ログインقاد باهر سيارته نحو السوق الليلي الكائن خلف المدينة الجامعية لجامعة النهضة. وكما هي العادة، كان العثور على موقف للسيارات أمرًا بالغ الصعوبة بسبب شدة الازدحام، فاضطرا إلى التوقف والانتظار قليلًا، إلى أن توفر أخيرًا مكانًا شاغرًا. في ليالي الصيف، يكتسي السوق الليلي صخبًا مضاعفًا وحيوية نابضة. كان الناس يتدفقون ذهابًا وإيابًا في موجات لا تهدأ، وتكثر بين الجموع الأزواج الشابة. وعلى حين غرة، شبك باهر أصابعه بأصابع نيرة، مفرّقًا بينها وممسكًا يدها بإحكام. تسللت حمرة خفيفة إلى وجنتيها وشعرت بخجلٍ مفاجئ، إذ كان المكان يعج بالشبان والفتيات. كانت ترتدي يومها فستانًا بلون المشمش، يعلو الركبة بنحو عشرة سنتيمترات، كاشفًا عن ساقين ناصعتَي البياض.كان يومًا صيفيًا حارًا رطبًا، واعتقدت نيرة أن زيارتها لبيت عائلة الدالي لن تتجاوز مجرد تناول وجبة طعام، فلم تتأنَّ في التزين، وخرجت بوجه طبيعي بلا مساحيق، مكتفية بربط شعرها على عجل في ذيل حصان."آنسة، هل يمكنك مسح الرمز ومتابعة هذا الحساب؟"أوقفت فتاتان نيرة وكانتا تحملان سلةً مملوءة بربطات شعر ذات تصاميم لطيفة. كانتا في مقتبل العمر، فلم تستطع نيرة رفض طلب
قالت شيماء: "ارتبط باهر بفتاة في فترة الجامعة، علمت بالأمر صدفة، وذهبت إلى مقهى الجامعة لأراها خلسة، طلبت كوب لاتيه بالفانيلا، وكنت أحتسيه بينما أراقبها وهي تعمل خلف منصة التحضير."تفاجأت نيرة قليلًا.رمشت شيماء بعينيها وقالت: "إنه مقهى سكون الموجود في الطابق الأول في الركن الجنوبي الشرقي من المكتبة في جامعة النهضة."ثم ابتسمت شيماء وأضافت: "ربما لا تعلمين هذا، إنه يحب نيمو كثيرًا، ويعامله كأنه ابنه. هو يخاف الكلاب بشدة، حتى الجرو الصغير يخيفه. بعد وفاة يامن، صرنا جميعًا في العائلة لا نحب الكلاب، لكن هذا النفور ليس خوفًا. أنا مثلًا، إن صادفت كلبًا لطيفًا في الخارج ألمسه قليلًا، أما باهر فأمره مختلف تمامًا. لقد شاهد بعينيه أخاه يُعضّ حتى الموت ليحميه، وكان محبوسًا مع كلب داخل قفص واحد، لذلك أصبح خوفه من الكلاب عميقًا جدًا.""حين كان باهر في الثانوية، أحضرتُ إلى المنزل جرو توي بودل صغيرا وجدته في الطريق، كان عمره شهرين فقط، وكنت أضمّه بين ذراعيّ، وما إن رآه باهر من بعيد حتى بدأ يرتجف، لذلك لم أُبقِ ذلك الكلب."نظرت شيماء إلى وجه نيرة الصاف، وقالت: "لم أتوقع أنه سيتمكن من تربية نيمو ليكبر
كانت يسرا تدرك يقينًا أنّ هذه المسألة لا تُحل بمجرد اعتراف عابر بالخطأ أو بضع كلمات اعتذار.كانت شظايا الأكواب تتناثر على الأرض، والكتب متبعثرة في فوضى عارمة؛ إذ قضت يسرا الأيام القليلة الماضية محتجزة في هذا المكان، تصبّ جام غضبها على كل ما حولها، حتى إن الخدم لم يجرؤوا على دخول غرفتها.في تلك اللحظة، وقعت عينا ولاء على ورقةٍ ملقاة عند قدميها، فانحنت والتقطتها.ارتعش صوت يسرا، غير أن عينيها كانتا تخفيان ومضة انتصارٍ خفيّة. ظل صوتها متهدّجًا، يختنق بالبكاء، وهي تقول: "هذا فحص التوافق النسيجي الذي أجريته قبل أيام. تبيّن أن نسيجي لا يتطابق مع نسيج أبي. كم تمنّيت لو كنتُ ابنتكما البيولوجية حقًا، فحينها لكنتُ قادرة على التبرّع بإحدى كليتي لأبي.""أمي، أدرك أنني أخطأت. كنتُ في نوبة غضبٍ أفقدتني بصيرتي، وأنتِ وحدكِ القادرة على تفهّم ذلك، فأنتِ أيضًا تكرهين نيرة، ولا بدّ أنكِ تشعرين بما كنتُ أشعر به آنذاك. لم يخطر ببالي أبدًا أن أؤذي أبي.""صحيحٌ أنني طلبتُ من لينا أن تضع المنشّط لعمي باهر، ولو تمّ الأمر، فما إن تفضحه وسائل الإعلام حتى يُجبر على تطليق نيرة والزواج من لينا، وإلا مارست عائلة شو
