INICIAR SESIÓNالفصل الخامس والعشرون نظرت سلمى إلى الدماء القاتمة التي تزحف ببطء على الأرضية الأسمنتية الباردة لزنزانة "طارق". كلماته الأخيرة كانت كشفرة مسمومة تُغرس في كبريائها؛ لقد ترددت. في اللحظة الحاسمة التي كان يجب أن تضغط فيها على الزناد وتنهي حياة شقيقها، استيقظت تلك البقية الباقية من إنسانيتها لتخونها، وتلك اللحظة كادت تكلفها كل شيء."رائد! احمله فوراً!" صرخت سلمى بصوت أجش، قاطعاً الصمت المروع الذي خلفه الدخان الأبيض. "استدعِ الفريق الطبي الخاص إلى القصر! طارق لن يموت الليلة، ولن يبقى في هذا السجن دقيقة واحدة أخرى. إنه بعهدتي الآن!"حمل الحراس طارق الذي غاب عن الوعي جزئياً، بينما كانت ابتسامته الساخرة لا تفارق شفتيه الشاحبتين. في طريق العودة، جلست سلمى في سيارتها المصفحة، تحدق في الفراغ. لقد تحولت اللعبة. عمر لم يعد مجرد شبح يرسل وروداً ذابلة أو رسائل تهديد، لقد أصبح قاتلاً محترفاً يتلاعب بنقاط ضعفها. أدركت سلمى في تلك الليلة الماطرة أن المعركة لم تعد على إمبراطورية "الحديدي"، بل أصبحت معركة على من يمتلك القدرة على التخلص من قلبه أولاً.بعد ثلاث ساعات، في جناح طبي سري أعدته سلمى مسبقاً
الفصل الرابع والعشرون كانت سيارة سلمى المصفحة تمزق شوارع القاهرة الغارقة في الوحل كوحش كاسر أُفلت من أغلاله. المطر يجلد الزجاج الأمامي بقسوة، وصوت محرك الدفع الرباعي يزأر في صمت الليل، بينما كانت سلمى تضغط على هاتفها المشفر محاولة الاتصال بمأمور سجن "العقرب". لا إجابة. الرنين الفارغ كان بمثابة إعلان حرب. لقد اشترى عمر الوردية الليلية، وسد كل ثغرات التواصل."أسرع يا رائد! تجاوز الإشارات، اصدم أي عائق يقف في طريقنا!" صرخت سلمى، وعيناها مثبتتان على الطريق المظلم أمامها. إذا مات طارق، سيموت العقل الوحيد القادر على فك شفرات شقيقها المريض. لم تعد تنقذه بدافع الحب أو الشفقة، بل بدافع البقاء؛ طارق هو المرآة التي ترى فيها تحركات خصمها.في تلك الأثناء، داخل الجناح "ج" شديد الحراسة في سجن العقرب، انقطع التيار الكهربائي فجأة. غرق الممر الطويل في عتمة خانقة، ولم تضئ سوى مصابيح الطوارئ الحمراء الخافتة التي ألقت بظلال دموية على الجدران الخرسانية.في زنزانته الضيقة، كان طارق الحديدي يجلس على حافة سريره المعدني بظهره المستقيم، يراقب الظلام بهدوء جليدي. سمع وقع حذاء ثقيل يقترب بثبات، يتبعه صوت طقة
الفصل الثالث والعشرون اقتحمت سلمى غرفة الخوادم المركزية بمؤسسة الحديدي كإعصار مدمر، لا تلوي على شيء. كانت الشاشات العملاقة تومض بوميض أحمر إنذاري، وأصوات صافرات الاختراق تملأ المكان بضجيج يصم الآذان، بينما يركض مهندسو الأمن السيبراني كالجرذان المذعورة في سفينة تغرق."سيدتي، لقد دمروا جدار الحماية الأول والثاني! سيولة الأوفشور تتبخر في ثوانٍ!" صرخ مدير التقنية ووجهه أبيض كالطباشير.لم تصرخ سلمى ولم تنهره. في أوقات الكوارث، كانت روح طارق الحديدي تتلبسها بالكامل. أزاحته بقسوة عن مقعده، وجلست تحدق في شلالات الأرقام المتساقطة على الشاشة. عقلها البارد بدأ يحلل الموقف بسرعة استثنائية. عمر تحركه نيران الانتقام والعدم، لكن "رياض الرشيدي" تحركه شهوة المال والجشع. رياض لن يمسح الأموال ببساطة، غريزته الدنيئة ستدفعه لتحويل حصة لنفسه."تجاهلوا الفيروس المدمر!" أمرت سلمى بصرامة قاطعة. "ركزوا فقط على التتبع العكسي للتحويلات الوهمية. ابحثوا عن أي ثغرة أو ارتداد للشبكة في الخوادم السحابية المؤقتة. رياض لا يستطيع مقاومة النظر إلى غنيمته."بعد خمس وأربعين دقيقة من التوتر الذي يحرق الأعصاب، التقط أحد
