Home / التشويق / الإثارة / ظلال الطفولة / الفصل الثالث:- بيت من زجاج

Share

الفصل الثالث:- بيت من زجاج

Author: هبوس
last update publish date: 2026-10-07 02:30:29

بعد ذلك النقاش العاصف المليء بالألغاز المبهمة والتهديدات المبطنة مع ذلك المريض الغامض الذي أطلق على نفسه اسم ماجد، لم تعد الدكتورة رهف قادرة على التركيز في عيادتها أو مواصلة يوم عملها المعتاد. كانت كلماته العميقة المريبة تتردد في أذنها كصدى مستمر لا يريد أن يهدأ، والصور القديمة المشوشة تتنازع وتتخبط في زوايا عقلها الباطن دون جدوى. حزمت حقيبتها الجلدية على عجل، وقررت إنهاء مواعيدها المتبقية والعودة مبكراً إلى منزل عائلتها، علّها تجد بين جدرانه بعض الهدوء أو ما يلهيها عن التفكير، لكنها كانت تعلم في أعماق قلبها أن ذلك "البيت" لم يكن يوماً مكاناً للسكينة أو الأمان.

خطت رهف خارج بوابة عيادتها الطبية، مستسلمة لثقل الأفكار الضاغطة التي تزاحمت في مخيلتها. مشت عبر الأروقة الرخامية الباردة وهي تشعر بجدران المكان تضيق عليها كأنها زنزانة، وكأن لغز ماجد قد نزع عنها رداء الثقة والأمان النفسي الذي طالما ارتدته وبنت حوله حياتها ببراعة. استقلت سيارتها، وقادتها بهدوء وسط شوارع المدينة المزدحمة التي غمرتها أضواء المساء الباهتة والضبابية. كانت تتأمل الوجوه العابرة للمارة من خلف الزجاج، وتتساءل بمرارة: كم من هؤلاء البشر يحمل وراء ملامحه المستقرة والهادئة سراً أسود يرفض أن يغادر عتبات ماضيه؟ وكم منهم يعيش حياته بقناع يخفي خلفه صرخات مكتومة؟

فتحت رهف باب المنزل الخشبي الكبير بخطوات منهكة، لتستقبلها فوراً أصوات صراخ مألوفة وجلبة حادة تكاد تمزق سكون الممر المؤدي إلى صالة الاستقبال الرئيسية. تنهدت بثقل شديد، وشعرت بضيق خانق في صدرها وهي تتقدم نحو الداخل. أغلقت الباب خلفها ببطء شديد، وتوجهت بخطى متثاقلة لتجد المشهد العائلي المعتاد قد اكتمل بكافة تفاصيله المؤلمة والمكررة التي طالما تمنت الهروب منها.

في منتصف الصالة الفسيحة، كان والداها يقفان في مواجهة مشاحنة حادة وعاصفة جديدة من المشاحنات التي لا تنتهي. الأب، برداء كبريائه المعهود وصوته الجهوري الصارم الذي كان يتردد صداه بقوة بين جدران البيت، يقف ملوحاً بيده بقسوة وممارساً سيطرته وجبروته المعتاد دون أدنى مراعاة لمشاعر المحيطين به أو كرامتهم. وفي المقابل، كانت والدتها المستسلمة تقف منكسرة الرأس تماماً، تكتفي بالبكاء الصامت الخجول والدفاع الضعيف الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، متلقية كلمات التقريع والتوبيخ المعتادة بصبر مرير اعتادت عليه طوال عقود.

على المقعد الجلدي الجانبي، كانت تجلس أختها الوسطى رغد. كانت ملامح رغد ذابلة للغاية، والدموع تحتبس في عينيها الحزينتين المنكسرتين وهي تحتضن طفلها الوحيد الصغير، الذي لم يتجاوز بضعة أشهر من عمره، محاولة بكل ما أوتيت من قوة كتم أذنيه الصغيرتين وتحصينه بين ذراعيها حتى لا يسمع صراخ الجد المرتفع أو يرى جدال الجدة الباكي وتشنج الأجواء من حوله.وبالقرب من النافذة الكبيرة، كان يقف شقيقهما الأكبر خالد ومعه زوجته الشابة. ملامح الاستياء والارتباك كانت واضحة بوجوم على وجهيهما؛ حيث كان خالد يحاول دون جدوى التدخل بكلمات مقتضبة وحذرة لتهدئة الأجواء المشحونة وفض النزاع المستمر بين والديه، بينما فضلت زوجته التزام الصمت التام ومراقبة الموقف بحذر شديد وقلق ظاهر، خشية التورط في هذه المعركة العائلية المشتعلة التي لا تخصها بشكل مباشر.