قبل قدومهما، قال يزيد لولاء إن اليوم مجرد تجمع عائلي لتناول وجبة العشاء، وإن لم ترغب في الحضور فلا بأس، أما بخصوص يسرا، فهو الذي يتحمل المسؤولية لعدم قيامه بدوره كأب على أكمل وجه، وسيشرح لوالده أنه سيبقي يسرا بقربه، وأنهم الثلاثة سينتقلون للعيش في مدينة الجليد لفترة من الزمن.لكنه لم يتصور أن ولاء قد يصل بها التهور إلى سحب الملف الطبي لنيرة.في تلك الأثناء، لم يتبقَّ في الصالة سوى نيرة وولاء، إلى جانب شيماء.كانت شيماء تعرف منذ البداية أن نيرة هي صفاء، لكنها لم تتخيل أن سوسو هي ابنتها من باهر، وقد جعلها ذلك تشعر بالدهشة والفرح في آن، مع هذا، كان الجو في الصالة ثقيلًا يسوده التوتر.تنحنحت شيماء، ثم نهضت وقالت: "زوجة أخي، نيرة، نحن… اممم…""لنذهب لتناول الطعام."بدت ولاء في تلك اللحظة كشبح مهزوم في حلبة مصارعة؛ فقدت روحها وحيويتها وبدت واهنة خاملة، فرفعت ببطء وجهها الذي أتقنت مكياجه، وحدّقت في نيرة.ثم شعرت بوخز شديد في أعماقها، فعضّت على أسنانها وقالت بنبرة فيها تهكم مرير: "ها قد انتصرتِ."قطبت نيرة حاجبيها.وقالت: "لم أفكر يومًا أن بيننا نصرا أو هزيمة."فتلك المرأة التي أمامها هي أمها
لم تكن هويدا ولا سالم مذهولين بقدر ذهول ولاء؛ التي اتّسعت عيناها وصاحت فجأة عاجزة عن التصديق: "ماذا؟""كيف يمكن هذا؟!"ثم تقدّمت خطوةً وانتزعت تقرير الفحص من يد سالم، وقبضت عليه بإحكام، كانت أصابعها ترتجف دون أن تشعر إطلاقًا بما انطوى عليه هذا التصرّف من فقدان للوقار والاتزان. حدّقت ولاء في نتائج الفحص وهمست بذهول: "مستحيل! لا بدّ أنه مزوّر، هذا كذب!"نهضت هويدا مستندةً إلى عصاها، وقالت بصوت مرتجف: "هل سوسو فعلًا حفيدتي؟!"كاد يُغشى عليها من شدّة الصدمة ومن فرط الفرح في آن، فسارعت العمّة أميرة إلى إسنادها، لكنها وسط دهشتها تلك، ارتسمت عليها ملامح السرور. هذه بشرى عظيمة!حتى سالم -المعروف بوقاره وهيبته- لم يُخفِ فرحته الغامرة.أومأ باهر برأسه قائلًا: "كنتُ أنا وصفاء معًا أيام الجامعة، وفي شتاء العام الدراسي الثالث، حين كنتُ أستعدّ للسفر إلى الخارج، كانت صفاء حاملًا."نظرت هويدا إلى الملف الطبي على الطاولة وقالت: "لكن التقرير يقول إنها كانت حاملًا بتوأم مختلط، ذكر وأنثى..."ساد الصمت بين نيرة وباهر، وبدا عليهما شيء من الكآبة، كأن سحابةً رقيقة خيّمت على وجهيهما، فخفضا أبصارهما ولم ينبِسا.
تنحنح سالم، فعاد الجميع إلى صلب الموضوع.ثم قال: "يزيد، ولاء، يسرا ابنتكما، ألديكما ما تقولانه بهذا الشأن؟"قال يزيد: "سأتولى أمر يسرا…." وقبل أن يكمل جملته قاطعته ولاء: "أبي، أمي، لقد انسحبت يسرا من الوسط الفني، إنها ترعرت في كنفكما، صحيح كان سلوكها متهورًا هذه المرة، لكن لدينا في العائلة الآن ما هو أخطر من هذا."صوّبت ولاء نظرها على وجه نيرة.ثم قالت: "في الحقيقة صفاء هي ابنتي من طليقي بديع راشد، وحين علمتُ بالأمر، كانت قد تزوجت بالفعل من باهر."وأردفت: "باهر هو وريث عائلة الدالي، وعليه أن يطلّق نيرة ويوقف الخسائر فورًا، صحيح أن هذه القضية يمكن كتمانها، لكن لا شيء يظل طيَّ الكتمان للأبد، ولا أحد يضمن ألا تنكشف الحقيقة يومًا ما على صفحات الإنترنت؛ من سيتحمل التذبذب الذي ستشهده أسهم مجموعة الدالي يومئذ؟"ثم نهضت ولاء واقفة، وعضّت على أسنانها بقسوة.وتابعت: "زواجها من باهر لم يكن إلا للانتقام مني، فقد دفعت خمسمائة ألف دولار لطمس علاقتي بها؛ فامتلأ قلبها حقدًا وغيظًا، فاستغلت هذا الزواج ليكون وسيلة للانتقام مني لأنني تخليت عنها!"قال يزيد بعبوس: "ولاء!"كان قد حذرها وهما في الطريق مرارًا







