ظلال الطفولة

ظلال الطفولة

last updateLast Updated : 2026-10-11
By:  هبوسUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
12Chapters
12views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

بين جدران عيادتها الأنيقة، تجلس الدكتورة "رهف"؛ الطبيبة النفسية الشهيرة التي يلوذ بها الجميع لتفكيك عُقدهم ومداواة جراحهم السرية. تملك أدوات العلم، وتفك شفرات العقول بكفاءة مبهرة، لكن خلف هذا القناع المتماسك تقبع حقيقة مرعبة.. رهف عاجزة تماماً عن علاج نفسها. تبدأ الحكاية بصرخة مكتومة في ذاكرة الماضي؛ كف خشنة تكمم فم طفلة صغيرة وتجرها بعنف إلى غرفة مظلمة يُغلق بابها على سر مدفون. هذا الكابوس الذي يطاردها كل ليلة ليس مجرد ذكريات، بل هو "الظل" الذي يرفض أن يترك حاضرها بسلام، حتى وهي محاطة بقلق خطيبها ومحاولاته لإنقاذها. ماذا يحدث عندما يطرق باب عيادتها مريض يحمل في جعبته مفاتيح تلك الغرفة المظلمة؟ وهل تتمكن طبيبة القلوب من تحطيم قيود ماضيها، أم أن ظلال الطفولة ستلتهم حاضرها ومستقبلها إلى الأبد؟ رحلة نفسية غامضة ومليئة بالتشويق، حيث تصبح العيادة ساحة لمواجهة أخطر أنواع المرض.. ماضينا!

View More

Chapter 1

الفصل الأول:-صدى العتمة

الظلام هنا ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كائن حي يتنفس، يلتف حول العنق ببطء ليمتص كل ذرات الأكسجين المتبقية.

في تلك الزاوية الضيقة من الغرفة المنسية، كانت الطفلة ذات السنوات الخمس تجلس منكمشة على نفسها. يداها الصغيرتان تحتضنان ركبتيها الشاحبتين، وجسدها الضعيف يرتجف بعنف كأنه ورقة خريفية عاصفة. عيناها المتسعتان بذهول الرعب كانتا تحدقان في الفراغ، تلتقطان ذلك الخيط الرفيع والوحيد من الضوء الذي يتسلل من أسفل الباب الخشبي الثقيل، كأنه حبل نجاة مستحيل.

فجأة، تحرك الظل الطويل والمخيف الذي كان يملأ أركان المكان. لم يكن هناك وقت للهروب، ولا مساحة حتى للتراجع. امتدت كف خشنة، ضخمة، وقاسية لتنطبق بعنف فوق فمها الصغير. كتمت الصرخة في حلقها قبل أن تولد، وتحولت استغاثتها إلى أنين مكتوم ومؤلم يمزق صدرها الغض. شعرت ببرودة الخوف القاتل تسري في عروقها وهي تُسحب بقوة وقسوة إلى داخل عمق العتمة. وفي تلك اللحظة، رُكل الباب ليُغلق بعنف ودوّي مرعب. اختفى خيط الضوء تماماً، وتحول العالم كله إلى زنزانة سوداء حالكة لا تعرف الرحمة، يملؤها صوت أنفاس ثقيلة ومرعبة يهمس في أذنها بوعيد لا يُمحى.

"دكتورة رهف.. دكتورة رهف، هل تسمعينني؟ أرجوكِ استيقظي!"

فتحت الدكتورة رهف عينيها بجسد منتفض وأنفاس متلاحقة، لتجد نفسها تجلس خلف مكتبها الفخم المصنوع من الخشب الداكن في عيادتها النفسية الأنيقة. الإضاءة الدافئة تحيط بالمكان، وصوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة ينساب في الخلفية لتهدئة الأعصاب، لكن حاضرها لم يكن هادئاً أبداً. كان وجهها شاحباً كالموت، وحبات العرق البارد تكسو جبينها الناصع. كانت أصابعها تقبض بقوة غريبة على قلمها الناري، حتى ابيضت مفاصل يدها وكادت تقسم القلم إلى نصفين.