وقفت رهف عند عتبة الصالة، تتأمل شقيقتها رغد بنظرات مليئة بالأسى، وشعرت بغصة حزن حارقة تمزق أعماقها من أجلهما. عادت بذاكرتها إلى الوراء قبل عامين فقط، عندما اتخذت رغد قرارها المفاجئ والسرع بالزواج في سن مبكرة جداً، متخلية عن طموحها وقبل حتى أن تكمل تعليمها الجامعي وتكسب شهادتها التي تؤمن مستقبلها. في ذلك الوقت، كانت رهف تعلم جيداً من واقع فهمها النفسي أن دافع رغد للزواج لم يكن حباً جارفاً أو رغبة حقيقية في بناء أسرة استثنائية، بل كان مجرد محاولة بائسة وصراخ مكتوم للهرب بأي ثمن من جحيم المشاكل الأسرية والسيطرة المفرطة والتحكم الخانق الذي يفرضه والدهما الصارم داخل هذا البيت الطارد لساكنيه. لكن رغد هربت من نار المنزل لتجد نفسها في شقاء آخر وقيود جديدة، وجاءت اليوم تحمل طفلها باحثة عن أمان مفقود، لتصطدم بنفس الجدران وتستنشق نفس الهواء المليء بالتوتر والنزاع المكتوم.

في تلك اللحظات القاسية، دار في عقل رهف التساؤل المعتاد والمليء بالدهشة والاستغراب، والذي كانت تلمحه بوضوح في نظرات أشقائها كلما تأملوها في مثل هذه المواقف: "كيف تتحمل رهف كل هذا الجحيم؟ كيف تعيش وسط هذه الفوضى العارمة والحروب اليومية المستمرة دون أن تنهار نفسياً أو تفقد صوابها، أو تبحث عن مهرب سريع بالزواج التقليدي كما فعلت شقيقتها رغد لتتخلص من هذه الجدران؟"

تراجعت رهف خطوة إلى الخلف صامتة، واستندت بجسدها المنهك على الجدار البارد، وبدأت تفكر في مكنونات نفسها وبتعمق شديد لم تعلنه لأي مخلوق من قبل. الحقيقة المرة التي لا يعلمها أحد سواها، هي أن صدمة طفولتها القديمة—تلك الغرفة المظلمة المدفونة في الذاكرة والكف الخشنة التي كتمت صرختها وصادرت أنفاسها وهي طفلة صغيرة—أعادت صياغة مفاهيمها بالكامل تجاه الحياة ورجالها. بالنسبة لرهف، رؤية هذه المشاكل الاجتماعية اليومية، وسماع خناق والديها المستمر وسيطرة أبيها المطلقة، كانت أرحم بكثير وأكثر أماناً من فكرة أن تضع ثقتها الكاملة في رجل آخر أو تسلم أمانها لشخص مجهول. لقد ترسخ في عقلها الباطن أن الزواج قد يؤدي إلى كسرها وتدمير استقلاليتها وجعلها تحت رحمة شخص آخر يملك القدرة على إيذائها. علمتها تلك الصدمة القديمة المدفونة أن تعتمد على نفسها وعلى علمها وعملها فقط، وأن تظل وحيدة وقوية خلف درعها الطبي، بدلاً من المخاطرة بالوقوع تحت رحمة رجل قد يعيد إنتاج نفس الرعب والاضطهاد في حياتها.فجأة، وبشكل قاطع وحاد، انقطع صوت الصراخ والجدال في الصالة عندما ضرب الوالد بيده الخشنة فوق سطح الطاولة الخشبية بعنف شديد، محدثاً دويّاً قوياً أجبر الجميع على قطع حديثهم والتزام الصمت المطبق والنظر إليه بترقب شديد. التفتت العيون والأنظار كلها نحوه بوجل وخوف، بينما تيبست نظرات رهف الحادة وهي تراقبه بدقة، محاولة قراءة ما يدور خلف ملامحه القاسية التي لا تظهر أي نوع من الرحمة.

