LOGINالسقوط على الدرج
يقولون إن الإنسان يشعر بالخطر قبل وقوعه. إشارة صغيرة. شعور غامض. قبضة باردة تلتف حول قلبه دون سبب واضح. في ذلك الصباح استيقظت وأنا أشعر بشيء مشابه. شيء لم أستطع تفسيره. لكنني تجاهلته. كما تجاهلت عشرات الإشارات قبله. ... ارتديت ملابسي واستعددت للذهاب إلى الجامعة. كان مالك يجلس في الصالة يحتسي قهوته الصباحية. رفع رأسه نحوي. وتأملني للحظات طويلة. ثم قال: — لا تتأخري. ابتسمت. — لن أتأخر. ... اقترب مني. ووضع يده فوق بطني المنتفخ قليلًا. ثم قال: — اعتني بنفسك وبطفلنا. ... كانت لحظة دافئة. هادئة. حتى إنني شعرت بالذنب لأنني ما زلت أحتفظ ببعض المخاوف تجاهه. ... وصلت إلى الجامعة. ولأول مرة منذ أشهر شعرت أنني أتنفس بحرية. المباني القديمة. أصوات الطلاب. رائحة الكتب. كل شيء أعاد إليّ جزءًا من نفسي التي افتقدتها. ... بعد انتهاء إحدى المحاضرات كنت أعبر الممر الرئيسي عندما سمعت صوتًا مألوفًا يناديني. — آنسة وعد! التفت فورًا. كان الدكتور عامر. رئيس القسم. ... ابتسم عندما رآني. — أخيرًا ظهرتِ. ضحكت بخجل. — الظروف يا دكتور. ... ألقى نظرة على بطني. ثم قال بلطف: — الحمد لله على سلامتك. قلقنا عليك كثيرًا. ... تحدثنا لدقائق معدودة. سألني عن صحتي. وعن الحمل. وعن خططي الدراسية. وأخبرني أن القسم ما زال يراهن على تفوقي المعتاد. ... كنت سعيدة. سعيدة لأن أحدًا ما زال يتذكرني كطالبة مجتهدة. وليس فقط كزوجة وأم مستقبلية. ... لم أكن أعلم أن هناك عينين تراقبان المشهد بالكامل. ... عينين تشتعلان غضبًا. ... انتهى الحديث مع الدكتور عامر. واستأذنت منه للمغادرة. ... وما إن استدرت حتى وجدته أمامي. مالك. ... شعرت بأن الدماء تتجمد في عروقي. ... كان واقفًا على بعد خطوات. ملامحه جامدة. وعيناه مثبتتان عليّ. ... اقترب ببطء. ببطء مخيف. ... أمسك ذراعي بقوة. حتى شعرت بالألم فورًا. ... همس بصوت منخفض: — تعالي معي. ... — مالك... ما الأمر؟ ... لم يجب. ... سحبني خلفه وسط دهشة المارة. حتى وصلنا إلى السيارة. فتح الباب بعنف. ودفعني إلى الداخل. ... ارتطم كتفي بالمقعد. فشهقت متألمة. ... جلس خلف المقود. وأغلق الباب بقوة. ثم ظل صامتًا. ... صامتًا بشكل أرعبني أكثر من أي صراخ. ... كان يقبض على المقود بقوة. حتى برزت عروق يديه. ... وفجأة ضرب المقود بقبضته. مرة. ثم ثانية. ثم ثالثة. ... قفزت من مكاني فزعًا. ... ثم التفت نحوي. ... ولأول مرة منذ عرفته... رأيت الكراهية في عينيه. ... كراهية خالصة. ... قال بصوت أجش: — هل مات زوجك؟ ... حدقت فيه بذهول. ... — ماذا؟ ... صرخ: — سألتك هل مات زوجك حتى تقفي مع رجل غريب وتضحكي له؟ ... شعرت بصدمة. ... — مالك... كان الدكتور عامر. رئيس القسم. ... — رجل. ... — نعم رجل، لكنه في عمر أبي تقريبًا. ... — لا يهمني. ... — كان يسأل عن صحتي فقط. ... ضرب المقود مجددًا. ... — كاذبة. ... بدأ الخوف يتسلل إلى قلبي. ... — لماذا سأكذب؟ ... — لأن النساء كلهن يكذبن. ... تجمدت. ... كانت جملة غريبة. مخيفة. ... جملة خرجت من مكان أعمق بكثير من مجرد الغيرة. ... أدار السيارة بعنف. وانطلق. ... طوال الطريق لم ينطق بكلمة. ... أما أنا فكنت أشعر أن شيئًا مرعبًا ينتظرني. ... شيئًا أكبر من كل خلافاتنا السابقة. ... وصلنا إلى البناية. ... ترجل من السيارة. ثم جذبني من ذراعي بقوة. ... — مالك... أنت تؤلمني. ... لم يستمع. ... صعدنا الدرج بسرعة. ... خرجت والدته من شقتها عندما سمعت أصواتنا. ... — مالك! ماذا يحدث؟ ... نظر إليها بعصبية. ... — ادخلي يا أمي. ... — دعني أفهم أولًا. ... صرخ: — قلت ادخلي! ... ارتبكت والدته. ... أما أنا فكنت أحاول تحرير ذراعي. ... وفجأة استدار نحوي. ... كانت عيناه مخيفتين. ... مخيفتين بطريقة لم أرها من قبل. ... اقترب مني حتى كدت أشعر بأنفاسه. ... وقال: — لن تذهبي إلى الجامعة مرة أخرى. ... حدقت فيه غير مصدقة. ... — ماذا؟ ... — ولن تسافري في أي بعثة. ... — ليس من حقك أن تمنعني. ... اشتعلت عيناه. ... — أنا زوجك. ... — ولست سجاني. ... ساد الصمت. ... صمت قصير. ... لكنه كان كافيًا. ... كافيًا ليُطلق الوحش الذي كان يختبئ بداخله. ... لأول مرة منذ عرفته... اختفى مالك تمامًا. ... ولم يبقَ أمامي سوى شخص آخر. شخص لم أعرفه من قبل. شخص كان على وشك أن يدمر حياتي كلها. :::الفصل الثاني والعشرون والأخيرحياة بعد النجاةأغلقت الهاتف ببطء.وما زالت كلمات عميد الكلية تتردد في أذني....— مبروك يا دكتورة وعد... تم قبولك رسميًا في البعثة....أغمضت عيني للحظة....سنوات طويلة حلمت بهذه الجملة.سنوات طويلة كنت أرى مستقبلي يقترب ثم يبتعد.مرة بسبب الظروف.ومرة بسبب الخوف.ومرة بسبب شخص آخر كان يقرر عني....أما اليوم...فلا أحد يقرر غيري....جلست على الأريكة أحتضن صغيرتي.بينما كانت تثرثر بكلماتها الطفولية التي لا أفهم نصفها....ضحكت رغمًا عني....وفجأة أدركت شيئًا....أنا نجوت....نجوت حقًا....ليست النجاة من مالك فقط.بل من النسخة القديمة مني.النسخة التي كانت تخاف من الاعتراض.وتخاف من الرفض.وتخاف من خسارة الناس أكثر من خوفها من خسارة نفسها....بعد أيام قليلة كنت أقف داخل المطار....أبي يقف بجانبي.وأمي تمسح دموعها كل دقيقة....أما صغيرتي فكانت مندهشة من كل شيء حولها....اقترب مني أبي.وظل صامتًا للحظات....ثم قال بصوت مبحوح:— سامحيني يا بنتي....نظرت إليه....فأكمل:— كنت أظن أنني أحميك.لكنني كنت أدفعك إلى النار بيدي....امتلأت عيناه بالدمو
