Inicio / الرومانسية / ظل الطاغية / الفصل العاشر : عشاء الغيلان

Compartir

الفصل العاشر : عشاء الغيلان

last update Fecha de publicación: 2026-06-21 06:00:29

​لم يكن الحبر الذي جفّ على وثائق "مجموعة كورتيز" الاقتصادية مجرد صياغة قانونية بارعة أتمتها ريفان تحت وطأة التهديد؛ بل كان بمثابة القيد غير المرئي الذي أحكم أدريان فاندربيلت إغلاقه حول معصميها. في ذلك الطابق الثمانين، حيث يتلاشى ضجيج مانهاتن ليحل محله هسيس التكييف المركزي وهدير المطر العاصف الذي يجلد الواجهات الزجاجية الشاهقة، كانت ريفان تقف خلف جدار مكتبها الزجاجي العاكس، ينبض صدرها بوجع وهزيمة مريرة. لقد أنقذت والدتها، نعم، لكنها دفعت المقابل من كرامتها ومبادئها، وصاغت الساطور الذي سيذبح آلاف العائلات الكادحة بالخارج.

​لم يمنحها الطاغية وقتاً لترميم شتات نفسها الممزقة. انزلق الباب الزجاجي الجانبي لمكتبه الشاهق بسلاسة آلية مرعبة، وخرج أدريان فاندربيلت بكامل قامته البنيوية الشاهقة وأكتافه العريضة التي تحجب الضوء عن الممر. كان قد خلع سترة بدلته النهارية، وظل بقميصه الأبيض الناصع المشدود فوق صدره العريض، وقد شمر كميه ببطء يكشف عن ساعدين قويين ينمّان عن قوة بدنية هائلة وعروق بارزة تحكي قصة انضباط صارم.

​وقف يتأمل عقارب ساعته السويسرية الثمينة ذات الهيكل الميكانيكي الظاهر، ثم نقل عاصفة عينيه الرماديتين الجافتين نحو ريفان. كانت نظرته مجردة من أي تعاطف، مليئة بسلطان مطلق لا يقبل المراجعة أو الإبطاء.

​"آنسة هيل، جففي حبر حدادكِ الأخلاقي فوراً"، نطق بها بصوته الباريتون العميق والرخيم، بنبرة حادة كقاطع زجاج صقيل. "إن البكاء على أطلال المبادئ البالية لا يجني أرباحاً في هذا الأفق، والوقت الليلة يسبقنا بخطوات. تحركنا القادم لا يحتمل التأخير لثانية واحدة، وعليكِ الاستعداد لمغادرة البرج الآن".

​رفعت ريفان رأسها ببطء، وعيناها الرماديتان اللامعتان تعكسان مزيجاً طاغياً من الإنهاك الجسدي والتمرد الفطري الذي لم تنجح قسوته في إخماده تماماً. عدلت وقفتها، وأمسكت بحافة مكتبها لترتكز عليها قائلة بنبرة حاولت جعلها رسمية وجافة: "لقد أتممتُ ترجمة وصياغة كافة الملاحق السرية لصفقة كورتيز كما أمرت يا سيد فاندربيلت. الساعة تجاوزت منتصف الليل، ووظيفتي التعاقدية هنا تنتهي عند حدود الصياغة النصية والتدقيق اللغوي داخل هذا الجناح. ليس في عقدي ما يلزم العمل الميداني في هذه الساعات المتأخرة".

​ارتسمت على شفتيه المنحوتتين كتمثال إغريقي ابتسامة ساخرة، جليدية، ومليئة بالتملك المظلم الذي يمتص شجاعتها من بين ضلوعها. خطى نحو حجرتها الزجاجية بخطوات هادئة ومفترسة، متجاوزاً العتبة ليلقي بظله الضخم عليها، مما جعل الفراغ يضيق من حولها لدرجة استنشاق عطر خشب الأرز والتبغ الفاخر المنبعث منه.

​"حدود وجودكِ ووظيفتكِ في هذه الإمبراطورية هي ما أقرره أنا في كل صباح يا ريفان"، قالها بنبرة منخفضة سكنت أعماق عظامها. "الوفد الذي ينتظرنا الليلة في الجانب الشرقي العتيق من المدينة ليس مجرد مجلس إدارة تقليدي. إنهم تحالف من كبار المستثمرين الروس التابعين لتكتل فولكوف؛ رجال قساة، عركتهم أسواق النفط والحديد في سيبيريا، لا يتحدثون سوى لغة المصالح الثقيلة والدماء الباردة. هؤلاء الرجال لا يثقون في أجهزة الترجمة الرقمية المعرضة للاختراق، ولا يقبلون بمترجمين عموميين يمكن شراؤهم من قِبل المنافسين في غضون دقائق".

