LOGINالفصل 3
كان سماع كلمات مايك وساندرا كافيًا لتمزيق قلب إيفا لكن السماع شيء والرؤية شيء آخر فحين تجرأت إيفا على النظر عبر الباب الموارب تجمدت في مكانها… كانا متشابكين فوق السرير.
مايك، الرجل الذي ستتزوجه غدًا، وساندرا، أختها وصديقتها الأقرب إلى قلبها مستلقيين معًا في فراش واحد… مشهد لم تكن تتخيل في أسوأ كوابيسها أن تراه يومًا.
للحظة، توقفت إيفا عن التنفس.
اتسعت عيناها، وتيبست أطرافها بينما أخذ عقلها يرفض استيعاب ما تراه… لم تعد الكلمات الساخرة التي سمعتها قبل لحظات مجرد إهانة عابرة؛ ها هي الخيانة تتجسد أمامها بكل قسوتها، وتسحق بقايا الأمل الذي حاولت التشبث به.
ذلك السرير الذي ربما تخيلت يومًا أنها ستشاركه مع مايك بعد زفافهما أصبح شاهدًا على خيانتهما لها.
انقبض حلقها، وشعرت بوخزة حادة تخترق صدرها حتى كادت تفقد قدرتها على الوقوف… غامت الرؤية أمام عينيها، واندفعت الدموع تحرق وجنتيها فيما ارتجفت شفتاها دون أن تتمكنا من إخراج صوت واحد.
لم تصرخ.
لم تواجههما.
ولم تمنحهما حتى فرصة لاختلاق كذبة جديدة.
استدارت فجأة، كما لو أن البقاء ثانية واحدة أخرى في ذلك المكان سيقتلها، ثم أسرعت مبتعدة، تتعثر بخطواتها بينما تتردد ضحكاتهما في أذنيها كصدى كابوس لن تستيقظ منه.
خرجت من الشقة، وأغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت.
لم تعد قادرة على التفكير، ولم يكن في رأسها سوى رغبة واحدة: أن تبتعد. أن تبتعد عنهما، عن ذلك المنزل، عن كل شيء يذكرها بالحياة التي ظنت أنها على وشك أن تبدأها.
اندفعت إلى سيارتها، وجلست خلف المقود بأيدٍ مرتجفة… أغلقت الباب، ثم ضغطت على دواسة الوقود وانطلقت غير عابئة بالاتجاه الذي تسلكه.
كل ما أرادته هو الهرب.
الابتعاد عن مايك الذي خدعها، وعن ساندرا التي طعنتها في أعمق موضع من قلبها.
كانت الصور تتلاحق في ذهنها بلا رحمة؛ ابتسامة مايك، صوته وهو يخبرها بأنه يحبها، ضحكات ساندرا، ثم تلك الكلمات التي لم تستطع انتزاعها من رأسها.
السبب الوحيد الذي يجعلني أتحملها هو ميراثها.
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بغزارة أكبر.
كيف استطاع أن ينظر في عينيها طوال تلك السنوات ويكذب بهذه البساطة؟ كيف استطاعت ساندرا أن تعانقها وتبتسم لها، بينما كانت تخفي عنها خيانتها بهذه الوحشية؟
وماذا عن الغد؟
كان من المفترض أن يكون يوم زفافها، اليوم الذي انتظرته منذ أن كانت في الخامسة عشرة من عمرها. كان من المفترض أن ترتدي فستانها الأبيض، وتمسك بيد الرجل الذي أحبته وتخطو معه نحو مستقبل رسمته في خيالها ألف مرة.
لكن ذلك المستقبل لم يعد موجودًا.
لقد مات قبل أن يبدأ.
فكرت في العودة إلى المنزل إلا أن الفكرة وحدها جعلت صدرها يضيق.
لم تكن مستعدة لرؤية أحد… لم تكن تريد أن تسألها ساندرا عن سبب غيابها أو أن تضطر إلى شرح ما حدث لوالدها. لم تكن تريد أن تقابل أي وجه، أو تسمع أي كلمة مواساة، أو ترى في عيون الآخرين الشفقة التي ستؤكد لها أن حياتها تحولت إلى حطام.
ولم تكن، قبل كل شيء، قادرة على النظر في وجه ساندرا مرة أخرى.
