهتنجحي!" انتهى الحفل بسلام، وعادت ياسمين إلى منزلها مرة أخرى وإلى إيقاع حياتها الهادئ. وبعد يومين.. أضاء هاتفها برسالة رسمية من الجامعة تُبلغها بموعد حفل التخرج والتكريم؛ الموعد الذي طالما انتظرته طويلاً وحلمت به طوال سنوات دراستها واجتهادها! جهزت نفسها جلياً لهذا اليوم
أمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء







