Home / الرومانسية / ظل الطاغية / ما وراء المرآة العاتمة

Share

ما وراء المرآة العاتمة

last update publish date: 2026-06-19 05:21:19

لم تكن الساعة الخامسة صباحاً في مانهاتن سوى خيط واهن من الضوء الشاحب، يصارع ليتسلل عبر طبقات الضباب الكثيف الذي يلف ناطحات السحاب ككفن رمادي بارد. كانت المدينة بالخارج لم تستيقظ بعد، لكن داخل الطابق الثمانين من برج فاندربيلت العالمية، كانت الحياة قد بدت كأنها آلة أبدية لا تتوقف عجلاتها عن الدوران في صمت مطبق. ترجلت ريفان هيل من المصعد الخاص، وشعرت بوخز مألوف من الأدرينالين يسري في أطرافها، مصحوباً ببرودة الهواء المصنع الذي يملأ الممرات الفاخرة.

عدلت ياقة قميصها الأبيض الناصع، وتأكدت بلمسة سريعة من أن كعكة شعرها الداكن مشدودة بصرامة لا تسمح بتمرد خصلة واحدة. كانت تحمل وثائقها الأمنية بيدين باردتين، وتتحرك بخطوات وئيدة فوق السجاد الفحمي السميك الذي يبتلع صوت حذائها المسطح تماماً، كأن هذا المكان يرفض حتى الاعتراف بوجودها الفيزيائي. توجهت نحو الممر المؤدي إلى الأرشيف القانوني الخاص حيث قضت يومها الأول، لكنها تجمدت في مكانها عندما وجدت المساعدة التنفيذية، إلينا، تقف عند نهاية الرواق بملامحها الصارمة الجافة وحذائها ذي الكعب العالي الذي يصدر نقرات حادة ومدروسة.

"آنسة هيل، لقد تم تعديل مسار عملكِ بأمر مباشر من السيد فاندربيلت"، قالتها إلينا دون مقدمات، ونبرتها الآلية خالية من أي ترحيب أو مودة. "محطتكِ الأمنية لم تعد في الأرشيف السفلي. اتبعيني".

انقبض صدر ريفان وتوجست ريبة، لكنها لم تنطق بكلمة. تبعتها عبر ممر داخلي معزول لم تعبره من قبل، لينتهي بهما المطاف أمام باب فولاذي أسود مطفأ يقع في عمق الجناح الخاص للرئيس التنفيذي. مررت إلينا بطاقتها، فانزلق الباب بسلاسة هيدروليكية مرعبة ليكشف عن مساحة عمل لم تكن ريفان تتخيل وجودها.

كان مكتبها الجديد عبارة عن حجرة زجاجية فاخرة، مشيدة بالكامل من الخشب الداكن المصقول وحجر الأوبسيديان الأسود. لكن ما جعل أنفاس ريفان تتوقف في حلقها لم يكن فخامة الأثاث، بل ذلك الجدار الزجاجي الضخم الممتد من الأرض حتى السقف والذي يقع على يمين مكتبها مباشرة. لم يكن زجاجاً عادياً، بل كان لوحاً زجاجياً عاكساً من جهة واحدة (One-way mirror). ومن موقعها هذا، كانت ترى بوضوح تام مكتب أدريان فاندربيلت الشاسع.

كان يفصل بين عالمها وعالمه جدار من الوهم؛ هي تراه بكامل تفاصيله وتحركاته، بينما هو —إذا التفت نحو الزجاج— لن يرى سوى انعكاس صورته وسوداوية جدران مكتبه. كان يجلس هناك خلف مكتبه المصنوع من حجر الأوبسيديان، قبالة الواجهة التي تطل على أفق نيويورك الغائم، مرتدياً صدريته الفحمية وساعته الفضية الثقيلة، يراجع بعض الأوراق ببرود جليدي، غير مكترث بوجودها الذي يبعد عنه أمتاراً قليلة.