أمام المكتب، كانت تقف "سارة"، صديقتها المقربة ومديرة أعمالها في العيادة، والملامح القلقة ترتسم بوضوح الشديد على وجهها. خطت سارة نحوها مسرعة، ووضعت كوباً من الماء البارد أمامها، ثم قالت بصوت خفيض مليء بالوجل: "رهف، هذا الكابوس يتكرر للمرة الثالثة هذا الأسبوع.. وأنتِ في وضح النهار وفي مكتبكِ! ألا ترين أن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة تماماً؟"

أخذت رهف نفساً عميقاً، وحاولت جاهدة استجماع شتات نفسها المبعثرة بسرعة فائقة، لتعيد رسم قناع الطبيبة الهادئة، الرصينة، والواثقة التي يلوذ بها مئات المرضى شهرياً. أرجعت خصلة من شعرها الأسود الداكن إلى الخلف، وشربت رشفة صغيرة من الماء، ثم قالت بنبرة جافة حاولت جعلها طبيعية: "أنا بخير يا سارة.. مجرد إرهاق وتعب متراكم بسبب حالات الانتحار والاكتئاب الحاد التي عاينتها هذا الأسبوع. لا داعي لكل هذا الذعر والقلق."

تحركت سارة في أرجاء الغرفة الفخمة، ثم التفتت إليها قائلة بعتاب ونبرة لائمة: "إلى متى ستظلين تختبئين خلف شهاداتكِ العلمية والطبية يا رهف؟ أنتِ الطبيبة النفسية الأشهر في المدينة، تفككين عقد الناس وتداوين جراحهم السرية وخيباتهم كل يوم، لكنكِ عاجزة تماماً أمام قفل ماضيكِ! تلك الطفلة الصغيرة في الكابوس.. ما زالت محبوسة في تلك الغرفة المظلمة، وأنتِ ترفضين مواجهة الأمر أو الذهاب لطبيب مختص يساعدكِ. كبرياؤكِ كطبيبة سيقضي عليكِ."

وقفت رهف من خلف مكتبها بخطوات ثابتة، وتوجهت نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على شوارع المدينة الصاخبة بحركتها وسياراتها. كانت كلمات سارة تضرب وتراً حساساً ومؤلماً للغاية في أعماق عقلها الباطن، لكن كبرياءها المهني وشخصيتها المستقلة التي بنتها بدموعها وكفاحها منعاها من الاعتراف بضعفها أمام أي شخص.

التفتت إلى سارة وقالت بنبرة حادة وصارمة: "سارة، أنا من يداوي العقول والقلوب هنا، وأعرف تماماً كيف أدير مشاعري وصدماتي القديمة. كوابيس الطفولة مجرد تفريغ لا واعي من العقل الباطن بسبب ضغط العمل، وستزول تلقائياً مع الوقت. ركزي في عملكِ واتركي لي قضاياي الشخصية."

تنهدت سارة بيأس، ونظرت في عيني صديقتها وقالت بحنان مشوب بالخوف: "أنا صديقتكِ الوحيدة التي تعرف حقيقتكِ خلف هذا القناع الحديدي يا رهف. أريدكِ قوية بحق من الداخل، لا أن تتظاهري بالقوة أمام المجتمع ومرضاكِ. أخبريني ولو لمرة واحدة.. ماذا حدث في تلك الغرفة عندما كنتِ طفلة؟ من الذي وضع يده على فمكِ؟ من هو صاحب ذلك الظل؟"

شعرت رهف بغصة خانقة في حلقها، وضغطت على يدها بقوة حتى ألمتها أظافرها. الحقيقة المرة أن الصورة كانت مشوشة وضبابية تماماً في عقلها؛ الصدمة النفسية العنيفة حذفت التفاصيل المحددة والوجوه، ولم تترك في ذاكرتها سوى الرعب الأسود القاتل والشعور بالعجز.

وقبل أن تجيب سارة، قطع حبل الصمت الثقيل والمؤلم صوت طرقات هادئة، منتظمة، وباردة على باب المكتب الخارجي.

