Share

الرسائل

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-28 19:45:35

جلست بجانبها على الدرجات الحجرية، والبحر أمامنا يأخذ لونه الرمادي مع اقتراب الليل. لم أنطق بكلمة للحظات، أحاول أن أرتب في ذهني من أين أبدأ، بينما هي تمسك بالظرف الأصفر بيدين مرتجفتين، وكأنها تخشى أن تفتحه بمفردها.

"من أين حصلتِ على هذا؟" سألتها أخيراً.

"كنت أرتب صندوقاً قديماً في بيت خالتي، أشياء تخص أمي لم تُفتح منذ وفاتها"، قالت، وصوتها يتقطع. "وجدت هذا الظرف مخبأً بين ثيابها القديمة. عليه اسم: عبد الرحمن بن رحال."

سمعت اسم أبي يخرج من فمها فارتجفت داخلياً. مددت يدي بلطف نحو الظرف. "هل تسمحين لي؟"

أومأت برأسها، وفتحت الظرف بحذر. كانت بداخله رسائل عديدة، بعضها مؤرخ منذ أكثر من عشرين سنة، بخط يد أبي الذي أعرفه جيداً. بدأت أقرأ الأولى بصوت خافت، ولمى تستمع بجانبي، أنفاسها متسارعة.

كانت الرسالة موجهة إلى أم لمى، يخبرها فيها أبي أنه أرسل مبلغاً لتغطية مصاريف علاج لمى الطبي بعد إصابتها بمرض في طفولتها، ويطلب منها ألا تخبر أحداً بمصدر المال، "حفاظاً على ذكرى إدريس، وعلى كرامتك أنتِ أيضاً." كانت الرسالة الثانية أكثر شخصية، يتحدث فيها أبي عن شعوره بالذنب لأنه لم يستطع إنقاذ صديقه إدريس من الحادث، رغم أنه كان يقود السيارة الأخرى في تلك الليلة، عائداً معه من اجتماع عمل مشترك.

توقفت عن القراءة فجأة، وأعدت الجملة الأخيرة في ذهني. رفعت عيني إلى لمى، ووجدت وجهها قد فقد كل لونه.

"يقصد... أن والدك كان يقود السيارة الأخرى؟" همست بصوت بالكاد يُسمع. "هل والدك تسبب في وفاة أبي؟"

شعرت بثقل الجملة يسقط بيننا كصخرة. تابعت القراءة بيدين ترتجفان، أبحث عن مزيد من التفاصيل. الرسالة توضح أن الحادث كان نتيجة عطل مفاجئ في فرامل سيارة أبي في طريق جبلي ليلي، وأن السيارتين اصطدمتا دون تعمد، وأن أبي نجا بأعجوبة بينما توفي إدريس على الفور. لم يكن هناك إهمال أو تقصير، فقط قدر قاسٍ جمع بين صديقين في ليلة واحدة، أحدهما يخرج منها حياً يحمل وزر الذنب، والآخر يرحل تاركاً وراءه طفلة صغيرة وزوجة محطمة.

"لهذا كان يعتني بي"، قالت لمى بصوت مخنوق بالدموع. "لم يكن الأمر وفاءً فقط... كان يشعر بالذنب. طوال هذه السنوات، كان يشعر أنه مدين لي بحياة أبي."

حاولت أن أخفف من وقع الكلام. "لمى، من الرسائل واضح أنه لم يكن مقصراً، الحادث لم يكن خطأه."

"لكنه شعر أنه كذلك"، قاطعتني، والدموع تنهمر الآن بحرية. "وأنا كبرت طوال حياتي أظن أن أبي مات في حادث عادي، أظن أن العالم كله يعرف حقيقة موته إلا أنا. والآن أكتشف أن الرجل الذي كنت أعتبره... أياً كان ما كنت أعتبرك، أخاً أو صديقاً أو..." توقفت فجأة، وكأنها أدركت أنها كادت تقول شيئاً لم تكن مستعدة للاعتراف به.

انتظرت أن تكمل، لكنها لم تفعل. بدلاً من ذلك، طوت يديها حول ركبتيها وأخفت وجهها، تبكي بصمت. جلست بجانبها، لا أعرف إن كان من حقي أن ألمسها، أن أواسيها، بعد كل ما انكشف في تلك الليلة.

"لمى"، قلت أخيراً، بصوت هادئ قدر استطاعتي، "هناك شيء آخر يجب أن أخبرك به. شيء اكتشفته اليوم أنا أيضاً، عند كمال."

رفعت رأسها، عيناها حمراوان من البكاء، تنظر إليّ بترقب. أخبرتها عندها بكل شيء: بالوصية التي تركها أبي، بالجملة التي كتبها يصفها فيها بأنها أختي، بشهادة الميلاد التي تحمل اسم والدها الحقيقي إدريس الزاهي، وبتفسير كمال لكل هذا اللغز.

استمعت إليّ بصمت تام، لا تقاطعني، وكأنها كانت تعيد ترتيب حياتها كاملة في ذهنها بينما أتحدث. حين انتهيت، ساد صمت طويل بيننا، يقطعه فقط صوت الأمواج تتكسر على الصخور تحتنا.

"إذاً"، قالت أخيراً، بصوت أهدأ قليلاً، "لسنا أخوين."

"لا"، قلت. "لم نكن كذلك يوماً."

نظرت إليّ نظرة طويلة، تحمل خليطاً من الارتباك والخجل والدهشة. "طوال الأسبوعين الماضيين"، قالت بصوت خافت، "كنت أحاول أن أقنع نفسي أن ما أشعر به تجاهك مجرد امتنان، أو فضول، أو ربما شيء من الحنين لأخ لم أعرفه يوماً. كنت أخبئ عن نفسي حقيقة أخرى، لأنني ظننتها خطيئة."

شعرت بقلبي يرتفع في صدري. "وأنا كنت أفعل الشيء نفسه بالضبط"، اعترفت. "كنت أحاول أن أقنع نفسي أن ما أشعر به تجاهك مجرد رابطة عائلية، بينما كنت أعرف في أعماقي أنه شيء مختلف تماماً."

ابتسمت لمى ابتسامة خفيفة وسط دموعها، أول ابتسامة حقيقية أراها منها منذ بداية الليلة. "هذا كله غريب جداً، ياسين. اكتشفت في يوم واحد حقيقة موت أبي، وحقيقة اهتمام والدك بي طوال سنوات، وحقيقة أننا لسنا أخوين... وأنه ربما كان هناك سبب أعمق لتردد قلبي كل هذه الأسابيع."

مددت يدي ببطء، ووضعتها فوق يدها المرتجفة، دون أن أضغط، فقط لأمنحها الطمأنينة أنني هنا. لم تسحب يدها.

"لن أطلب منك شيئاً الليلة"، قلت بهدوء. "لديك الحق في أن تحزني على أبيك، وأن تستوعبي كل هذا على راحتك. لكنني أريدك أن تعرفي شيئاً واحداً بوضوح: ما أشعر به تجاهك حقيقي، ولم يكن يوماً محرّماً كما كنت أخشى."

بقينا صامتين لدقائق طويلة، يدانا متشابكتان، والبحر يواصل حواره الأزلي مع الصخور، وكأنه وحده يعرف أن قصتنا، رغم كل الأسرار والألم الذي كشفته تلك الليلة، بدأت للتو تأخذ منعطفها الحقيقي.

لكن في طريق عودتي إلى البيت تلك الليلة، لاحظت شيئاً أقلقني: سيارة سوداء متوقفة على الجانب الآخر من الشارع، بالقرب من بيتنا القديم، لم أرها من قبل في الحي. جلس بداخلها رجل بدا وكأنه يراقب المنزل. حين اقتربت، أدار محرك السيارة بسرعة وابتعد، تاركاً خلفه سؤالاً جديداً أضيف إلى قائمة الأسئلة التي لم تُجب بعد: من يراقبنا، ولماذا؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل في المرآة   ليلة قبل الزفاف

    مع اقتراب الأسبوع الأخير قبل موعد الزفاف، غمر المنزل القديم لأسرة بن رحال نشاط غير معتاد، بعد سنوات طويلة من الصمت الذي خيّم عليه منذ وفاة عبد الرحمن. بدأت لمى تقضي معظم أوقاتها هناك، تساعد في ترتيب التفاصيل الأخيرة، بينما تحول المنزل تدريجياً من مكان يحمل ذكريات ثقيلة إلى بيت ينبض بالحياة والأمل من جديد.في أحد الأمسيات، وبينما كانت لمى تساعد ياسين في ترتيب بعض الأغراض القديمة في العلية، عثرت على صندوق خشبي صغير لم يكن قد انتبه له من قبل، مخبأ خلف أكوام من الكتب القديمة والأوراق المهملة. فتحته بفضول، ووجدت بداخله مجموعة من الصور العائلية القديمة لم يرها ياسين من قبل، صور لوالده في شبابه، بعضها مع إدريس نفسه في لحظات مرح بدت بعيدة كل البعد عن الثقل الذي حملته قصتهما لاحقاً.جلسا معاً على أرضية العلية، يتصفحان الصور بحنان مختلط بحزن هادئ. كانت هناك صورة لاثنين من الشبان، عبد الرحمن وإدريس، يقفان أمام قطعة أرض فارغة، يبتسمان بحماس واضح، وخلف الصورة كتب بخط يد شاب: "بداية حلمنا الكبير، مشروع النخيل، صيف عام...""لم أكن أتخيل يوماً أنني سأرى صورة تجمع بينهما بهذه البساطة والفرح"، قالت لمى