​انحنى قليلاً إلى الأمام، وثبّت نظراته الرمادية العاصفة في عينيها الواسعتين وتابع بصرامة مطلقة: "إنهم يملكون السيولة النقدية الضخمة، والغطاء المالي الدولي الذي سيغذي تصفية أصول 'كورتيز' التي خططتِ للفخ القانوني الخاص بها بيدكِ قبل قليل. ذكاؤكِ، وسرعتكِ في التقاط شفرات العبارات، وقدرتكِ النادرة على كشف الخداع التجاري بين السطور هي سلاحي الفتاك الليلة خلف تلك الطاولة المغلقة. سترافقينني كـ 'مترجمة خاصة فورية ومستشارة لغوية لصيقة'".

​صمت للحظة، وتقلصت بؤبؤة عينيه ليضيف ببرود مرعب اخترق وعيها: "وتذكري دائماً، لكي يظل نبض والدتكِ مستقراً في الجناح الملكي لمستشفى مانهاتن التخصصي، يجب أن يظل قلمكِ وعقلكِ في خدمتي دون نقصان. المطعم الفاخر أُغلق بالكامل لحسابنا الليلة، والسيارة المصفحة تنتظر في القبو السفلي للبرج. أمامكِ عشر دقائق لتجهيز نفسكِ، ولا أحب الانتظار".

​أدار ظهره لها بكامل شموخه وهدوءه الطاغي، تاركاً إياها ممزقة بين جدران الغرفة، تدرك أن كل خطوة تخطوها خلفه تسحبها أكثر نحو عمق ظله الملعون، دون أن تملك رفاهية الرفض.

​المشهد الثاني: الحرير الأسود وقناع الجليد

​قبل أن تتوجه ريفان إلى المصعد السفلي، استوقفتها إلينا، المساعدة التنفيذية الأولى، بوجهها الروبوتي الصارم، وأشارت ببرود نحو حجرة التبديل الخاصة والملحقة بالجناح التنفيذي الشاهق. كانت الحجرة واسعة، تكسو جدرانها مرايا برونزية عتيقة تمتد من السقف إلى الأرض، وتنعكس عليها إضاءة دافئة غائرة تمنح المكان هيبة غامضة.

​على المقعد المخملي القرمزي في منتصف الحجرة، كان يستقر صندوق جلدي فاخر، مصقول بعناية، ونُقش عليه قفل ذهبي صغير. تقدمت ريفان بخطوات واجفة، وفتحت الصندوق بيدين مرتعشتين، لتجد بداخله فستاناً أسود كلاسيكياً مصنوعاً من الحرير المخملي الفرنسي الثقيل.

​كان الفستان قطعة فنية نادرة تنطق بالبساطة القاتلة؛ يخلو تماماً من البهرجة أو الخرز البراق، لكنه يملك قصة دقيقة وصارمة تحدد معالم قوامها النحيل ببراعة مذهلة. صُمم بفتحة عنق كلاسيكية تبرز بياض عنقها الشاحب، وينساب بنعومة على خصرا الضيق ليسقط بوقار وطول يلامس الكاحل، ومرفق معه حذاء ذو كعب عالي من الجلد الأسود اللامع، وعقد رفيع للغاية من الألماس الحر الذي يتلألأ تحت الإضاءة كقطرات الندى.

​وقفت ريفان أمام المرآة الشاهقة بعد أن ارتدت الفستان، وشعرت وهي تسحب السحاب الحريري الطويل على ظهرها بأنها لا تتجهز لسهرة فاخرة، بل ترتدي درعاً في معركة تعلم سلفاً أنها خاسرة أمام طغيانه وسلطته. تركت شعرها الداكن الطويل ينسدل بنعومة طبيعية فوق كتفيها، واكتفت بملامح وجهها الشاحبة وعينيها الرماديتين الواسعتين اللتين كانتا تفيضان باضطراب نفسي وعاطفي عنيف. بدت كأميرة من الأساطير القديمة، سُجنت في برج من الزجاج والحديد، وتستعد لمواجهة جلادها.

