Masukفي ساعة متأخرة من الليل، كان لؤي المنشاوي يجلس في مكتبه الخاص داخل منزله، يحدق في الشاشة المضيئة أمامه عبر مكالمة فيديو مشفرة. على الطرف الآخر من المحيط، في الولايات المتحدة، كان يجلس صديقه المقرب والطبيب النفسي المرموق "مارك إدوارد".كان لؤي يرتشف قهوته المرة ويحكي لمارك بكل جوارحه عن دوامة المشاعر والتناقضات التي يعيشها مع ياسمين الهاشمي. قال لؤي بصوت يملؤه التعب:— "كلما حاولتُ التقرب منها خطوة واحدة، أو شعرتُ أن الجليد بيننا بدأ يذوب كما حدث في المنتجع، أجدها في اليوم التالي تبني جداراً أشد قسوة وتعود بي إلى نقطة البداية... وكأنني أحارب أشباحاً لا أراها يا مارك."صمت مارك لثوانٍ، يتفحص ملامح لؤي المجهدة عبر الشاشة، ثم قال بنبرة هادئة وتحليلية:— "لؤي... ردود فعل ياسمين المبالغ فيها وقسوتها الباردة ليست مجرد كبرياء امرأة، بل هي درع دفاعي لحماية جرح عميق لم يلتئم بعد. إذا أردتَ كسر هذا الجدار، فعليك أن تبحث عن الثغرة الحقيقية... عن السر الذي جعلها تختفي من حياتك فجأة وبشكل قاطع قبل سنوات."أطرق لؤي رأسه بشرود عميق، وانزلق ذهنه رغماً عنه إلى الماضي...تذكر لؤي تلك الأيام القديمة؛ تذك
التئم الشمل في قاعة الاجتماعات الكبرى ذات الطابع الزجاجي المعتم، حيث انعكس ضوء النهار الباهت على طاولة الاجتماعات المصنوعة من الخشب الداكن. كان الاجتماع الثلاثي المقرر بين الأقطاب الثلاثة: السيد أنس ممثلاً لـ "تراسلت"، لؤي المنشاوي ممثلاً لمجموعة المنشاوي، وياسمين الهاشمي بصفتها رئيسة "أورورا".لكن الاجتماع لم يبدأ بملفات العمل، بل بمفاجأة لم تكن في الحسبان.دخل السيد أنس ومعه شخصية نسائية مخضرمة في أوائل الخمسينيات من عمرها، ذات ملامح صارمة ونظرات ثاقبة تحمل عبق الماضي. وما إن تخطت السيدة عتبة الباب ووقعت عيناها على ياسمين، حتى ترجلت نحوها بسؤال مباشر اخترق سكون القاعة وكأنه سهم موجّه:— "إذن... أنتِ هي ياسمين الهاشمي؟ أخيراً التقيتُ بكِ وجهاً لوجه. لكن أخبريني، ما الذي دفعكِ للعودة المفاجئة إلى أرض الوطن بعد غياب دام لسنوات طويلة... أربعة أعوام كاملة من الاختفاء؟ ألم يكن من الأفضل لكِ البقاء حيث كنتِ بعيدة؟"شعرت ياسمين بصدمة خفيفة، تلتها موجة من الاستياء الشديد وهي ترى هذه المرأة تقتحم حياتها الشخصية بوقاحة سافرة في قاعة رسمية. في المقابل، كان لؤي المنشاوي جالساً بملامح هادئة، يبدو
كان الجو داخل المكتب الرئاسي لشركة "أورورا" يفيض بصرامة باردة. لم تكن ياسمين الهاشمي من النساء اللاتي يمررن الضربات سدى؛ فحادثة الخيانة البرمجية التي تورط فيها المهندس "سامر" مع ناهد ورأفت، ورغم كشفها وإفشالها بحنكة، تركت في قلب ياسمين جرس إنذار حاداً لا يمكن تجاهله.استغلت ياسمين ساعات الليل المتأخرة، وقبل التوقيع النهائي على الشراكة الثلاثية، لتجري عملية إعادة هيكلة شاملة وتطهير جذري لشركتها. استعانت بفريق مراجعة أمني خارجي مستقل للتدقيق السري في الملفات الحيوية، الحسابات البنكية، والسجلات الشخصية لكافة الموظفين في "أورورا"، من أكبر مهندس إلى أصغر عامل.أسفرت التحقيقات السرية عن استبعاد كل من تحوم حوله أدنى شبهة أو ضائقة مالية مشبوهة قد تسحب رجله إلى مستنقع ناهد المنشاوي، ليحل محلهم طاقم جديد جرى انتقاؤه بعناية فائقة.ولأن موقع السكرتارية التنفيذية هو العصب الحساس الذي تتدفق عبره المراسلات، وتُحفظ في أدراجه أسرار المواعيد والملفات الخاصة، قررت ياسمين إغلاق هذا الباب نهائياً أمام الاختراقات.وقع اختيارها المباشر على "نور"، الشقيقة الصغرى لصديقتها المقربة "هناء". كانت نور خريجة إدارة