اقتربت ريفان من اللوح الزجاجي، ووضعت كفها الدافئة عليه لتشعر ببرودة الزجاج الصقيل الطاغية. كانت تشعر بأنها بيذق وُضع داخل صندوق مراقبة محكم. إن نقلها إلى هنا لم يكن ترقية، بل كان هندسة دقيقة للاحتواء؛ لقد أراد أدريان أن يضع عقلاها الخطير تحت نظره المباشر، أن يدمج ظلها بظله، ويجعل وجودها كله يدور في فلك إمبراطوريته الخاصة دون أن يمنحها حتى حق النظر إلى عينيه دون حائل. الوعي بأنها مراقبة طوال ثواني عملها، وبأن أنفاسها وتوترها وحركات أصابعها قد تكون تحت تقييمه الصارم، جعل قلبها يدق بعنف، مدركة أن القضبان الذهبية لقفصها قد أصبحت أقرب إلى جسدها من أي وقت مضى.

المشهد الثاني: اختبار الشفرات الحادة

لم تدم لحظة تأملها الطويلة خلف الزجاج العاكس كثيراً. ففي تمام الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقة صباحاً، انفتح الباب الجانبي لحجرتها الزجاجية، ودخل أدريان فاندربيلت بكامل هيبته الطاغية التي تغير جاذبية المكان فور دخوله. لم يكن يرتدي سترة بدلته، بل يكتفي بالقميص الأبيض المشدود فوق كتفيه العريضين والصدريّة التي تفصح عن انضباط جسدي صارم. كانت عيناه الرماديتان العاصفتان تحملان ذلك البرود المطلق الذي يجرّد البشر أمام من إنسانيتهم.

تقدم نحو مكتبها بخطوات بطيئة وانسيابية تشبه تحركات مفترس في منطقته الخاصة. ألقى بمجلد جلدي سميك وثقيل فوق سطح مكتبها الزجاجي، ليصدر دوي ارتطام مكتوم ومخيف شق سكون الغرفة.

"قضية الدمج والاستحواذ الخاصة بتكتل أتلانتيك-كندا للوجستيات البحرية"، قالها أدريان، وصوته الباريتون العميق يتردد في أرجاء الحجرة كأنه أمر عسكري لا يقبل النقاش. "الملف يحتوي على مسودات العقود المكتوبة بالفرنسية القانونية القديمة وصياغات معقدة من القانون التجاري لأونتاريو، بالإضافة إلى شروط الشحن الدولية الخاصة بـ أوبرايشن ميريديان".

نظرت ريفان إلى المجلد الضخم الذي يكاد يتجاوز مئات الصفحات من الخطوط الدقيقة والمصطلحات التخصصية، ثم رفعت عينيها لتلتقي بنظرته الحادة. "ما المطلوب مني تحديداً، سيد فاندربيلت؟"

"أريد ترجمة كاملة، صياغة لغوية موحدة، وتحليلاً مجهرياً للثغرات الهيكلية التي قد تستخدمها المحاكم الكندية لتعطيل الاستحواذ"، أجابها، وهو يتكئ بيده اليمنى على حافة مكتبها، لتقترب رائحة عطر خشب الأرز الفاخر الخاص به وتملأ مساحتها الشخصية، مما زاد من توتر نبضها. "أمامكِ ساعتان فقط. في تمام الساعة السابعة وخمس عشرة دقيقة، أريد التقرير التنفيذي مكتملاً على مكتبي".

رمشت ريفان بذهول، وشعرت ب غصة جافة في حلقها. "ساعتان؟ سيد فاندربيلت، ملف بهذا الحجم والتعقيد يستغرق من فريق استشاري كامل ثلاثة أيام على الأقل لصياغته وتحليله بدقة تجنبنا الأخطاء الكارثية".

تحرك طرف فمه ليرسم تلك الابتسامة الساخرة الخالية من أي مرح، ونظر إليها ل الأسفل بنظرة تحمل تحدياً مميتاً. "الفريق الاستشاري التقليدي يكلفني ملايين الدولارات ليعطيني كفاءة متوسطة، آنسة هيل. أنا لم أخرج والدتكِ من مستنقع الديون الطبية وأمنحها أفضل رعاية طبية في البلاد لأحصل منكِ على أداء تقليدي. أنا أدفع مقابل العبقرية المستعدة للعمل تحت الساطور".

