ログインظنّت أن الرحيل نهاية الحكاية. رجلٌ امتلك كل شيء، إلا قلبها. اقترب منها بما يملك من سطوة، فاكتشف متأخراً أن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، وأن الحضور شيء والقرب شيء آخر. وآخر أحبّها بصمتٍ، ولم يطلب منها شيئاً.حيث كان الدفء الذي لا يسأل، والأمان الذي لا يُثقل، حتى بدا كأنه الجواب الوحيد الممكن. وبين الاثنين، طفلٌ يجعل كل خيارٍ أثقل من سابقه، وأسرارٌ لم تُروَ بعد، وحقائق تنتظر لحظتها لتغيّر كل ما ظنّته عن نفسها وعن كل من حولها. فهي امرأة تعلّمت أن بعض الجراح تتقن التنكّر في هيئة حب، وأن أخطر الروابط تلك التي لا تنقطع تماماً. فهل تعود إلى من كسرها؟ أم تختار من لملم شظاياها؟ في هذه الحكاية، ليس الأمان دائماً ما يبدو عليه، ولا الغفران كما نظنّه، وليس كل من يقف في النور بريئاً من الظل.
もっと見るالفصل الأول
كانت السماء ملبّدة بغيوم رمادية ثقيلة،وكأنها تعلن دخول شتاء طويل لا يعرف الرحمة. وبينما راحت الثلوج تتساقط ببطء على المدينة، مغطية الشوارع والأسطح بطبقة بيضاء صامتة، كانت هناك أحداث أخرى تدور خلف جدران المستشفى، بين الموت والحياة، وبينهما فاصل لا يتجاوز دقيقة، بل ثانية واحدة. وفي الممر،تردّد صرير العجلات على البلاط، وأقدام الممرضين تركض بأقصى ما تستطيع وهي تجرّ سريرًا يعلو فوقه جسد شاحب. وعلى طول الطريق دوّى الصراخها: «ابتعدوا! العلامات الحيوية للمريض تنخفض بسرعة — استعدّوا للإنعاش!» وتردّدت صيحات الممرضات واحدة تلو الأخرى، وتحوّلت غرفة الطوارئ بأكملها في لحظة إلى مكان مليء بالتوتر والفوضى والعمل المتواصل: أجهزة تطلق صفيرها المحموم، وأيدٍ تتحرك بسرعة مدروسة، وأضواء ساطعة. وبعد مدة، حين انتهت العملية الجراحية، كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل. ظلّ الممر خارج غرفة العمليات مضاءً بأضواء بيضاء باردة، بينما بقيت رائحة المطهّرات عالقة في الهواء، ثقيلة كأنها جزء من المكان نفسه. نزعت الكمامة عن وجهها، وكان التعب ظاهرًا عليه. فهي طبيبة جراحة، وقد اعتادت إيلا فالنتين منذ زمن طويل على مثل هذه الليالي. ففي نظر الآخرين، الليل المتأخر وقتٌ للراحة والهدوء، أما بالنسبة لها فقد يكون بداية معركة جديدة مع الموت، حيث تُحسب كل ثانية لإنقاذ حياة إنسان. ولم تعد تتذكر عدد المرات التي وقفت فيها أمام طاولة العمليات من ساعات الفجر الأولى حتى شروق الشمس. ولم تعد تتذكر عدد المرات التي حافظت فيها على أدقّ القرارات الطبية بينما كان الجميع من حولها قد أنهكهم التعب. وفي مهنة الطب، الموهبة مهمة، لكن الأهم من الموهبة هي القدرة على الحفاظ على الهدوء دائمًا. وفي اللحظة التي انطفأ فيها ضوء غرفة العمليات، شعرت إيلا بأن جسدها بدأ يستعيد إحساسه من جديد، كأنه كان معلّقًا طوال تلك الساعات في مكان بعيد. فخلال الساعات الماضية لم تتحرك تقريبًا من مكانها.والوقوف الطويل جعل ساقيها تؤلمانها بشدة، وحتى أعماق أسفل بطنها بدأت تشعر بانزعاج خفيف. بعدها نزعت الغطاء الطبي عن رأسها، ورتّبت خصلات شعرها المتناثرة خلف أذنها، ثم أكملت مع الممرضات إجراءات تسليم الحالة الأخيرة. وبعد خروجها من منطقة العمليات، بدّلت ملابسها، وأخذت كوبها الحراري من على الطاولة، وبدأت تشرب الماء الدافئ ببطء، تاركة حرارته تتسلل إلى أطرافها المتعبة. حيث كانت المرأة التي ظهرت في المرآة لا تزال جميلة، لكن جمالها لم يكن من النوع الناعم الذي يسهل الاقتراب منه.