LOGINالماء هو العملة، والدم هو الثمن، والفناء يقترب على أجنحة صامتة". مرحباً بكم في كوكب "بروتون" – أعظم مسلخ بشري في الكون – حيث البشر هم مجرد وليمة على موائد الطغاة. في هذا العالم المنهار، تحتكر قارة "الوفرة" الموارد، وتتحصن "العظمة" خلف جدران الجليد، بينما تنمو في الظلام مؤامرة مرعبة وتهديد قديم يُعرف باسم "آكلي اللب". وسط هذا الجحيم، تولد صراعات وعلاقات عشق مستحيلة ومحرمة: عشق الإله الزائف: "الملك" الذي يدّعي الألوهية أمام شعبه ويحكم بقبضة من حديد، يجد نفسه مستعبداً لعشق فتاة غامضة. يحترق رغبةً بالقرب منها، لكنه مجبر على الابتعاد وعزلها في الظلال؛ لأن لمسها قد يهدم صورته المقدسة أمام العالم، فهل يضحي بعرشه الإلهي من أجل نظرة من عينيها؟تمرد العبد اللقيط: "كايان اللقيط" الذي يعثر في القفار على سلاح مدمر يهدد عروش الجبابرة، يخوض حرباً شرسة ليس حباً في السلطة، بل مدفوعاً بنيران عشق جارف يحرق صدره، مستعداً لإحراق الكوكب بأكمله لحماية من يحب.ثورة الفيلسوف: وفي المقابل، يقف "أريدون فانيس" ليتحدى القانون البيولوجي المقزز لإنقاذ البشرية من التحول إلى مجرد لحم طازج. عندما يستقر الغبار وتتصادم الأسلحة، من سينتصر في النهاية؟ هل تصمد العروش الجليدية وادعاءات الألوهية، أم أن الحب الجارف، والانتقام، والحقيقة سيعيدون كتابة مصير الناجين؟
View Moreكانت قارة الجفاف تلفظ أنفاسها الغبارية الأخيرة تحت شمس كوكب بروتون النحاسية الهابطة نحو الأفق الكئيب .
في هذه البقعة المنسية من العالم، لا تملك الطبيعة ما تقدمه سوى الرمل الساخن المتطاير، والملح الكثيف الذي يكسو حواف الصخور العارية، وأشلاء بشرية قُتلت في غارات الأمس وتركت لتأكلها الحيوانات .
على الشواطئ الصخرية المهجورة، حيث يمتد المحيط الأصفر الساكن كبركة من الزيت الميت، كان رجال "قبيلة السود" يقفون في صمت يملؤه الوجع .
وجوههم الشاحبة بفعل الفقر المدقع، وأجسادهم النحيلة التي حفر فيها الجوع مجارٍ عميقة، كانت تحكي قصة المظلومية التاريخية والاضطهاد الذي فرضته عليهم قبائل الشينغار الحاكمة .
كانوا يقبضون على رماحهم البدائية ذات النصاب الخشبية المتآكلة، وأعينهم شاخصة نحو الأفق الغامض، باحثين عن أي شيء يسد رمق أطفالهم الجياع .
وفجأة، انقشع الضباب البحري الأصفر الكثيف عن مشهد لم يره بشر في تاريخ الكوكب كله .
رست على الشواطئ سفنٌ معدنية ضخمة داكنة اللون، تتداخل في هياكلها تروس حديدية غامضة وتتحرك بأشرعة معدنية غريبة لا تتبع حركة الرياح، بل تقود الموج قسراً . كانت هذه السفن تائهة وهاربة من كارثة بيولوجية دمرت قارتهم الرابعة المجهولة ، وهذه القارة لا يعلم عنها أحد في القارات الثلاث.
هبط من تلك الحصون العائمة كائناتٌ عجيبة؛ أشكالهم وأحجامهم كانت صغيرة جداً مقارنة بالبشر، لكن ملامحهم تنبض بذكاء فائق وتطور علمي مرعب: هم الأقزام العباقرة .
كانوا خرسا بلا لغة منطوقة؛ تحركوا على الرمل بصمت رهيب، وتواصلوا عبر لغة إشارة معقدة وسريعة بأصابعهم وأيديهم الرشيقة، كأنهم ينسجون أفكارهم في الهواء .
لم يكن الأقزام يعلمون شيئاً عن صراعات هذا العالم, بل كانوا يبحثون عن أمان واستيطان؛ فتقدم رئيسهم نحو صخرة عملاقة، واستل قطعة حديدية من مساعده: سلاح "رعد الصمت" (البواريد) .
وبحركة خاطفة من أصابعه، ضغط على الزناد.