استدار نحو الباب، وقبل أن يخطو خطوة واحدة، التفت إليها وأضاف بنبرة هبطت بها البرودة إلى مستويات مرعبة: "وكلمسة إضافية لضمان تركيزكِ المطلق؛ تم قطع شبكة الإنترنت الخارجية عن محطتكِ الأمنية، وصودر هاتفكِ الشخصي عند البوابة. أنتِ معزولة تماماً عن العالم الخارجي. لا استشارات، لا قواميس رقمية مساعدة، ولا تواصل مع أساتذتكِ في الجامعة. هناك فقط عقلكِ، والحبر المستقر على هذه الصفحات. إذا تأخرتِ دقيقة واحدة، أو سقطت منكِ ثغرة لغوية تسمح لهم بالالتفاف... ف اعتبري أن تمويل الرعاية الطبية لوالدتكِ قد انتهى بانتهاء هذه الساعتين".

خرج وأغلق الباب خلفه، لتسقط ريفان على مقعدها الجلدي، وجسدها يرتجف بعنف تحت تأثير التهديد الصريح والضغط الساحق. نظرت إلى الشاشة الأمنية المظلمة التي لا تحتوي سوى على معالج النصوص الداخلي المعزول، ثم إلى الساعة الرقمية التي بدأت عدها التنازلي القاسي: 05:18.

ابعدت ريفان مظهر الوهن عن وجهها بسرعة، وعادت ملامح الصمود الصارم لتكسو وجهها النحيل. سحبت المجلد الثقيل، وفتحت الصفحة الأولى، لتغرق حواسها بالكامل في بحر من المصطلحات الفرنسية القانونية الكثيفة والجافة. طارت أصابعها فوق لوحة المفاتيح في إيقاع جنوني ومستمر، كأنها تعزف سيمفونية البقاء. كانت تترجم الجمل، تفكك العبارات الملغومة، وتعيد صياغة الهياكل التجارية المعقدة بسرعة لم تكن تعلم أنها تملكها.

ومع مرور الساعة الأولى، كان عرق بارد قد استقر على جبينها، ومعصماها ينبضان بألم حارق نتيجة الوتيرة القاتلة. كانت تقرأ البنود الخاصة بالحصانة السيادية الكندية، وتطابقها مع القانون البحري الدولي في عقلها، دون أي وسيلة مساعدة خارجية. ومن خلال الزجاج العاكس على يمينها، كانت ترى أدريان يجلس في مكتبه بكامل هدوءه الجليدي، يرتشف قهوته السوداء، وكأنه يراقب فأراً داخل قفص زجاجي ينتظر لحظة خنقه.

بحلول الساعة السابعة صباحاً، كانت ريفان قد وصلت إلى الصفحات الأخيرة، وعيناها تحترقان من وهج الشاشة وضغط الوقت. بقيت خمس عشرة دقيقة فقط. بدأت في صياغة الخلاصة التنفيذية، وتحديداً الثغرة القانونية التي أخفاها الطرف الكندي في بند "القوة القهرية الإقليمية". كانت صياغة عبقرية تمنعهم من الطعن في الاستحواذ مستقبلاً.

في تمام الساعة السابعة وخمس عشرة دقيقة وثانية واحدة، ضغطت على زر الإرسال الداخلي، وطبعت النسخة الورقية المعتمدة. وقفت على قدميها اللتين كادتا تخذلانها من شدة الإنهاك، والتقطت الملف الساخن من الطابعة.

دفعت الباب الجانبي ودخلت مكتب أدريان الفخم، لتجده واقفاً أمام الواجهة الزجاجية الشاهقة، يضع يديه في جيوب بنطاله، ممتصاً بظهره الطويل ضوء الصباح الشاحب. تقدمت نحو مكتب الأوبسيديان، وضعت الملف بقوة وثبات، وقالت بصوت متحكم فيه رغم الرعشة الكامنة في صدرها: "تقرير أتلانتيك-كندا، كامل ومترجم ومحلل هيكلياً، سيد فاندربيلت".

