LOGINخرجت يسرا من الحمّام، فرأت كريم متكئًا عند النافذة، يرتدي رداء النوم على اتساعه، كاشفًا عن بطنٍ مشدود وعضلاتٍ بارزة. انزلقت نظراتها إلى الأسفل، واحمرّ وجهها خجلًا، فتقدّمت بضع خطوات، ومدّت أصابعها ذات المانيكير المتقن تلامس صدره برفق، ثم ارتمت في حضنه قائلة، "كيمو... انتظر قليلًا قبل أن تغادر، ما زال الوقت مبكرًا."كان من المفترض أن يخرج بعد قليل للقاء أصدقائه للشرب والسهر حتى الفجر، ولم يتبقَّ سوى ساعة واحدة.كان ينوي المغادرة مباشرة، لكنه في تلك اللحظة، ومن هذا الموضع، عبر شقّ الستارة، ظلّ يحدّق في ذلك الظلّ النحيل الذي كان يتجول في الحديقة، وأطال النظر قليلًا.قالت يسرا، "كيمو، إلى ماذا تنظر؟"مدّت يدها لتفتح الستارة، لكن في اللحظة التالية مدّ كريم يده وأمسك بذقنها. تأمّل وجهها بعد إزالة المكياج، وقطّب حاجبيه قائلًا، "توقّفي عن العبث بوجهكِ فيما بعد، صار متيبسًا."شحبت يسرا فجأة، ثم شعرت بيده تضغط على مؤخرة رأسها وتدفعها إلى الأسفل.سرعان ما احمرّ وجهها، وحدّقت به بخجلٍ مصطنع قائلة، "كيمو، أنت مشاغب."أغمض كريم عينيه.وتخيّل في ذهنه أنّ وجه يسرا هو وجه نيرة.بعد دقائق، فتح كريم عيني
"حسنًا."أنهى باهر المكالمة، ووقف أمام النافذة. كان ينظر إلى الحديقة في الأسفل، حيث كانت نيرة تمسك بذراع هويدا، تمشيان معًا بين الأشجار، تتبادلان الحديث والضحك.نسيم الليل الصيفي يهبّ بلطف، وسمع باهر على نحوٍ خافت، كأنهما تتحدثان عنه.لم يكن متأكدًا إن كان ذلك حقيقة أم مجرد وهم سمعي.في الواقع، كانت هويدا ونيرة تتحدثان عن باهر حقًا.كانت تتحدثان عن طفولته.قالت هويدا بابتسامة، "كان في الحديقة شجرة جميز، وهو في الرابعة من عمره تسلّقها بشقاوته، بل وبنى فوقها عشًّا، وكان يصرّ على النوم هناك. وكلما تشاجر مع سالم، كان يهرب إلى أعلى الشجرة، خفيف الحركة كالقرد. وفي النهاية، غضب سالم واستدعى من يقطع الشجرة. صار يطارده في أرجاء الحديقة، لكنه اختبأ تحت مكتب أخيه يامن، لأنه كان يعرف أن سالم لن يفتش غرفته."استمعت نيرة إلى نبرة الضحك في صوت هويدا.تفاصيل الطفولة، تلك الذكريات الصغيرة، لا تنساها الأم أبدًا.وسمعت أيضًا اسم يامن.ذلك الاسم الذي نادرًا ما يُذكر في عائلة الدالي، كأنه حجر ثقيل يضغط على الصدر.قالت نيرة بتردد، "هل كان يامن دائمًا عاقلًا منذ صغره، مثل..."توقفت خطواتهما معًا.بدت هويدا و
كانت ابتسامته بريئة في ظاهرها، لكن مع تلك الملامح المشاكسة، بدت هذه البراءة متكلّفة على نحوٍ فاضح."كيمو."ابتسمت ولاء ابتسامة خفيفة، واستعادت في لحظة واحدة هدوءها وهيبة الكبار واتزانهم.بل وألقت على نيرة نظرة تحذير.قال كريم ضاحكًا، "لن أزعجكما أثناء حديثكما."ثم، وكأنه تذكّر أمرًا فجأة عند استدارته، "يا عمة، عصر اليوم حين كنتِ تلعبين الشطرنج مع حماي في الجناح، ونهض فجأة وفقد توزاته، وعندما ساندتِه سقط سواركِ. صادف أنني ويسرا كنا نمرّ من هناك، فتركنا السوار في مكتب عمّي بالطابق الثالث."تجمّدت نيرة لحظة ونظرت إليه.لم تفهم لماذا يساعدها كريم، لكنها ابتسمت بلباقة قائلة، "إذن هكذا كان الأمر، شكرًا لك."أما ابتسامة ولاء فقد تجمدت."كيمو، أنت ويسرا كنتما هناك أيضًا؟""كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل بدء المأدبة، فخرجتُ أتمشّى مع يسرا في الحديقة، وصادف أن رأينا حماي والعمة نيرة يلعبان الشطرنج في الجناح، فلم نرد إزعاجهما."قال كريم ذلك ثم غادر.وبعد لحظات، استدارت نيرة هي الأخرى.لم تعد تعير ولاء أي اهتمام.فأي شخص لديه أدنى قدر من الذكاء يُمكنه أن يُخمّن أن يسرا هي من التقطت هذه الصورة وأرس
