FAZER LOGINعادت إيلا برأسها إلى الوراء ، مستندة إلى حافة
النافذة الزجاجية الباردة. في هذه العزلة الموحشة ، انفتحت بوابات الذاكرة لتجرفها إلى الوراء ثلاث سنوات.. إلى الأيام الأولى التي أعقبت دفن والدها. تذكرت كيف تحول العالم فجأة إلى غابة موحشة ؛ الدائنون يلاحقونها ككلاب مسعورة في كل زاوية ، والتهديدات بالقتل والضرب تلاحقها عبر الهاتف وفوق عتبة بيتها الصغير. انتهى زمن الأميرة المدللة ، ووجدت نفسها مجبرة على العمل في وظيفتين قاسيتين يومياً لتأمين لقمة العيش وفاتورة مصحة والدتها. وفي إحدى هاتين الوظيفتين ، التقت بـ "زين الرفاعي" لأول مرة.كانت تعمل في خدمة الغرف بأحد الفنادق الفاخرة ، ترتدي زياً موحداً يخفي وراءه انكسار روحها. في ذلك المساء المشؤوم ، دلفت إلى غرفة أحد النزلاء الأثرياء لتأدية عملها ، لتفاجأ بذئب بشري يغلق الباب خلفها. و يحاول التحرش بها ، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة وحاولت التملص لفتح الباب والخروج . لكن النزيل ، مدفوعاً بوقاحته ، شدها بقوة إلى الداخل مجدداً.في تلك اللحظة ، كان زين الرفاعي يمر في الممر الفندقي الهادئ متجهاً إلى جناحه الخاص . لفت انتباهه صوت جلبة و صراخ مكتوم وباب يفتح ويغلق بعنف و إمرأة تحاول الخروج لكن شخص يشدها رغما عنها . وباندفاع غريزي ، دفع الباب بقوة ليرى مشهداً أثار حنقه ؛ كان الرجل يحاول بوقاحة تمزيق أزرار قميص إيلا ولمس نهدها، بينما يده الأخرى تضغط بقسوة فوق فمها لمنعها من الصراخ. لم يستوعب النزيل ما يحدث إلا وجسد ضخم ويدان قويتان كالحديد تسحبانه إلى الخلف بعنف ، لتستقر لكمة قوية ومدمرة على فكه ، أطاحت به أرضاً في ثوانٍ .تنفست إيلا الصعداء ، وجسدها يرتجف بشدة ، وعدلت قميصها وهي تنظر إلى منقذها الغريب بنظرات ممتنة: — شكراً لك.. شكراً لك يا سيدي. نهض الرجل من على الأرض ، يمسح الدم عن طرف شفته ، وقال بحدة وغيظ: — من أنت ؟ وكيف تجرؤ على التدخل بيني وبينها ؟ رد زين بنبرة هادئة لكنها تحمل وعيداً : — أنا من سيجعل الزنزانة بيتك الجديد ابتداءً من الليلة. ضحك الرجل بسخرية ووقاحة ، : — ولماذا ؟ إنها مجرد عاهرة ! اتفقت معها على مبلغ محدد ، وعندما دخلت ورأت رغبتي وشغفي بها طمعت وحاولت المساومة للحصول على مبلغ أكبر ! صعقت إيلا من هول الصدمه ، وصرخت بنبرة مخنوقة بالدموع: — يالك من كاذب و وقح ! لم يحدث هذا أبداً !قال الرجل بثقة : — لنحضر إذن مدير الفندق ، ولنروِ له قصتنا ونرى من سيصدق في النهايه . تسمّرت إيلا في مكانها. داهمها رعب حقيقي ؛ تخيلت حضور مدير الفندق ، وعلمت أنه سيتم طردها على الفور وتشويه سمعتها . فما هي قيمتها كعاملة غرف بسيطة أمام شهادة رجل من كبار الزوار الأثرياء ؟ همست برعب وهي تنظر إلى زين: — لا داعي لذلك.. أرجوك، لننهِ الأمر هنا. استدار زين نحوها، ورمقها بنظرة نارية حارقة،، نظرة مزيج بين الخيبة والازدراء ، شعر فيها بالخديعة وكأن كلام الرجل كان صحيحاً . في تلك اللحظة ، قهقه الرجل بسخرية لاذعة: — ألم أخبرك يا رجل ؟ إنها مجرد عاهرة.. والآن شعرت بالخوف من انكشاف أمرها! لم تحتمل إيلا نظرات زين ، ولا كلمات الرجل . فرّت من الغرفة راكضة في الممرات وهي تبكي بحرقة . لم تتعرض في حياتها كلها لمثل هذا الإذلال المهين ؛ فمنذ حادث والدها وهي تجرع كؤوس المهانة يومياً ، لكن هذه المرة كانت الأقسى .مرت ساعات الليل الثقيلة وهي تتقلب على جمر القلق ، تخشى أن يتقدم ذلك النزيل بشكوى رسمية تؤدي لطردها. و هي لا تستطيع خسارة هذا العمل الآن؛ فواتير المستشفى لابد من سدادها، فضلاً عن الدائنين الذين لا تعرف كيف ستسدد ديونهم المتراكمة.في اليوم التالي ، توجهت إلى الفندق وقدميها تكادان لا تحملانها. تنفست الصعداء عندما قابلها مدير الفندق بابتسامه بشوشة وهو يحييها باحترام استشعرت إيلا الأمان لثوانٍ ، واعتقدت أنها نجت من تلك الورطة.. ولكن،.... لم تكن تعلم أن القادم كان صفقة مغلفة بالحرير ، ستغير مجرى حياتها للأبد.عندما كانت إيلا تقف على الرصيف تنتظر سيارة الأجرة وتفرك كفيها من برودة المساء ، اهتز هاتفها معلناً وصول رسالة مقتضبة وحاسمة من زين: بعد ساعة في شقة سيزر. قلبت إيلا عينيها بملل وضيق شديد ، وقالت في نفسها بسخرية وهي تضع الهاتف في حقيبتها: ماذا يتعاطى هذا الرجل بحق الجحيم،؟ ألا يمكنه الذهاب لحمل الصخور وتكسيرها لصرف هذه الطاقة الهائلة في مكان آخر بدلاً من ملاحقتي ؟ ركبت سيارة الأجرة وتوجهت إلى البرج السكني الفاخر وهي تحاول تهيئة نفسها لجولة جديدة معه ، كانت واثقة في نفسها أنها ستحافظ على قناع القوة. فتحت باب الشقة بالمفتاح ودلفت إلى الداخل ، لتفاجأ بأن المكان غارق في ظلام دامس، ولا تضيئه إلا أنوار خافتة لشموع متناثرة في الأركان.هتفت بنبرة حذرة — سيد زين؟ هل أنت هنا ؟ تقدمت بخطوات بطيئة و مدت يدها لتضيء مصباح الجدار لتفهم ما يحدث ، لكن يد زين القوية والدافئة وصلت إليها بسرعة فائقة ومنعتها بحسم. قبض على معصميها برفق ولكن بقوة، ولفهما ببراعة وثبتهما خلف ظهرها ، محاصراً إياها بجسده المهيب من الخلف حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس عنقها ، وهمس بجانب