​عندما انزلق الباب الهيدروليكي للحجرة وتجاوزت العتبة لتصل إلى ردهة الاستقبال الخاصة بالجناح، كان أدريان فاندربيلت يقف هناك. كان قد ارتدى سترة بدلته الفحمية الفاخرة، وصفف شعره الداكن بعناية شديدة، ومسنداً ظهره العريض إلى الجدار الخشبي المصقول وهو يراجع بعض الأوراق الرقمية على شاشته الصغيرة.

​تلاقت خطى كعبها العالي مع سكون الأرضية الرخامية بوقع منتظم، رنان، وواضح. بحركة آلية بطيئة، رفع أدريان رأسه ليرى سبب هذا الوقع.

​في تلك اللحظة بالذات، بدا وكأن الزمان قد شُلّ حركته في أروقة البرج الشاهق، وتلاشى صوت ضربات المطر بالخارج في مسامع ريفان ليحل محله صوت نبضات قلبها التي تسارعت بشكل جنوني.

​لأول مرة منذ أن داس ت قدماها عتبة هذه الشركة، ولأول مرة منذ بدأت حرب الإرادات بينهما، تبدلت النظرة الجليدية، المجردة، والباردة في عيني أدريان فاندربيلت. انزلقت عيناه الرماديتان ببطء شديد، بتمهل مفترس، مدروس، وعاصف، فوق كامل جسدها. بدأ يتأمل انسياب الحرير الأسود الثقيل على كتفيها، وكيف يبرز الفستان خصرها النحيل وكبرياء وقفتها البوهيمية، وصولاً إلى وجهها الشاحب وعينيها الرماديتين اللتين تحديانه برغم الهزيمة.

​تلاقت عيناهما في صمت مطبق، ولأول مرة، رأت ريفان خلف قناع البرود المرمري تلميحاً لشيء آخر غامض ومرعب؛ لمح من الرغبة البدائية، العاصفة، والمكتومة التي استثارتها أنوثتها الطاغية المخبأة خلف الثياب المهنية الفضفاضة. لقد استطاع جمالها الحاد، الممتزج بجسارتها وعقلها الفتاك، أن يخرق حصونه الصلبة ويجعله يراها الليلة كامرأة حقيقية، لا كمجرد آلة لغوية أو قطعة شطرنج يسهل تحريكها.

​اجتاح ريفان توتر عنيف، وشعرت بجسدها يرتجف تحت تأثير نظراته التي كانت تلفها كالنار، وتمنيت لو أن الأرض تنشق لتبتلعها لتفادي هذا الحصار البصري الساحق. حتى أدريان نفسه، لاحظت ريفان بدقة ذكائها المعهود أن راحة يده الكبيرة التي امتدت لتعديل ياقة سترة بدلته قد تحركت باهتزاز طفيف للغاية، اهتزاز لم تعهده قط في هذا الرجل الفولاذي الذي لا تهتز له شعرة أمام صفقات المليارات. لقد زلزل مظهرها جموده الرأسمالي بالكامل.

​خطى نحوها ببطء مرعب، خطوة تلو الأخرى، حتى أصبحت تفصل بينهما مسافة تكاد تنعدم، واستقرت رائحة عطر خشب الأرز والتبغ الفاخر في أنفاسها كالحصار. انحنى قليلاً نحو أذنها، لدرجة أن زفير أنفاسه الساخنة لامس بشرة عنقها، ونطق بنبرة منخفضة، حادة، وتحمل بحّة رجولية مستثارة وممتلئة بالتحدي:

​"المظهر يليق بمهندستي الليلة يا ريفان... لدرجة تجعلني أتساءل بجدية إن كنتُ سأستطيع التركيز على أرقام ملايين الروس خلف الطاولة، أم على الشفرة الحادة التي ترتدي الحرير الأسود أمامي وتتحداني بعينيها الرماديتين. تحركي الآن... فالعشاء قد بدأ في الجانب الآخر من المدينة، والغيلان الروسية لا تحب الانتظار، وأنا لا أحب أن يجعلني شيء أو أحد أتنفس بصعوبة في مكتبي".

