Masukالحب الذي احترق بالخيانة، وإلى العهود التي تحولت إلى رماد، مع بقاء الأمل في ولادة حب جديد من بين الأنقاض
Lihat lebih banyakاالفصل الأول
مدينة الرماد... والبداية التي لم تكن صدفة لم تكن مدينة الصفواء تشبه المدن التي تُروى عنها الحكايات في كتب المسافرين. فمن يراها لأول مرة سيظن أنها مدينة هادئة، تغفو على ضفاف نهر السُّهاد، وتعيش على إيقاع حياة لا تعرف سوى النظام والاستقرار. أما سكانها، فكانوا يعلمون أن أكثر الأسرار ظلمة تُخفى خلف الواجهات اللامعة للمباني الحديثة، وأن الابتسامات التي تتبادلها الوجوه في النهار كثيرًا ما تخفي ليلًا طويلًا من الألم والخداع. في صباح خريفي بارد، وقفت ليان السالمي أمام نافذة مكتبها في الطابق السابع من دار النشر دار البيان، تتأمل قطرات المطر وهي تنساب على الزجاج في خطوط متعرجة، وكأنها تكتب قصة جديدة لا يستطيع أحد قراءتها. كانت في الثامنة والعشرين من عمرها، تعمل محررة أدبية منذ خمس سنوات، وتؤمن أن الكتب أقل قسوة من البشر. كانت تقضي معظم وقتها بين المخطوطات والروايات، تراجع الكلمات وتصقلها، بينما تعجز عن إصلاح الكسور التي تركتها الحياة في قلبها منذ وفاة والدها قبل خمسة أعوام. رفعت كوب القهوة إلى شفتيها وهمست لنفسها: "الكلمات لا تخون أصحابها... أما البشر، فيتقنون ذلك بإبداع." سمعت ضحكة مألوفة خلفها. استدارت لتجد زميلتها المقربة ريم العبد تحمل مجموعة من الملفات. قالت ريم مبتسمة: "ها أنتِ تتحدثين مع المطر من جديد." ابتسمت ليان بخفة. "المطر مستمع جيد... ولا يقاطع أحدًا." وضعت ريم الملفات على المكتب وجلست أمامها. "لدي خبر سيغيّر يومك." رفعت ليان حاجبها. "أتمنى ألا يكون مخطوطًا جديدًا يحتاج إلى مراجعتي." ضحكت ريم. "أسوأ من ذلك." "وما هو؟" "المدير التنفيذي الجديد سيبدأ عمله اليوم." تنهدت ليان بلا اهتمام. لم تكن تبالي كثيرًا بتغيير الإدارات. فالمدير يأتي، يضع قوانينه، ثم يرحل بعد سنوات، بينما يبقى الموظفون وحدهم يواجهون ضغوط العمل. بعد أقل من نصف ساعة، وصل تعميم يطلب من جميع الموظفين الاجتماع في القاعة الرئيسية. وقف الجميع في صمت ينتظرون القادم الجديد. دخل المدير العام أولًا، ثم فتح الباب لرجل طويل القامة، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وخطواته ثابتة لا توحي بالارتباك. قال المدير العام: "يسعدني أن أقدم لكم الأستاذ سليم الراوي، المدير التنفيذي الجديد لدار البيان." ارتفعت بعض عبارات الترحيب. أما ليان، فقد اكتفت بالنظر إليه. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها... شعرت بشيء غريب. لم يكن إعجابًا. ولم يكن خوفًا. بل إحساسًا مربكًا بأنها رأت هذا الوجه من قبل، دون أن تتذكر أين أو متى. أما سليم، فقد توقف للحظة قصيرة، قبل أن يخفي دهشته بابتسامة هادئة، وكأن اللقاء أعاد إليه ذكرى قديمة حاول طويلًا دفنها. انتهى الاجتماع سريعًا، وعاد الجميع إلى مكاتبهم. حاولت ليان الانشغال بعملها، لكنها لاحظت أن صورة ذلك الرجل لم تغادر ذهنها. وبعد الظهر، رن هاتف مكتبها. "آنسة ليان، الأستاذ سليم يطلب حضورك." أغلقت الملف الذي كانت تعمل عليه، واتجهت إلى مكتب المدير الجديد. طرقت الباب. "تفضل." دخلت بهدوء. كان المكتب مرتبًا بصورة لافتة، ولا توجد عليه سوى بعض الملفات وكوب قهوة لم يمس. أشار إليها بالجلوس. "تفضلي." جلست وهي تنتظر أن يبدأ الحديث. فتح أحد الملفات وقال: "اطلعت على الأعمال التي أشرفتِ على تحريرها." "نعم." "أسلوبك دقيق، ولا تفوتك التفاصيل." أجابت بهدوء: "هذا جزء من عملي." رفع نظره إليها وقال مبتسمًا: "ولا تحبين المجاملات أيضًا." نظرت إليه باستغراب. "كيف عرفت؟" ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم غيّر الموضوع. "أؤمن بأن نجاح دار النشر يعتمد على المحررين قبل الكتّاب، ولذلك سأعتمد عليك في عدة مشاريع جديدة." "سأقوم بعملي كما اعتدت." ساد صمت قصير، قبل أن يسألها فجأة: "هل تؤمنين أن الماضي قد يعود عندما نظن أنه انتهى؟" عقدت حاجبيها. "لا أفهم علاقة السؤال بالعمل." أطرق برأسه قليلًا، ثم قال: "ستفهمين في الوقت المناسب." خرجت من المكتب وهي أكثر حيرة مما كانت عليه قبل دخوله. كان هناك شيء في حديثه لا يشبه حديث مدير مع موظفة، وكأنه يعرف عنها أكثر مما ينبغي. انتهى الدوام مع حلول المساء. خرجت ليان من المبنى، واستقلت سيارتها الصغيرة متجهة إلى شقتها الواقعة في حي النخيل، حيث تعيش وحدها منذ وفاة والدها، بينما اختارت والدتها الإقامة في قرية عين الوادي بعيدًا عن صخب المدينة. عندما وصلت، لاحظت ظرفًا أبيض موضوعًا أمام باب شقتها. انحنت والتقطته. لم يكن يحمل اسم المرسل. فتحت الظرف بحذر. كانت بداخله ورقة واحدة فقط. كتبت عليها عبارة قصيرة بخط واضح: "لا تثقي بسليم الراوي... فهو ليس كما يبدو." تجمدت في مكانها. رفعت رأسها بسرعة تنظر في الممر. كان خاليًا. دخلت الشقة وأغلقت الباب، ثم أعادت قراءة الرسالة مرات عديدة. من يعرف أنها تعمل مع سليم؟ ومن أرسل التحذير؟ ولماذا بدأ كل هذا منذ يومه الأول في الشركة؟ في الجهة الأخرى من المدينة، كان سليم يجلس وحيدًا في مكتبه بعدما غادر الجميع. دخل رجل في منتصف الثلاثينيات يدعى يزن الكيلاني، وأغلق الباب خلفه. قال بصوت منخفض: "هل عرفتك؟" أجاب سليم وهو ينظر إلى أضواء المدينة من النافذة: "لا... لكنها شعرت بشيء." اقترب يزن وقال بقلق: "إلى متى ستخفي الحقيقة؟" تنهد سليم طويلًا. "حتى يحين الوقت المناسب." هز يزن رأسه. "أخشى أن يسبقك أحد إليها." لم يرد سليم. ظل ينظر إلى المطر الذي لم يتوقف، وكأنه يعلم أن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.ساد الصمت داخل المستودع بعد اعتراف كارما.كانت الدموع تملأ عينيها وهي تنظر إلى الوجوه التي حملت آثار عشرين عامًا من الخوف والأسئلة.قالت بصوت متهدج:"لم أكن أريد قتل أحد... أقسم بذلك."أغلقت عينيها للحظة، ثم تابعت:"كنت أريد إحراق ملفات الشركة فقط، قبل أن تصل إلى الشرطة. كنت أظن أن الجميع غادر المنزل، لكن النار خرجت عن السيطرة."نظر إليها فارس بحزن."ولهذا اختفيتِ كل هذه السنوات؟"هزت رأسها."لم أهرب من الشرطة... كنت أهرب من نفسي."تقدم آدم خطوة إلى الأمام."لكن من كان يقود شبكة الفساد؟"ساد الصمت.ثم نظر فارس إلى سليم وقال:"حان الوقت لتعرف الحقيقة."اتجهت الأنظار كلها نحوه.قال بصوت هادئ:"والدك، مروان الراوي، لم يكن رجلًا شريرًا عندما بدأ."تجمد سليم في مكانه.أكمل فارس:"الشركة كانت على وشك الإفلاس، وخشي أن يخسر كل ما بناه. بدأ بتزوير بعض العقود ظنًا منه أنه سيصلح الأمر لاحقًا... لكنه تورط أكثر فأكثر، حتى أصبح أسيرًا لأخطائه."قال آدم:"ثم اكتشف سامر الحقيقة."أومأ فارس."سامر رفض أن يكون شريكًا في الجريمة، وجمع الأدلة، وقرر تسليمها للسلطات."همست ليان:"ولهذا أصبحنا جميعًا في خطر