  • ظل في المرآة   ظل من السجن

    بينما كانت التحضيرات لحفل الزفاف تسير بخطى ثابتة، وصل خبر غير متوقع هزّ استقرار الأسابيع الهادئة التي عاشها ياسين ولمى مؤخراً. اتصل بهما كمال ذات صباح، صوته يحمل قلقاً مهنياً معتاداً كلما تعلق الأمر بأي تطور جديد في قضية زهير. "تقدم محامي زهير باستئناف رسمي على الحكم"، أخبرهما بحذر، "مستنداً هذه المرة إلى طعن في إجراءات جمع الأدلة، تحديداً في كيفية حصول الشرطة على بيانات الموقع الجغرافي للهاتف المستخدم في التهديدات. يدّعي المحامي أن هناك خللاً إجرائياً في الحصول على إذن قضائي بذلك التتبع."شعرت لمى بموجة من القلق القديم تعود إليها رغم محاولاتها المستمرة للتحرر من ظلال تلك الفترة المظلمة. "هل يمكن أن ينجح هذا الاستئناف في تخفيف الحكم أو إلغائه؟"طمأنها كمال بحذر: "من الناحية الفنية، هذا احتمال ضعيف جداً، فالأدلة الأخرى، من شهادة عادل الموثقة إلى اعتراف فراس المسجل رسمياً، تكفي وحدها لإدانة قوية بغض النظر عن مسألة تتبع الهاتف. لكن هذا يعني أن ملف القضية سيبقى مفتوحاً قانونياً لفترة إضافية، وقد نحتاج لحضور جلسة استئناف قصيرة خلال الأشهر القادمة."حاول ياسين أن يخفف من قلق لمى، مذكّراً إي

  • ظل في المرآة   الشريك الرابع

    مرّ شهر تقريباً على لقاء لمى بعمتها فاطمة، شهر حمل استقراراً نادراً في حياة الاثنين، بين تحضيرات الزفاف المتزايدة وزيارات متكررة لفاطمة التي أصبحت جزءاً أساسياً من دائرة العائلة الصغيرة المتنامية حول ياسين ولمى. لكن ياسين لم ينسَ ذلك التفصيل الذي ذكره كمال قبل أسابيع، عن شريك رابع محتمل ظهر اسمه بشكل غامض في مستندات مشروع النخيل القديمة.في أحد الأيام، وبينما كان ياسين يراجع بعض المخططات في مكتبه، اتصل به كمال بصوت يحمل جدية متجددة. "ياسين، عدت للتحقيق في تلك الإشارة الغامضة عن الشريك الرابع، ووجدت شيئاً مثيراً للاهتمام. يبدو أن هناك مستثمراً رابعاً كان جزءاً من المفاوضات الأولية لمشروع النخيل، رجل يُدعى كريم الوزاني، لكنه انسحب من الصفقة في اللحظات الأخيرة قبل توقيع العقد النهائي، لأسباب غير موثقة بوضوح في الأوراق التي لدي.""هل تظن أن لهذا أي تأثير على وضعنا القانوني الحالي؟" سأل ياسين بحذر، بدأ يشعر بنوع من الإرهاق من الاكتشافات المتلاحقة التي بدت وكأنها لن تتوقف أبداً."من الناحية القانونية الصرفة، لا، فقد انسحب رسمياً قبل توقيع العقد، ولا يملك أي حق قانوني في المشروع الحالي. لكن