التفت أدريان ببطء شديد. مشى نحو المكتب، والتقط الملف الورقي. لم ينظر إليها، بل بدأ في تقليب الصفحات بعناية بالغة، وتتحرك عيناه الرماديتان العاصفتان فوق الأسطر الإنجليزية الفاخرة والصياغات القانونية المحكمة التي خطتها ريفان بدم أعصابها طوال الساعتين الماضيتين.

ساد الغرفة صمت ثقيل ومخيف، لم يكن يقطعه سوى حفيف الأوراق المتقلبة وصوت أنفاس ريفان المحبوسة. استمر أدريان في القراءة لعدة دقائق بدت كأنها دهور ممتدة، ووجهه عبارة عن قناع رخامي بارد لا يفصح عن أي تعبير أو رضا.

وأخيراً، وضع الملف سراً فوق سطح الأوبسيديان الأسود بنقرة هادئة. رفع رأسه ببطء، وتثبتت نظرته الحادة كالشفرة مباشرة في عينيها الرماديتين المسكونتين بالتعب والصمود.

انحنى أدريان قليلاً نحو الأمام، وسند كفيه على مكتبه اللامع، لتنخفض نبرة صوته الباريتون إلى إيقاع منخفض، مرعب، ومليء بالسيطرة المطلقة: "الصياغة مبهرة، والتحليل اللغوي لبند القوة القهرية يكاد يكون كاملاً يا ريفان... لكنكِ سقطتِ في الفخ".

تجمد الدم في عروق ريفان، واتسعت عيناها برعب حقيقي وهي تشعر بقلبها يسقط في هاوية سحيقة. "ماذا؟ مستحيل... لقد راجعت كل بند..."

"لقد راجعتِ ما أريدكِ أن تراجعيه"، قطع كلماتها ببرود قاتل، وهو يسحب ورقة مخفية من درج مكتبه ويضعها أمامها. "المسودة الكندية التي قضيتِ ساعتين في تشريحها كانت مجرد نسخة مموهة أرسلتها إليكِ ل أختبر حدود عقلكِ تحت الضغط القاتل. النسخة الحقيقية للاستحواذ تم توقيعها وتأمينها من قِبل رجالي في أوتاوا قبل أن تطأ قدمكِ مبناي هذا الصباح".

تراجعت ريفان خطوة إلى الوراء، وشعرت برأسها يدور، والظلام يهاجم أطراف رؤيتها من شدة الصدمة والإهانة. لقد تلاعب بها؛ جعلها تحترق في جحيم الوقت والضغط ل ساعتين كاملتين، مهدداً بحياة والدتها، فقط ليختبر قدراتها ويثبت لها نفوذه المطلق وسطوته التي لا يمكن مواجهتها.

اقترب أدريان منها، وتجاوز حدود مكتبه ليقف أمامها مباشرة، ل يلقي بظله الطاغية والشاهق عليها بالكامل، ل ينظر إلى عينيها المرتجفتين ب برود مرعب ويقفل المشهد قائلاً: "لقد أثبتِ لي أن عقلكِ حاد بما يكفي ل يخدم إمبراطوريتي، آنسة هيل. لكنكِ أثبتِ أيضاً أنكِ لا تزالين ساذجة؛ تظنين أن اللعبة تدور حول الكلمات... بينما اللعبة تدور دائماً حول من يملك الساطور ومن يقف تحته. والآن، عودي إلى حجرتكِ الزجاجية... ف الحرب الحقيقية س تبدأ في تمام الثامنة صباحاً، وأنا لا أزال أملك ظلكِ بالكامل".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل الطاغية    الفصل الثاني والعشرين: ملاذه الأخير