توقفت الطلقات فجأة.ساد صمت ثقيل داخل المستودع، حتى إن الجميع أصبح يسمع أنفاس الآخر.تقدم فارس ببطء نحو النافذة المحطمة، ثم قال بصوت ثابت:"لن تطلقي النار... لأنك لا تريدين موتهم."جاء صوت كارما من الخارج، يحمل هدوءًا غريبًا:"لا أريد موتهم... بعد."ارتجفت ليان.كانت هذه المرأة تظهر دائمًا وكأنها تسبق الجميع بخطوة.لكن هذه المرة بدا وكأنها هي من كتبت القصة منذ بدايتها.---بعد لحظات، انفتح الباب الحديدي ببطء.دخلت كارما وحدها.لم تحمل سلاحًا.كانت ترتدي معطفًا أسود طويلًا، وشعرها مربوط بعناية، وملامحها هادئة على نحو أثار قلق الجميع.توقفت في منتصف المستودع.نظرت إلى فارس.ثم قالت:"مر عشرون عامًا... ولم تتغير."ابتسم فارس بمرارة."بل تغير كل شيء."نظرت إلى سليم.ثم إلى ليان.وأخيرًا إلى يزن."كبر الأطفال..."قالها وكأنها تتحدث عن أشخاص تعرفهم منذ زمن بعيد.---رفع آدم سلاحه في وجهها."لا تتحركي."ابتسمت."لن أهرب."قال سليم بحدة:"من أنتِ؟"التفتت إليه."اسمي الحقيقي... كارما الراوي."تجمد فارس في مكانه.أما سليم، فاتسعت عيناه."راوي؟"أومأت بهدوء."أنا أخت نادين... وأخت فارس."ساد صم
لم يغمض ليزن جفن طوال الليل.ظل الرسالة التي وجدها في الملف البني بين يديه، يقرأها مرة بعد أخرى، وكأن الكلمات ستتغير إذا كرر النظر إليها.لم تكن الرسالة طويلة، بل بضعة أسطر فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل ما ظنه حقيقة.> "إذا قرأت هذه الرسالة، فهذا يعني أنني اضطررت للاختفاء. لا تبحثوا عني، لأن موتي هو الحماية الوحيدة لكم.— فارس الراوي."جلس يزن على الكرسي الخشبي وهو يحاول استيعاب الأمر.إذا كان فارس هو من كتب الرسالة، فهذا يعني أنه كان حيًا بعد الحريق.لكن...أين اختفى طوال عشرين عامًا؟ولماذا ترك الجميع يعتقد أنه مات؟---في صباح اليوم التالي، اجتمع يزن مع سليم وليان وآدم والشيخ محمود.وضع الرسالة والصورة على الطاولة.ساد الصمت.تناول سليم الصورة بيد مرتجفة.ظل يحدق في وجه خاله الممزق في الصورة، ثم قال:"لم يخبرني أحد أن لأمي أخًا."أجابه الشيخ محمود:"لأن والدتك كانت تحاول حمايته."قطب آدم حاجبيه."من ماذا؟"تنهد الشيخ."من الشخص الذي كان يريد التخلص من كل من عرف الحقيقة."---أخذ آدم الصورة، وقلبها.لاحظ كتابة باهتة على ظهرها.اقترب من النافذة حتى تسقط أشعة الشمس عليها.بدأت الكلما
استيقظت ليان في صباح اليوم التالي على طرقات متتالية على باب المنزل الذي استضافها هي ووالدتها.فتحت الباب لتجد ساعي بريد يحمل ظرفًا أبيض بلا اسم مرسل.ناولها الظرف وغادر دون أن ينطق بكلمة.أغلقته خلفه، ثم فتحت الظرف بفضول.كان بداخله صورة واحدة.تجمدت ملامحها.الصورة التُقطت الليلة الماضية.هي وسليم يجلسان معًا أمام المنزل المحترق.وفي أسفل الصورة عبارة مكتوبة بالحبر الأحمر:"من يقترب منك... يموت."شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.وفي اللحظة نفسها، دخلت هناء إلى الغرفة.ما إن رأت الصورة حتى شهقت."لقد بدأ..."التفتت إليها ليان بسرعة."ماذا بدأ؟"لكن هناء لم تُجب، بل أخذت الصورة وأحرقتها في موقد الحطب.قالت بصوت مرتجف:"لا تحتفظي بأي رسالة تصل إليك."---في الوقت نفسه، كان سليم في مركز الشرطة برفقة آدم.كان الضابط المسؤول يستعرض تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة على الطريق المؤدي إلى عين الوادي.توقفت إحدى اللقطات عند سيارة سوداء.قال الضابط:"هذه السيارة دخلت القرية قبل الحريق بساعة."سأل آدم:"وهل خرجت؟"أجاب الضابط:"لا."نظر سليم إلى الشاشة بتركيز."إذن ما زالت داخل القرية."ساد الصمت.





