FAZER LOGINوفي تلك الأثناء بينما اقنع هاشم دارين بما يراه في مصلحة الشركه كان ، أمام البوابة الخارجية لفيلا نادية الهادئة، يقف رجل يرتدي زي سبّاك ويحمل حقيبة أدوات ثقيلة، مخفياً ملامحه جزئياً. قال للحارس بصرامة مصطنعة: ـ "هناك بلاغ عاجل لإصلاح أعطال السباكة في هذه الفيلا." قطب الحارس جبينه بشك: "لم يبلغني أحد من أصحاب الفيلا بأن هناك شيئاً يحتاج إلى إصلاح!" رد الرجل بضيق: "يمكنك الدخول وسؤالهم بنفسك، أنا لدي مواعيد أخرى." أخرج الحارس هاتفه وقال : "سأتصل بالسيد هاشم أولاً لأتأكد منه." صاح السباك بحدة: "لن أنتظرك هكذا طوال اليوم!" رد الحارس بحزم: "إن لم يعجبك الانتظار فانصرف، لن تدخل شبراً واحداً قبل أن أستأذن!" في تلك اللحظة، رن هاتف هاشم - الذي كان مشغولاً باجتماع المكتب مع دارين وأحمد- فقام بإلغاء المكالمة سريعاً. أمام تعذر الوصول لهاشم، لم يجد الحارس مفراً من التوجه نحو الباب الداخلي واستئذان نادية بنفسه. داخل الفيلا، قفز قلب نادية فرحاً فور سماعها طرقات الباب الداخلي، وظنت أن هاشم قد عاد. لكنها عندما فتحت، فوجئت بالحارس يقف وبجواره سباك يحمل حقي
مرّ أسبوعٌ كاملٌ ونادية تعيش حالةً من الترقب المستميت لعودة هاشم، خاصةً بعدما غمرتها السعادة برضاه واستبشاره بالطفل المنتظر في أحشائها. غير أن هذا الفرح الشديد لم يخلُ من غصة؛ إذ انقطعت سبُل تواصلها اليومي المعتاد مع سليم، خوفاً من أي شك قد يساور زوجها. وفي الجهة الأخرى، كان سليم يقبع في شقته المعتمة كالأسير، يتنقل بين أرجائها بقلبٍ ينهشه القلق. يسهر الليالي ممسكاً بسماعات أجهزة التنصت، يتسمع إلى مكالمات هاشم واجتماعاته الروتينية؛ لم يكن ثمة شيء مريب أو غير مألوف، لكن غياب نادية التام وعدم تطمينها له طوال هذه الأيام زرع الرعب في وجدانه وجعله يتخيل أسوأ السيناريوهات. وفي لحظة جنون وفقدان للصبر، قدحت في رأسه فكرة جريئة ومتهورة لرؤيتها والتأكد من سلامتها. وفي البهو العريض أمام مكتب هاشم الفخم، تيبست دارين وأحمد في مكانهما تحت وطأة التوتر الحاد، حتى شق هدوء المكان صوت هاشم العالي النافذ وهو يطل من الباب: ـ "هل سأنظر طويلاً؟ هيا ادخلا، هناك أمر هام للغاية يجب أن نتشاوره سوياً!" تنفست دارين الصعداء بصوت مسموع، واستردت أنفاسها المحبوسة، لكن صد
في صباح اليوم التالي، وفور أن غادرت سيارة هاشم البوابة الحديدية للقصر، اهتز هاتف دارين بإشعار مكالمة. رفعت السماعة بآذان ترتجف، ليأتي صوت أحمد المتهكم الآمر: ـ "رأيتُ سيارة هاشم تغادر التو.. فقلتُ أن أذكركِ بموعدنا كي لا تتأخري." بدأت دارين تصرخ بحسرة: "أحمد.. أرجوك!..." وقبل أن تكمل اعتراضها، كان أحمد قد قطع الخط في وجهها. وقفـت تنظر إلى الشاشة بقلب يدفعه الرعب، ثم استغلت انشغال الخدم في أنحاء القصر والمطبخ ، وانسلّت كالطيف المذعور نحو الملحق الخلفي . طرقت الباب بخفوت شديد، ففتحه أحمد وابتسامة انتصار عريضة ترتسم على ثغره. جذبها فوراً من خصرها الرقيق وأغلق الباب بقدمه، وانغمس معها في قبلة عميقة وجريئة يتذوق شهدها بنهم شديد، بينما تسللت يده الأخرى لتداعب مناطقها الحساسة بنعومة مستبدة. صدرت من دارين شهقة مكتومة عجزت عن مداراتها ، فتنهد أحمد بشغف وشعر براحة عارمة لاستجابتها السريعة واستسلامها المطلق؛ فقد أيقنت ألا مفر من وقوعها في شباكه. بينما كانت تخيط في خيالها واهماً أنه سيرأف بحالها بعد ولادتها ويتركها لحياتها. بعدما أفرغ أحمد جولة شغفه، ضمها إلى صدره