    دخل أدريان فاندربيلت بكامل شموخه الشيطاني، وعيناه الرماديتان تشتعلان بنوع من الجنون العاري بعد ليلة طويلة من الترقب. كانت أنفاسه المبحوحة تتردد في الغرفة كزئير نمر جريح، وقميصه الأسود مفتوح الأزرار يبرز تشنج عضلات صدره وسخونة جسده الطاغي. كان يبدو كإله إغريقي خرج لتوه من معركة خاسرة، يحمل على كتفيه أوزار الماضي وعتمة الحاضر. اقترب منها بخطوات سريعة، ملقياً بظله الشاهق فوقها، وققبل أن تنطق بحرف، انحنى وجذبها من خصرها النحيل بقوة قسرية لا تقاوم، لتلتصق أحشاؤها بصلابة جسده الساخن."هل انتهيتِ من فك الطلاسم يا ريفان؟" همس بصوت منخفض، حاد، ومملوء ببحّة التملك والوجع الدفين، وهو يضغط بأصابعه الثقيلة على ظهرها ليدمج وجودها بوجوده، كأنه يحاول إخفاءها بين ضلوعه لحمايتها من العالم الخارجي. "هذا العالم يغلي في الأسفل... والكل يريد قطعة من عقلكِ... لكني الليلة لا أريد سوى استسلامكِ العاري ليكون ملاذي الأخير."نظرت ريفان في عينيه العاصفتين، ولم ترَ فيهما الطاغية المالي الذي يملك نصف نيويورك، بل رأت ذلك الطفل الجريح الذي يبحث عن رداء يدفئ صقيعه الداخلي. رفعت كفيها الباردتين المرتعشتين لتض

  • ظل الطاغية    الفصل الحادي والعشرين: خطوط المواجهة الأولى

    حالت سحب الغاز الكثيفة التي اندفعت من النوافذ المحطمة دون اكتمال تلك اللحظة المشحونة بالرغبة والاضطراب، وتدخلت النخبة الأمنية لـ "فاندربيلت" بسرعة وحشية أعادت فرض السيطرة على الجناح الشرقي، ليتبين أن الهجوم لم يكن اقتحاماً جسدياً بل كان إنذاراً مبكراً وصاعقاً يحمل توقيع الماضي الملعون. لم ينم كلاهما ليلتها؛ إذ انزوى أدريان في غرفة العمليات المغلقة مع مستشاريه، بينما أُعيدت ريفان هيل إلى مكتبها المؤقت داخل القصر، حيث فرضت عليها التطورات أن تبدأ المواجهة الحقيقية مع الحبر الذي يهدد بحرق كل شيء.جلست ريفان وراء المكتب العتيق المصنوع من خشب الأبنوس، وتحت ضوء مصباح نحاسي ضئيل يلقي بظلال مهتزة على الجدران الحجرية الفاخرة للقصر، وضعت أوراق قضية "سيباستيان كورتيز" أمامها. كانت الأوراق ثقيلة، تفوح منها رائحة الرطوبة والتخزين الأرشيفي الطويل الذي يعود لعام 1998، ذلك العام الذي كان بمثابة الثقب الأسود في حياة سجانها الطاغية. بدأت أصابعها الشاحبة تقلب المستندات القانونية والمحاضر المكتوبة بلغة ألمانية قديمة ونمساوية مشفرة، وهي الصياغات التي لم يكن أحد في الإمبراطورية قادراً على تفكيك طلاسمه

  • ظل الطاغية    الفصل التاسع عشر : تحت الحصار

    لم تعد ردهات الطابق الثمانين تتنفس ذلك البرود الرأسمالي الرتيب؛ بل أصبحت الأجواء مشحونة باضطراب غير مرئي، ثقيل، يشي بأن الشروخ التي أصابت جدار المرمر قد بدأت تتسع لتنفذ منها رياح التهديدات الخارجية العنيفة. كانت التقارير الاستخباراتية المالية تتوالى على مكتب أدريان فاندربيلت كقذائف صامتة؛ تسريبات مجهولة المصدر تحوم حول صفقات قديمة، تحركات مريبة في أسهم السوق تخضع لرقابة شبحية من ذلك "الطرف الثالث"، وضغوط قانونية مفاجئة بدأت تمارسها بقايا تكتل كورتيز المذعورة. كان الحصار يشتد، والظل الذي طالما حمى البرج الفولاذي بدأ يتآكل عند الأطراف.وفي وسط هذا الإعصار الصامت، كانت ريفان هيل تجلس خلف مكتبها، وعيناها الرماديتان تلاحقان حركات أدريان القلقة والنادرة. رأته يقف أمام الواجهة الزجاجية الشاهقة، مطلاً على أضواء مانهاتن التي بدت الليلة كعيون غادرة تتربص به. كانت سترة بدلته مفتوحة، ويداه مغروستين في جيبي بنطاله بصلابة تخفي خلفها بركاناً من الغضب المكتوم. لم تكن الغرفة تتسع لغير أنفاسه المبحوحة، ورائحة التبغ الفاخر التي تملأ الفضاء لتزيد من خانقية الموقف.التفت أدريان فاندربيلت ببطء نح