​انسحب خطوة بوقار، وفتح لها الباب الفولاذي المؤدي إلى المصعد الخاص، تاركاً إياها تتقدم أمامه وهي تشعر بنظراته المسلطة على ظهرها كعلامة تملك مطلقة لا فكاك منها. ومع هبوط المصعد نحو القبو المظلم، كانت ريفان تدرك أن هذه الليلة لن تكون مجرد ترجمة لصفقة مالية؛ بل هي خطوتها الأولى نحو الهاوية في لعبة استثارت رغبة الطاغية، ونهايتها قد تحرق كل ما تبقى من عالمها الصغير.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ظل الطاغية    الفصل السادس والعشرين: الهدوء قبل العاصفة

    تجمد الكون في عيني ريفان هيل، وصارت دقات قلبها تقرع في جوف صدرها كطبول حرب عاتية لا تطلب سوى حتفها المستحق. خلف الستار المخملي الفحمي السميك، كان الوقت يتمدد كعقارب ملتوية تسير على نصل من زجاج. كانت تشعر بحرارة جسد أدريان فاندربيلت الطاغية، تلك الحرارة التي طالما أذابت ممانعتها، تخترق الآن طبقات القماش الفاخر لتلفح بشرتها الشاحبة المرتجفة بلهيب يقترب من العدم. رأت، عبر الفتحة المتناهية الصغر بين طيات المخمل الداكن، ظله الشاهق وهو يمتد فوق الأرض الرخامية كجدار من الظلمة الكثيفة التي تبتلع النور، وشاهدت كفّه الضخمة القاسية، الملتفة بذاك الضماد الأبيض الذي ما زال يفوح برائحة معقمات الجروح الممزوجة بعبير دمائه الساخنة التي ضمدتها بنفسها قبل ساعات، وهي ترتفع ببطء قاتل، وئيد، ومحسوب، لتقبض على طرف الستار وتنهي هذه اللعبة المميتة.في تلك البرهة التي تفصل بين الحياة والموت، أغلقت ريفان عينيها الرماديتين، واستسلمت تماماً لفكرة الفناء التام تحت وطأة جبروته. تداخلت في عقلها المجهد المشوش صور القبلات اللاهبة العنيفة التي تبادلاها فوق الأريكة الجلدية في مكتبه، حيث كان يتملكها كملك يحوز جاريت

  • ظل الطاغية    الفصل الخامس والعشرين: صك اللعنة

    لم يكن زلزال "الفخ القانوني" الذي صاغه سيباستيان كورتيز عام 1998 سوى القشرة الخارجية لـهاوية أعمق استقرت في قاع ذلك الصندوق الصدفي الملعون، هاوية سحيقة انفتحت تحت قدمي ريفان هيل لتبتلع ما تبقى من شتات روحها الممزقة. تجمدت أصابعها الشاحبة، النحيلة، فوق حواف المذكرات القانونية النمساوية، وشعرت بأن البرودة التي تكسو الأوراق قد انتقلت عبر مسامات جلدها لتجمد الدماء في عروقها. كانت عيناها الرماديتان تتسعان برعبٍ وجداني عارٍ، رعب يفوق في قسوته وجبروته رعب الأسر، والقيود، والجدران الشاهقة لهذا القصر المظلم.تحت الوثيقة التصفوية الملعونة التي أودت بحياة الطفلة البريئة "إيلينا"، قبع ملفٌ ملحق أصغر حجماً، رُتبت أوراقه بعناية إجرامية فائقة، وغُطيت بـخطوط زرقاء باهتة وأختام رسمية لشركات وهمية ومصارف بائدة كانت تدار من خلف كواليس فيينا الباردة، حيث تُنسج المؤامرات التي تذبح البشر دون إراقة قطرة دم واحدة.قلبت ريفان الصفحة الأخيرة بيد مرتجفة كغصن في مهب عاصفة شتوية، وتلاقت عيناها بجدول الحسابات الختامية والمراجعات المالية الدقيقة التي سبقت حادثة الاقتحام الدامية بأسابيع معدودة. كانت الأرقا