كيف ستفعل ذلك بعد أن رأتها بين ذراعي الرجل الذي أحبته؟
هزت رأسها بعنف، كأنها تحاول طرد الصور من عقلها، ومسحت دموعها بظهر يدها، لكن الدموع لم تتوقف.
واصلت القيادة، غارقة في ألمها، حتى بدأت الطرق أمامها تتشوش أكثر فأكثر. لم تعد تميز التفاصيل بوضوح، ولم تنتبه إلى المركبة التي اقتربت من التقاطع إلا بعد فوات الأوان.
وفجأة...
دوّى صوت اصطدام عنيف شق سكون الطريق.
صرير إطارات حاد، ثم ارتطام المعدن بالمعدن، هزَّ جسدها وأعادها إلى الواقع بقسوة.
انحرفت السيارة بعنف، فشهقت إيفا وضغطت على الفرامل بكل قوتها بينما اندفع جسدها إلى الأمام بفعل التوقف المفاجئ، ثم ارتد إلى الخلف حين توقفت السيارة أخيرًا.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.
بقيت إيفا ممسكة بعجلة القيادة، وقد اتسعت عيناها في ذهول. كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يضرب صدرها بعنف، بينما ارتجفت أصابعها فوق المقود.
ماذا حدث؟
أدارت رأسها بسرعة، تحاول استيعاب المشهد من حولها. لم تستطع في البداية أن تجمع أفكارها؛ فالصدمة التي عاشتها قبل دقائق تداخلت مع صدمة الحادث، حتى شعرت وكأن العالم كله ينقلب فوق رأسها.
وعلى الجانب الآخر من التقاطع، توقفت سيارة سوداء أنيقة بزاوية مائلة، وقد انبعج مصدها الأمامي بفعل الاصطدام، وانثنى المعدن فيه كقطعة من ورق القصدير المجعد.
انفتح أحد الأبواب، وخرج رجل من المقعد الخلفي.
كان يرتدي بدلة أنيقة بدت متناسقة تمامًا مع هيئته، لكن ملامحه كانت بعيدة كل البعد عن الأناقة والهدوء. عقد حاجبيه، واشتدت عضلات فكه، فيما اندفع نحو سيارتها بخطوات سريعة توحي بأن غضبه على وشك الانفجار.
راقبته إيفا من خلف الزجاج، وشعرت بوخزة جديدة من الخوف.
رائع!
وكأن ما حدث لها لم يكن كافيًا، ها هي الآن قد تسببت في حادث، وربما حطمت سيارة شخص آخر، بينما لا تملك حتى القدرة على جمع شتات نفسها.
استعدت لوابل من التوبيخ والإهانات، ولم تكن تملك الطاقة للدفاع عن نفسها أو حتى الاعتذار كما ينبغي.
اقترب الرجل من سيارتها، وكانت ملامحه تنذر بعاصفة حقيقية. لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى حدث تغير طفيف في تعبيره.
توقفت خطواته للحظة.
كانت إيفا تبدو في حالة يرثى لها؛ وجهها غارق بالدموع، وكحلها ملطخًا حول عينيها، وشفتاها ترتجفان فيما تحاول التقاط أنفاسها.
خفتت حدة الغضب في عينيه قليلًا، وحل محلها شيء يشبه القلق، وإن ظل الانزعاج واضحًا في ملامحه.
انحنى قليلًا نحو نافذتها، ثم قال بصوت حاد:
«ماذا كنتِ تفعلين بحق الجحيم؟!»
ارتجفت إيفا، لكنها لم تستطع الرد.
اشتدت نبرته، وهو يشير إلى المركبتين المتضررتين:
«هل تحاولين قتل نفسكِ والآخرين؟ هل لديكِ أدنى فكرة عما كان يمكن أن يحدث لو كان الاصطدام أسوأ من ذلك؟»
كانت كلماته غاضبة، لكن نبرة صوته حملت قلقًا لم تستطع تجاهله تمامًا.
فتحت إيفا فمها، محاولة إخراج أي كلمة تفسر ما حدث، إلا أن صوتها خانها. لم يخرج منها سوى شهقة مختنقة، أعقبها ارتجاف في شفتيها.
ثم…..
