로그인— ولستُ سجّانك.
خرجت الجملة من فمي قبل أن أستوعب ثقلها. وفي لحظة واحدة تغيّر كل شيء. تجمد مالك في مكانه. لم يعد يصرخ. لم يعد يتحرك. فقط صمت طويل ومخيف، كأن الهواء نفسه توقف بيننا. ثم قال بصوت منخفض جدًا: — ماذا قلتي؟ ابتلعت ريقي، لكنني لم أتراجع. — قلت إنك لست سجاني. اقترب خطوة. ثم أخرى. حتى صار وجهه قريبًا بشكل أربكني. — أنا أحميكِ من نفسك. ضحكت بسخرية مريرة. — أم تحبسني من العالم؟ ارتعشت عضلات وجهه فجأة. ثم قال من بين أسنانه: — كل ما أفعله لأجلك. — لأجلي؟ رفعت رأسي نحوه وأنا أبكي. — هل تسمي ما تفعله حبًا يا مالك؟ ظل صامتًا. فأكملت وقد انفجر كل ما كتمته داخلي طوال الشهور الماضية. — الحب لا يخنق صاحبه. الحب لا يمنعني من الدراسة. ولا يمنعني من زيارة أهلي. ولا يجعلني أخاف من كلمة أقولها أو نظرة أنظرها. أنت لا تحبني. أنت تريد امتلاكي فقط. اتسعت عيناه بصدمة. كأن كلماتي أصابته في مقتل. ثم هز رأسه بعنف. — لا... — بلى. — لا تتحدثي وكأنك تفهمينني. — بل أفهمك جيدًا. أفهم أنك ترى كل الرجال أعداء. وأفهم أنك تشك في الجميع. وأفهم أنك لا ترى فيّ زوجة بل شيئًا تملكه. بدأ صدره يعلو ويهبط بعنف. وكانت عيناه تزدادان احمرارًا مع كل كلمة أقولها. شعرت بالخوف. لكنني كنت قد وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها الصمت ممكنًا. — أريد الطلاق يا مالك. خرجت الكلمة واضحة. حادة. قاطعة. فارتد للخلف وكأنني صفعته. — ماذا؟ — أريد الطلاق. — مستحيل. — بل ممكن. — لن يحدث. — سيحدث. — وعد! صرخ باسمي حتى ارتجت جدران المكان. خرجت والدته من شقتها مذعورة. — مالك اهدأ يا بني. لكنني لم أعد أرى سوى سنوات عمري التي تضيع أمامي. سنوات من الخوف. ومن التنازل. ومن محاولة إرضاء رجل لا يرضيه شيء. نظرت إليه وقلت: — لو عدت معك اليوم فسأموت يومًا ما على يديك. ساد الصمت. حتى والدته شهقت من هول ما سمعته. أما هو فبدا وكأن عقله توقف عن العمل. ثم فجأة تغيرت ملامحه بالكامل. اختفى الإنسان الذي أعرفه. وحل مكانه شخص آخر. شخص مخيف. مد يده ونزع غطائي بعنف. شهقت وأنا أحاول التراجع، لكنه أمسك شعري بقوة وجذبني نحوه. — لن تتركيني. قالها بصوت مرتجف. — لن تتركيني مثلها. تجمدت في مكاني. — مثل من؟ لكن ملامحه ازدادت اضطرابًا. وكأنه لا يراني. وكأنه يرى شخصًا آخر يقف أمامه. شخصًا من الماضي. شخصًا يدعى سمر. صرخت من الألم: — اتركني يا مالك! لكن صرختي كانت الشرارة. رفع يده. ثم هبطت على وجهي. تجمد الزمن. لم أصدق. لم أستوعب. الرجل الذي أحببته... ضربني. دفعني للخلف بقوة. ففقدت توازني تمامًا. حاولت الإمساك بدرابزين السلم، لكن أصابعي لم تصل إليه. سقطت. درجة. ثم أخرى. ثم ثالثة. ارتطم جسدي بالحائط الحديدي، وارتجّ رأسي بعنف. ثم شعرت بسائل دافئ يسيل على وجهي. الدم. أصوات صراخ بعيدة. أقدام تركض. وشيء داخلي يصرخ أنني ما زلت حية... لكن بصعوبة. فتحت عيني بصعوبة، فوجدت أم مالك تركض نحوي وهي تبكي. احتضنت رأسي وهي تصرخ: — يا رب... لا يا مالك! ثم نظرت إليه بألم شديد، وصرخت: — وعد ليست سمر يا مالك! تجمدت الكلمات داخلي. سمر؟ من هي سمر؟ لم أفهم شيئًا. لكن الألم كان أقوى من التفكير. أم مالك كانت تبكي وهي تضغط على يدي: — ليست سمر... ليست هي! ثم صرخت مجددًا: — ستقتلها يا بني! رفعت عيني نحو مالك. كان واقفًا أعلى الدرج. ينظر إلى يديه. وكأنه يراها لأول مرة. لا صراخ. لا غضب. فقط ذهول. ثم خوف. خوف حقيقي. كأنه استيقظ فجأة على ما فعل. لكن بعد فوات الأوان. شعرت جسدي يبرد. وصوتي يختفي. وآخر ما رأيته... دموع أم مالك. وآخر ما سمعته... اسم واحد يتكرر في الهواء: — سمر... ثم ابتلعني الظلام. حين فتحت عيني مرة أخرى… كنت في غرفة بيضاء. أصوات الأجهزة الطبية تحيط بي. وألم ثقيل يسكن جسدي كله. لكن شيئًا واحدًا كان يضغط على عقلي أكثر من الألم… اسم سمر. ومن تكون سمر؟ ولماذا كسرني هذا الاسم قبل أن أبدأ حتى في فهم حياتي؟الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو
الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س
الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي
بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس
الاعتراف الكامللم تنتهِ الجلسة في ذلك اليوم.بعد اعتراف مالك المفاجئ قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم وإعطاء المحكمة فرصة لسماع أقوال إضافية.لكن شيئًا ما تغير داخل القاعة.لم يعد الأمر مجرد قضية عنف أسري.بل أصبح قصة كاملة من الانكسارات والأخطاء والقرارات المدمرة....بعد انتهاء الجلسة اقترب أحد رجال الأمن من مالك.لكن مالك طلب من القاضي السماح له بالكلام.ولو لدقائق معدودة....تبادل الجميع النظرات.ثم وافق القاضي....وقف مالك ببطء.كانت عيناه مرهقتين.وصوته أضعف مما عرفته يومًا.لكنه بدا صادقًا.صادقًا بصورة مؤلمة....قال وهو ينظر إلى الأرض:— لا أطلب شفقة من أحد.ولا أبحث عن عذر.وأعلم أن ما فعلته لا يُغتفر.لكنني أريد قول الحقيقة كاملة....ساد الصمت....— عندما تركتني سمر...لم أخسر خطيبتي فقط.خسرت نفسي....نظر إلى يديه للحظة.ثم أكمل:— كنت أظن أنني قوي.ومتزن.وقادر على تجاوز أي شيء.لكنني اكتشفت أنني أضعف مما تخيلت....توقفت عيناه عند والدته الجالسة في آخر القاعة....— أمي تعرف كم كنت محطمًا وقتها.كنت أستيقظ كل يوم وأنا أبحث عن سبب يجعلني أنهض من السرير....انخفض رأس و
شهادة فراسساد الصمت داخل قاعة المحكمة.الجميع ينظر إلى الرجل الذي وقف فجأة طالبًا الإدلاء بشهادته.أما مالك فبدا وكأنه رأى شبحًا من الماضي.كانت عيناه مثبتتين على فراس دون أن يرمش.بينما شعرت أنا بأن قطعة جديدة من الحكاية على وشك أن تنكشف....نظر القاضي إلى الأوراق التي قدمها الرجل ثم سأله:— ما علاقتك بالقضية؟أجاب بهدوء:— اسمي فراس عبدالعزيز.وكنت صديقًا لمالك في الجامعة.كما أنني أحد الأشخاص المرتبطين بسبب انهياره النفسي الأول....ارتفعت همسات الحاضرين.بينما ازداد توتر مالك بصورة واضحة....قال القاضي:— تفضل....أخذ فراس نفسًا عميقًا.ثم نظر نحو مالك للحظات قبل أن يتحدث....— طوال سنوات كنت أعتقد أن الصمت هو أفضل حل.لكن بعدما علمت بما حدث للسيدة وعد قررت أن أتكلم....شعرت بيدي تنقبض فوق المقعد....أكمل:— نعم.كنت أعرف سمر.لكن الحقيقة ليست كما ظن الجميع....رفع مالك رأسه فجأة....— ماذا تقصد؟...نظر إليه فراس مباشرة....— أقصد أنني لم أكن على علاقة بها كما اعتقدت....ساد الصمت....حتى القاضي توقف عن تدوين الملاحظات....أما مالك فبدا كأن الكلمات أصابته بصدمة....