أخذ الوالد نفساً عميقاً، وعدل هندامه بنوع من الغرور والكبرياء، ثم نظر إلى والدتهم المنكسرة الباكية ببرود تام وقاسٍ، قبل أن يوجه نظراته الحادة والصارمة نحو أبنائه وبناته الحاضرين في الصالة. أطلق نبرة صوت حاسمة وجافة لم تترك أي مجال للنقاش أو المراجعة، وقال: "بما أن الجميع حاضرون هنا ومجتمعون اليوم.. أريدكم أن تسمعوا وتستوعبوا ما سأقوله جيداً ولا تنسوه. لقد اتخذت قراري النهائي الذي لا رجعة فيه، وأنا سأتزوج قريباً جداً من امرأة أخرى، وتجهيزات الزفاف والبيت الجديد بدأت بالفعل، وهذا الأمر شخصي ومحسوم وليس مطروحاً للنقاش أو الاعتراض من أي أحد منكم، وعليكم تقبل الواقع كما هو!"

سقطت الكلمات كالصاعقة المدوية فوق رؤوس الجميع، لتشل حركة الصالة تماماً وتكتم الأنفاس. شهقت الوالدة بصدمة لوعتها وغطت وجهها بيديها المرتجفتين وهي تنفجر ببكاء مرير ونحيب يقطع القلوب، بينما اتسعت عينا رغد بذهول قاتل واحتضنت طفلها الصغير بقوة مفرطة وكأنها تحمي نفسها به من بطش هذا القرار، ووقف خالد مكانه متسمراً وعاجزاً لا يدري ماذا يقول أو كيف يتصرف أمام هذا الجبروت والأنانية. أما رهف، فبقيت واقفة في مكانها عند العتبة دون أن تتحرك، وعيناها مثبتتان على وجه والدها بذهول صامت وعميق، وهي تشعر في تلك اللحظة أن جدران حاضرها وبيتها بدأت تتهاوى فوق جروح ماضيها الغامض، ليتشابك الغموض العائلي الجديد مع أسرار عيادتها ومريضها الغامض ماجد في شبكة واحدة معقدة ومثيرة ولا ترحم!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظلال الطفولة   الفصل الثاني عشر:-حبيسة طفولتها

    في عتمة تلك الليلة الثقيلة، كانت رهف مستلقية على فراشها، وعقلها لا يكف عن الدوران حول فكرة غامضة؛ ماجد مختفٍ تماماً منذ فترة، وكل محاولاتها للوصول إليه أو فهم غايته باءت بالفشل. بدأت تتقلب على سريرها بين اليقظة والنوم، ينهشها القلق وتتقاذفها كوابيس طفولتها المرعبة التي عادت لتجسد الكف الخشنة والباب المغلق. عجزت تماماً عن النوم، فنهضت بجسد مرتجف وتوجهت إلى غرفة والدتها، وطرقت الباب بخفة. فتحت الأم عينيها وقالت بقلق: "خير يا بنتي؟ ما بكِ؟" أجابتها رهف بصوت خافت: "مش عارفة أنام يا أمي.. تعبانة جداً." سحبتها الأم بحنان قائلة: "تعالي هنا جنبي."أخذتها الأم في حضنها الدافئ، ومسدت على شعرها ثم قالت بنبرة حانية: "مالك يا رهف؟ حساكي مش مرتاحة بقالك فترة." تنهدت رهف وقالت: "تعبانة بس يا أمي." لكن الأم هزت رأسها وقالت: "لا، مش تعب جسدي.. أنا ساعات بحسكِ شايلة هم الدنيا كله فوق كتافكِ، قولي لي إيه اللي مزعلكِ ومغير حالكِ؟" صمتت رهف لثوانٍ، ثم نظرت إلى والدتها وقالت بجدية: "ماما.. عايزاكي تبقي قوية، وماتعتمديش على راجل في حياتكِ تاني أبداً، حتى لو كان الراجل ده هو بابا." نظرت إليها الأم باستغراب و