في المساء ، وصلت إيلا إلى المستشفى ، وهي تشعر بوطأة الذنب لأنها لم تقم بزيارة والدتها منذ يومين كاملين بسبب الأحداث المتلاحقة التي عصفت بها. دلفت إلى الغرفة الهادئة، لتجد والدتها تنام بسلام على سرير المستشفى الأبيض ، تحيط بها الأجهزة الطبية.وضعت إيلا حقيبتها وأغراضها جانباً ، ثم جلست على المقعد المحاذي للسرير. وكعادتها في محاولة خلق عالم موازٍ لوالدتها ، أخذت تتحدث إليها بنبرة ناعمة ، وتحكي لها عن أحدث فيلم شاهدته للممثل المفضل الذي لطالما أحبت والدتها متابعته في أيام رخائهما. كان فيلماً كوميدياً خفيفاً. راحت إيلا تقص عليها تفاصيل المشاهد ، وتضحك بصوت خافت وهي تذكر المواقف الطريفة بالفيلم، محاولةً أن تبث الحياة في الغرفة الساكنة.لكن فجأة ، وبلا أي مقدمات، انمحت الضحكة المصطنعة، واغرورقت عيناها بالدموع التي حبستها طويلاً. انهار سد الصمود داخل روحها ، وانفجرت بالبكاء. انحنت بجسدها ووضعت رأسها فوق صدر والدتها الدافئ ، وقالت وسط دموعها : — لقد تعبتُ يا أمي.. تعبتُ حقاً. عودي إليّ أرجوكِ.. لا تتركيني وحيدة في هذا العالم .. أحتاجكِ بشدة. لم
توقفت السيارة الاودي فجأة بالقرب من مدرستهما الثانوية القديمة ، وتحديداً أمام عربة صغيرة لبيع النودلز . تأملت إيلا المكان بذهول ، وشعرت بموجة عارمة من الحنين تجتاح صدرها وتغسل هموم الحاضر ولو للحظات .نظرت إلى عمر وهما يخطوان معاً نحو العربة بخطوات هادئة ، وقالت بنبرة دافئة وعفوية: — هذا آخر مكان توقعتُ أن نأتي إليه اليوم يا عمر! التفت عمر إليها وعقد حاجبيه بابتسامة تتسع تدريجياً: — ولماذا ؟ كنا نأتي إلى هنا دائماً في الماضي.. لقد اشتقتُ إلى هذا المكان وإلى طعامه كثيراً،،، ولم أجد مكاناً أفضل منه لنبدأ منه بعد عودتي . علّقت ايلا بنبرة خافتة: — فقط.. اعتقدتُ أنك نسيت كل هذا وسط حياتك في الخارج. رد عمر بصدق وعيناه تلتقيان بعينيها: — لم أنسَ أي تفصيلة تخصنا يا إيلا.. بل كنتُ أحلم يومياً باليوم الذي نأتي فيه إلى هنا معاً مجدداً. ابتسمت إيلا وتناولت علبة النودلز الساخنة ، وقالت وهي تحركها بعفوية: — هل تذكر عندما أُصيبت معدتك بمرض شديد بسبب هذا الطعام ، وبعدها لامتني أمي والخالة نهلة ، وقالوا لي إنني أنا من أفسدتُ نظامك الصحي باجبارك علي أكل الشارع،؟
انتهت إيلا من عملها الطويل والمجهد في الشركة ، وخرجت من بوابات المبنى الزجاجية لتستنشق هواء المساء العليل. وقفت على حافة الرصيف ، تتأمل السيارات المارة وتنتظر وصول سيارة أجرة لتقلها إلى منزلها. مرت خمس دقائق كاملة وهي تتلفت حولها، حتى لمحت سيارة "أودي" سوداء فاخرة تهدئ من سرعتها لتتوقف أمامها مباشرة.انفتح الباب الخلفي للسيارة ، ونزل منها شخص ممشوق القوام ، يرتدي بدلة أنيقة تبرز هيبته ونضجه. وفور أن التفت نحوها ، انمحت ملامح الرسمية عن وجهه ليحل محلها دفء شديد ؛ كان عمر الأيوبي.ابتسم لها بود حقيقي واقترب خطوتين قائلاً: — مرحباً يا إيلا.. نظرت إليه بتعجب، وحاولت الحفاظ على هدوئها وهي تسأله:— عمر،؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت وأمام شركتي ؟ اتسعت ابتسامته الهادئة ، ونظر في عينيها مباشرة وقال بصدق: — يمكنني الآن أن أخبركِ بعشرين سبباً ملفقاً وكاذباً حاولتُ اختراعه في رأسي طوال الطريق قبل أن أراكِ.. أو يمكنني أن أخبركِ بالسبب الحقيقي والوحيد؛ وهو أنني أردتُ رؤيتكِ كثيراً حاولت إيلا بكل قوتها كبح مشاعرها الدفينة واضطرابها الداخلي ، وأشاحت بنظرها عنه
