LOGINتجمّدت نادية في مكانها، واتسعت عيناها بذهول شلّ تفكيرها، بينما تراجعت أنفاسها إلى أقصى صدرها وهي تُطالع ملامح هاشم الماثلة أمامها. لم يُمهلها هاشم ثانية واحدة؛ اندفع نحوها بلهفة جنونية، ونظر إليها بملامح يمتزج فيها الفرح الشديد بالذهول، قبل أن يطبق كفيه الدافئين على وجنتيها المرتجفتين كأنه يتحقق من وجودها: ـ "نادية!.. أنتِ حقاً على قيد الحياة؟! لم تموتي؟!" ولم ينتظر إجابة؛ سحبها إلى أحضانه بقوة حارقة، واعتصر ظهرها بساعديه ليضمها إلى صدره كأنه يحاول إدخالها بين أضلاعه ، وعيناه تفيضان بدموع محبوسة ، يطبع قبَلات متلاحقة بلهفة على رأسها ووجهها ووجنتيها . استكانت في قبضته لكسر من الثانية تحت تأثير الصدمة، ثم تمالكت نفسها ونظرت إليه باستغراب وجسدها يرتجف: ـ "كيف... كيف عرفت مكاني؟!" دخل هاشم إلى الشقة وأغلق الباب خلفه بقدَمه دون أن يفلت يدها. هتفت نادية برعب يتسلل إلى عروقها، وقلبها يخفق بكتمة من الفزع أن يلمح سليم في المكان: ـ "إلى أين أنت داخل؟! هاشم... اخرج!" تجاهل رجاءها، وأمسك يدها بصرامة وجذبها نحو الصالة الصغيرة. أدارت نادية عينيها في أرجاء المكان بلهف
أشاح سليم ببصره بذكاء متصنعاً عدم الاهتمام: بعد سؤال ناديه فاجاب بهدوء وثبات "لم أعد ألاحقهم أو أهتم بأخبارهم.. وجدتُ أنكِ لم تعدِ تشغلين بالكِ بموضوع الانتقام منهم، فالتفتُّ إلى أعمالي وأبحاثي؛ فالأعمال كثيرة جداً هذه الأيام ولستُ متفرغاً لأي شيء آخر.. ماذا عنكِ أنتِ؟" ردت نادية وهي تضع أطباق الطعام الشهية أمامه: ـ "أنا أجلس هنا وأفعل الشيء الوحيد الذي تعلمته في حياتي وهو التداول عبر الإنترنت؛ أودعتُ مبلغا بسيطاً في الحساب الجديد للتداول، والباقي أعيش منه بكرامة. . ولكنني أريد أن أطلب منك شيئاً مهماً يا سليم." نظر إليها سليم باهتمام مشوب بالفضول : "تفضلي يا نادية.. ماذا تريدين؟" طأطأت رأسها بقلق ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة حائرة: ـ "هويتي الشخصية.. كيف أستردها أو أصنع أخرى جديدة؟ أنت تعلم أنني لا أستطيع التحرك أو السفر أو إنجاز أي معاملة رسمية بدون أوراق هوية تثبت وجودي." جلس سليم ينتظر الطعام، بينما كان عقله ينسج الاحتمالات والخطوات التالية بحذر شديد. ـ "حسناً، دعيني أبحث أولاً فيما إذا كان والدكِ قد استخرج شهادة وفاة حقيقية لكِ، أ
عاد هاشم إلى الفيلا مصدوماً، يجر قدميه بذهول تام ولا ينطق ببنت شفة من هول المنظر. استقبلته دارين بلهفة متصنعة، وسألته بارتباك خافض: ـ "هاشم! ماذا حدث؟! أخبرني أرجوك!" جلس هاشم على حافة السرير كالميت ، والدموع تتساقط من عينيه بكسرة وحرقة . اقتربت منه دارين واحتضنته بعمق، ودَفَنَت رأسه في صدرها وهي تمرر أطراف أصابعها على شعره بحنان مزيف، وسألته بصوت خفيض: ـ "هل هناك أي أخبار عن أحمد؟ هل نجا؟" هز هاشم رأسه بنفي قاطع ومؤلم. أغمضت دارين عينيها في ارتياح مكتوم، وقبّلت رأسه وهي تتصنع الحزن والذهول : ـ "يا للهول! كيف يحدث كل هذا بين يوم وليلة؟!" وفي شقة سليم... كان يتابع الأخبار العاجلة على مواقع التواصل الاجتماعي ، وفجأة انتفض واقفا برعشة ذهول وهو يطالع صور الحريق والجثة المتفحمة! تحدث مع نفسه بنبرة صدمة وارتياب: (أليست هذه شقة أحمد صديق هاشم؟! هل يعقل أن تكون دارين هي من تسببت في هذا الحريق لتتخلص من تهديده؟! يبدو أن النهاية تقترب بسرعة ودون جهد مني.. وسنرى آل الشندويلي وهم يتساقطون ويتعرضون للفضيحة الكبرى قريبًا!) أمسك سليم هاتفه بقلة صبر وتر
