LOGINفي الأسفل، كانت ميرا تحمل صينية الفطور كعادتها. لكن اليوم، أمرها الدوق بشيء غريب.
"اصعدي الى غرفتها. أخبريها أنني أنتظرها في قاعة الطعام." لم يقل "أحضريها". قال "أخبريها". كأنه لا يريد أن يجبرها. صعدت ميرا إلى البرج الشرقي. طرقت الباب. "صاحبة السمو؟ الفطور جاهز. الدوق ينتظركِ في الأسفل." لا رد. طرقت مرة أخرى، أقوى. "صاحبة السمو؟ الاميرة ؟" لا رد. صمت تام. توترت ميرا. تذكرت ليلة أمس، طلبها الغريب لحمام متجمد، وصوتها المتعب. دفعت الباب. كان غير مقفل هذه المرة. "سأدخل، سامحيني..." دخلت. الغرفة كانت باردة وفوضوية قليلاً. الحوض الحجري في الوسط لا يزال مليئًا بالماء، والملابس المبللة مرمية بجانبه. وعلى السرير، كومة تحت البطانية. اقتربت ميرا. "صاحبة السمو؟" رفعت طرف البطانية قليلاً. ورأت وجه هايلي. شهقت. كانت نائمة، لكنها شاحبة جدًا. شاحبة لدرجة أن ميرا ظنت للحظة أنها لا تتنفس. شفتاها شاحبتان، وأنفاسها بطيئة ومتقطعة. "صاحبة السمو! هايلي!" هزت كتفها برفق. "استيقظي يا اميرة !" تملت هايلي بصعوبة. فتحت عينيها بصعوبة شديدة، كأن جفنيها من حجر. "ميرا...؟" "ظننتُ... ظننتُ أنكِ..." لم تكمل. "ما بكِ؟ وجهكِ أبيض كالورق!" حاولت هايلي أن تبتسم، لكنها فشلت. صوتها خرج ضعيفًا، مبحوحًا. "لا شيء... فقط... متعبة قليلاً الرحلة كانت طويلة ." "الدوق يستدعيكِ للفطور في الأسفل. الجميع ينتظر." عند سماع اسم الدوق، سحبت هايلي البطانية مرة أخرى وغطت رأسها كله، كطفلة تريد الاختباء من العالم. "قولي له... أني لستُ جائعة." قالت من تحت البطانية، بصوت منخفض جدًا، متعب. "أريد أن أنام فقط. اليوم فقط." وقفت ميرا هناك للحظات، صامتة. نظرت إلى الفتاة الشاحبة تحت البطانية، إلى الحوض المليء بالماء المتجمد، إلى الملابس المبللة. هي امرأة عجوز، رأت الكثير. رأت الدوقة إيلينا تموت بنفس الشحوب بعد نوبات الحمى. ورأت كيف كان الدوق سيريس يخفي مرض أخته لسنوات. لكن هذه... هذه ابنة الإمبراطور. العدو. تنهدت. لم تلمسها. لم تواسها. فهي لا تزال تكرهها، أو تحاول أن تكرهها. "حسنًا. سأخبره." قالت بهدوء، وخرجت. وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ليس بقوة كعادتها. في قاعة الطعام، كان سيريس يجلس وحده كالعادة. أمامه طبقان. طبق أمامه، وطبق فارغ مقابل له. ليا لم تكن هنا اليوم، لا تزال نائمة بعد نوبة الأمس. دخلت ميرا. "أين هي؟" "قالت إنها ليست جائعة." رفع حاجبه. "ليست جائعة؟ أميرة العاصمة التي تتحدث عن الآداب ترفض دعوة زوجها للفطور؟" لم ترد ميرا فورًا. كانت مترددة. "ما بها؟ تكلمي." "كانت... شاحبة جدًا يا سيدي." قالت ميرا بصوت منخفض. "شاحبة جدًا وشفتاها شاحبتان أيضًا. كأن الدم هرب من وجهها. عندما أيقظتها، بالكاد فتحت عينيها. قالت إنها متعبة من رحلة الأمس فقط." سكت سيريس. الملعقة في يده توقفت في منتصف الطريق إلى فمه. "متعبة من الرحلة؟" "سيدي..." "هل أكلت شيئًا أمس؟" "لا أعرف. لم تطلب شيئًا منذ العشاء قبل أمس." وضع الملعقة بعنف في الطبق. "وما شأني أنا بها؟" قال بصوت بارد، قاسٍ، عاد إلى نبرة الدوق الذي يكرهها. "إن أرادت أن تموت جوعًا في برجها، فلتمت. هي من اختارت أن تكون عنيدة. أخبري الخدم ألا يزعجها. ولا أحد يصعد إليها. دعوها ترتاح من رحلتها الثمينة." قالها بقسوة متعمدة. لكنه لم يلمس طبق الفطور المقابل له. تركه فارغًا. ميرا أومأت. "أمرك يا سيدي." "وميرا." "نعم؟" "عندما تستيقظ... أرسلي لها حساءً ساخنًا. ليس من أجلي. حتى لا يقولوا إن آل فلديمير يتركون ضيوفهم يموتون جوعًا. سمعتي؟" "سمعتُ يا سيدي." خرجت ميرا. بقي سيريس وحده في القاعة الكبيرة الباردة. نظر إلى الطبق الفارغ أمامه. تذكر ليلة أمس. تذكر الضوء الفضي من تحت الباب. تذكر صوت الشهقة المكتومة. وتذكر كيف كانت ليا تنام بسلام لأول مرة منذ أشهر، دون حرارة، دون ألم. قبض على الكأس بقوة. "حمقاء..." همس لنفسه، ليس بغضب، بل بانزعاج غريب لا يفهمه. "تظن أن الشحوب سيجعلني أشفق عليها؟ أنا لا أشفق على أحد. وخصوصًا ابنة لياندور." وقف، وترك قاعة الطعام. لم يصعد إلى برجها. لم يسأل عنها مرة أخرى. ذهب إلى غرفة التدريب، وأخذ سيفه، وبدأ يضرب كيس الرمل بعنف، كأنه يضرب شيئًا لا يستطيع ضربه في الحقيقة. وفي الأعلى، في برجها، كانت هايلي نائمة تحت البطانية، شاحبة، وحيدة، تستمع إلى صدى ضربات سيفه البعيدة، وتبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. على الأقل... لم يكشفها. على الأقل، لا يزال يكرهها. الكراهية أسهل من الشفقة. الشفقة ستجعله يسأل، والسؤال سيكشف سرها. وهي لا تستطيع أن تكشف سر الموجة الفضية. ليس بعد. ليس قبل أن تعرف لماذا أصيبت ليا بنفس اللعنة التي قتلت والدتها.مر أسبوع على يوم رؤساء القرى.أصبحت قلعة التنين مكانًا مختلفًا. القرويون يأتون كل يوم، ليس ليطلبوا طعامًا، بل ليروا الدوقة الفضية. امرأة عجوز جاءت بطفلها الذي لا ينام من السعال، ورجل قطعت أصابعه من الصقيع. كانت هايلي تعالجهم واحدًا واحدًا في ساحة القلعة، وسيريس يقف خلفها، ذراعاه متقاطعتان، يراقب. لا يمنعها. فقط يتأكد أن لا أحد يقترب منها أكثر من اللازم.في البداية كان العلاج يرهقها. الآن، بعد أن تعلمت كيف تشارك الألم مع الأرض كما علمها سيريس، لم تعد تشحب. كانت تضع يدها، يخرج ضوء فضي، ويعود الرجل سليمًا. والفرق الوحيد أنها تصبح جائعة جدًا بعدها، فتأكل ثلاث أطباق من حساء ميرا.لينا كانت أسعد من الجميع. أصبحت مساعدة هايلي الرسمية. تحمل لها المناديل، وتقول للمرضى: "لا تخافوا، أختي لا تعض. أخي هو الذي يعض."كل شيء كان مثاليًا. مثاليًا جدًا.حتى بدأت الأحلام.في الليلة السابعة، استيقظت هايلي تصرخ.كان سيريس أول من وصل إلى غرفتها، سيفه في يده، عيناه الذهبيتان متوهجتان في الظلام، يظن أن هناك هجومًا.وجدها جالسة على السرير، تتنفس بسرعة، يداها تمسكان برأسها، والتاج الفضي على الطاولة بجانبها يهت
