LOGINفي اليوم التالي، كان هو الموعد المنتظر لفك الجبيرة الطبية. اصطحبها إسلام إلى العيادة، لكنها هلت عليه بوجه شاحب كأوراق الخريف، وعيون منتفخة وحمراء بشكل ملحوظ من أثر البكاء الطويل والسهر طوال الليل؛ زادها حزنها هماً فوق همه، وشعر بألم في قلبه يعادل ألمها
بعد أن انتهى الطبيب من فك الجبس، تنفست ياسمين بعمق، ونظرت إلى إسلام بنظرة ممتنة وقالت بنبرة خجولة: "أنا متشكرة ليك أوي يا دكتور إسلام.. بجد مش عارفة أقولك إيه، كنت معايا طول الفترة اللي فاتت وبتوصلني وتعطل نفسك عن مستشفاك وتعبتك معايا جداً.. بس خلاص، الحمد لله الجبس اتفك، ودلوقتي تقدر ترجع لحياتك الطبيعية ومواعيدك وشغلك من غير تعطيل". ابتسم إسلام بمرح يحاول به تخفيف الأجواء المشحونة وقال: "أولاً مفيش تعب ولا حاجة يا ستي، دا كان أسعد وقت في يومي.. ثانياً، لسه في جلسات علاج طبيعي وتمارين تأهيلية وقصة تانية، يعني الموضوع لسه مخلصش ووراكي وراكي.. إلا إذا كنتِ أنتِ زهقتِ مني بقى وعاوزة تتخلصي مني؟!". ابتسمت بخفة وخجل وقالت: "لا طبعاً مقصدش خالص.. بس قصدي يعني...". قاطعها إسلام بمرونة وإصرار: "لا قصدي ولا مقصديش! أنا عازمك على الغداء النهاردة في مطعم هادي بمناسبة فك الجبس، ومفيش أي مجال للاعراض أو الرفض، أنا واخد نص يوم إجازة مخصوص عشان المناسبة دي". ترددت قليلاً ثم قالت: "خلاص.. هستأذن من ماما الأول". قال إسلام براحة: "ماشي، كلميها". هاتفت ياسمين والدتها، وشرحت لها الأمر، فوافقت الأم على الفور؛ لعل هذه الخروجة تروح عن نفس ابنتها وتخفف عنها ذلك العبء النفسي الثقيل الذي عانته طيلة الليلة الماضية في بكائها الصامت. وصلا إلى مطعم هادئ يطل على النيل، جلسا في ركن منعزل، وطلبا الطعام. ساد الصمت لبرهة، فنظر إليها إسلام باهتمام وقال سابراً غور مشاعرها: "كويسة دلوقتي يا ياسمين؟". فهمت ياسمين المغزى من سؤاله وعلمت أنه يقصد جرحها النفسي وما حدث بالأمس، لكنها فضلت تغيير مجرى الحديث هرباً من المواجهة، فقالت بجمود مصطنع: "آه الحمد لله.. الدكتور بيقول اسبوعين كمان مع العلاج الطبيعي والرجل هتبقى أحسن بكتير والمشي هيرجع طبيعي". وضع إسلام يديه على الطاولة واقترب بجسده قليلاً قائلاً بنبرة صادقة وعميقة: "ياسمين.. أنتِ فاهمة قصدي كويس ومش قصد التطور العضوي.. اعتبريني صديق مخلص ليكي، أو أخ، أو أي مسمى يريحك ويخليكي مطمنة.. اتكلمي براحتك يا ياسمين، قولي أي حاجة وجواكي، المهم تخرجي المكتوم دا كله ومتكتميش في قلبك أكتر من كدا.. وكوني واثقة ومطمنة إن مفيش كلمة واحدة هتخرج بره القعدة دي". نظرت له ياسمين بتمعن طويل، وكأنها تقرأ الصدق في عيونه، ثم تنهدت تنهيدة حارقة خرجت من أعماق روحها المنهكة وقالت بنبرة شجية: "كنا تلاتة.. من صغرنا مع بعض مش بنفارق بعض أبداً. كان عادي جداً أنام عندهم في البيت باليومين، أو تلاقيهم عندي في بيتنا نص الليل بنضحك ونذاكر.. كنا جيران، وفي نفس السن، أحلامنا واحدة، ذكرياتنا وتفاصيلنا كل حاجة كنا بنشاركها مع بعض كأننا روح واحدة في تلات أجساد.. وفجأة، في لحظة واحدة، حصلت الحادثة المشؤومة! نهلة ماتت وراحت، ونهاد مستحملتش تعيش ثانية واحدة من غير توأمها.. حاولت تنتحر أكتر من مرة، وقالت لي وهي بتبكي 'أنا مش قادرة.. كل الشوارع والوشوش في مصر بتفكرني بيها'.. أهلها خافوا عليها، فقرروا يعزلوا ويسافروا بره البلد خالص، ومن ساعتها مشوفتهاش.. الدكاترة النفسيين قالوا لأهلها لازم تبعد عن أي حاجة أو أي شخص يفكرها بأختها.. ومن ضمن الحاجات والأشخاص دي.. أنا! لإن شكلي ورجلي بيفكروها بالحادثة ويوم الموت. لقيت نفسي