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع والعشرين: التسلل الممنوع

    عادت الممرات الحجرية الشاهقة لقصر "فاندربيلت" تتنفس ذلك السكون الكثيف والمريب بعد أن انقشعت أصداء البث المرعب وجنون الأجهزة الأمنية. لم تكن سيارة "سيباستيان كورتيز" عند البوابة سوى مناورة إلكترونية معقدة، شبحٌ رقمي أرسله العدو اللدود ليهز أركان اليقين في عقل الطاغية ويزرع الشك في بطانته. وفي أعقاب ذلك الإنذار الصاعق، اضطر أدريان للانزواء مجدداً في نفق الاجتماعات الطارئة مع نخبته الاستخباراتية لتتبع أثر المستشار الخائن الذي تجرأ على تزييف الاختراق، تاركاً القصر يغرق في ليلة شتوية شديدة الهدوء، هدوء يسبق عواصف الدم والدموع. كانت الساعة قد تجاوزت جوف الليل حين تسللت ريفان هيل من جناحها، كخيط من الضباب الرمادي يتحرك بين ظلال الأعمدة الرخامية. كان الصراع النفسي يطحن وعيها بلا هوادة؛ فجزء منها، ذلك الجزء الأنثوي الذي ذاق لذة الاستسلام العاري بين ذراعي أدريان وتلونت بشرتها بدمائه الساخنة في مشهد التضميد الأخير، كان يصرخ بها أن تعود إلى مخدعها، أن تنام كجارية مطيعة تحت حماية اسمه الطاغي وتستسلم لقدَرِها المخملي معه. عاشت ريفان في تلك الدقائق تيهًا وجدانيًا لا يرحم. كل قف

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث والعشرين: محاكمة الطاغية

    أما ريفان، فقد جلست وتدثرت ببقايا ثوبها الحريري الرمادي، وجسدها ينبض بحرارة الخوف المشوب بلذة المواجهة البليغة. لامت نفسها بمرارة؛ كيف تجرأت على نبش القبر؟ كيف سمحت لعقلها أن يصيغ هذه النصال اللفظية لتمزق بها الستر عن جرح الرجل الذي باتت تعشقه بمرضية وخضوع اختياري؟ لكن وعيها المشوه كان يرى في هذه المواجهة صك الانعتاق الحقيقي؛ إما أن يقتلها الطاغية الليلة وتنتهي مأساة أسرها، أو يرتد إليها بشرياً يشاركها الدموع والرماد.نظرت إليه، وهو يقف مديراً ظهره لها نحو النافذة الشاهقة التي تعكس أضواء نيويورك البعيدة، وهتفت بصوت رخيم، مفعم بالفصاحة والوجد الجريح:"أدريان... انظر إليّ ولا تختبئ خلف ظلك الفولاذي. لقد قضيتُ الساعات الماضية أترجم موتك القديم في فيينا عام 1998... فككتُ شفرات الخيانة الدنيئة التي صاغها سيباستيان كورتيز بدم شقيقتك الصغرى إيلينا. والآن، أسألك بلغة الروح التي تذبحها بقسوتك كل ليلة: هل كل هذا النفوذ الشيطاني الذي تبنيه، وكل هذه المليارات التي تحاصر بها رقاب البشر، والقصور الحصينة التي تحولنا فيها إلى أسرى... هل كل هذا مجرد أداة للانتقام؟ هل بنيت إمبراطوريتك لتكون م

  • ظل الطاغية    الفصل الثاني والعشرين: ملاذه الأخير

    دخل أدريان فاندربيلت بكامل شموخه الشيطاني، وعيناه الرماديتان تشتعلان بنوع من الجنون العاري بعد ليلة طويلة من الترقب. كانت أنفاسه المبحوحة تتردد في الغرفة كزئير نمر جريح، وقميصه الأسود مفتوح الأزرار يبرز تشنج عضلات صدره وسخونة جسده الطاغي. كان يبدو كإله إغريقي خرج لتوه من معركة خاسرة، يحمل على كتفيه أوزار الماضي وعتمة الحاضر. اقترب منها بخطوات سريعة، ملقياً بظله الشاهق فوقها، وققبل أن تنطق بحرف، انحنى وجذبها من خصرها النحيل بقوة قسرية لا تقاوم، لتلتصق أحشاؤها بصلابة جسده الساخن."هل انتهيتِ من فك الطلاسم يا ريفان؟" همس بصوت منخفض، حاد، ومملوء ببحّة التملك والوجع الدفين، وهو يضغط بأصابعه الثقيلة على ظهرها ليدمج وجودها بوجوده، كأنه يحاول إخفاءها بين ضلوعه لحمايتها من العالم الخارجي. "هذا العالم يغلي في الأسفل... والكل يريد قطعة من عقلكِ... لكني الليلة لا أريد سوى استسلامكِ العاري ليكون ملاذي الأخير."نظرت ريفان في عينيه العاصفتين، ولم ترَ فيهما الطاغية المالي الذي يملك نصف نيويورك، بل رأت ذلك الطفل الجريح الذي يبحث عن رداء يدفئ صقيعه الداخلي. رفعت كفيها الباردتين المرتعشتين لتض