الفصل 5حدّق آرون فيها بذهول، وكأنها ألقت أمامه قنبلة لم يستوعب بعد كيف وصلت إلى يده.«لماذا أرغب في فعل ذلك؟ والأهم... لماذا تريدين أنتِ فعل ذلك؟»تأمل وجهها بتمعّن، محاولًا فهم ما يدور في رأسها. قبل قليل، كانت تبكي بحرقة، وقد بدت كمن فقدت السيطرة على حياتها بالكامل، والآن تقف أمامه لتطلب منه ممارسة الجنس معها بكل بساطة!بدأ الشك يتسلل إليه. هل كان الحادث حقيقيًا؟ أم أن دموعها لم تكن سوى حيلة لاستدرار تعاطفه والتأثير عليه؟في المقابل، اشتعلت وجنتا إيفا بحمرة فاضحة، امتزج فيها الخجل بجرأة غريبة لم تعهدها في نفسها. لم تكن تعرف من أين جاءت بهذه الفكرة المجنونة، ولا كيف امتلكت الشجاعة لتنطق بها، لكنها، بعدما فتحت فمها، وجدت نفسها عاجزة عن التراجع.«أعني...» تمتمت، وانخفض صوتها حتى كاد يتلاشى. «هل تجدني... جذابة؟»ضاقت عينا آرون الزرقاوان قليلًا، وارتسمت بين حاجبيه علامة استفهام واضحة.ثوانٍ ثقيلة امتدت بينهما، جعلت إيفا تتمنى لو أن الأرض تنشق تحت قدميها وتبتلعها. يا إلهي، ماذا تفعل بنفسها؟! كيف استطاعت أن تسأل رجلًا غريبًا كهذا سؤالًا كهذا، ثم تنتظر منه إجابة وكأن الأمر طبيعي تمامًا؟كان
الفصل 4تراجعت إيفا إلى مقعدها، ودفنت وجهها بين يديها.وانفجرت بالبكاء.توقف الرجل عن الكلام.ظل واقفًا إلى جوار السيارة، يراقبها للحظات، وقد انعقد حاجباه بمزيج من الإحباط والحيرة. كان واضحًا أنه لم يتوقع هذا الرد؛ فقد جاء مستعدًا لمواجهة سائق متهور، لا امرأة تنهار أمامه بهذه الصورة.مرر يده على وجهه، ثم انحنى قليلًا نحوها، وخفّض صوته.«مهلًا... هل أنتِ بخير؟»لم تجبه.كانت شهقاتها تتلاحق، وكتفاها يهتزان بعنف، وكأنها تحاول إخراج ألم أكبر بكثير من قدرتها على الاحتمال. لم يكن بكاؤها مجرد خوف من الحادث، بل بدا كأن شيئًا في داخلها قد تحطم تمامًا، ولم يعد لديها ما يكفي من القوة لتمنع انهياره.تبدلت ملامح الرجل مرة أخرى.ظل الغضب حاضرًا في عينيه، لكن القلق بدأ يفرض نفسه عليه. نظر إلى السيارة، ثم عاد إليها، قبل أن يطلق زفرة طويلة محاولًا كبح نفاد صبره.«حسنًا...» قال أخيرًا بنبرة أكثر هدوءًا. «إلى أين كنتِ ذاهبة؟ سأوصلكِ إلى هناك».هزت إيفا رأسها من دون أن ترفع وجهها عن يديها.لم تكن تريد الذهاب إلى أي مكان.لم تكن تريد العودة إلى المنزل، ولا الذهاب إلى منزل صديقة، ولا حتى الجلوس في مكان عام
الفصل 3كان سماع كلمات مايك وساندرا كافيًا لتمزيق قلب إيفا لكن السماع شيء والرؤية شيء آخر فحين تجرأت إيفا على النظر عبر الباب الموارب تجمدت في مكانها… كانا متشابكين فوق السرير.مايك، الرجل الذي ستتزوجه غدًا، وساندرا، أختها وصديقتها الأقرب إلى قلبها مستلقيين معًا في فراش واحد… مشهد لم تكن تتخيل في أسوأ كوابيسها أن تراه يومًا.للحظة، توقفت إيفا عن التنفس.اتسعت عيناها، وتيبست أطرافها بينما أخذ عقلها يرفض استيعاب ما تراه… لم تعد الكلمات الساخرة التي سمعتها قبل لحظات مجرد إهانة عابرة؛ ها هي الخيانة تتجسد أمامها بكل قسوتها، وتسحق بقايا الأمل الذي حاولت التشبث به.