مرت ثلاثة أيام على شفاء لينا.ثلاثة أيام لم تمر كأيام في قلعة التنين من قبل.لينا التي كانت تنام عشر ساعات وتستيقظ متعبة، أصبحت تستيقظ قبل الجميع. تركض في الممرات، تتسلق الرفوف في المكتبة، تساعد ميرا في المطبخ، وتسأل كل خمس دقائق: "أختي هايلي، هل أستطيع الخروج للعب في الثلج؟ أستطيع الآن، أليس كذلك؟ الطبيب قال إنني قوية!"وسيريس... سيريس لم يعد يمنعها. بل كان يقف عند النافذة يراقبها وهي تلعب في الثلج مع أطفال الخدم، ومعطفه الأسود على كتفيه، وعلى وجهه تعبير لم تره هايلي من قبل. ليس عبوسًا. بل خوف هادئ، كأنه يخاف أن تختفي سعادتها إذا رمش.أما هايلي، فكانت ترتدي التاج الفضي كل يوم.لم تخلعه منذ وضعه سيريس على رأسها. كان خفيفًا، بسيطًا، لكنه جعل الخدم ينظرون إليها بشكل مختلف. لم تعد "الأميرة الجنوبية التي أرسلها الإمبراطور". أصبحت "الدوقة ذات التاج الفضي". نفس لقب والدته.في صباح اليوم الرابع، استدعاها سيريس إلى ساحة التدريب.كانت الساحة مغطاة بالثلج، والفرسان يتدربون بالسيوف. عندما رأوها بالتاج الفضي والمعطف الأبيض، توقفوا وانحنوا جميعًا، دون أن يأمرهم سيريس."ماذا؟" سألته وهي تقترب، مرتب
وصلا إلى القلعة مع أول ضوء للشمس.كانت ميرا تنتظرهما عند الباب، تلف نفسها بشال سميك. عندما رأت العلبة الزجاجية في يد سيريس تتوهج باللون الأزرق الشفاف، وضعت يدها على فمها ودمعت عيناها."أحضرتها... زهرة القمر حقيقية...""أين لينا؟" سأل سيريس وهو ينفض الثلج عن كتفيه. صوته مبحوح من التعب، لكن عينيه تلمعان."نائمة في غرفتها. حماها ارتفعت قليلاً هذه الليلة، لكنها مستقرة."صعدا بسرعة. لم يخلعا حتى معطفيهما المبللين.كانت لينا نائمة في سريرها الصغير، وجهها متورد قليلاً من الحمى الخفيفة المعتادة، وشعرها الأسود الذي ظفرته لها هايلي قبل يومين لا يزال مرتبًا. تتنفس بصعوبة خفيفة، كأن شيئًا ثقيلًا على صدرها.جلس سيريس على طرف السرير، ووضع يده الكبيرة على جبينها بحنان نادر."لينا." همس.فتحت عينيها الذهبيتين ببطء. عندما رأتهما، ابتسمت رغم التعب."أخي؟ أختي هايلي؟ هل رأيتما القمر الأزرق؟""رأيناه، وأحضرنا لكِ هدية من عنده." قالت هايلي وجلست على الجانب الآخر.فتح سيريس العلبة الزجاجية. انسكب الضوء الأزرق على وجه لينا الشاحب، فشهقت بدهشة طفولية."زهرة من زجاج؟""زهرة من ضوء القمر." صحح سيريس. "ستأكلين
استيقظت هايلي على رائحة الأعشاب المحترقة.فتحت عينيها ببطء. كانت في غرفة سيريس. ليست غرفتها. الغرفة أكبر، أثاثها من خشب أسود ثقيل، والجدران مغطاة بسيوف ودروع قديمة..يدها اليمنى كانت ملفوفة بضمادة بيضاء سميكة. تذكرت الألم. تذكرت النار السوداء وهي تدخل جسدها. رفعت يدها. لا تزال تؤلمها، لكن الألم محتمل."استيقظتِ أخيرًا."كان سيريس جالسًا على الكرسي المقابل، يرتدي قميصًا أسود بسيطًا، شعره لا يزال مبعثرًا. عيناه الذهبيتان تراقبانها. لم يعد فيهما سواد الأمس. لكن تحتهما هالات سوداء من التعب."