  • ظلال الطفولة   الفصل الحادى عشر:- خيارات بطعم الرماد

    مع شروق صباح يوم جديد يحمل في طياته خيوط الأمل والبدايات الواعدة، خطت الدكتورة رهف داخل ممرات المستشفى بخطوات واثقة، لتستقبلها صديقتها ومديرة أعمالها سارة بملامح بَدت أكثر راحة وتصميماً. اقتربت سارة منها وقالت بنبرة خفيضة ولكنها حاسمة: "رهف.. لقد اتخذت قراري النهائي، سأطلب الطلاق رسمياً وأنهي هذا الجحيم البارد. أنا أعتذر منكِ بشدة لأنني سأقيم في شقتكِ لفترة مؤقتة حتى أتمكن من ترتيب أموري وتنظيم حياتي الجديدة." ابتسمت رهف بحنان وضغطت على يدها قائلة دون أي تردد: "أرجوكِ يا سارة، لا داعي لأي انزعاج أو كسوف بيننا، الشقة شقتكِ والمكان يتسع لنا معاً، وهذا أقل ما يمكنني تقديمه لكِ في رحلة استعادة كرامتكِ."تنفسَت سارة براحة، بينما باشرت رهف عملها وبدأت في تصفح ملفات الحالات الجديدة بجدية. استوقفها ملف مريض استثنائي؛ دكتور جراح شهير، تعرض لحادث سيارة مروع خسر فيه زوجته وابنه الصغير بينما خرج هو من الحادث سليماً بجسده، لكن روحه تحطمت بالكامل، ليدخل بعدها في حالة صمت اختياري تام ورفض مطلق للتواصل مع العالم. شعرت رهف بوجع إنساني عميق، وأخذت الملف وتوجهت إلى غرفته لتلقي نظرة عليه. وجدته جالساً بج

  • ظلال الطفولة   الفصل العاشر:- شرارة التمرد

    وقفت الدكتورة رهف في منتصف مكتبها، وعيناها متسمرتان فوق ورقة صغيرة مطوية بعناية كانت قد عثرت عليها. بدأت تقرأ أسطرها بملامح شاحبة، وكان خط "ملك" الضعيف يرتجف بين أصابعها وهي تقول: "دكتورة رهف، أنا آسفة جداً لأنني خذلتكِ ورحلت.. لكنني فكرت ملياً ووجدت أن أهلي على حق. أنا لا أملك الجرأة ولا القوة لمواجهة المحاكم ونظرات الناس، وسماع كلماتها الجارحة. الفضيحة ستقتلني قبل أن ينال هو عقابه. سأحاول التعايش مع قذارة ما حدث في صمت، أرجوكِ سامحيني ولا تبحثي عني."أطبقت رهف يدها على الورقة بعنف وجسدها كله يرتجف من فرط العجز والوجع؛ لقد انتصر الخوف الاجتماعي مجدداً، ودفنت ضحية أخرى سرها في العتمة لتلوذ بالفرار هرباً من مواجهة مجتمع لا يرحم.وفي تلك اللحظة المشحونة بالمرارة، انفتح باب المكتب فجأة ودخل الطبيب أحمد وعيناه تحملان ذلك الإصرار النقي ليفتح معها موضوع ارتباطهما ومساندته لها مجدداً. التفتت إليه رهف، وفجأة انفجر بركان الغضب المكبوت داخل صدرها؛ تلاقت خيبة خذلان ملك مع ضغط مشاعرها، فصرخت في وجه أحمد بعصبية عارمة وهي تنتفض: "أحمد! ألم تفهم كلامي السابق؟! أرجوك اخرج من مكتبي ومن حياتي فوراً! أن

  • ظلال الطفولة   الفصل التاسع:- ملامح الغد

    في الجانب الآخر من العائلة، كان "خالد" شقيق رهف الأكبر يعيش تفاصيل حياته اليومية بطريقة مختلفة تماماً عن القسوة والبرود اللذين نشأ في ظلهما. رزقه الله بطفلين جميلين، وكان يرى في ملامحهما الصغيرة فرصة لترميم أنقاض ماضيه. لقد أخذ عهداً على نفسه ألا يذوق أبناؤه ذرة واحدة من الجفاف العاطفي الذي مارسه والدهم عليهم؛ فكان يقضي ساعات المساء يمازح طفليه، ويغمرهما بحضن دافئ يفتقدانه في ذكريات طفولته، كما كان يقف مع زوجته في المطبخ بابتسامة صامتة، يساعدها في أعمال البيت ويفك عنها عبء اليوم، مؤمناً بأن الرجولة الحقيقية هي احتواء وسند.رغم انشغال رهف العارم بقضية الطفلة ملك، إلا أن واجبها نحو والدتها ظل يدفعها للتحرك. توجهت رهف إلى منزل عائلتها، وهناك اتفقت مع شقيقتها "رغد" على خطة عاجلة لانتشال والدتهما من مستنقع حزنها. واجهت الفتاتان رفضاً قاطعاً واستسلاماً مريراً من الوالدة التي كانت ترى أن حياتها قد انتهت، ولكن بإصرار رهف الحاد وعزيمتها، رضخت الأم وأقنعاها بالخروج.انطلقن جميعاً إلى مركز تسوق راقٍ في المدينة. بدأت الجولة بالتجول بين المحلات التجارية الكبرى، وكانت رهف ورغد تختاران بعناية قطع مل