الفصل الحادي والعشرونالرسالةمرّت ثلاثة أسابيع منذ صدور الحكم.ثلاثة أسابيع كاملة لم أسمع فيها اسم مالك.ولأول مرة منذ سنوات طويلة أصبحت أيامي هادئة.هادئة بشكل غريب....عدت إلى جامعتي.عدت إلى محاضراتي.وعدت إلى أحلامي التي دفنتها طويلًا....كانت إجراءات البعثة تسير بصورة جيدة.وبدأت أجهز أوراق السفر.أما صغيرتي فكانت تقفز حولي طوال الوقت وهي تظن أن السفر مجرد نزهة طويلة....في ذلك الصباح كنت أجلس أراجع بعض الأوراق عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب....فتحت لأجد ساعي البريد....ناولني ظرفًا أبيض صغيرًا....لم يكن عليه سوى اسمي....أغلقت الباب وعدت إلى الداخل.ثم فتحت الظرف....وتجمدت....لأن أول ما وقع عليه بصري كان اسم المرسل....مالك....شعرت بشيء ينقبض داخل صدري....ظلت الرسالة بين يدي دقائق طويلة قبل أن أقرر قراءتها....وأخيرًا فتحتها...."وعد...إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أن الحكم صدر بالفعل.ولا أعلم إن كنتِ ستقرئين كلماتي للنهاية أم لا.لكنني سأكتبها على أي حال.ليس لأنني أبحث عن عفو.ولا لأنني أريد منكِ شيئًا.بل لأن هناك أمورًا كان يجب أن أقولها منذ س
الفصل العشرونالكلمة الأخيرةمر الأسبوع أسرع مما توقعت.أو ربما كنت أنا من توقفت عن عد الأيام.فمنذ الجلسة الأخيرة وأنا أعيش حالة غريبة.لا خوف.ولا راحة.شيء بينهما.كأنني أقف على باب مرحلة جديدة من حياتي وأنتظر فتحه....في صباح يوم الحكم استيقظت مبكرًا.جلست أمام المرآة أتأمل انعكاسي.كانت آثار الكدمات قد بدأت تختفي تدريجيًا.لكن هناك آثارًا أخرى لا يراها أحد.آثارًا أعمق.في القلب.وفي الذاكرة.وفي الروح....دخلت أمي الغرفة.نظرت إليّ للحظات.ثم اقتربت ورتبت خصلات شعري برفق.كما كانت تفعل وأنا صغيرة....— هل أنتِ بخير؟سألتني بصوت خافت....ابتسمت ابتسامة هادئة.— لا أعلم.لكنني مستعدة....ربتت على كتفي.ولم تقل شيئًا آخر....وصلنا إلى المحكمة قبل بدء الجلسة بقليل.كانت القاعة أكثر ازدحامًا من المرات السابقة.الجميع ينتظر النهاية.أو ما يظنه نهاية....جلست في مكاني.وبجواري أبي.وأمي....رفعت بصري لأجد مالك في الجهة المقابلة....كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.لا يبدو غاضبًا.ولا متوترًا.ولا حتى حزينًا....فقط مرهق.كأن السنوات كلها سقطت فوق كتفيه دفعة واحدة....التقت أعي
بين العدالة والرحمةخرجت من مكتب القاضي وأنا أشعر بثقل غريب فوق كتفي.سؤال واحد فقط.لكنه كان كافيًا ليبعثر كل أفكاري...."هل تريدين أن يبقى مالك والدًا في حياة ابنتكما؟"...طوال الطريق إلى المنزل لم أستطع التوقف عن التفكير.كنت أظن أن معركتي انتهت.أن القضية تدور حول حقي أنا.حول ما تعرضت له.حول سنوات الخوف والإهانة.لكن فجأة وجدت نفسي أمام سؤال أكبر.سؤال يتعلق بابنتي....حين وصلت إلى المنزل كانت الصغيرة تلعب في غرفة الجلوس.ما إن رأتني حتى ركضت نحوي.احتضنت ساقيها الصغيرة.ورفعت يديها تطلب مني حملها....جلست على الأريكة وضممتها إلى صدري.