  • ظل الطاغية    الفصل الحادي والعشرين: خطوط المواجهة الأولى

    حالت سحب الغاز الكثيفة التي اندفعت من النوافذ المحطمة دون اكتمال تلك اللحظة المشحونة بالرغبة والاضطراب، وتدخلت النخبة الأمنية لـ "فاندربيلت" بسرعة وحشية أعادت فرض السيطرة على الجناح الشرقي، ليتبين أن الهجوم لم يكن اقتحاماً جسدياً بل كان إنذاراً مبكراً وصاعقاً يحمل توقيع الماضي الملعون. لم ينم كلاهما ليلتها؛ إذ انزوى أدريان في غرفة العمليات المغلقة مع مستشاريه، بينما أُعيدت ريفان هيل إلى مكتبها المؤقت داخل القصر، حيث فرضت عليها التطورات أن تبدأ المواجهة الحقيقية مع الحبر الذي يهدد بحرق كل شيء.جلست ريفان وراء المكتب العتيق المصنوع من خشب الأبنوس، وتحت ضوء مصباح نحاسي ضئيل يلقي بظلال مهتزة على الجدران الحجرية الفاخرة للقصر، وضعت أوراق قضية "سيباستيان كورتيز" أمامها. كانت الأوراق ثقيلة، تفوح منها رائحة الرطوبة والتخزين الأرشيفي الطويل الذي يعود لعام 1998، ذلك العام الذي كان بمثابة الثقب الأسود في حياة سجانها الطاغية. بدأت أصابعها الشاحبة تقلب المستندات القانونية والمحاضر المكتوبة بلغة ألمانية قديمة ونمساوية مشفرة، وهي الصياغات التي لم يكن أحد في الإمبراطورية قادراً على تفكيك طلاسمه

  • ظل الطاغية    الفصل الرابع: عملة الطاعة

    ومضت الساعة الرقمية المستقرة على المكتب الزجاجي البلوري لتشير إلى السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً. وفي الخارج، كان أفق مدينة نيويورك قد تلاشى تماماً، وابتلعه ضباب رمادي كثيف يضغط على واجهات الطابق الثمانين الزجاجية كأنه كفن حي. وداخل الأرشيف القانوني الخاص، كان السكون مطلقاً، لا يقطعه سوى النقر ال

  • ظل الطاغية    الفصل الثاني: ثقل الأوبسيديان

    كان الصمت الثقيل لردهة الانتظار الخاصة يضغط على صدغي ريفان كأنه وزن مادي. وضعت أصابعها المتصلبة والتي ترتجف قليلاً سن قلمها على الخط المنقط الأخير. تشرّب الورق الصقيل الحبر، ليعلن موافقتها الرسمية على حياة تعتمد بالكامل على الكتمان المطلق. لم يكن هناك أي صوت في الطابق الثمانين باستثناء التكتكة الإي

  • ظل الطاغية    الفصل الأول: العتبة الأخيرة

    كانت ريفان هيل تعيش على الأدرينالين والقهوة الرخيصة منذ سنوات.كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحاً، والمكتبة العامة حيث تعمل كمنسقة ليلية ما زالت غارقة في عتمتها عندما سحبت المفتاح من الباب الأمامي الثقيل. رائحة الورق القديم الهادئة، السكون المطلق قبل أن تستيقظ المدينة، والاحتكاك المألوف لبطاقتها ا

  • ظل الطاغية    الفصل الثالث: سرداب الأباطرة

    انغلقت الأبواب الماهوجنية الثقيلة للجناح التنفيذي خلف ريفان ب هبوط مكتوم ومضغوط، ليقطع على الفور الحضور الخانق لمكتب أدريان فاندربيلت. ومع ذلك، بدا أن الوزن الشبح لنظرته الرمادية العاصفة لا يزال عالقاً في مؤخرة عنقها، كوعد بارد برقابة مطلقة. كان قلبها ينبض بإيقاع مسعور ضد أضلعها، ولا تزال كفها تشعر

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status