الفصل الثاني والعشرون لم يكن الانهيار خياراً مطروحاً في قاموس سلمى الحديدي. الصدمة التي جمدت أوصالها في الشرفة لم تدم سوى ثوانٍ معدودة، قبل أن يتحول الرعب إلى غضب أعمى، غضب بركاني يحرق كل ما يقف في طريقه. نهضت عن الأرض الرخامية، وتجاهلت شظايا هاتفها المحطم التي جرحت ركبتيها، واندفعت نحو الداخل تصرخ بأعلى صوتها."جهزوا السيارات! أرسلوا فرقة التدخل المسلح بالكامل إلى المقابر الشرقية.. الآن!"بعد أقل من عشرين دقيقة، كان موكب من ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء ومصفحة يشق شوارع القاهرة المهجورة كقذائف صاروخية، يمزق سكون الليل وزخات المطر العنيفة. كانت سلمى تجلس في المقعد الخلفي للسيارة الوسطى، تعبئ مسدسها الفضي برصاصات جديدة بحركة ميكانيكية باردة، بينما يجلس بجوارها قائد حرسها الجديد "رائد"، يوجه رجاله عبر اللاسلكي."سيدتي، المكان مفتوح ومليء بالمقابر المظلمة، هذا فخ واضح!" حاول رائد تحذيرها، وعيناه تراقب الطريق بحذر."أعرف أنه فخ يا رائد!" صرخت سلمى، وعيناها تلمعان بشراسة ذئب جريح. "لكنني لن أترك شقيقي يدنس الماضي ليدمر عقلي. إن كان يريد حرباً في الشوارع، فسأعطيه إياها الليلة."توقفت ال
الفصل الواحد والعشرون وقف عمر أمام شاشة التلفاز القديمة في شقته المتواضعة بحي السيدة زينب، يراقب شريط الأخبار العاجلة الذي يمر ببرود أسفل الشاشة: "انتحار المحامي البارز فريد داخل مقر مؤسسة الحديدي إثر أزمة مالية غامضة". لم يحطم عمر الشاشة، ولم يصرخ غضباً لفشل خطته وسقوط بيدقه الأول. بل على العكس، ارتسمت على شفتيه الجافتين ابتسامة جليدية بطيئة. لقد ابتلعت سلمى الطعم، لكنها لم تختنق به كما خطط، بل مضغته وبصقته في وجهه معلنة التحدي.أدرك عمر في تلك اللحظة الحاسمة أن شقيقته قد أتمت تحولها النهائي؛ لم تعد تلك الفتاة التي ترتجف من الظلام، بل أصبحت هي الظلام ذاته."الوحش لا يُقتل بسم ضعيف"، همس عمر لنفسه وهو يرتدي معطفه الأسود استعداداً للخروج في ليل القاهرة البارد. كان يعلم يقيناً أن محاربة سلمى بأدوات طارق القديمة لم تعد تجدي نفعاً، فهي تحفظ تلك القواعد عن ظهر قلب. كان بحاجة إلى حليف يمتلك نفس الغل، ونفس الرغبة العمياء في رؤية إمبراطورية "الحديدي" تحترق حتى الأساس. لم يكن هناك سوى رجل واحد يشارك عمر هذا الجحيم: "رياض الرشيدي". الرجل الذي سحقته سلمى وجردته من شركته ومكانته، ليصبح مجرد شب
الفصل العشرون لم تضيع سلمى دقيقة واحدة. في صبيحة اليوم التالي، كانت تقف داخل الغرفة المحصنة في قبو أحد البنوك الخاصة المنيعة في القاهرة. أدارت المفتاح المعدني الصغير في قفل الخزنة رقم 402 ببرود آلي. بضغطة خفيفة، انفتح الباب الفولاذي الثقيل، ليكشف عن الحقيقة العارية التي صفعها بها شقيقها "عمر".لم تكن هناك أموال طائلة ووثائق مسروقة فحسب، بل كان هناك محرك أقراص صغير (فلاش ميموري). وضعته سلمى في هاتفها، وثبتت السماعة في أذنها. بعد ثوانٍ من التشويش، صدح صوتها هي، مسجلاً بوضوح مرعب، وهي تصدر الأوامر لفريد للإيقاع بشقيقها ليلة زفافها المشئومة. لقد كان محاميها المخلص يسجل لها في الخفاء، يجمع أسلحة دمار شامل ليستخدمها ضدها عندما يحين وقت الانقضاض.أغلقت سلمى الخزنة، وملامحها تتخشب في قناع من الجليد القاتل. لم تشعر بالصدمة أو الانهيار هذه المرة، بل اجتاحتها نشوة مريضة؛ نشوة المفترس الذي وجد أخيراً فريسة يمزقها ليفرغ فيها شحنة أرقِهِ وغضبه.في مساء ذلك اليوم، كانت سلمى تجلس في مكتبها شبه المظلم بالشركة. المطر لا يزال يضرب النوافذ البانورامية بقسوة. انفتح الباب فجأة، ودخل "فريد". لم يكن يرتد