فأخذت تضحك وتداعب وجهي بيديها الصغيرتين....شعرت بدموعي تقترب....هذه الطفلة لا تعرف شيئًا.لا تعرف معنى المحاكم.ولا معنى الخيانة.ولا معنى العنف....كل ما تعرفه أن لديها أمًا تحبها.وأبًا كانت تفرح حين يعود إلى المنزل....وضعت رأسي فوق شعرها الناعم.وأغمضت عيني....هل من حقي أن أحرمها من والدها؟...وهل من حقي أن أعيده إلى حياتها بعدما كاد يقتل أمها؟...كان السؤال مؤلمًا.مؤلمًا أكثر مما توقعت....في تلك الليلة لم أستطع النوم....جلس
الاعتراف الكامللم تنتهِ الجلسة في ذلك اليوم.بعد اعتراف مالك المفاجئ قرر القاضي تأجيل النطق بالحكم وإعطاء المحكمة فرصة لسماع أقوال إضافية.لكن شيئًا ما تغير داخل القاعة.لم يعد الأمر مجرد قضية عنف أسري.بل أصبح قصة كاملة من الانكسارات والأخطاء والقرارات المدمرة....بعد انتهاء الجلسة اقترب أحد رجال الأمن من مالك.لكن مالك طلب من القاضي السماح له بالكلام.ولو لدقائق معدودة....تبادل الجميع النظرات.ثم وافق القاضي....وقف مالك ببطء.كانت عيناه مرهقتين.وصوته أضعف مما عرفته يومًا.لكنه بدا صادقًا.صادقًا بصورة مؤلمة....قال وهو ينظر إلى الأرض:— لا أطلب شفقة من أحد.ولا أبحث عن عذر.وأعلم أن ما فعلته لا يُغتفر.لكنني أريد قول الحقيقة كاملة....ساد الصمت....— عندما تركتني سمر...لم أخسر خطيبتي فقط.خسرت نفسي....نظر إلى يديه للحظة.ثم أكمل:— كنت أظن أنني قوي.ومتزن.وقادر على تجاوز أي شيء.لكنني اكتشفت أنني أضعف مما تخيلت....توقفت عيناه عند والدته الجالسة في آخر القاعة....— أمي تعرف كم كنت محطمًا وقتها.كنت أستيقظ كل يوم وأنا أبحث عن سبب يجعلني أنهض من السرير....انخفض رأس و
شهادة فراسساد الصمت داخل قاعة المحكمة.الجميع ينظر إلى الرجل الذي وقف فجأة طالبًا الإدلاء بشهادته.أما مالك فبدا وكأنه رأى شبحًا من الماضي.كانت عيناه مثبتتين على فراس دون أن يرمش.بينما شعرت أنا بأن قطعة جديدة من الحكاية على وشك أن تنكشف....نظر القاضي إلى الأوراق التي قدمها الرجل ثم سأله:— ما علاقتك بالقضية؟أجاب بهدوء:— اسمي فراس عبدالعزيز.وكنت صديقًا لمالك في الجامعة.كما أنني أحد الأشخاص المرتبطين بسبب انهياره النفسي الأول....ارتفعت همسات الحاضرين.بينما ازداد توتر مالك بصورة واضحة....قال القاضي:— تفضل....أخذ فراس نفسًا عميقًا.ثم نظر نحو مالك للحظات قبل أن يتحدث....— طوال سنوات كنت أعتقد أن الصمت هو أفضل حل.لكن بعدما علمت بما حدث للسيدة وعد قررت أن أتكلم....شعرت بيدي تنقبض فوق المقعد....أكمل:— نعم.كنت أعرف سمر.لكن الحقيقة ليست كما ظن الجميع....رفع مالك رأسه فجأة....— ماذا تقصد؟...نظر إليه فراس مباشرة....— أقصد أنني لم أكن على علاقة بها كما اعتقدت....ساد الصمت....حتى القاضي توقف عن تدوين الملاحظات....أما مالك فبدا كأن الكلمات أصابته بصدمة....