اعتدلت رهف في وقفتها فوراً، وتنحنحت لتعيد لنفسها مظهر الطبيبة الرصينة والمستعدة، وقالت لسارة بصوت خفيض وجاد: "انتهى النقاش يا سارة، مريضي القادم قد وصل. تفضلي بافتتاح الباب له."

تحركت سارة نحو الباب لفتحه، لكنها التفتت إليها قبل أن تخرج وقالت بنبرة تحذيرية خافتة: "أتمنى ألا يطول هروبكِ يا دكتورة.. لأن الماضي دائماً يملك طرقاً خبيثة ليعود ويهدم كل ما بنيناه."

انفتح الباب، وخرجت سارة لتترك مكاناً للمريض الجديد الذي دخل بخطوات بطيئة ومدروسة. كان رجلاً في أواخر الثلاثينات من عمره، يرتدي معطفاً طويلاً داكناً يمنحه مظهراً غامضاً، ويمشي بثقة مفرطة تثير الريبة في النفس. لم يلتفت الرجل إلى لوحات العيادة الفخمة أو أثاثها الثمين، بل صوب عينيه الحادتين كالصقر مباشرة نحو عيني رهف.

جلس بهدوء مرعب على المقعد الجلدي المقابل لمكتبها، وعلامات البرود الشديد تكسو ملامحه المسترخية. حاولت رهف رسم ابتسامتها المهنية المعتادة، وفتحت دفتر الملاحظات الأبيض أمامها، ثم قالت بنبرة مرحبة: "أهلاً بك في عيادتي.. أنا الدكتورة رهف منصور. ما الذي يمكنني أن أساعدك به اليوم؟ ما هي المعاناة أو المشكلة التي تؤرق نومك؟"

نظر إليها الرجل لثوانٍ طويلة ساد فيها صمت قاتل وجاف، لدرجة أن صوت دقات الساعة المعلقة على الحائط صار مسموعاً ومزعجاً. ثم شبك أصابع يديه معاً، وقال بصوت عميق، هادئ، وأجش أرسل قشعريرة باردة وجامدة في جسد رهف بالكامل:

"مشكلتي غريبة بعض الشيء يا دكتورة.. أنا هنا لأنني أملك هواية استثنائية. أنا أعشق جمع الأسرار القديمة التي طواها الزمن، وخاصة تلك الأسرار السوداء التي تحدث خلف الأبواب الخشبية العتيقة والمغلقة.. في الغرف المظلمة، عندما تكمم الأيدي الخشنة الضخمة أفواه الأطفال الصغار لكي لا يسمع صرخاتهم واستغاثتهم أحد!"

تسمرت يد رهف تماماً فوق الأوراق، وسقط القلم الناري من بين أصابعها المرتجفة ليرتطم بالأرض مصدراً صوتاً حاداً، بينما تلاقت عيناها بعيني المريض الذي كان يبتسم بخبث ودهاء مرعب، وكأنه لا يجلس كـ مريض، بل كـ سجان يحمل بين يديه مفتاح زنزانتها السرية التي هربت منها طوال عشرين عاماً!

