Share

الفصل ٢

last update publish date: 2026-08-25 10:48:58

نظرت إليه إيلا بهدوء تام ، لم يرفّ لها جفن

. لقد أمضت ثلاث سنوات كاملة صقلت فيها

روحها لتتحمل ضربات كلماته القاسية ،

حتى أصبحت عباراته الجارحة مجرد أصوات

مألوفة لا تخترق دروعها. ردت بنبرة باردة

وراسخة:

—سيد زين ، لننهِ الأمر بنضج.. لقد أعلنت انت

ايضا خطبتك الليلة على أي حال.

انطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتيه ،

ضحكة رنت في أرجاء الغرفة الواسعة كقطع

الزجاج المتكسر، ثم قال متهكماً:

— إذن، هذا هو مغزى الحكاية ؟

هل تعتقدين حقاً أنني سأتراجع عن خطبتي ،،

أو أغير خططي لمجرد أنكِ تهددينني بالرحيل ،؟

عودي الي عقلك يا ايلا علاقتنا واضحه من البدايه

هزت ايلا رأسها ببطء ، وحافظت على مسافة

الأمان بين عينيه الثائرتين وبين ثباتها :

—بالطبع لا يا سيد زين، أنا لا أهددك ، اعرف تماما نوع علاقتنا

و حدودها أنا فقط أُخبرك بالواقع.. ثم سواء بالخطبة أو بدونها ،

لم يكن متبقياً لنا سوى أيام معدودة معاً اليس كذلك .

لقد قضينا وقتا ممتع معا ثلاث سنوات الا اسبوع شكرا لك

ضاقت عينا زين الرفاعي ، واشتعلت فيهما شرارة

غضب مكتوم. اقترب خطوة أخيرة منها ، وانحنى

بمستواها ليملأ أفق رؤيتها بجسده المهيب ، وقال

بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:

— لن يحدث هذا يا إيلا.. انسي الأمر تماماً.

سواء بعقد أو بدون عقد ، لن ترحلي ولن ينتهي

أي شيء إلا عندما أقرر أنا ذلك.

استدار زين بقوة ، وتناول سترته وساعته ،

ثم غادر الشقة صافقاً الباب خلفه بعنف هز أركان المكان

.وقفت إيلا وحدها في الفراغ

الذي تركه. تنهدت بعمق ، وفكرت في كلماته ؛

هي تعلم يقيناً أنها في نظر زين ، ونظر

هذا العالم بأكمله، ليست سوى "عشيقة"

تبيع وقتها وجسدها مقابل المال.

امرأة سيئة غادرت حدود الفضيلة التي يرسمها

المجتمع. لكن الحقيقة أنها لم تعد تهتم

بتلك الأحكام العابرة منذ زمن طويل

.في ذلك اليوم الذي وقعت فيه على هذا العقد

قبل ثلاث سنوات ، زرعت في عقلها قناعة

وحيدة : كل شيء في هذه الحياة له ثمن ،

كل شيء يمكن بيعه وشراؤه ، طالما أن المقابل

يضمن البقاء.ولم تبدأ هذه القناعة مع زين ،

بل ولدت قبل ذلك بكثير.. في تلك الليلة

الملعونة التي جن فيها والدها وقرر قتلهم جميعا

.قبل ذلك اليوم ، كانت إيلا تعيش في برج عاجي

، ابنة عائلة ميسورة الحال ، تلقت أفضل تعليم ،

ونشأت في ترف باذخ لدرجة أنها لم تكن

ترفع كوب ماء من مكانه

. كانت أميرة مجتمعها الصغير ، حتى انهار

كل شيء في لحظة واحدة كبيت من ورق

.تذكرت تفاصيل تلك الليلة وكأنها تحدث الآن ؛

والدها يقود سيارته بجنون أعمى

في طريق مظلم ، وعيناه متسعتان من الرعب

والجنون ، بينما تجلس والدتها بجانبه تحاول

تهدئته ، بينما ايلا تقبع في المقعد الخلفي مكممة

الفم من شدة الذعر صرخ والداها في وجههما بقسوة ،

صوتاً ما زال يتردد في كوابيسها:

— انتهى الأمر ! ما أفعله الآن هو رحمة لي و لكم

.. الدائنون لن يتركونا أحياء على أي حال !