في تلك اللحظة، انكسر صمت الشاطئ الأبدي بدوٍّ هائل وصاعق زلزل رمال الصحراء . وميض ناري انطلق من فوهة البارود، ليخترق الصخرة الصلبة من مسافة بعيدة ويحولها في لمح البصر إلى ركام وشظايا متناثرة دون حاجة لالتحام جسدي .
سقط رجال قبيلة السود على ركبهم من شدة الذعر،
والأطفال بدأت بالصراخ ،
لكن شيخ القبيلة فك شفرة إشارات رئيس الأقزام البدائية، وأدرك أن هذه البواريد هي طوق النجاة لتدمير كبرياء الشينغار .
التفت إلى رجاله وعيناه تشتعلان بنار الانتقام، وقال بصوت قوي:
• "هؤلاء الغرباء الصامتون يحملون سلاحاً إعجازياً لم يرى العالم مثله .
لقد ساقهم القدر إلينا ليكونوا طوق نجاتنا. بهذه البواريد، سنكسر كبرياء الشينغار ونأخذ حقنا من موران
على بعد أميال شاسعة، في الجزء الخصيب الصغير الذي تحكمه قبائل "الشينغار"، كان كايان اللقيط (الشاب الأبيض النقي البالغ من العمر عشرين عاماً)
يقف على جرف صخري حاد .
كانت بشرته البيضاء الشديدة الناصعة تتناقض تماماً مع محيطه الصحراوي، مما جعله منبوذاً من الجميع ومحارباً؛ لكنه كان الخادم الوفي والذراع الضاربة للجدة موران، حاكمة الشينغار المسنة التي التقطته طفلاً وحمته من الموت والنبذ .
وصل أحد الجواسيس يركض، والأنفاس تكاد تقطع صدره، وارتمى تحت أقدام الجدة موران وكايان وهو يصرخ:
• "مولاتي.. لقد حدث المستحيل في الجنوب! قبيلة السود تحالفت مع مخلوقات خُرساء صغيرة هبطت من سفن معدنية تائهة، وهم يوزعون أسلحة حديدية تطلق الرعد والبارود.. الحرب الأهلية ستأكل قبيلة الشينغار .
لمعت عينا كايان اللقيط بشرارة وحشية وصارمة، وقبض بيده الصلبة على مقبض سيفه البدائي الصدئ . نظر إلى سيدته العجوز التي بدأت علامات القلق تهز تجاعيد وجهها الحكيم، وقال بصوت حاسم:
• "مولاتي.. لا مفاوضات مع الدخلاء. أي غريب يطأ هذه الأرض هو عدو جاء ليسرق ما تبقى من مائنا . سأقود رجال الشينغار فوراً إلى الجنوب؛ وسنذبح هؤلاء الأقزام الخُرس ونحرق بواريدهم قبل أن يحولوا مناطقنا إلى مسلخ لنا" .
عادت الجدة موران بخطى وئيدة وثقيلة نحو خيمة القيادة المصنوعة من جلود الإبل الخشنة، يتبعها كايان اللقيط كظلها الأبيض الحارس . كان صمت الصحراء بالخارج خانقاً، لكن الصمت داخل الخيمة كان مشحوناً بنذر حرب لم تشهدها قارة الجفاف من قبل .
جلست الحاكمة العجوز فوق بساطها الصوفي البالي، وأشاحت بوجهها المحفور بالتجاعيد نحو كايان الذي كان يقف منتصباً، يمسك بمقبض سيفه، وعيناه تلمعان بحقد غريزي ضد الغرباء ، نظرت إليه موران طويلاً، ثم قالت بنبرة صوت منخفضة لكنها ثقيلة كالصخر:
• "كايان.. يا بني الذي التقطته من بين الرمال والذئاب؛ اندفاعك لطالما أحببته، لكن الصحراء لا يحكمها الاندفاع بل حكمها الصبر والفطنة . السود جياع، والجائع إذا أمسك بسلاح 'الأقزام الخرس' الذي تحدث عنه الجاسوس، لن يحارب ليموت، بل ليأكلنا" .
ترجل كايان خطوة إلى الأمام، وانحنى قليلاً لتظهر حدة ملامحه البيضاء الناصعة تحت ضوء الفتيل الخافت، وقال بصوت حاد ومصمم:
• "مولاتي، الجوع يداوى بالخبز والماء، لا بالحديد والبارود الذي يقذف الموت من بعيد . هؤلاء الأقزام الخُرس الذين نزلوا من البحر ليسوا بشراً مثلنا.. إنهم سحرة غريبون، أشكالهم مسخ، وصمتهم المطبق ليس إلا طقساً شيطانياً . أنتِ تعلمين حكم أجدادنا وقانون الشينغار المقدس: إذا ولد قزم بين عائلاتنا، ندفنه حياً في الرمل قبل أن يشتد عوده، لأننا نعلم أنهم مسوخ شيطانية تجلب اللعنة والجفاف للأرض!"