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
12 Chapters
الفصل الأول:-صدى العتمة
الظلام هنا ليس مجرد غياب للضوء، بل هو كائن حي يتنفس، يلتف حول العنق ببطء ليمتص كل ذرات الأكسجين المتبقية.في تلك الزاوية الضيقة من الغرفة المنسية، كانت الطفلة ذات السنوات الخمس تجلس منكمشة على نفسها. يداها الصغيرتان تحتضنان ركبتيها الشاحبتين، وجسدها الضعيف يرتجف بعنف كأنه ورقة خريفية عاصفة. عيناها المتسعتان بذهول الرعب كانتا تحدقان في الفراغ، تلتقطان ذلك الخيط الرفيع والوحيد من الضوء الذي يتسلل من أسفل الباب الخشبي الثقيل، كأنه حبل نجاة مستحيل.فجأة، تحرك الظل الطويل والمخيف الذي كان يملأ أركان المكان. لم يكن هناك وقت للهروب، ولا مساحة حتى للتراجع. امتدت كف خشنة، ضخمة، وقاسية لتنطبق بعنف فوق فمها الصغير. كتمت الصرخة في حلقها قبل أن تولد، وتحولت استغاثتها إلى أنين مكتوم ومؤلم يمزق صدرها الغض. شعرت ببرودة الخوف القاتل تسري في عروقها وهي تُسحب بقوة وقسوة إلى داخل عمق العتمة. وفي تلك اللحظة، رُكل الباب ليُغلق بعنف ودوّي مرعب. اختفى خيط الضوء تماماً، وتحول العالم كله إلى زنزانة سوداء حالكة لا تعرف الرحمة، يملؤها صوت أنفاس ثقيلة ومرعبة يهمس في أذنها بوعيد لا يُمحى."دكتورة رهف.. دكتورة رهف،
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل الثاني:- زائر من الماضي
ساد الصمت أرجاء العيادة الفخمة، صمت ثقيل ومطبق كأنه الهواء الذي يسبق العواصف المدمرة. كان صوت تكتكات الساعة المعلقة على الحائط يبدو الآن أعلى من المعتاد، كأنه مطرقة تضرب فوق رأس الدكتورة رهف منصور.بقيت عيناها متسمرتين فوق وجه الرجل الجالس أمامها. كانت ملامحه مسترخية بشكل مستفز، والابتسامة الباردة المرتسمة على شفتيه تخبرها بأنه يعلم تماماً مدى الأثر المرعب الذي أحدثته كلماته في نفسها. سقط قلمها على الأرض، لكنها لم تحاول حتى الانحناء لالتقاطه؛ فكل خلية في جسدها كانت مشلولة بفعل الصدمة. كلماته لم تكن مجرد تشبيه عابر، بل كانت وصفاً حياً ودقيقاً للكابوس الذي استيقظت منه قبل دقائق معدودة! الغرفة المظلمة، اليد الخشنة، والصرخة المكتومة.حاولت رهف بكل ما أوتيت من قوة واستجماع لخبرتها السنوية في الطب النفسي أن تتماسك. ابتلعت الغصة الجافة في حلقها، وضغطت بكفيها فوق سطح المكتب الخشبي لتمنع ارتجاف أصابعها. أخذت نفساً عميقاً، وحولت نظراتها المذعورة إلى نظرة حادة، مهنية، وصارمة، ثم قالت بصوت حاولت جاهدة جعله ثابتاً: "أنا طبيبة نفسية يا سيدي، ولست قاصة أو هاوية لسماع الحكايات الغامضة. إذا كنت هنا لل
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل الثالث:- بيت من زجاج
بعد ذلك النقاش العاصف المليء بالألغاز المبهمة والتهديدات المبطنة مع ذلك المريض الغامض الذي أطلق على نفسه اسم ماجد، لم تعد الدكتورة رهف قادرة على التركيز في عيادتها أو مواصلة يوم عملها المعتاد. كانت كلماته العميقة المريبة تتردد في أذنها كصدى مستمر لا يريد أن يهدأ، والصور القديمة المشوشة تتنازع وتتخبط في زوايا عقلها الباطن دون جدوى. حزمت حقيبتها الجلدية على عجل، وقررت إنهاء مواعيدها المتبقية والعودة مبكراً إلى منزل عائلتها، علّها تجد بين جدرانه بعض الهدوء أو ما يلهيها عن التفكير، لكنها كانت تعلم في أعماق قلبها أن ذلك "البيت" لم يكن يوماً مكاناً للسكينة أو الأمان.