Share

حكاية والدي

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-28 19:39:53

جلست، وقلبي يدق بعنف، بينما راح كمال يرتب أفكاره قبل أن يبدأ الحديث. سكب لنفسه كوباً من الماء، شرب منه رشفة، ثم بدأ:

"والدك، رحمه الله، لم يكن أباً بيولوجياً للمى. الاسم المكتوب في شهادة ميلادها هو اسم رجل يُدعى إدريس الزاهي، صديق طفولة والدك، وشريكه في أول مشروع هندسي جمعهما قبل أن تنشأ مكاتبكما كل على حدة."

توقف قليلاً، يراقب ردة فعلي، ثم أكمل: "إدريس توفي في حادث سيارة عندما كانت لمى في الثانية من عمرها. أمها، بعد وفاته، مرّت بظروف مالية صعبة جداً، ولم يكن لديها من يعينها. والدك، من باب الوفاء لصديقه، تكفّل بمصاريف لمى سراً طوال سنوات: تعليمها، علاجها حين مرضت وهي صغيرة، حتى إيجار المنزل الذي كبرت فيه. كل هذا دون أن تعرف أمها مصدر هذا الدعم الحقيقي، ظنّت أنه من جمعية خيرية."

شعرت بارتباك يتصارع مع الراحة في داخلي. "إذاً هي ليست أختي فعلاً؟ لماذا كتب أبي في الوصية أنها أختي؟"

"لأنه، ببساطة، اعتبرها كذلك في قلبه"، قال كمال بصوت هادئ. "والدك لم يتزوج مرة أخرى بعد وفاة والدتك، كما تعرف، وكان دائماً يشعر بالذنب تجاه لمى، ذنب رجل يعرف الحقيقة ولا يستطيع البوح بها دون أن يهدم حياة أمها التي كانت قد أعادت بناء نفسها بعد سنوات صعبة. مع الوقت، بدأ يشعر تجاهها بمسؤولية أبوية حقيقية، رغم أنه لم يلتقِ بها شخصياً إلا مرات قليلة وهي طفلة صغيرة، ربما لا تتذكرها أصلاً."

"ولماذا لم يخبرني بكل هذا وهو حي؟ لماذا تركني أعيش هذا الوهم لأسابيع؟"

هزّ كمال رأسه بأسى. "والدك كان يخشى أمرين: الأول أن تُصدم أنت من فكرة أنه أنفق سنوات من عمره ومن ماله على ابنة رجل آخر دون علمك. والثاني، وهو الأهم في رأيي، أنه كان يخشى أن تلتقي بلمى يوماً وتكتشف الحقيقة كاملة، وأن ينتهي بك الأمر... متعلقاً بها بطريقة لا تليق بمن ظننته أخته."

نظرت إليه بذهول. "تقصد أنه كان يعلم أن هذا الاحتمال وارد؟"

ابتسم كمال ابتسامة عارفة. "والدك كان رجلاً حكيماً، ياسين. أظنه أراد أن يمنحك الحرية الكاملة في مشاعرك، لكنه في الوقت نفسه أراد حمايتك من الشعور بالذنب إن انجذبت إليها وأنت تظنها أختك. لهذا ترك الأمر مبهماً، معلّقاً بين الحقيقة والوهم، حتى تكتشف بنفسك، في الوقت الذي تكون فيه جاهزاً لتحمّل الحقيقة كاملة."

خرجت من مكتب كمال وأنا أشعر وكأن جبلاً قد رُفع عن صدري، لكن مكانه حلّ سؤال أثقل: كيف أخبر لمى بكل هذا؟ كيف أشرح لها أن الرجل الذي ظنّته - ولو للحظات - قد يكون أخاها، ليس كذلك، وأن والدي الحقيقي كان يراقبها ويعتني بها من بعيد طوال حياتها دون أن تعرف؟

مشيت في شوارع "مرسى الضياء" حتى غروب الشمس، أفكر في الطريقة الصحيحة لأقول كل هذا، وفي داخلي شعور جديد بدأ يتحرر من قيد الذنب الذي كان يكبّله: يمكنني أخيراً أن أعترف لنفسي، دون خوف، أن ما أشعر به تجاه لمى لم يكن يوماً محرّماً.

لكن الطريق أمامي لم يكن سهلاً بعد. كان عليّ أولاً أن أخبرها بحقيقة والدها الراحل، بحقيقة السنوات التي اعتنى فيها أبي بها من الظل، وأن أفعل ذلك بلطف كافٍ لا يهدم صورتها عن ماضيها بالكامل.

وحين وصلت أخيراً إلى المكتبة في تلك الليلة، وجدتها تجلس وحدها على الدرجات الحجرية، تحمل في يدها ظرفاً أصفر قديماً، ووجهها شاحب كأنها رأت شبحاً.

"ياسين"، قالت بصوت مرتجف بمجرد أن رأتني، "وجدت هذا بين أغراض خالتي القديمة اليوم... ظرف يحمل اسم والدك، وبداخله رسائل. أظن أن هناك شيئاً لم تخبرني به بعد."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل في المرآة   ليلة قبل الزفاف

    مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى

  • ظل في المرآة   ظل من السجن

    بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي

  • ظل في المرآة   الشريك الرابع

    مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن

  • ظل في المرآة   فاطمة

    اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع

  • ظل في المرآة   بداية جديدة

    مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع

  • ظل في المرآة   يوم المحاكمة

    جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status