اشتدت نبرة كايان وحشية وهو يشهر سيفه البدائي الصدئ مكملاً:
• "واليوم.. البحر يقذف إلينا بجيش كامل من هؤلاء المسوخ السحرة! لا أعلم لماذا تفعل الإلهة القديرة بنا هذا، والآن يمشون على رملنا، ويمنحون السود أسلحة تقذف ما يشبه الصاعقة . إذا انتظرنا حتى يتعلم السود كيف يوجهون سحر أولئك الأقزام نحو صدورنا، فلن يبقى من عرق الشينغار طفل واحد فوق الأرض . دعي سحرهم يتصادم مع نصالنا سراً في الليل؛ سأقود غارة خاطفة تحت ستار العتمة، وأدفن هؤلاء المسوخ الصامتين أحياء في الرمل كما فعل أجدادنا دائماً" .
أغمضت الحاكمة موران عينيها ببطء، وتنفست برعب مكتوم بعد أن تذكرت قانون الدفن القديم، ثم هزت رأسها بالموافقة وقالت بصوت واثق وحاسم:
• "اذهب يا كايان.. خذ معك خيرة مقاتلي الشينغار؛ وطهّر رمال الجنوب من رجس هؤلاء السحرة قبل الصباح، ولا تعد إليّ إلا ورعد صمتهم الشيطاني قد انطفأ للأبد وأجلب رأس كبير قبيلة السود لأعلقه على تمثال آلهتنا
بينما كان كايان يركب حصانه عبر صحراء قارة الجفاف، مرّ بالعظام المتبقية لـ "العاشق المصلوب"—وهي قصة قديمة يحكيها أهل القفار عن رجل سرق إناء ماء من الحاكمة موران ليروي به حبيبته التي كانت تموت من الظمأ، فقتلهما أهل القبيلة وصلبوهما معاً على صخرة كبيرة ليكونا عبرة للجميع.
وقف كايان بحصانه للحظة، ونظر إلى العظام المتيبسة تحت شمس الصحراء الحارقة. سأل نفسه باستغراب وسخرية: «كيف يمكن لإنسان في هذا العالم الميت، حيث قطرة الماء أغلى من الحياة، أن يضحي بكل شيء من أجل امرأة؟ أي جنون هذا الذي يجعل الرجل يرمي نفسه في التهلكة ليطعم غيره؟»
شدّ على مقبض سيفه، وغطى وجهه بوشاحه ليحميه من رمال الصحراء، وهو متأكد في داخله أن الحب في قارة الجفاف ليس إلا طريقة سريعة للموت .
في قارة العظمة الباردة، كانت أسوار عاصمة الجليد (ستاركارد) تبدو تحت ضوء القمر الشاحب كأنها شواهد قبور حجرية عملاقة . العواصف الثلجية تضرب بقسوة، وداخل قاعة المجلس الحربي الكبرى، كان التوتر يغلي خلف الجدران الحجرية السوداء بعد أن نصب الوزير المستبد مالاكور نفسه كحاكم فعلي عقب موت الملك العجوز .دعا مالاكور إلى اجتماع طارئ وعاجل لكبار جنرالات الجيش والوزراء الشرفاء . وفي أظلم زاوية من زوايا القاعة الشاهقة، بعيداً عن دفء الموقد، كان الأمير الصغير أوريك يجلس على كرسيه الخشبي .كان يرتدي ثياباً فضفاضة بالية، وعيناه تتحركان ببلادة تامة وكسل غريب يرسخ داخل البلاط الملكي لقبه الساخر كمجرد طفل (أبله) لا يفقه شيئاً .نظر مالاكور نحوه باستخفاف، ثم التفت إلى الطاولة وضغط بقبضته على الخريطة الجلدية، وصاح بنبرة تملؤها الغطرسة والنفوذ:• "أيها القادة، الكوكب يتحرك من تحتنا والوقت لا يرحم! الفيلسوف أريدون فانيس أفلت من أيدي حراس أكواليس وجيشنا الألفي وهرب نحو قارة الجفاف لعينة . إذا تركنا أفكاره الهدامة تتمدد، ستشتعل الثورات وتنقرض قوافل الغذاء التي تمدنا بها قارة الوفرة . لذا، أصدر أمري بصفتي الوصي
