تسجيل الدخولعاد سليم إلى المنزل بينما غادر زين مع سيارة الإسعاف متجهاً إلى المستشفى. فتحت نادية الباب بلهفة وقلق بادٍ على وجهها: ـ "ما بك يا سليم؟ وجهك لا يبشر بالخير أبداً!" جلس سليم على الأريكة وعلامات الإرهاق والجدية تتملك ملامحه، ثم نظر إليها بثبات وقال: ـ "البقاء لله يا نادية..." شهقت نادية ووضعت يدها على صدرها في صدمة: ـ "ماذا؟! هل ماتت أمي؟!" هز سليم رأسه بالنفي سريعاً ، فتساءلت بنبرة مرتجفة يملؤها الذهول: ـ "من مات إذن؟ تكلم يا سليم!" قال سليم بنبرة هادئة ومحيرة: ـ "للأسف يا نادية... أنتِ التي ماتت!" تراجعت نادية خطوة إلى الخلف متفاجئة: ـ "ماذا تقول؟! كيف ذلك؟!" ابتسم سليم ابتسامة خفيفة ليطمئنها وقال: ـ "لا تقلقي، اجلسي وسأخبركِ بكل شيء..." جلست نادية واستمعت للتفاصيل، ثم استوعبت المشهد وقالت بذهول: ـ "إذن أبي أصدر شهادة وفاتي وقبض الثمن ليطمس الحقيقة؟!" رد سليم بنبرة واثقة وعينين تلمعان بتفكير حاد: ـ "هل تعلمين أن هذا في صالحنا تماماً؟" سألته بستغراب: "كيف ذلك؟!" أجابها سليم: ـ "لنضمن أن نتحرك براحتنا المطلقة دون أن يشك أحد أو يتبعنا خيط واحد .. العالم كله
انصرف زين وسليم بعد أن جمعا كل المعلومات التي جاءا لأجلها، وغادرا الحي الشعبى بأكمله بخطى سريعة كي لا تلتفت إليهما العيون أو يحوم حولهما أي شك. بينما في القصر... وفي محاولة مستميتة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من كبرياء حطمه الهجر ، ارتدت دارين فستاناً ضيقاً يبرز كل تفاصيل جمالها الشاحب، واستيقظت وفي وجهها ابتسامة واسعة مصنوعة بعناية، جلست على طاولة الإفطار تحاول استمالة نظرات هاشم، بينما كان هو يتعمد حجب عينيه عنها ببرود قاتل. وفور انتهائهما، قامت معه بلهفة ليذهبا سوياً إلى الشركة ، لكن خطوتها تجمدت في منتصف الطريق عندما مدّ هاشم يده بمجموعة أوراق حادة، وقال بصوت خالٍ من أي عاطفة: ـ "دارين.. لا تأتي معي للشركة اليوم. اقرأي هذه الأوراق جيداً، ثم وقّعي عليها." وانصرف مسرعاً، يفرّ ببدنِه هرباً من رؤية الانهيار في عينيها. جلست دارين في مكانها، يدها المرتجفة تعلق بالأوراق ونبضات قلبها تضرب في صدرها بعنف وجنون: (أرجو ألا يكون ما أفكر به صحيحاً!).. أخرجت المستندات ببطء شديد ، وما إن وقع بصرها على كلمة "اتفاق طلاق" حتى اتسعت عيناها بذهول زلزل كيانها! ألقت الأوراق
نزل سليم إلى زين في سيارة الإسعاف التي تنتظره، وركبا معاً في الخلف. نظر زين إليه وأشار إليه بأصبعه: ـ "أعرف أن نهاية عملي ستكون على يديك يا سليم!" رد سليم بضحكة: ـ "لا تقلق يا صديقي، لن أتركك قبل أن يضعوا بيدك الأصفاد!" ظلوا يضحكون حتى وصلوا إلى الحي الشعبى . نزل زين بزي الطبيب وخلفه سليم يرتدي زي التمريض ويحمل حقيبة زين الطبية. دخلوا بعض المنازل، ويبدأ سليم بالتحدث: ـ "نحن حملة من وزارة الصحة، إذا كان هناك مريض في العائلة فالكشف مجاناً..." بعضهم يوافق والبعض يرفض، حتى وصلوا إلى منزل نادية وطرقوا الباب. فتح رجل غليظ في يده زجاجة خمر، فقال سليم: ـ "نحن حملة من وزارة الصحة يا سيدي، إذا كان هناك مريض..." وقبل أن يكمل، قاطعه الرجل بحدة: ـ "لا، ليس لدينا! اغرب عن وجهي!" جاء من خلفه طفل في العاشرة وقال ببراءة: ـ "نعم، أمي مريضة جداً!" استدار له والده ونظر إليه بغضب شديد، ونهره بيده الغليظة أبعده بعيداً، ثم قال: ـ "هيا، لا نريد شيئاً!" وقبل أن يغلق الباب، وضع سليم يده على الباب بسرعة وقال: ـ "ولكن إذا كانت الحالة تستحق الدعم، سنترك لها دعم