فجأة لوحدي.. لوحدي خالص يا إسلام، مش عارفة ولا قادرة أصاحب حد تاني، كل حاجة حواليا اتغيرت، حتى أحلامي البسيطة انكسرت". توقفت لتلتقط أنفاسها المخنوقة بالدموع، ثم تابعت بمرارة تفوق الوصف: "العيلة اللي كانت بتفتخر بيا وبشطارتي زمان، بقوا شايفيني بعد الحادثة مجرد حمل تقيل وعالة محدش ممكن يتقبله أو يرضى بيه.. حتى عمي، اللي كان مصدعنا زمان وجاي رايح يقول 'ياسمين دي عروسة ابني ومفيش غيرها'.. بعد الحادثة بكام شهر، مراته جت بيتنا وبكل قسوة قالت لماما في وشها 'بنتك مش هتنفع للجواز وهي بالحالة دي.. دي عايزة اللي يخدمها مش اللي تتجوز وتشيل بيت!'.. وبقوا ييجوا يقولوا لبابا 'ربنا يكون في عونك على شيلتها'، ويقولوا لماما 'دا ابتلاء واصبري عليه'.. والولد اللي كان معجب بيا في المنطقة وبيبعت لي مع طوب الأرض عشان أكلمه، مفكرش حتى يسأل عليا من بعيد بعد ما رجعت من المستشفى.. كنت زمان بطلع الأولى دايماً ودا مخلي الكام بنت في المدرسة عاوزين يصاحبوني لمصلحتهم، فجأة بقوا يتجاهلوني.. واللي يجي يزورني، يجي بس عشان يسمعني كلمتين شفقة وصعبانيات كأني مت.. بقوا شايفيني إنسانة ناقصة، مع إني والله هي هي نفس البني آدمة بنفس عقلي وطموحي، بس هما حكموا على شكلي!". امتدت يدها ترتجف وهي تمسح دمعة سقطت عنوة، وأكملت بصوت يرتجف قهرًا: "والراجل الغني اللي ابنه طيشه ورعونته تسببوا في الحادثة دي كلها.. طلع ابنه زي الشعرة من العجين بالواسطة والفلوس والنفوذ، وجه بيتنا بكل جبروت يرمي لنا قرشين في وشنا وقال لبابا 'هاتوا لها كرسي بعجل متطور وهعمل لها مرتب شهري ثابت كتعويض.. بس ابن الكبار ميجيش سيرته في محضر ولا قسم!'.. تعويض؟! تعويض عن إيه بالظبط؟! عن رجلي اللي اتقطعت وبقت عاجزة؟ ولا عن صاحبة عمري اللي ماتت واندفنت تحت التراب؟! تخيل يا إسلام.. وفوق كل ده، هدد بابا بكل عين قوية وهو خارج وقال له 'خلي بالك على رجل بنتك التانية بقا عشان تعيش!'..". سكتت ياسمين، واعتصرت منديلها بقوة والإحباط يملأ ملامحها، وعقبت بضحكة ساخرة باكية: "كنت فاكرة لما أدخل كلية كويسة ومحترمة زي سياسة واقتصاد، مش هقابل الشخصيات المريضة دي تاني وهعيش في مجتمع راقي.. طلعت الكلية نفسها منبع الأذى والقسوة! مع إننا بندرس فيها الدبلوماسية، والسياسة، وفن التعامل الإنساني.. والطلبة اللي فيها مش عارفين يعاملوا بعض بأبسط قواعد الاحترام وتقبل الاختلافات البشرية!". تابعت ياسمين حديثها بصوت متهدج، تتقاطع فيه نبرات القهر والعناد، ونظرت إلى الفراغ قائلة: "أنا بني آدم.. عندي أحاسيس ومشاعر مفقدهمش مع رجلي اللي راحت! مش كل الهزار في الدنيا لطيف ومقبول، ومينفعش أبداً ندوس على جرح اللي قدامنا بكل قسوة ونرجع نقول ببرود 'أصل أنا بهزر.. أصل أنا نيتي صافية وقلبي أبيض'! الهزار اللي بيكسر القلوب ويجرح الكرامة ميبقاش هزار، ده بيبقى قلة أدب ونقص". ضحكت فجأة ضحكة مريرة انكسر لها قلب إسلام، وأكملت وعيناها تفيضان بالشجن: "أنا حتى فقدت ثقتي في نفسي تماماً يا إسلام.. وبقيت على يقين إني عمري ما في حد هيحبني بجد، ولا في حد ممكن يشوفني في يوم من الأيام بني آدمة كاملة أو كافية ليه.. أنا نفسي لما ببص في المراية بقيت بشوف نفسي ناقصة ومشوهة، فإزاي هطلب من حد غريب إنه يشوفني كاملة؟! من وقت الحادثة المشؤومة دي وأنا بحاول بكل ما أوتيت من قوة إني أرمّم ثقتي بنفسي وبكوامني، بس للأسف، في كل مرة ببدأ أقف فيها على رجلي، بيجي حد يهد كل اللي بنيته ويضيع مجهودي في لحظة!".