كانت تتوسل إليه بعينيها ، بينما أمها تصرخ

بنحيب مرير:

"أرجوك اهدأ.. اهدأ من أجل ابنتنا !".

لكن ترجي الأم لم يزده إلا جنوناً واندفاعاً

. ضغط على مكابح السرعة بأقصى قوته ،

و هو يقول لن ادعكم تعيشوا هذه المأساه

انا مسؤول عن تخليصنا جميعا من هذا الكابوس

زاد من السرعه فانحرفت السيارة عن مسارها

بقوة لتنقلب بهم مرات متتالية وسط صراخ

مزق سكون الليل.

مات أبوها في الحال وسط الحطام

. ونُقلت والدتها إلى غرفة العمليات بين الحياة

والموت. والغريب في الأمر ،

أن إيلا خرجت من هذا الحادث المروع

بخدوش وجروح بسيطة في جسدها ،

لكنها خرجت بكدمات غائرة في روحها ،

كدمات يستحيل للشمس أن تشفيها.

لم تنجُ والدتها بالمعنى الحقيقي ؛ بل أصيبت

بشلل رباعي دائم ، ومرض عقلي جعلها

تغيب عن الوعي وعما يدور حولها تماماً .

لطالما فكرت إيلا أن والدتها لم تفقد عقلها

بسبب الحادث، بل اختارت بوعيها الهروب

من هذا الواقع المرير بطريقتها الخاصة ،

تاركةً ابنتها وحيدة تواجه وحوش الأرض

والدائنين، ومصاريف مستشفى لا تنتهي.

نظرت إيلا إلى الفراش الفارهة في شقة

"سيزر". مسحت دمعة كادت أن تفلت من عينها

، وابتسمت بقوة و قالت لماذا تبكين الان ايتها الحمقاء

لقد مضي كل هذا اصبح خلفك

. لقد انتهى وقت البكاء، كما انتهي العقد ،

وحان الوقت لتبدئي صفحة جديدة من حياتك

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٨

    ما إن انتهت مكالمة معتز الرفاعي حتى أبعد زين الهاتف، ثم التفت إلى إيلا التي ظلت واقفة بجواره بملامح شاحبة، لم تستوعب بعد ما نتيجة هذا التحليل . تأملها للحظات، ثم قال بنبرة هادئة: — لم تتناولي الطعام منذ استيقاظك. هذا ليس جيدًا لكِ ، ولا للجنين. فتحت إيلا فمها ، لكن الكلمات تجمدت على طرف لسانها عندما التقت عيناها بعينيه. كانت هناك نظرة تحذيرية واضحة في عينيه، جعلتها تدرك أن عليهما مواصلة التمثيل ربما جدّه يراقبهما. أغلقت فمها، ثم أشاحت بوجهها بضيق وقالت: — لا أستطيع تناول الطعام الآن. نهض زين، وأخذ مفاتيح السيارة من فوق الطاولة، ثم مد يده إليها. — إذن، لنذهب إلى ذلك المكان الذي يُعد الشطائر التي تحبينها. ربما تغيرين رأيك عندما تصلين إلى هناك. نظرت إليه بشك، لكنها لم تجد في ملامحه ما يسمح لها بمناقشته أمام احتمال وجود من يراقبهما، فاكتفت بالقول: — حسنًا. غادرا الشقة، وبعد دقائق كانا داخل السيارة . قاد زين بهدوء، بينما ظلت إيلا صامتة، تراقب الطريق من النافذة وتنتظر اللحظة التي تستطيع فيها سؤاله عما حدث دون أن تضطر إلى الحذر من كل كلمة تنطق بها.