قررت إيلا أن تبدأ ملاعبة زين اذا كان سيقوم ب اقتحام عملها ستفعل المثل ، اختارت التوقيت الأكثر استفزازاً لرجل يقدس العمل والجدول الصارم كزين الرفاعي. كانت تعلم منذ امس ان لديه اجتماع هام في هذا التوقيت عندما سمعته يتحدث مع مساعده كان زين يجلس في قاعة الاجتماعات الكبرى بمقر شركته ، يترأس اجتماعاً مصيرياً مع وفد استثماري ألماني رفيع المستوى. الأجواء كانت مشحونة بالجدية، والصمت يلف القاعة إلا من صوت العرض التوضيحي والمناقشات الرسمية . كان زين يرتدي سترته الفاخرة ، والبرود الجليدي المعتاد يكسو ملامحه وهو يدقق في الأرقام بنظرات ثاقبة.فجأة ، أضاءت شاشة هاتف زين الشخصي الموضوع على الطاولة واهتز بخفة. كانت رسالة من إيلا. فتحها ليجد كلمتين فقط: "اشتقتُ إليك". عقد زين حاجبيه باندهاش ، وتجاهل الأمر واضعاً الهاتف مجدداً ببرود . لكن بعدها بثوانٍ قليلة ، اهتز الهاتف مجدداً برسالة أخرى: "ألا تشتاق لي انت أيضاً ؟". ثم تلتها رسالة ثالثة سريعة: "ماذا تفعل الآن ؟ لماذا أنت مشغول عني ؟". بدأ أعضاء الوفد يتبادلون نظرات مندهشه وصامت ة من توالي اهتزاز الهاتف على الط
تابع السيد فضل حديثه وعيناه تلمعان بفرحة عارمة ، وهو يربت بيديه على ملف جلدي ضخم مستقر فوق مكتبه — لقد اتصل بي رجل الأعمال زين الرفاعي بنفسه بالأمس! ابتلعت إيلا ريقها وتراجعت برأسها للخلف و قالت " زين الرفاعي...... قاطعها فضل بحماس نعم يا إيلا ، وأخبرني أنكِ تواصلتِ معه أثناء إجازتكِ المرضية رغم تعبكِ ، وأرسلتِ له التعديلات النهائية التي جعلته يوافق على المشروع القديم بالكامل وبلا أي تردد! إنها معجزة حقيقية لم أكن أحلم بها في أكثر أيامي تفاؤلاً. رمشت إيلا عدة مرات وهي تحاول استيعاب الصدمة، وشعرت بجفاف شديد في حلقها ، فبلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة متحشرجة : — السيد زين.. اتصل بك شخصياً على هاتفك ؟ ووافق على التصاميم القديمة دون أن يطلب تعديلاً واحداً أو يبدي أي اعتراض ؟ كيف حدث هذا ؟ هتف فضل بحماس شديد وهو يفتح الملف ويقلب صفحاته أمامها كمن يعرض كنزاً أثرياً ثميناً: — ليس هذا فقط يا إيلا ! بل إنكِ لو رأيتِ الأرقام المكتوبة هنا لصعقتِ. لقد وضع شروطاً وميزانية فلكية للحملة الإعلانية ، ميزانية ضخمة كفيلة بنقل شركتنا بالكامل إلى مصاف الشركات الكبر