  • ظل الطاغية    الفصل العشرين: حصون الخوف وملاذ الطاغية

    لم تكن جدران قصر الأوبسيديان الأسود مجرد حواجز إسمنتية تحجب ريفان هيل عن صخب نيويورك وغيلانها؛ بل كانت بمثابة امتدادٍ مادي لعقل سجانها الطاغية، دهاليز معتمة تطبق على أنفاسها وتجبر كبرياءها المتمرد على الانكفاء نحو الداخل. وفي تلك الليلة الساكنة التي أعقبت دوي إنذار الحراس الخارجي، والذي تبيَّن أنه مجرد اختراق رقمي وهمي من "الطرف الثالث" لجس نبض الدفاعات الأمنية، لم تستطع ريفان أن تغفو. كان جسدها النحيل ينبض بحرارة مكبوتة، وعقلها اللغوي يدور في حلقة مفرغة من التناقض العاطفي العنيف الذي بات يمزق هويتها إرباً.انسلت ريفان من فراشها الوثير، مرتديةً ثوباً حريرياً طويلاً بلون الرماد، ينساب خلفها ككفن لامرأة اختارت الهبوط في الهاوية طواعية. سارت بخطوات واهنة، حافية القدمين، لتتجنب إحداث أي جلبة فوق الأرضية الرخامية الباردة التي كانت تمتص حرارة جسدها. كانت الممرات الطويلة للقصر غارقة في عتمة حبرية، لا يكسر جمودها سوى الضوء الفضي الشاحب للقمر وهو يتسلل عبر النوافذ القوطية الشاهقة، ليرسم على الجدران ظلالاً تشبه مخالب الوحوش التي طالما خشيتها في كوابيسها.قادها فضولها الأنثوي الجريح وج

  • ظل الطاغية    الفصل الثامن عشر: رقصة الغيلان

    عاد السكون ليلف جدران شقة أستوريا المتواضعة مع رحيل آخر خيوط الشفق الرمادي، تاركاً الغرفة غارقة في عتمة كئيبة لا يكسر عتمتها سوى الوميض المتقطع لهاتف ريفان هيل، والعد التنازلي الرتيب الذي كان يتدفق عبر السماعة من ذلك الصوت المعدني المجهول كأنه دقات مقصلة زمنية تقترب من عنقها.كان الخيار الماثل أمامها على الطاولة الخشبية المتهالكة يبدو مغرياً إلى حد الفجيعة؛ خمسة ملايين دولار أمريكي، صك النجاة الأبدي والحرية المطلقة لوالدتها المريضة، والانعتاق النهائي من قفص أدريان فاندربيلت الذهبي الذي امتص كبرياءها وجعلها تدور في فلكه ككوكب أهلكه مساره. كل ما كان عليها فعله هو مد يدها الشاحبة، والتقاط الهاتف، ونطق كلمة واحدة بالموافقة، ثم إرسال النسخة الضوئية من بند عام 1998 المشفر لتسحق الطاغية الذي سحق إنسانيتها خلف زجاج الطابق الثمانين.لكن الصراع النفسي في جوف ريفان كان يغلي كمرجل من نار مستعرة، يمزق أحشاءها بعنف غير مسبوق. نظرت إلى زهور الأوركيد البيضاء النادرة التي أرسلها أدريان مع طبيبه الخاص، والتي كانت تبدو في الظلام كشواهد قبور صغيرة تذكرها بحمايته الطاغية القسرية. صعدت إلى مخيلته