خطت رهف خارج بوابة عيادتها الطبية، مستسلمة لثقل الأفكار الضاغطة التي تزاحمت في مخيلتها. مشت عبر الأروقة الرخامية الباردة وهي تشعر بجدران المكان تضيق عليها كأنها زنزانة، وكأن لغز ماجد قد نزع عنها رداء الثقة والأمان النفسي الذي طالما ارتدته وبنت حوله حياتها ببراعة. استقلت سيارتها، وقادتها بهدوء وسط شوارع المدينة المزدحمة التي غمرتها أضواء المساء الباهتة والضبابية. كانت تتأمل الوجوه العابرة للمارة من خلف الزجاج، وتتساءل بمرارة: كم
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل الرابع:-شروخ جدار الصمت
لم تكن الكلمات التي ألقاها والد رهف مجرد إعلان عن زواج ثانٍ، بل كانت بمثابة معول هدم تحطمت عليه آخر خيوط الاستقرار الهش في هذا البيت المتهالك. ساد صمت خانق لثوانٍ معدودة، صمت يشبه ذلك الذي يسبق الانفجارات المدمرة، قبل أن ينفجر البركان العائلي بكامل قوته.تنحنح الوالد، وجلس على مقعده ببرود شديد، عاقداً ذراعيه أمام صدره وكأنه قاضٍ يصدر حكماً غير قابل للطعن، وقال بنبرة جافة: "لقد رتبت كل شيء بالفعل. الزواج سيكون في بيت آخر تماماً، سأنتقل للعيش هناك مع زوجتي الجديدة. أما بالنسبة لوالدتكم.. فقد قررت أن أنفصل عنها رسمياً. سأترك لها هذا البيت تعيش فيه معكم، وسأتكفل بكافة مصاريفها، لكنني لن أبقيها على ذمتي ليوم واحد إضافي. هذا طلاق نهائي."سقطت الكلمات كالسكين في قلب هدى. انهار حصن الصبر الذي بنته طوال عقود، وبدلاً من أن تثور لكرامتها أو تتمسك بالبيت الذي تركه لها، حدث ما لم يكن في الحسبان. ارتمت هدى عند قدميه، والدموع تنهمر كالأمطار على وجهها الشاحب، وتوسلاتها الخانقة تملأ أركان الصالة. كانت تقبض على طرف ثوبه وتصرخ بنحيب يمزق نياط القلوب: "أرجوك يا أبو خالد.. لا تفعل هذا بي! لا تترك البيت! ت
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل الخامس:- حطام ونور
خرجت رهف من منزل عائلتها والخطوات تترنح بها تحت سماء الليل الحالمة، لكن روحها كانت تشتعل. بمجرد أن أغلقت باب سيارتها وانعزلت عن العالم، انهار ذلك الدرع الحديدي الذي طالما تظاهرت به. بكت.. بكت كما لم تبكِ منذ سنوات. كانت تحارب بكل قوتها النفسية كي لا تدخل في حالة إنكار، تحارب لتعترف بوجعها ولا تكبته. أعادتها هذه اللحظة إلى تلك الليلة المشؤومة من طفولتها؛ الليلة التي تعرضت فيها للاعتداء خلف الباب الخشبي المغلق، حيث بكت بنحيب مرير واستغاثت بدموع حارقة حتى جف حلقها، لكن أحداً لم يأتِ لنجدتها، ولم تمتد يد واحدة لتمسح على رأسها الصغير. تذكرت أيضاً نظرات والدتها الباردة بعدها، وإنكارها التام والمستميت لفكرة أن ابنتها مريضة نفسياً أو بحاجة لعلاج، مفضلة دفن الحقيقة لحماية المظاهر الاجتماعية.قضت رهف ليلتها في شقتها الخاصة، تتقلب على فراش السهاد، ينهشها التفكير وتتقاذفها أشباح الماضي والحاضر. ومع خيوط الفجر الأولى، قررت العودة إلى منزل والدتها لتفقد الأوضاع بعد العاصفة. لكن الصدمة كانت بانتظارها عند العتبة.دلت رهف الصالة لتجد والدتها مع عمها عادل، والدموع ما زالت ترقرق في عينيها، وهي تتحدث بتو
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل السادس:- أنقاض الروح
لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى وجدت رهف نفسها في ممر المستشفى، حيث اعترض طريقها الطبيب أحمد. كانت ملامحه الهادئة تحمل مزيجاً من الأمل والقلق، واقترب منها قائلاً بصوت دافئ يملؤه الصدق: "رهف، أرجوكِ لا تتهربي مني مجدداً. سارة أخبرتني بكل شيء، وأنا لا أطلب سوى فرصة واحدة لأثبت لكِ أنني مستعد لمشاركة كل أعبائكِ. أنا أحبكِ وأريد الزواج منكِ." تراجعت رهف خطوة إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين جامدتين تخفيان خلفهما بركاناً من الوجع والرفض الحاسم، وقالت بنبرة قاطعة: "أحمد، أنت صديق وزميل رائع، لكن إجابتني لن تتغير. أنا لا أصلح للحب أو للزواج، وحياتي ليست مكاناً مناسباً لأي شخص. أرجوك، وفر مشاعرك لامرأة تستحقها، ولا تضيع وقتك مع حطام امرأة." ومضت من أمامه بخطوات سريعة دون أن تلتفت خلفها، تاركة إياه وحيداً في ممر الخيبة.قبل أن تلتقط أنفاسها، استدعيت رهف بشكل عاجل إلى قسم الطوارئ. كانت هناك حالة انتحار فاشلة لطفلة في مقتبل العمر، لم تتجاوز الرابعة عشرة، تم إنقاذها في اللحظات الأخيرة بعد تناول جرعة زائدة من الأدوية. وقفت رهف مع عائلة الطفلة في الردهة الخارجية، وكان الأبوان في حالة ذهول واستغراب شديد. بك
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل السابع:- خيوط الحقيقة
بعد تلك الليلة العصيبة المليئة بالدموع المنهمرة والانهيار النفسي الحاد خلف الجدران المغلقة لشقتها الخاصة، استيقظت الدكتورة رهف وفي أعماق وجدانها إصرار جديد وقاسٍ، تولد من رحم المعاناة الطويلة. وقفت أمام مرآتها الكبيرة، ورممت شتات نفسها وجففت آخر قطرات الضعف المتبقية في عينيها، ممسكة بزمام قوتها وصلابتها كطبيبة بارعة وامرأة قررت ألا تترك ماضيها المظلم أو حاضر عائلتها المتهالك يتهاوى أكثر من ذلك. كان قرارها الأول والأقرب إلى قلبها المثقل بالهموم هو إنقاذ والدتها المنكسرة من مستنقع التبعية العمياء والإنكار النفسي المدمر.توجهت رهف إلى منزل عائلتها بخطوات ثابتة وثقيلة، ووجدت والدتها تجلس في زاوية الصالة والوجوم الشديد يكسو ملامحها الشاحبة كالموت. جلست رهف بجانبها على المقعد، وأمسكت بيديها الباردتين المرتجفتين وضغطت عليهما بحنان دافئ، ثم بدأت تتحدث إليها بنبرة هادئة، رصينة وعميقة، بعيدة تماماً عن لغة الهجوم الحادة السابقة: "أمي، استمعي إليّ جيداً وبكل جوارحكِ. الحياة لا تنتهي أبداً عند عتبة رجل اختار بكامل إرادته وبأنانية أن يرحل ويترك خلفه كل شيء، وكرامتكِ الإنسانية أثمن بكثير من أن تُهدر
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل الثامن:- ثمن الاستقامة
الصباح التالي والصلابة ترتسم على ملامحها، متوجهة مباشرة نحو الغرفة التي تقبع فيها الطفلة "ملك".عند باب الغرفة، كان والدا ملك يجلسان والوجوم والقلق الشديد يكسوان وجهيهما. تنحنحت رهف وطلبت منهما الدخول معها إلى الغرفة لإجراء مناقشة طبية هامة وحاسمة بخصوص الحالة النفسية لابنتهما. دخل الجميع، وأغلقت رهف الباب خلفهم ببطء، ليعود ذلك الصمت الثقيل الذي تألفه جيداً في مواجهة الحقائق المرة. نظرت رهف إلى ملك المستلقية على السرير، فأومأت الطفلة برأسها الصغير في إشارة شجاعة تدل على موافقتها على كسر حاجز الصمت، والبدء في مواجهة عائلتها بما حدث لها.