عادت دارين إلى الفيلا، ورأسها يغلي بكوابيس الخديعة والمذلة. أخذت تطوف في صالتها الشاسعة وتسأل نفسها بقهر: (كيف يفعل أحمد بي ذلك؟! أليس المفترض أنه يحبني؟! أهكذا يكون الحب.. ابتزاز وفضيحة وتمزيق لكرامتي؟!) وفجأة، توقفت حركتها الهستيرية، ولمعت في عينيها نظرة شر حادة وقاسية، وهمست بصوت ملؤه الغل: "حسناً يا أحمد.. أنت من اخترت اللعب بالنار، واستعد لنتائج اختيارك!" وفي شقة نادية الصغيرة، كانت ترتيبات الانتقام تتسارع بدقة . ارتدت باروكتها السوداء القصيرة ذاتها، وتوجهت بثقة إلى الشارع المقابل لشركة هاشم في موعد خروجه. وقف هاشم يترجل من بوابة الشركة، وفجأة، تسمرت عيناه على الرصيف المقابل! هذه المرة لم يتردد أو يفرك عينيه؛ بل اندفع بسرعة جنونية محاولاً قطع الشارع وهو يثبت نظره عليها كالمسحور. ولكن، وقبل أن يصل إليها بثوانٍ، توقفت حافلة نقل عام ضخمة حجبت عنه الرؤية تماماً. وما إن تحركت الحافلة مبتعدة، حتى كان الرصيف خاوياً! وقف هاشم في منتصف الطريق، والسيارات تطلق أبواقها حوله، يتنفس بصعوبة ويصرخ في داخله: (لا! هذه ليست خيالات ولا هواجس! إنها نادية ب
اتسعت عيناها بذهول مطلق وانفعلت بصراخ: "ماذا تقول؟! كيف تتجرأ على قول ذلك يا نذل؟!" اقترب أكثر وواجه عينيها بعينيه وقال بقسوة: "كما تجرأتِ أنتِ ونمتِ في أحضاني عارية تماماً!.. ستفعلينها مرة أخرى، وستعتادين على الأمر مع الوقت!" ارتمت دارين على الأريكة بقلة حيلة، تمسك رأسها بيديها وهي تشعر بالدوار يلتهمها. ثم رفعت رأسها ونظرت إليه بتحدٍّ مكسور: ـ "سأقول لهاشم! سأعترف له بكل شيء.. سأخبره أنه حدث في لحظة ضعف وعندما طلب الطلاق، وإما أن يتفهم أو يطلقني.. لكنني لن أطاوِعك أبداً!" أمسكت هاتفها بسرعة وتصاعدت دقات قلبها وهي تضغط على رقم هاشم، ولكن قبل أن تضع الهاتف على أذنها، أمسك أحمد بجهاز التحكم وضغط على زر تشغيل شاشة التلفاز العريضة في الصالة! شَخَصَت عينا دارين برعب لا يوصف؛ حيث ظهرت صورتها على الشاشة الفضية، تمسك ملاءة السرير بيديها وتبتسم بشغف وهي تهمس باسم أحمد وتستسلم للمتعة! سقط الهاتف من يدها المرتجفة على السجاد، بينما اقترب أحمد وهمس في أذنها بابتسامة ذئبية: ـ "سيكون هذا هو 'الترند' الجديد يا دارين.. دارين الشندويلي في أحضان رجل غريب!"
دخلت نادية الشقة ونظرت إلى سليم بابتسامة شكر دافئة وقالت: ـ "أفضل شيء أنها قريبة منك جداً وفي البناية المقابلة لك، هكذا أشعر بأمان حقيقي." رد سليم بجدية: "بالفعل، ولهذا السبب بالذات رشحتها لكِ.. ولكنها صغيرة بعض الشيء، حجرة واحدة وصالة صغيرة." ـ "بالعكس! مناسبة تماماً لي، حتى لا يكون الإيجار مرتفعاً عليّ." ـ "إذن أقول لصاحبها إنكِ وافقتِ عليها؟" ـ "نعم، نأخذها اليوم." ـ "حسناً.. هيا بنا لننهي أوراقها." وفي قصر الشندويلي... عاد هاشم في وقت متأخر من الليل ، فوجد دارين نائمة في فراشها بهدوء. لم يرد إيقاظها، فانسلّ بجوارها ببطء وظل يتأمل ملامحها الجميلة الناعمة في عتمة الغرفة . تنهد بعمق وقال في نفسه محاولاً طرد هواجسه : (هل سأعود إلى تلك الأفكار السوداء مرة أخرى وأخرب حياتي بيدي؟! بالتأكيد كانت مجرد خيالات وتهيؤات من إرهاق العمل.. نادية ماتت وانتهى أمرها). مرت عدة أيام هادئة؛ شعرت فيها دارين أن العاصفة قد انقضت وأكلت نارها، وعادت حياتها مع هاشم إلى مجراها الطبيعي المستقر. هاشم توقف عن رؤية خيالاته، ودارين عادت لمتابعة أعمالها وتفاصيل حياتها بدقة واحترافي