في أطراف قارة الجفاف، وداخل خيمة القيادة الكبرى المصنوعة من جلود الإبل الخشنة، كانت النيران تتراقص لتلقي بظلال طويلة ووحشية على أجساد المقاتلين . لم يكن صمت الصحراء يعني السلام؛ بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، حيث كانت قبائل الشينغار تغلي غضباً وتأهباً لخوض معركة لم تشهد أرضهم مثيلاً لها .كان الشاب الأبيض كايان اللقيط يقف وسط الخيمة كالنصل المصقول، عيناه تلمعان بحقد غريزي صارم، ويده لا تفارق مقبض سيفه البدائي الصدئ . وأمامه، كانت تجلس الجدة موران، حاكمة الشينغار المسنة، وعيناها الضيقتان تراقبان الخريطة الجلدية المفرودة على الأرض .وفي زاوية الخيمة، بعيداً عن دفء النار، كان يقف "بروكان"، الابن الوحيد للجدة موران ووريثها الشرعي في حكم القبيلة . كان بروكان رجلاً ضخم البنية، ذو ملامح حادة قست عليها شمس الصحراء، وعيناه تفيضان بالغل والكره وهو يراقب كايان؛ فبروكان كان يرى في هذا الشاب الأبيض اللقيط، الغريب عن دماء الشينغار، تهديداً مباشراً لسلطته ونفوذه . كان يحقد على والدته العجوز لأنها منحت هذا المنبوذ بياض البشرة سلطة عسكرية وقيادة الجند، وجعلته ذراعها الضاربة على حساب ابنها الشرعي .ت
بعد أيام بائسة طوال قضتها سفينة البضائع تشق الأمواج الميتة للمحيط الأصفر، قُذف بالفيلسوف الشاب أريدون فانيس قسراً على شواطئ قارة الجفاف التعيسة .كانت رمال الشاطئ الملحية البيضاء تبدو تحت أشعة الشمس النحاسية الحارقة وكأنها أرض ملعونة جفت منها الرحمة والعدالة قبل أن يجف منها الماء .جسده المترف الذي اعتاد على هواء ونقاء مدينة أكواليس أنهكه السفر، وغبار الصحراء الخشن خنق أنفاسه ليركع على ركبتيه واهناً فوق الرمل الساخن .حاول أريدون الوقوف والتحرك تائساً بحثاً عن مأوى، ولم يكن يعلم خفايا هذه الأرض الوعرة؛ وفجأة، غاصت قدماه في بقعة غامضة من رمال الصحراء .شعر بالرعب وهو يرى جسده ينهار ويهبط بسرعة قسرية نحو الأسفل؛ لقد وقع في الرمال المتحركة، المصيدة الأشد فتكاً في قارة الجفاف . كلما تخبط أريدون ليفلت، ابتلعه الرمل أكثر حتى غاص صدره وكاد يختنق بالموت المالح .في اللحظة الأخيرة قبل السقوط الكامل، امتدت نحوه حبالٌ غليظة وسواعد صلبة . كانت تلك سواعد رجال "قبيلة السود" الذين كانوا يراقبون الشاطئ؛ ألقوا إليه بالحبال وسحبوه بكل قوتهم خارج جوف الأرض، لينقذوه من موت محتم في الدقيقة الأخيرة .سقط أ
في وسط المحيط الأصفر الساكن، وبعيداً عن صقيع ستاركارد وقسوة رمال الشينغار، كانت تقبع جزيرة إيليريا .كانت هذه البقعة تبدو للكوكب بأكمله وكأنها واحة من الطمأنينة والنور؛ أرض محكومة بالنظام الدستوري والنزاهة، وتملك جيشاً متيناً صلب العقيدة يُعد حصناً منيعاً لا يجرؤ أحد على كسر أسواره .في ذلك الأسبوع، كانت جزيرة إيليريا تعيش عرسها السياسي الأكبر . فتحت صناديق الاقتراع، وتدفق المواطنون بأوراق الانتخابات ليختاروا حاكمهم الجديد بكل حرية وديمقراطية، تحت رعاية البرلمان والصحافة الحرة . ولم يكد ينتهي فرز الأصوات، حتى أُعلنت النتيجة التي هزت أرجاء الجزيرة بالهتاف: لقد فاز الأمير أندرياس غراي بالأغلبية الساحقة .وقف الأمير أندرياس غراي على شرفة البرلمان العليا المطلة على ساحة منارة فيريديان . كان رجلاً في الأربعين من عمره، يرتدي ثياباً مدنية أنيقة تنضح بالبساطة والوقار الدستوري، وملامحه الهادئة والمريحة كانت تبث الطمأنينة في قلوب الجماهير. رفع يده مستنهضاً الهتافات، ثم وضع يده الأخرى على الدستور وأقسم بصوت جهوري مسموع:• "أقسم أمام البرلمان وأمام شعب إيليريا الحُر، أن أحمي ديمقراطيتنا، وأن أكون
reviews