  • ظل في المرآة   فاطمة

    اتفقت لمى مع فاطمة على اللقاء في اليوم التالي، في نفس المقهى الهادئ قرب الميناء الذي كان قد شهد لقاءها الحاسم مع عادل قبل أشهر. أصرّ ياسين على مرافقتها هذه المرة، بعد كل ما مرّا به من مفاجآت غير متوقعة، ولم تعترض لمى على ذلك، بل شعرت بارتياح لوجوده بجانبها في مواجهة أي حقيقة جديدة قد تنكشف.وصلت فاطمة في الموعد المحدد، امرأة في أواخر الستينيات من عمرها، ترتدي ملابس بسيطة أنيقة، وتحمل حقيبة يد قديمة تمسك بها بإحكام كما لو كانت تحتوي على كنز ثمين. جلست أمامهما بحذر، عيناها تتفحصان ملامح لمى بتمعن شديد، وكأنها تبحث عن شبه عائلي تعرفه جيداً."سامحيني على هذا اللقاء المفاجئ"، بدأت فاطمة حديثها بصوت مرتجف قليلاً من التأثر. "لكن حين سمعت قصتك من ابنة أختي، التي تعمل ممرضة في المستشفى وسمعت الحديث عن قضيتك المشهورة في المدينة مؤخراً، شعرت أن عليّ واجباً أخلاقياً لا يمكنني تجاهله."سألتها لمى بلطف: "كيف تربطك القرابة بوالدي بالضبط؟"أخرجت فاطمة من حقيبتها صورة قديمة مهترئة الأطراف، ووضعتها بحذر على الطاولة أمامهما. كانت الصورة لعائلة كاملة تقف أمام منزل قديم، من بينهم طفل صغير بدا وكأنه في الع

  • ظل في المرآة   بداية جديدة

    مرت الأسابيع التالية للمحاكمة بهدوء نسبي لم نعهده منذ أشهر طويلة، هدوء بدا في البداية غريباً بعد كل تلك الفترة المليئة بالتوتر والترقب المستمر. عاد كل من ياسين ولمى إلى روتين حياتهما اليومية، لكن بشعور مختلف تماماً هذه المرة، شعور بالأمان والاستقرار الذي طالما افتقداه.عاد المكتب الهندسي لياسين ينبض بالحياة من جديد، حيث بدأ يستقبل مشاريع جديدة بعد أشهر من الإهمال القسري، بينما استعادت مكتبة لمى رونقها المعتاد، وأعادت ترتيب الرفوف التي تضررت خلال حادثة الاقتحام، مضيفة إليها بعض الكتب الجديدة التي طالما حلمت باقتنائها.في أحد أمسيات الخريف الهادئة، وبينما كانا يتمشيان معاً على كورنيش الميناء، توقف ياسين فجأة أمام لمى، وأخرج من جيبه علبة صغيرة كان يخفيها بعناية منذ أيام. "لمى"، قال بصوت يحمل مزيجاً من التوتر والحسم، "منذ اللحظة التي عرفت فيها الحقيقة الكاملة عن مشاعري تجاهك، لم أعد أتخيل حياتي بدونك. عشنا معاً أصعب الأيام التي يمكن أن يمر بها اثنان، وأثبتنا لبعضنا البعض أننا قادران على مواجهة أي عاصفة سوياً. هل توافقين أن نبدأ فصلاً جديداً من حياتنا، كزوجين هذه المرة؟"فتح العلبة ليكشف ع

  • ظل في المرآة   يوم المحاكمة

    جاء يوم المحاكمة الجنائية الكاملة أسرع مما توقعنا، بعد أسابيع من التحضيرات المكثفة التي قادها كمال بالتنسيق مع النيابة العامة. كانت القاعة هذه المرة أكبر بكثير من قاعة الجلسات الأولية التي اعتدنا عليها، مخصصة للقضايا الجنائية الكبرى، وامتلأت بمقاعد شهود ومراقبين، من بينهم عدد من الصحفيين المحليين الذين بدأت القضية تثير اهتماماً إعلامياً متزايداً بعد تسرب بعض تفاصيلها إلى الصحافة المحلية في الأسابيع الأخيرة.جلسنا، أنا ولمى، في الصف المخصص للشهود والمتضررين، بينما جلس كمال إلى جانب ممثل النيابة العامة، محامٍ شاب يُدعى الأستاذ نبيل، كان قد تولى القضية رسمياً باسم الدولة بعد تصنيفها كقضية جنائية كاملة تتجاوز النزاع المدني الأصلي. دخل زهير القيسي وفراس بن عمر معاً، كل منهما يرتدي الزي الرسمي المخصص للمحتجزين، ملامحهما تحمل إرهاقاً واضحاً بعد أسابيع من الاحتجاز.بدأت المحاكمة بعرض الأستاذ نبيل للتهم الموجهة رسمياً: التحريض على الاعتداء بنية الترهيب، التهديد بالقوة لإجبار طرف على التنازل عن حق مالي، والتواطؤ في محاولة اقتحام مسكون بنية إجرامية واضحة، إضافة إلى تهمة منفصلة تتعلق بشبهة تزوير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status