ذلك السرير الذي ربما تخيلت يومًا أنها ستشاركه مع مايك بعد زفافهما أصبح شاهدًا على خيانتهما لها.انقبض حلقها، وشعرت بوخزة حادة تخترق صدرها حتى كادت تفقد قدرتها على الوقوف… غامت الرؤية أمام عينيها، واندفعت الدموع تحرق وجنتيها فيما ارتجفت شفتاها دون أن تتمكنا من إخراج صوت واحد.لم تصرخ.لم تواجههما.ولم تمنحهما حتى فرصة لاختلاق كذبة جديدة.استدارت فجأة، كما لو أن البقاء ثانية واحدة أخرى في ذلك المكان سيقتلها، ثم أسرعت مبتعدة، تتعثر ب
الفصل 2عندما وصلت إيفا إلى الممر المؤدي إلى غرفة النوم، استوقفها صوت ضحكات خافتة تسللت من خلف الباب الموارب.ضحكة تعرفها جيدًا.ضحكة ساندرا.تجمدت إيفا في مكانها، وتوقفت أنفاسها للحظة. انقبضت أصابعها حول حقيبة صغيرة تحملها، بينما تسلل إليها إحساس غامض بالقلق. لم يكن من المفترض أن تكون ساندرا هنا في هذا الوقت، ولا أن تسمع صوتها يضحك بهذه الأريحية داخل غرفة مايك.حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا بد أن يكون مجرد سوء فهم، لكن الكلمات التالية التي انطلقت من خلف الباب أطاحت بآخر ذرة من طمأنينتها.«كان عليك أن تسمعها في وقت سابق!»انفجرت ساندرا بالضحك، ثم راحت تقلد صوت إيفا بنبرة متصنعة، مفعمة بالسخرية:«أشعر بالفعل أنني أجمل عروس يا ساندي! يبدو الأمر كحكاية خيالية، وأنا على وشك أن أبدأ حياتي السعيدة إلى الأبد!»تعالت ضحكاتها من جديد، ضحكات مستهترة لم تحمل ذرة من المودة التي اعتادت إيفا سماعها في صوت أختها.ثم انضم إليها صوت آخر.صوت مايك.الرجل الذي أحبته طوال سنوات، والذي لم يبقَ على زفافها منه سوى يوم واحد. الرجل الذي اختارته ليكون شريك حياتها، وصدقت أنه سيحمي قلبها حتى آخر العمر.كان يضحك
الفصل 1في الثانية والعشرين من عمرها، كانت إيفا تعرف تمامًا ما تريد… لم يكن ذلك اكتشافًا حديثًا بل حلمًا رافقها منذ أن بلغت الخامسة عشرة؛ ستتخرج من الجامعة، ثم تتزوج حب حياتها وتبدأ معه أسرتها الخاصة… ستبني بيتًا يخصهما وحدهما وتعيش السعادة التي طالما تخيلتها بكل تفاصيلها.ولسنوات ستٍّ مضت لم يتغير حلمها يومًا.والآن، الحياة قررت أخيرًا أن تكافئها على انتظارها الطويل… فقد تخرجت من الجامعة قبل أسبوع واحد فقط وها هي تقف أمام المرآة ترتدي فستان زفافها للمرة الأخيرة قبل إجراء التعديلات النهائية استعدادًا للحفل الذي سيُقام غدًا.غدًا، ستصبح زوجة مايك.مايك، حبها الأول والأخير، الرجل الذي التقت به قبل ست سنوات فكان الحب من النظرة الأولى لكليهما… لم تحتج علاقتهما إلى المزيد من التفكير كي تعرف أنه الرجل الذي تريده إلى جوارها بقية حياتها وخلال أقل من أربع وعشرين ساعة ستسير معه نحو المذبح لتبدأ فصلًا جديدًا من حكايتهما.أي كلمة يمكنها أن تصف ما تشعر به الآن؟لم تكن السعادة وحدها كافية ولم تكن ابتسامتها الواسعة قادرة على التعبير عن ذلك الفيض من المشاعر الذي يملأ صدرها.«ستكونين أجمل عروس على الإ