توقفت دارين على جانب الطريق، مسندة رأسها على عجلة القيادة، ويثقل صدرها تسارع أنفاسها. كانت متجهة إلى الشركة لمواجهة هاشم، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة ، هامسة لنفسها في اضطراب: "لا... سأخسر هاشم كلياً إن فعلت ذلك الآن. لا بد أن أهدأ وأفكر بحكمة." في الوقت نفسه، كان سليم يمسك بهاتفه ويجري اتصالاً عاجلاً: * "أين أنت يا زين؟ سآتي إليك فوراً!" رد زين بنبرة تعبة: "ألم أتركك صباحاً؟ ماذا تريد الآن؟" * "سأحضر إليك فوراً، لا بد أن أشرح لك ما حدث..." حاول زين الاعتراض: "ولكن..."، لكن سليم أغلق الخط وداس على دواسة البنزين متجهاً إلى عيادة زين . وصل سليم ركضاً إلى الاستقبال، وسأل الموظفة بحدة ونفس متقطع : "هل الدكتور زين متاح لمقابلتي الآن؟" ابتسمت الموظفة بهدوء: "مرحباً يا أستاذ سليم. يوجد مريضة بالداخل، وحالما تخرج سأبلغه، انتظر قليلاً لو سمحت." جلس سليم يذرع الأرض جيئة وذهاباً حتى خرجت المريضة ، لتومئ له الموظفة: "تفضل، الدكتور ينتظرك." دفع سليم الباب ودخل مسرعاً، فاستقبله زين بضيق: "ماذا حدث يا سليم؟ ألم تستطع الانتظار حتى أنتهي من عملي؟"
نظر إليها سليم بعينين ممتلئتين بالتفكير العميق، وقال بصوت حازم: ـ "نادية.. قبل أي شيء، أريد أن أعمل بعض التحريات الدقيقة. هل والدكِ يبحث عنكِ الآن؟ هل أخبرهم أنكِ هربتِ، أم أنهم يعتقدون أنكِ متفحمة أو مفقودة؟ سنتحرك في خطوتنا القادمة بناءً على هذه النتائج." ثم تراجع قليلاً وتابع بتردد مصحوب بفضول: ـ "وسأسألكِ شيئاً أخيراً.. أعذريني على جرأتي، لماذا استعانوا بكِ خصيصاً لإنجاب الطفل؟ هل دارين تعاني من مشكلة طبية بخصوص الإنجاب؟" أخفضت نادية عينيها بمرارة وقالت: ـ "بالتأكيد.. وإلا ما الذي كان سيجبرها على تحمل نيران الغيرة وقبول وجود امرأة أخرى بجانب زوجها؟! وما أعرفه حقاً أنها هي من بحثت عن فتاه لزوجها؛ بينما هو كان يرفض هذه الفكرة تماماً في البداية! ولك أن تتخيل، إنها في البداية كانت تريدني أن أقيم علاقة سرية مع زوجها بدون زواج رسمي، لكن هاشم رفض تماماً، ولذلك لجأوا إلى فكرة الزواج المؤقت وكتب والدي ذلك العقد اللعين!" تساءل سليم بحيرة واستنكار: ـ "وإن وافق هاشم وقتها.. هل كنتِ ستوافقين على هذا الوضع الشاذ؟" ابتسمت نادية بسخريّة لاذعة وقالت: ـ "وهل تمل
اكملت ناديه حكايتها لسليم أنا فتاة بسيطة كما ترى.. كنتُ أحب شاباً من عمري وننوي الزواج، حتى جاء أبي وضغط عليّ بكل قسوة لأتزوج هاشم الشندويلي لمدة عام واحد فقط! أنجب له طفلاً وأتركه له ولزوجته، وأبتعد عن حياتهم وكأن شيئاً لم يكن!" كانت تبكي بحرقة وهي تكمل: ـ "لم أوافق في البداية.. فابتزني أبي بأمي المريضة وبضربي المبرح، فأجبرني على الزواج منه. عندئذ قررتُ أن أنتقم بطريقتي الخاصة ؛ مهما حدث لن أنجب طفلاً وأتنازل عنه لأحد! فكنتُ أتناول وسيلة لمنع الحمل في الخفاء ، وأرسل صوراً لدارين زوجته حتى تثور وتجبره على طلاقي! ولكن... معاملة هاشم الرقيقة لي من اليوم الأول جعلتني أضعف.. حتى بدأتُ أتعلّق به وأحبه!" لقد احببته بجنون .. تنهدت نادية عميقاً وأغمضت عينيها بأسى: ـ "وليتني لم أحبه أبداً! ووعدتني أمه بأن تزوجني إياه رسمياً إن أنجبتُ له طفلاً، فتمسكتُ بهذا الأمل الفتي.. ولكن حدثت بعض الأشياء ،واكتشفوا انى اتمازل هذه الحبوب وانى كنت اخدعهم منذ باية الامر فقامت دارين بقص شعري وصفعي على وجهي، واتصلت بوالدي الذي أحدث باقي هذه الكدمات في جسدي وكان سيقتلي