وكانت عيناها الزرقاوان تشبهان أثمن أحجار الياقوت الأزرق، باردتين ومشرقتين في الوقت نفسه.وفي أعماقهما مسافة دائمة، تجعل الآخرين يرغبون في الاقتراب منها، لكنهم يشعرون غريزيًا بالحذر. وكان الكثيرون ينجذبون إلى مظهرها عند رؤيتها للمرة الأولى، لكن بعد أن يعرفوها جيدًا، يكتشفون أن هدوءها وقوتها هما أكثر ما يميّزها. إلا أن وجهها الهادئ المعتاد لم يستطع إخفاء بعض آثار الإرهاق. فالأطباء في مستشفى رافين كراون لم يعرفوا الراحة الحقيقية يومًا، وهي كذلك. حيث كانت واحدة من أشهر أطباء الجراحة في العاصمة. شابة، موهوبة، هادئة، حتى إن بعض الناس أطلقوا عليها داخل المستشفى لقب» الطبيبة العبقرية الأصعب في الاقتراب منها«. وكان هناك الكثيرون ممن يرغبون في التقرّب منها، والكثيرون ممن أرادوا بناء علاقة معها، لكنها بدت وكأنها اعتادت بطبيعتها على إبقاء مسافة بينها وبين الجميع. وفي الجانب الآخر من ممر المستشفى، كانت مجموعة من الممرضات يقفن معًا ويتحدثن بصوت منخفض عن الأخبار الرائجة مؤخرًا.و خرج صوت إحداهن مترددًا بصوت يكاد يكون مسموعًا: » ذلك السيد الشاب من عائلة فون هابسبورغ ظهر في الأخبار مرة أخرى.« فردّت الأخرى: » لقد اعتدت الأمر تقريبًا. كم شائعة عاطفية لديه هذا الشهر؟« وأكملت ثالثة: » من الطبيعي، فهو وُلد في عائلة فون هابسبورغ. أشخاص بهذه المكانة دائمًا يجدون من يبرّر لهم كل شيء.« وقالت رابعة: » لكنني سمعت أنه متزوج بالفعل.« فردّت الممرضة ضاحكة: » وما المشكلة؟ لو كانت زوجته قادرة فعلًا على السيطرة عليه، هل كان سيظهر بهذه الطريقة علنًا؟« وصلت كل همسة وكل كلمة متقطعة إلى أذنها، حرفًا بحرف. وتذكّرت أنها في الماضي ربما كانت ستشعر بشيء عند سماع اسم» عائلة فون هابسبورغ«.وأما الآن، فلم تعد مهتمة. واكتفت بأن تنظر إلى الساعة، وهمست: » حان وقت عودتي.« وبعد انتهاء هذه العملية، أخيرًا يمكنها أن تعود إلى المنزل وترتاح.بعدها مرّت لتغيّر ثيابها، وبعد أن أنهت ذلك، أخذت أغراضها واستعدّت للمغادرة. وقبل أن تبتعد، ناداها صوت من خلفها: » دكتورة إيلا.« حيث كانت إحدى الممرضات قد نادتها فجأة، وهي تبتسم: » هل تتابعين أخبار المشاهير عادة؟« توقفت إيلا عن المشي،واطرقت مفكرة لانها لم تكن تحب الحديث عن أخبار الترفيه، لكنها أجابت بأدب: » لا، لا أتابعها.« بعدها بدت الممرضة وكأنها توقّعت هذه الإجابة، فضحكت واقتربت منها ومدّت هاتفها إليها، وقالت ضاحكة: » إذن بالتأكيد لم تريها من قبل.« لتظهر على الشاشة امرأة جميلة بشكل لافت. ملامح دقيقة وأناقة واضحة، حتى إن الصورة وحدها كانت كافية لإظهار جاذبيتها. ثم قالت الممرضة: » إنها نجمة مشهورة جدًا مؤخرًا.« ثم تنهدت وقالت: » إنها جميلة حقًا. لكن من المؤسف...« وهزّت رأسها، وقالت: » آه... الجوهرة وقعت في يد رجل لا يعرف قيمتها.« بعدها نظرت إيلا إلى الصورة، وتغيّرت نظرتها قليلًا،وقالت بصوت خافت: » جميلة؟........ نعم.« لكن أكثر ما جذبها في هذه المرأة لم يكن جمالها. فمنذ عدة أيام، كانت قد تلقّت بنفسها رسالة من هذه المرأة تحمل نوعًا من التفاخر. وكانت الصور التي أرسلتها أكثر جرأة ووضوحًا من الصور المنتشرة الآن،والمرأة الموجودة في الصور... هي المرأة الموجودة بجانب ألكسندر فون هابسبورغ الآن. وأما ألكسندر... فهو زوجها..... زوجها بالاسم فقط. وبعد أن تلقّت تلك الصور، لم تسأله، ولم تدخل معه في شجار. لقد فعلت شيئًا أبسط بكثير. أرسلت الصور إلى وسائل الإعلام. فهي طبيبة، وتعرف كيف تتعامل مع الأمور بأكثر الطرق عقلانية. وبالطبع... حصلت أيضًا على مبلغ جيد من المال. فالأرباح التي جنتها من تلك الصور تجاوزت حتى راتبها الشهري كطبيبة جراحة. وفجأةً، تردّد صوتُ الممرضة، منتزعًا إيلا من شرودها،فردّت عليها قائلة: » لدي أمر آخر، سأذهب الآن.« وأعادت إيلا نظرها بعيدًا، فسمعت صوت الممرضة يقول: » إلى اللقاء، دكتورة إيلا.« بعدها خرجت من المستشفى بصمت، ورأسها مطأطأ من الإنهاك والتعب. لتهبّ رياح الليل في موقف السيارات، حاملة معها برودة لاذعة ونسمات من الثلج.وشدّت إيلا معطفها حولها، وسارت بسرعة نحو سيارتها. وفجأة... صدر صوت بوق حادّ.لتتوقف في مكانها. وعلى مسافة ليست بعيدة، كانت سيارة مايباخ سوداء متوقفة بهدوء وسط الظلام والثلج. هيكلها الفاخر ولوحة أرقامها الخاصة كانا يكشفان هوية صاحبها،وبنخفاض زجاج النافذة،ليدار وجهه الرجل قليلًا ونظر إليها، وقال ببرود: » اركبي.« حيث كان صوتًا مألوفًا.الفصل الثامنواستدارت كلارا فجأة على أثر صدى خطوات منتظمة تقترب من المكان.وبلمح البصر، تحوّلت ملامح وجهها القاسية المليئة بالغيظ إلى قناع من الانكسار والضعف،بعدهارفعت عينيها لتلتقي بعيني ألكسندر الذي توقف أمامها مباشرة، وبثبات بارد سأل بنبرة خالية من أي ودّ:» أين إيلا؟ هل تحدثتِ معها؟«وارتجف صوت كلارا بخفة مصطنعة، وردّت قائلة وهي تضع يدها برقّة على خدها وكأنها تحاول إخفاء ألمها:» لقد تحدثتُ معها، وحاولتُ إقناعها بالبقاء... لكنها رفضت.«ثم أنزلت رأسها بملامح حزينة ومكسورة، وأردفت بصوت يقطر حزنًا:» هل كل هذا بسبب وجودي هنا؟... لو كنتُ أعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحد، لما أتيتُ من الأساس...«ثم بقي ألكسندر صامتًا لبرهة، ولم تعكس ملامحه أي تأثّر بدموعها، بل اكتفى بقوله بجمود:» الجو بارد بالخارج، لهذا ادخلي إلى الداخل ولا تفكري في الأمر كثيرًا.«وتخطّاها بخطوات ثابتة دون أن يلتفت وراءه للبحث عن إيلا،لتففتحت كلارا عينيها بصدمة وغضب مكتوم، ووضعت يدها على صدرها في حركة تعبيرية عن خيبتها، وقالت بنبرة متحشرجة:» وماذا عنك؟«بعدها استدار بطرف عينيه نحوها، وقال باقتضاب حاسم:» سوف أعود... ف