كان لؤي المنشاوي يجلس خلف مكتبه الأنيق في برج الشركة، وعيناه تشعان بنور غريب لم يعرفه منذ سنوات. كانت السعادة تغمره، وكان يحمل بين يديه كتالوجاً لقطع الأثاث الفاخرة، يخطط لإعادة تصميم جناحه الخاص وتجهيز مفاجآت جديدة لياسمين. في مخيلته، كانت ليلة الأمس في الكوخ الصيفي هي نقطة التحول الحقيقية، والبطاقة التي تركتها له بخط يدها لم تكن سوى دليل خجل عاشقة تستعيد نبض قلبها القديم. تلك النشوة الوردية لم تدم سوى لحظات...انفتح باب المكتب فجأة، ودخل السكرتير بخطوات مترددة وملامح يكسوها الشحوب، يحمل في يده مظروفاً أسود أنيقاً تم تسليمه فوراً من قبل مبعوث خاص ينتمي لشركة "أورورا".ألهمت النظرة الأولى للمظروف لؤي شعوراً دافئاً، وظن أنها رسالة غرامية أخرى من ياسمين. قَطَع الشريط اللاصق بابتسامة متسعة، لكن الابتسامة تجمّدت على شفتيه فور سحب المحتويات.سقطت البطاقة الصغيرة على السطح الزجاجي للمكتب، وقرأ كلماتها القاتلة المكتوبة بخط يدها الأنيق:> "يبدو أن العبث هو مهنتك الأساسية... وأكثر ما تتقنه."أسفل البطاقة، كانت تتكدس مجموعة من الصور الفوتوغرافية عالية الدقة. صور تظهره وهو يقف في مكتبه، وسارة ت
في المساء ذاته، أقام السيد أنس حفل عشاء ساهر طغت عليه أضواء البنفسج الفاخرة والديكورات الأنيقة في قاعة المنتجع المطلة على البحر، وذلك بمناسبة عيد ميلاد زوجته ليلى. كانت ليلى في الحقيقة قد اتفقت مع زوجها على تدبير هذه الدعوة خصيصاً لياسمين ولؤي، أملاً في تقريب المسافات وإعادة الشمل بينهما بعد أن لمست بحسها العاطفي وجود شرارة قديمة ومكتومة لم تُطفأ بعد. مرت السهرة بطقوس دافئة، لكن ياسمين، وتحت ثقل الذكريات وضغوط الأيام الأخيرة، شربت أكثر من طاقتها لتنسى الصراع المشتعل في رأسها. عقب انتهاء السهرة، لاحظ لؤي عدم قدرة ياسمين على السير بثبات. تقدم نحوها بخطوات حنونة وقرر مرافقتها بنفسه إلى كوخها الصيفي في المنتجع. ولكن عندما وصلا، كانت ياسمين في حالة من الإنهاك والتشتت والمزرية التي لم تكن ترغب الإطلاق في أن يراها عليها أحد، وخاصة هو. رفض لؤي أن يتركها في تلك الحالة بمفردها، وبحسم دافئ حمالها ببطء واصطحبها إلى كوخه الصيفي الخشبي الخاص. هناك، داخل الكوخ الدافئ بعيداً عن أضواء العالم، ساد الصمت إلا من صوت أنفاسهما المتهدجة وضجيج أمواج البحر في الخارج. اقترب لؤي منها ببطء، وعيناه تفيض
كانت شاشة الحماية في مكتب ياسمين الهاشمي تومض بضوء خافت ومتقطع وسط الظلام الساكن للغرفة، بينما كانت حركة البيانات الرقمية تُظهر بوضوح خطة رفع الشفرة البرمجية المزيفة التي زرعتها كطُعم محكم. وفي الطرف الآخر من المدينة، داخل القصر المظلم لعائلة المنشاوي، كانت ناهد المنشاوي ومساعدها الخفي رأفت يحتفلان بانتصار وهمي وشيك، بعد أن سلّما الشفرة المسروقة عبر المهندس الخائن "سامر" إلى "مجموعة صقر العالمية"، أكبر وأشرس منافس استثماري لشركة ياسمين في السوق.لكن تلك النشوة الزائفة لم تدم طويلاً...في صباح اليوم التالي، أعلنت "مجموعة صقر العالمية" في مؤتمر صحفي عاجل ومُتلفز عن إطلاق مشروعها الثوري الجديد للذكاء الاصطناعي. وما إن بُث العرض التوضيحي المباشر أمام كبار المستثمرين وعدسات وسائل الإعلام المحلية والدولية، حتى تفعّلت آلية حماية برمجية مخفية (Kill-Switch) كانت قد زرعتها ياسمين بدقة متناهية داخل أعماق الكود. تجمدت الشاشات والأنظمة فجأة، وظهر بدلاً من العرض شعار شركة "أورورا" البرّاق محاطاً بتحذير أمني رسمي يُثبت بالدليل القاطع والحجة الدامغة أن الشفرة مسروقة ومستنسخة بالكامل من خوادم ياسمين ا