التفتت رهف نحو الأبوين، وأخذت نفساً عميقاً ثم قالت بنبرة هادئة ورصينة، لكنها حملت وزناً طبياً وقانونياً لا يقبل الشك: "لقد جلست مع ملك مطولاً بالأمس، واستمعت إلى مكنونات صدرها وما يؤرق روحها الصغيرة. الحقيقة التي يجب أن تواجهوها بشجاعة هي أن ابنتكما لم تحاول إنهاء حياتها بسبب ضغط دراسي أو اكتئاب عابر.. ملك تعرضت لاعتداء وحشي وجريمة نكراء، وهذا هو السبب الحقيقي وراء محاولتها التخلص من حياتها لشعورها بالذنب والعجز."سقطت الكلمات كالصاعقة في الغرفة، لتجمد
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل التاسع:- ملامح الغد
في الجانب الآخر من العائلة، كان "خالد" شقيق رهف الأكبر يعيش تفاصيل حياته اليومية بطريقة مختلفة تماماً عن القسوة والبرود اللذين نشأ في ظلهما. رزقه الله بطفلين جميلين، وكان يرى في ملامحهما الصغيرة فرصة لترميم أنقاض ماضيه. لقد أخذ عهداً على نفسه ألا يذوق أبناؤه ذرة واحدة من الجفاف العاطفي الذي مارسه والدهم عليهم؛ فكان يقضي ساعات المساء يمازح طفليه، ويغمرهما بحضن دافئ يفتقدانه في ذكريات طفولته، كما كان يقف مع زوجته في المطبخ بابتسامة صامتة، يساعدها في أعمال البيت ويفك عنها عبء اليوم، مؤمناً بأن الرجولة الحقيقية هي احتواء وسند.رغم انشغال رهف العارم بقضية الطفلة ملك، إلا أن واجبها نحو والدتها ظل يدفعها للتحرك. توجهت رهف إلى منزل عائلتها، وهناك اتفقت مع شقيقتها "رغد" على خطة عاجلة لانتشال والدتهما من مستنقع حزنها. واجهت الفتاتان رفضاً قاطعاً واستسلاماً مريراً من الوالدة التي كانت ترى أن حياتها قد انتهت، ولكن بإصرار رهف الحاد وعزيمتها، رضخت الأم وأقنعاها بالخروج.انطلقن جميعاً إلى مركز تسوق راقٍ في المدينة. بدأت الجولة بالتجول بين المحلات التجارية الكبرى، وكانت رهف ورغد تختاران بعناية قطع مل
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
الفصل العاشر:- شرارة التمرد
وقفت الدكتورة رهف في منتصف مكتبها، وعيناها متسمرتان فوق ورقة صغيرة مطوية بعناية كانت قد عثرت عليها. بدأت تقرأ أسطرها بملامح شاحبة، وكان خط "ملك" الضعيف يرتجف بين أصابعها وهي تقول: "دكتورة رهف، أنا آسفة جداً لأنني خذلتكِ ورحلت.. لكنني فكرت ملياً ووجدت أن أهلي على حق. أنا لا أملك الجرأة ولا القوة لمواجهة المحاكم ونظرات الناس، وسماع كلماتها الجارحة. الفضيحة ستقتلني قبل أن ينال هو عقابه. سأحاول التعايش مع قذارة ما حدث في صمت، أرجوكِ سامحيني ولا تبحثي عني."أطبقت رهف يدها على الورقة بعنف وجسدها كله يرتجف من فرط العجز والوجع؛ لقد انتصر الخوف الاجتماعي مجدداً، ودفنت ضحية أخرى سرها في العتمة لتلوذ بالفرار هرباً من مواجهة مجتمع لا يرحم.وفي تلك اللحظة المشحونة بالمرارة، انفتح باب المكتب فجأة ودخل الطبيب أحمد وعيناه تحملان ذلك الإصرار النقي ليفتح معها موضوع ارتباطهما ومساندته لها مجدداً. التفتت إليه رهف، وفجأة انفجر بركان الغضب المكبوت داخل صدرها؛ تلاقت خيبة خذلان ملك مع ضغط مشاعرها، فصرخت في وجه أحمد بعصبية عارمة وهي تنتفض: "أحمد! ألم تفهم كلامي السابق؟! أرجوك اخرج من مكتبي ومن حياتي فوراً! أن
last updateLast Updated : 2026-10-07
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status