الفصل السابع تجمّدت كلارا في مكانها، ونظرت إليها إيلا، وكانت عيناها الزرقاوان تبدوان أكثر هدوءًا تحت ضوء الليل. وقالت بهدوء: » كلارا، يبدو أنكِ أخطأتِ في فهم أمر ما. أنا لم أعتقد يومًا أنني بحاجة إلى مقارنة نفسي بأي شخص.« وتوقفت للحظة، ثم تابعت: » ولم أفكر أبدًا في أخذ مكان أي شخص.« بعدها تغيّرت ملامح كلارا قليلًا. واصلت إيلا قائلة: » إذا كان قلب رجل ما لا يمكن الحصول عليه إلا بعد أن يتنازل شخص آخر عن مكانه، فهذا المكان لا معنى له من الأساس.« وساد الصمت في الحديقة. لم يبقَ سوى صوت المياه المتدفقة من النافورة البعيدة، ونظرت كلارا إليها، وظهر الغضب في عينيها، وقالت: » من السهل عليكِ قول ذلك.وهل تعلمين كم سنة انتظرتُ ألكسندر؟... إنها منذ طفولتي وحتى الآن، كان الجميع يعتقد أننا سنكون معًا... وأنتِ فقط من ظهرتِ، ومنذ ذلك الحين تغيّر كل شيء.« ونظرت إليها إيلا، وردّت قائلة: » إذن تعتقدين أن عليّ التخلي عن زواجي فقط بسبب توقعاتكِ؟« لم تجد كلارا جوابًا للحظة، ثم قالت إيلا: » يمكنكِ ألا تحبيني. ويمكنكِ أن تظني أنني لا أستحق عائلة فون هابسبورغ.« وأضافت: » لكن عليكِ أ
الفصل السادسبعد أن أنهت إيلا كلماتها، اتجهت نحو الخارج.وعندما رأت صوفيا هذا المشهد، تغيّرت ملامح وجهها فورًا. وخصوصًا أمام كلارا، فقد شعرت بأن تصرّف إيلا جعل عائلة فون هابسبورغ تفقد هيبتها. ثم قالت بصوت مرتفع:» هل هذه هي طريقتك في التعامل مع الضيوف؟«ثم توقفت إيلا عن السير،واستدارت ببطء.وكانت عيناها الزرقاوان الداكنتان هادئتين بشكل مخيف، خاليتين من أي مشاعر. ثم قالت:» السيدة صوفيا، هل تتوقعين مني أن أقف هنا وأشاهد الجميع يرحّبون بامرأة أخرى لتحلّ مكاني، وتصبح زوجة زوجي، بينما أبتسم وأتمنى لهما السعادة؟«وابتسمت بسخرية خفيفة، وأكملت:» صحيح، أنا قادمة من عائلة عادية. لذلك أرجو أن ينهي ألكسندر هذه الزيجة معي، وأنا أقبل الطلاق في أي وقت.«وتوقفت للحظة، ثم نظرت إلى كلارا، وأضافت:» وبهذه الطريقة، لن تضطر بعض النساء إلى الوقوف جانبًا وانتظار الفرصة طوال الوقت. وبعد الطلاق، ستتمكن من أن تصبح سيدة عائلة فون هابسبورغ بشكل رسمي.«ما إن سقطت كلماتها، حتى غرق المكان بأكمله في صمت تام.واختفت الابتسامة من وجه كلارا تمامًا، بينما أصبح وجه صوفيا شاحبًا من شدة الغضب.أما إيلا فلم تتوقف أكثر من
الفصل الخامس عادت إيلا إلى الواقع، وهي واقفة في منتصف القاعة، تنظر إلى كل ما يحدث أمامها. وفجأة شعرت بأن هذا المكان... لم يكن ينتمي إليها حقًا في أي وقت مضى.وظلّ قصر عائلة فون هابسبورغ فاخرًا كما هو: اللوحات الفنية المعلقة على الجدران، والأواني العصرية الموضوعة على الطاولات، وكل التفاصيل الصغيرة كانت تُظهر مجد هذه العائلة ومكانتها.لكن هي وحدها... بدت دائمًا وكأنها شخص سُمح له بالبقاء هنا مؤقتًا فقط. وكانت صوفيا فون هابسبورغ تجلس على الأريكة، ولم تحاول إخفاء موقفها تجاه إيلا. لكن إيلا لم تتفاجأ،عامين كانا كافيين بالنسبة لها لكي ترى الكثير من الأمور بوضوح. لذلك عندما سمعت كلمات صوفيا، لم تشعر حتى بخيبة أمل. وقالت بهدوء: » إذا لم يكن هناك شيء آخر، سأعود أولًا.« ما إن انتهت من كلامها، حتى جاء صوت مألوف من خارج الباب، يقول برقّة: » ألكسندر أخي.« ثم توجّهت أنظار الجميع في الوقت نفسه نحو المدخل، وتوقفت إيلا عن الحركة. وفي اللحظة التالية، ظهرت امرأة شابة أمام الجميع، وسارت بسرعة نحو ألكسندر، الذي كان قابعًا خلف إيلا. حيث كانت صغيرة القامة،وذات ملامح جميلة ورقيقة، وعينين