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٧

    في الداخل، لم تستطع إيلا الجلوس بهدوء. راحت تسير ذهابًا وإيابًا بين طرفي الغرفة ، ثم تتوقف أمام النافذة للحظات قبل أن تعود إلى التجول من جديد. كانت الساعة تتحرك ببطء مستفز، وكل دقيقة تمر تقربها من هلاكها حاولت التفكير في مخرج، لكنها لم تجد كانت مساعدة زين هو املها الوحيد و يبدو انه لا يبالي بمصيرها وضعت يدها فوق جبينها ، وأطلقت تنهيدة متعبة. لماذا اضطرت إلى اختلاق هذه الكذبة تحديدًا؟ كان بإمكانها أن تصرخ، أو تتوسل، أو تحاول الهرب مرّت الدقائق ثقيلة، حتى سمعت صوت هاتف زين يرن في الخارج. توقفت عن السير، وأرهفت السمع. لم تتمكن من التقاط الكلمات التي تبادلها مع المتصل ، لكنها شعرت بتبدل الأجواء في الشقة ، ثم سمعت خطواته تقترب من غرفة النوم. انفتح الباب، وظهر زين عند المدخل. نظر إليها للحظات، ثم قال: — إيلا، يريد جدي التحدث إلينا معًا. شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.— الآن ؟ — نعم. مكالمة فيديو. لم تنتظر أن يضيف شيئًا، بل تبعته إلى غرفة الجلوس بخطوات مترددة. كان زين قد وضع هاتفه على الطاولة ، وظهرت على الشاشة صورة معتز الرفاعي جالسًا في مكتبه، يحمل ظرفًا يحم

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٦

    كانت إيلا قد استيقظت على صوت الحديث ، ووقفت على مسافة قريبة من المدخل، وقد سمعت كل كلمة دارت بين الرجلين. ما إن التفت زين إليها حتى أسرعت نحوه ، وقد أضاء الأمل ملامحها. — هل ستقوم بتهريبي الآن يا زين ؟ رفع حاجبيه، ونظر إليها باستنكار مصطنع. — تهريبك ؟ وهل تظنين أنني أجرؤ على خداع جدي بهذه السهولة يا ايلا ؟ انطفأت ابتسامتها تدريجيًا. أضاف وهو يتجه نحو الداخل: — هيا، اذهبي واستعدي. سيصل الطبيب بعد قليل ، وسنجري الفحص هنا بدلًا من الذهاب إلى المستشفى. ظلت إيلا تحدق في ظهره، وقد شعرت بأن الأمل الذي تمسكت به قبل لحظات يتبدد أمام عينيها. إذن، لم يكن ينوي مساعدتها على الهرب ربما أعاد التفكير في الأمر، وأدرك أن تحدي معتز الرفاعي مباشرة قد يكلفه كل ما يملك أياً كان السبب، وجدت نفسها وحيدة مجددًا في مواجهة العواقب. خطرت لها فكرة الاتصال بندى وسهيل ، فربما استطاعا مساعدتها في الخروج من هذا المأزق، لكنها تراجعت قبل أن تمد يدها إلى هاتفها. لم تكن تعرف إلى أي مدى يمكن أن يذهب معتز إذا اكتشف أن أحدًا يحاول مساعدتها على الإفلات منه، ولم تكن مستعدة للمخاطرة بسلامة ن

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٥

    لم تستطع إيلا النوم، رغم الإرهاق الذي أثقل جسدها بعد يوم طويل من الخوف والتوتر. ظلت تتقلب في الفراش، مرة تستدير نحو النافذة ، ومرة تعود إلى وضعها السابق، بينما تتزاحم الأفكار في رأسها بلا رحمة. كان الغد يقترب، ومعه موعد الفحص الذي قد يكشف كذبتها أمام معتز الرفاعي. لم تكن تعرف ما الذي ستفعله إذا ظهرت النتيجة التي تخشاها تحركت مجددًا، فصدر عن زين صوت متذمر ، ثم استدار نحوها فجأة ، وأحاط خصرها بذراعه وجذبها إليه حتى استقر ظهرها ملاصقًا لصدره. شهقت إيلا ، وحاولت الإفلات منه وهي تقول باعتراض هامس: — ماذا تفعل ؟ لقد اتفقنا على مشاركة الفراش فحسب ، لا أن تحتجزني بين ذراعيك ! أجابها بصوت تغلب عليه نبرة النعاس: — لا أستطيع النوم بسببك. تتقلبين منذ ساعة كاملة وكأنك تخوضين معركة فوق الفراش. سأبقيك هكذا حتى الصباح، لعلّك تكفين عن إزعاجي. قالت بتذمر — زين، أطلق سراحي! رد بهمس — لن افعل نامي يا إيلا. قالها ببساطة، ثم شد ذراعه حولها قليلًا ، وكأنه حسم النقاش ولم يعد لديه استعداد لسماع اعتراض آخر. فتحت فمها لتحتج، لكنها توقفت حين لامست أنفها رائحته المأ