ترك هاشم صديقه في الملحق الخلفي للقصر وهو يربط على كتفه بحرارة: "سأتركك اليوم لتستريح، ولكن غداً فور عودتي من الشركة، سنقضي الليل بطوله نحكي عن كل ما جرى." ابتسم أحمد وقال بنبرة دافئة: "شكراً لك يا هاشم.. تعبتك معي." رد هاشم بعفوية: "ما هذا الكلام؟ أنت أخي الوحيد!" صعد هاشم إلى غرفته الفسيحة، فلاحظ التوتر المكتوم على وجه دارين. اقترب منها متسائلاً بحنان: "ما بكِ يا حبيبتي؟ هل تشعرين ببعض التعب؟" ردت بوجوم محاولة إخفاء ارتباكها: "لا يا هاشم.. ولكن ما الداعي لإقامته معنا في القصر؟ كان بإمكانك الحجز له في أرقى فندق!" تنهد هاشم وقال بثبات: "دارين.. أنتِ تعلمين مكانة أحمد عندي، لن أتركه في محنته أبداً." هتفت بقلق: "لا أقول اتركه، ولكنك طوال اليوم في العمل، فهل سيبقى بمفرده هنا؟" ابتسم وطمأنها: "هو بعيد عنكِ تماماً في الملحق الخلفي، وثانياً أحمد هو الشخص الوحيد الذي أثق به ثقة عمياء ، وإلا لما تركته في بيتي وذهبت لعملي." ابتلعت ريقها وقالت بقلة حيلة: "حسناً.. ولكن أسرع في استخراج أوراقه، لا أحب هذا الوضع." في الصباح، وفور خروج سيارة هاشم، اهتز هاتف دارين برني
تجمد هاشم مكانه لثوانٍ معدودة؛ تداخلت في عينيه مشاعر الصدمة العارمة وفرحة لا تصدق، حتى ترقرق الدمع في محاجره وهو يحدق في الهيئة الماثلة أمامه. هتف بصوت خاشع ومتهدج: ـ "أحمد!.. هل أنت حقيقي ما أراه أم أنني أهذي في حلم؟!" لم يتردد أحمد، بل مدّ يده وجذب هاشم إليه في عناق حار وشديد، فعانقه هاشم بقوة، واهتز كتفاه ببكاء الفرح واللوعة لفقدان صديقه الأوحد، وهو يربط على ظهره بحب وشوق جارف. ابتعد أحمد قليلاً وقال بابتسامة واسعة: " هل سنظل واقفين على العتبة هكذا؟ هذا بيتك وقصرك، تفضل بالدخول أولاً." مسح هاشم دموعه بظهر كفه، وهتف بلهفة غامرة: "أهلاً بك يا أخي! لقد أنستني الفرحة كل شيء.. متى جئت وكيف؟" ألقى هاشم نظرة سريعة إلى أعلى السلم، فوجد دارين متيبسة في مكانها كأنها تحولت إلى تمثال من جليد، وملامحها تكسوها صفرة الموت. هتف هاشم مبتسماً لها: ـ "يا دارين! ألم تقابلي أحمد منذ قليل؟ أم أنك لم تريه بعد؟" نزلت دارين الدرج بخطوات بطيئة ومتثاقلة، ورسمت على وجهها ابتسامة مزيفة ومرتجفة، قائلة بصوت خفيض: ـ "بلى.. فتحت له الباب منذ قليل، لقد جاء للتو وفوجئت به." التفت هاشم
مرت أيام، والهدوء يخيم على جنبات القصر الملكي . كانت دارين تجلس في البهو الفسيح، تتمدد على الأريكة المخملية بحس من الاطمئنان الذي غاب عنها لسنوات؛ فالأمور أخيراً تسير على ما يرام، والمخاوف اختفت بعدما تخلصت من كابوس "أحمد" وأوهامه إلى الأبد. استقرت حياتها مع هاشم، وهي الآن في انتظار مولودهما الجديد؛ حفيد آل الشندويلي الذي سيغلق كل أبواب الماضي ويقوي قيد علاقتهما للابد. تناهى إلى مسامعها صوت رنين جرس الباب الخارجي برقة. ابتسمت بدلال، وقالت بصوت مفعم بالحيوية لفاطمة الخادمة: ـ "ابقَي أنتِ في المطبخ يا فاطمة. . سأفتح الباب بنفسي، بالتأكيد هذا هاشم قد عاد مبكراً!" رتبت خصلات شعرها في عجلة أمام المرآة الرخامية، ونزعت الروب الحريري عن كتفيها بخفة لتلقيه على حرف الأريكة، متبقية بقميص نوم أنيق وجريء ارتدته خصيصاً لاستقبال زوجها وإغوائه. ركضت بخطوات دافئة تطفح بالبهجة، وفتحت الباب والابتسامة العريضة تضيء ملامحها الشاهقة.. بيد أن تلك الابتسامة اختفت في كسور من الثانية، وتجمدت دماء الحياة في عروقها! اتسعت حدقتا دارين بصدمة مروعة، وشخص بصَرُها إلى الهيئة الواقف