كم نمت؟" سألت وهي تحاول الجلوس."يوم كامل." قال. "ليلة أمس واليوم كله. القمر الأزرق الليلة."تجمدت. الليلة؟ ليلة زهرة القمر؟"لماذا لم توقظني؟ كان يجب أن نستعد! الكهف! الزهرة!""كنتِ تحترقين من الحمى." قال ببرود، لكنه وقف وأحضر لها كوب ماء. "نقلتِ ناري السوداء إلى جسدكِ. كدتِ تموتين. ميرا قالت إن قلبكِ كان ينبض بسرعة مخيفة."أخذت الكوب. يدها ترتجف."ولينا؟ هل هي بخير؟""لينا بخير. لا تعرف شيئًا. ميرا أخبرتها أنكِ مريضة."صمت. نظر إلى يدها الملفوفة."لماذا فعلتِ ذلك؟" سأل فجأة، بصوت منخفض، ليس غاضبًا،
لم يكن من المفترض أن يخرجا إلى الكهف اليوم.كان من المفترض أن يخرجا فجر الغد. ليلة القمر الأزرق.لكن في الرابعة فجرًا، انفتح باب غرفة هايلي بعنف.لم يكن سيريس. كان قائد الحرس، رجل في الخمسين، وجهه مغطى بالثلج والدم."صاحبة السمو! أين الدوق؟"قفزت هايلي من سريرها. "ما الذي حدث؟""الوحوش! قطيع من ذئاب الجليد المتوحشة، ومعها دب جليدي أعمى! تقتحم قرية الحدود، قرية هولت! حاولنا إيقافها لكنها كثيرة! الدوق..."لم يكمل. سيريس كان خلفه، يرتدي نصف درعه فقط، سيفه في يده، شعره الأسود مبعثر من النوم."كم عددهم؟" سأل بصوت هادئ جدًا، لكن عينيه الذهبيتين كانتا تتوهجان في الظلام. توهجًا حقيقيًا، ليس انعكاس ضوء."أكثر من ثلاثين ذئبًا، يا سيدي، ودب واحد. قتلوا اثنين من رجالنا. القرية... فيها أطفال."لم يقل سيريس كلمة أخرى. استدار ونزل السلالم ركضًا، يصيح بأسماء فرسانه.ركضت هايلي خلفه، بالشال الأبيض فقط فوق ثوب نومها."سيريس! انتظر! خذني معك! أستطيع المساعدة! أستطيع علاج الجرحى!"توقف عند باب القلعة الرئيسي. الثلج يتساقط كالجنون في الخارج. عشرة فرسان على خيول سوداء ينتظرون، بخار أنفاس خيولهم يتصاعد.نظر
بعد ليلة الرسالة المحروقة، تغير شيء في القلعة.لم يصبح سيريس لطيفًا. أبدًا. لكنه توقف عن قول "اخرجي من قلعتكِ". في الصباح التالي، وجدت هايلي باب المكتبة مفتوحًا على مصراعيه، وكتابًا أسودًا واحدًا على الطاولة، وفوقه ورقة صغيرة بخط خشن وسريع:لا تلمسي الحمراء بعد. اقرأي هذا أولاً. دخلت. فتحت الكتاب الأسود. لم يكن كتاب سحر. كان سجل وفيات قلعة التنين، بخط يد سيريس نفسه.سنة 314: الدوقة إيلينا فلديمير - السبب الرسمي: حمى فضية. السبب الحقيقي: تسمم بالغبار الفضي - سم إمبراطوري بطيء يقتل حاملي المانا الفضية بأن يجعل المانا تأكل جسد صاحبها. وجدت القارورة في غرفة الخادمة التي أرسلتها العاصمة.سنة 315: الدوق آرثر فلديمير - السبب الرسمي: نوبة قلبية. السبب الحقيقي: نفس السم، وضع له في النبيذ بعد أن طالب بالتحقيق في موت زوجته.سنة 318 حتى الآن: لينا فلديمير - الأعراض: حمى متقطعة، شحوب، ضعف. التشخيص: بقايا الغبار الفضي انتقل إليها عبر حليب الأم المسمومة وهي رضيعة. السم لا يزال في دمها.أغلقت هايلي الكتاب. قلبها يدق بقوة.إذن سيريس يعلم. يعلم منذ عشر سنوات أن والدته لم تمت بحمى، بل قُتلت. ويعلم أن