  • ظل الطاغية    الفصل السابع عشر : لعبة المرايا

    لم يكن عبور عتبة الطابق الثمانين في صباح اليوم التالي مجرد عودة عادية إلى العمل؛ بل كان أشبه بخطوة جسورة تخطوها ريفان هيل داخل حقل ألغام موقوت، حيث يمكن لأي زفير خاطئ أو التفاتة غير مدروسة أن تفجر العالم من حولها. كانت الأجواء داخل البرج الفولاذي تشع ببرودة معتادة، ورائحة خشب الأرز والتبغ الفاخر الممتزجة بالهواء المكيف كانت تملأ الردهات الشاهقة لتخنق أنفاسها وتذكرها بوجوده المهيمن حتى قبل أن تراه.ارتدت ريفان سترة رسمية سوداء قاتمة يلتف قماشها الصارم حول جسدها النحيل الذي لا يزال يحمل بقايا الشحوب والإعياء، لكن عينيها الرماديتين اللامعتين كانت تشعان بيقظة حادة، يقظة ولدت من جوف ذلك الخيار الأخلاقي المرعب الذي واجهته في الليلة الماضية مع رنين الهاتف المجهول. لم تكن ريفان قد حسمت أمرها بالكامل بعد، لكنها اتخذت قراراً واحداً: يجب أن تعود إلى عرين الأسد، وتتعمد مراقبة ردود أفعال أدريان فاندربيلت عن كثب، لتقيس بعينها اللغوية الخبيرة مدى خطورة ذلك البند المشفر المفقود في أرشيف عام 1998، وتتأكد إن كان يمثل حقاً مقتله ونهاية إمبراطوريتها أم أنه فخ آخر من فخاخه المعتادة.سارت بخطوات

  • ظل الطاغية    صفقات الدماء الباردة

    لم يكن سكون الجناح الخاص في الطابق الثمانين يشبه أي سكون مألوف؛ بل كان صمتاً ثقيلاً، مشحوناً برائحة الورق المصقول وحجر الأوبسيديان الأسود، ومحاصراً برذاذ المطر الذي يغسل واجهات نيويورك الزجاجية بالخارج في إيقاع كئيب لا ينتهي. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، ومكتب ريفان الزجاجي مضاء بمصباح

  • ظل الطاغية    شفرة الحقيقة

    لم يكن وقع كلماته الأخيرة كافياً لكسر إرادتها، رغم أن الصدمة سرت في جسدها كتيار كهربائي بارد. بقيت ريفان هيل واقفة أمام مكتب الأوبسيديان الأسود، والملف "المموه" الذي تحدث عنه أدريان لا يزال مستقراً بين يديها. التفتت نحو جدار الزجاج العاكس الذي يفصل حجرتها عن جحيمه الخاص، ثم أعادت نظرها إلى ملامحه ا

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس: جغرافيا الظلال

    كان الانتقال من الفراغ المعقم للطابق الثمانين إلى الخرسانة المبللة والمشبعة بالزيوت لشوارع مانهاتن أقل شبهاً بالخروج، وأقرب إلى مرض تخفيف الضغط الذي يصيب الروح. وقفت ريفان أسفل المظلة القماشية المهترئة لمدخل مترو الأنفاق، وكانت سترتها المستعملة رطبة بفعل رذاذ المطر الذي واصل النزيف من السماء الرماد

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع: عملة الطاعة

    ومضت الساعة الرقمية المستقرة على المكتب الزجاجي البلوري لتشير إلى السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً. وفي الخارج، كان أفق مدينة نيويورك قد تلاشى تماماً، وابتلعه ضباب رمادي كثيف يضغط على واجهات الطابق الثمانين الزجاجية كأنه كفن حي. وداخل الأرشيف القانوني الخاص، كان السكون مطلقاً، لا يقطعه سوى النقر ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status