جلست نيرة على الأريكة، ظهرها مستقيم، نحيل لكنه مشدود بقوة."هل استدعيتِني إلى هنا فقط لتقولي هذا؟"هذه الكلمات لم تكن لتؤذيها.فاسم صفاء بدا لها جميلًا.لم تكن لتغرق في الحزن أو الألم بسبب بضع كلمات من ولاء، لأنها أصلًا لم تعتبر المرأة التي أمامها أمًّا لها، بل غريبة فقدت عقلها، وغريبة كهذه لا تستطيع إيذاءها."ماذا تريدين بالضبط؟ هل يعرف باهر أنكِ تغوين أخاه الأكبر من وراء ظهره؟ أهذا هو أسلوبكِ في الانتقام مني لأني تخليتُ عنكِ؟ لم أكن أتصور أن ميسرة ربّتكِ لتصبحي هكذا، بلا حياء ولا أخلاق.""لا أفهم عمّا تتحدثين."أغوت يزيد؟ كان ذلك محض سخرية."إن كنتِ غير متزنة عقليًا، فاذهبي إلى طبيب أعصاب." قالتها نيرة ثم استدارت لتغادر، شعرت أن البقاء هنا مجرد إهدار لوقتها، فولاء كانت قد فقدت عقلها تمامًا.لم تمشِ سوى خطوتين، حتى أمسكت ولاء بيدها.انغرست الأظافر بقوة في جلدها، فتألّمت نيرة وعبست، ونزعت يدها بعنف، لكنها لمحت في تلك اللحظة شاشة هاتف ولاء، حيث ظهرت صورة، فتوقفت نيرة لوهلة."بماذا ستحاولين التهرب بعد الآن؟ سأرسل هذه الصورة إلى باهر، ليرى بنفسه أي نوع من النساء تزوّج، امرأة تغوي أخاه، وس
ابتسمت نيرة ابتسامة خفيفة فقط، ورفعت كأسها وارتشفت رشفة خفيفة. حركت عينيها من وجه يسرا نحو كريم الواقف بجانبها، وتوقفت لحظة عنده، وتبادلا النظرات لثانيتين فقط. ثم رفع كريم حاجبه، وجالت عيناه حول نيرة، كأنه يقيمها.كانت نيرة ترتدي اليوم قميصًا أزرق محبوك قصير الأكمام، وزين صدرها دبوس صغير للزينة، فيما اكتملت أناقتها بارتداء بنطال جينز أبيض، بسيط ونظيف، مناسب لتجمع عائلي في البيت، لا يسرق الأضواء ولا يبالغ في التواضع.كان هذا الزي يبرز جمال قوامها دون مبالغة، ويعطيها إطلالة أنيقة ومتزنة.وقع نظر باهر على الاثنين أمامه، فمسح بعينيه وجه يسرا ببرود، ثم لاحظ أن كأسها قد انتهت. ففكر في نفسه، ما الذي يدفعها للبقاء واقفة هناك؟ابتسمت يسرا، مرتدية قناع الطيبة والبراءة، وقالت، "عمي، متى بدأت العلاقة بينك وبين العمة نيرة؟ لم أكن أعلم، وفجأة تزوجتما! لو كنت أعلم أنكما تنويان الزواج، لكنت أجلت زفافنا أنا وكريم، فالأكبر سنًا له الأولوية."سمع باهر هذه الكلمات بصوت داخلي يملؤه الاشمئزاز، ولم يكن يريد الرد، لكنه رأى ملامح يسرا البريئة المبالغ فيها، فأطلق تنهيدة باردة وقال، "إن كنتِ بهذا القدر من البر،
كان كريم يضع يديه في جيوبه، وبدلته البيضاء تعكس ألوان الغروب المائلة على الأفق، لكن الابتسامة في عينيه كانت تحمل شيئًا غامضًا يثير الفضول."طلبت مني أمي أن آتي لأستدعيك لنتناول الطعام معًا."احمرّت وجنتا يسرا، واقتربت بخطوات سريعة، لتلتقط ذراع كريم بيدها."متى وصلت؟ خطواتك كانت هادئة جدًا، لقد أخفتني!""وصلت للتو."نظرت يسرا إلى وجه كريم، ولم تلمح من تعابيره أي شيء مميز. ثم ابتسمت بخجل خفيف، وقالت برقة، "كيمو، الوقت يمر بسرعة، نحن على وشك الزواج."كانا قد عقدا خطوبتهما، وبعد شهر فقط سيكون الزواج، وكل شيء محسوب بدقة.التفتت يسرا نحو يزيد ونيرة، اللذين كانا يقتربان من المكان ذاته."كيمو، ألا تظن أن العمة نيرة تشبه شخصًا ما؟"رفع كريم حاجبه، وسأل، "من؟""صفاء راشد، التي كنت أجلس بجانبها في المدرسة الثانوية، كانت بدينة.""حقًا؟" رد كريم ببرود.لم يظهر أي رد فعل آخر من كريم، وبدا أن يسرا لم تعرف كيف تواصل اختبار ردة فعله.وصلت نيرة ويزيد إلى غرفة الطعام.وكان باهر قد عاد لتوه أيضًا.جلست نيرة بجانبه، وهمست تسأل عن حالة جده.قال باهر، "كاد أن يختنق ببعض البلغم، لكن العم حاتم تدخل فورًا وأجرى