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٤

    ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم قال بنبرة هادئة تحمل قدرًا مستفزًا من التهكم: — لا أستطيع أن أترك أم طفلي وحدها في منتصف الليل. ماذا لو أصابتك نوبة غثيان مفاجئة ؟ من سيساعدك حينها ؟ هل تتوقعين مني أن أتركك تتعاملين مع الأمر بمفردك ؟ اتسعت عينا إيلا قليلًا و هي تتخيل زين يمسك بشعرها و هي مصابه بنوبه غثيان من الحمل ابعدت الصوره فورا عن عقلها لماذا تتقمص فكره الحمل بهذا الشكل ثم ضيقت عيناها وهي تنظر إليه بغيظ. — يبدو أن عذابي أصبح مصدرًا لتسليتك يا سيد زين. رد زين و عيناه على الطريق — ايلا لا تبالغي ب الامر — لكنك تتصرف وكأنك تستمتع بإحراجي! قال زين بصوت أكثر جدية: — إيلا، لقد حاولت أن أترك أمر حمايتك للحراس وأظن أنك رأيتِ بنفسك نتيجة ذلك اليوم. لم يكن وجودهم كافيًا لمنع جدي من الوصول إليك . التفتت إليه، وقد تلاشت السخرية عن ملامحها قليلًا. تابع وهو يشدد قبضته على المقود: — لهذا السبب يجب أن تبقي إلى جانبي في الوقت الحالي. ما دامتي معي، فلن يجرؤ أحد على الاقتراب منك أو تهديدك بهذه الطريقة مرة أخرى. نظرت إليه طويلًا، تحاول أن تفهم ما إذا كان يتحدث بد

  • عشيقة بعقد مؤقت    الفصل ٢٦٣

    أوقف زين السيارة إلى جانب الطريق ، ثم أدار رأسه نحو إيلا التي كانت تتجنب النظر إليه منذ غادرا فيلا جده. ظل يراقبها لثوانٍ ، محاولًا كبح الغضب الذي يتصاعد في صدره، قبل أن يمد يده ويمسك بذقنها ، رافعًا وجهها لتلتقي عيناها بعينيه مباشرة. قال بنبرة حازمة لم تترك مجالًا للمراوغة: — إيلا، لقد نفد صبري. تكلمي الان ! ارتبكت للحظة تحت نظراته الثاقبة فكرت انه ربما زين هو الشخص الوحيد الذي يمكنه مساعدتها للخروج من هذا المأزق ، ثم تنفست بعمق وقالت: — حسنًا يا زين، سأخبرك بكل شيء و لكن عليك أن تفهم أمرًا واحدًا قبل أن أبدأ. ما فعلته كان محاولة لإنقاذ نفسي ، ولم أكن أرغب في توريطك في أي شيء . أرخى زين قبضته عن ذقنها قليلا، لكنه لم يبعد عينيه عنها وقال ببرود: — لماذا لا تتركين لي مهمة الحكم على ما إذا كنتِ قد ورطتني أم لا ؟ احكي ما حدث يا إيلا الان . ترددت ايلا قليلًا كانت تخشى ان يغضب من كذبتها تنفست بعمق ثم بدأت تقص عليه ما جرى منذ خروجها من المطار ، وكيف وجدت نفسها تحت رحمة جدّه ، والتهديدات التي أطلقها في وجهها ، ومحاولتها اليائسة للعثور على وسيلة تن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status