  • ظلال الطفولة   الفصل الثامن:- ثمن الاستقامة

    الصباح التالي والصلابة ترتسم على ملامحها، متوجهة مباشرة نحو الغرفة التي تقبع فيها الطفلة "ملك".عند باب الغرفة، كان والدا ملك يجلسان والوجوم والقلق الشديد يكسوان وجهيهما. تنحنحت رهف وطلبت منهما الدخول معها إلى الغرفة لإجراء مناقشة طبية هامة وحاسمة بخصوص الحالة النفسية لابنتهما. دخل الجميع، وأغلقت رهف الباب خلفهم ببطء، ليعود ذلك الصمت الثقيل الذي تألفه جيداً في مواجهة الحقائق المرة. نظرت رهف إلى ملك المستلقية على السرير، فأومأت الطفلة برأسها الصغير في إشارة شجاعة تدل على موافقتها على كسر حاجز الصمت، والبدء في مواجهة عائلتها بما حدث لها.التفتت رهف نحو الأبوين، وأخذت نفساً عميقاً ثم قالت بنبرة هادئة ورصينة، لكنها حملت وزناً طبياً وقانونياً لا يقبل الشك: "لقد جلست مع ملك مطولاً بالأمس، واستمعت إلى مكنونات صدرها وما يؤرق روحها الصغيرة. الحقيقة التي يجب أن تواجهوها بشجاعة هي أن ابنتكما لم تحاول إنهاء حياتها بسبب ضغط دراسي أو اكتئاب عابر.. ملك تعرضت لاعتداء وحشي وجريمة نكراء، وهذا هو السبب الحقيقي وراء محاولتها التخلص من حياتها لشعورها بالذنب والعجز."سقطت الكلمات كالصاعقة في الغرفة، لتجمد

  • ظلال الطفولة   الفصل السابع:- خيوط الحقيقة

    بعد تلك الليلة العصيبة المليئة بالدموع المنهمرة والانهيار النفسي الحاد خلف الجدران المغلقة لشقتها الخاصة، استيقظت الدكتورة رهف وفي أعماق وجدانها إصرار جديد وقاسٍ، تولد من رحم المعاناة الطويلة. وقفت أمام مرآتها الكبيرة، ورممت شتات نفسها وجففت آخر قطرات الضعف المتبقية في عينيها، ممسكة بزمام قوتها وصلابتها كطبيبة بارعة وامرأة قررت ألا تترك ماضيها المظلم أو حاضر عائلتها المتهالك يتهاوى أكثر من ذلك. كان قرارها الأول والأقرب إلى قلبها المثقل بالهموم هو إنقاذ والدتها المنكسرة من مستنقع التبعية العمياء والإنكار النفسي المدمر.توجهت رهف إلى منزل عائلتها بخطوات ثابتة وثقيلة، ووجدت والدتها تجلس في زاوية الصالة والوجوم الشديد يكسو ملامحها الشاحبة كالموت. جلست رهف بجانبها على المقعد، وأمسكت بيديها الباردتين المرتجفتين وضغطت عليهما بحنان دافئ، ثم بدأت تتحدث إليها بنبرة هادئة، رصينة وعميقة، بعيدة تماماً عن لغة الهجوم الحادة السابقة: "أمي، استمعي إليّ جيداً وبكل جوارحكِ. الحياة لا تنتهي أبداً عند عتبة رجل اختار بكامل إرادته وبأنانية أن يرحل ويترك خلفه كل شيء، وكرامتكِ الإنسانية أثمن بكثير من أن تُهدر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status