— "خلاص بقى.. يلا بينا عشان العيلة مستنيانا بره ومجهزين احتفال تاني خالص بيكِ وبخطوبتنا!" في إحدى القاعات الكبرى المطلة على النيل.. سادت أجواء من الفخامة والبهجة؛ الأضواء الدافئة تعكس جمال الورود البيضاء والذهبية الممتدة في كل أرجاء القاعة، وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان بالسكينة والسرور. لم تكن هذه خطوبة العادية، بل كانت احتفالية ردّ اعتبار كاملة لياسمين أمام الأهل والجميع، واسترجاعاً لكل لحظة حزن عاشتها. تألقت ياسمين بفستان أبيض راقٍ يشبه فساتين الأميرة، تزينها ابتسامة ناصعة تعكس طيبة قلبها وكرامتها المستردة. كان إسلام يقف بجانبها بكامل أناقته وسعادته، وعيناه لا تفارقان عينيك كأنه يعتذر ويحتفل بها في كل لحظة. حضَرت العائلة بالكامل: الأم تبكي دموع الفرح، ومريم تقف بجانب ياسمين وملك تساعدهما باهتمام ومحبة صادقة، وملك ترتدي فستاناً هادئاً وابتسامتها تضيء وجهها بعد الشفاء. وفي منتصف الحفل، استأذن إسلام وأخذ الميكروفون، وعمت القاعة حالة من الصمت والاهتمام. وقف إسلام في المنتصف، ونظر إلى ياسمين ثم وجه كلامه إلى الحضور بثبات ونبرة قوية مليئة بالافتخار: — "أهلاً بكل حضراتكم
بعد أن انتهت ياسمين من كلماتها الشجاعة المؤثرة، والتي اختتمتها بالآية الكريمة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وهي تنظر في اتجاه الرجل المقعد على الكرسي المتحرك... كان ذلك الرجل ينكس رأسه إلى الأسفل، وعيناه تفيضان بالدموع، وجسده المنهك يرتجف انكساراً وندماً. لم يكن ذلك الرجل سوى والد سيف، الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك النفوذ والقوة والتجبر، وظلم ياسمين وتجبر عليها واستغل سلطته لدهس حقها! ودار الزمان دورته.. وأصبح المقعد الضعيف الذي لا يستطيع الحركة بمفرده، بينما تقف هي أمامه في قمة نجاحها وقوتها وشرفها، كالعلم الشامخ الذي يصفق له الجميع! وفي تلك اللحظة.. دخل سيف القاعة بخطوات ثقيلة ومترددة. كان سيف يرتدي بدلة أنيقة، لكن ملامح وجهه كانت تحمل ذلاً واضحاً وحزناً غائراً. تحرك بخطوات بطيئة نحو الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه والده. التفتت إليه ياسمين بنظرة ثاقبة وهادئة، بينما نظر سيف إليها بعيون متوسلة ملؤها الخجل والندم، لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه في عينها القويتين. اقترب سيف من والده، وانحنى على الكرسي ليضع يده على كتفه، فقال الأب بصوت متهدج ومختنق
ردت ياسمين بابتسامة خافتة ورسمية: — "ميرسي." — "ألف مبروك على النجاح." قالت بتواضع: — "دا لسه الافتتاح!" ابتسم علي وأوضح لها: — "قصدي نجاحك أنتِ.. الكلية!" تنهدت وقالت: — "اه.. الله يبارك فيك.." سألها باهتمام: — "ناوية على إيه؟" ردت بنظرة طموحة رغم الحزن: — "السلك الدبلوماسي.. بس مش عارفة هتقبل وأنجح في الاختبارات ولا لأ." قال علي علي سبيل المزاح وهو يشير بطرفه إلى القاعة: — "أظن كارت واحد من أصغر اسم في الناس اللي جوه دي ينجحك في أي اختبار!" التفتت إليه ياسمين بسرعة، وقالت بصلابة وكبرياء نقي: — "مش عوزة أنجح بالواسطة.. أفضل أسقط أحسن ما أنجح بالواسطة! عوزة أنجح علشان إمكانياتي وكفاءتي، وإني أستاهل المكان اللي أروحه.." تطلع علي إليها بإكبار شديد، وقال وابتسم في ثقة: — "تستاهلي وهتنجحي!" انتهى الحفل بسلام، وعادت ياسمين إلى منزلها مرة أخرى وإلى إيقاع حياتها الهادئ. وبعد يومين.. أضاء هاتفها برسالة رسمية من الجامعة تُبلغها بموعد حفل التخرج والتكريم؛ الموعد الذي طالما انتظرته طويلاً وحلمت به طوال سنوات دراستها واجتهادها! جهزت نفسها جلياً لهذا اليوم
أمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء







