FAZER LOGINنظرت إليه إيلا بهدوء تام ، لم يرفّ لها جفن
. لقد أمضت ثلاث سنوات كاملة صقلت فيها روحها لتتحمل ضربات كلماته القاسية ، حتى أصبحت عباراته الجارحة مجرد أصوات مألوفة لا تخترق دروعها. ردت بنبرة باردة وراسخة: —سيد زين ، لننهِ الأمر بنضج.. لقد أعلنت انت ايضا خطبتك الليلة على أي حال. انطلقت ضحكة ساخرة من بين شفتيه ، ضحكة رنت في أرجاء الغرفة الواسعة كقطع الزجاج المتكسر، ثم قال متهكماً: — إذن، هذا هو مغزى الحكاية ؟ هل تعتقدين حقاً أنني سأتراجع عن خطبتي ،، أو أغير خططي لمجرد أنكِ تهددينني بالرحيل ،؟ عودي الي عقلك يا ايلا علاقتنا واضحه من البدايه هزت ايلا رأسها ببطء ، وحافظت على مسافة الأمان بين عينيه الثائرتين وبين ثباتها : —بالطبع لا يا سيد زين، أنا لا أهددك ، اعرف تماما نوع علاقتنا و حدودها أنا فقط أُخبرك بالواقع.. ثم سواء بالخطبة أو بدونها ، لم يكن متبقياً لنا سوى أيام معدودة معاً اليس كذلك . لقد قضينا وقتا ممتع معا ثلاث سنوات الا اسبوع شكرا لك ضاقت عينا زين الرفاعي ، واشتعلت فيهما شرارة غضب مكتوم. اقترب خطوة أخيرة منها ، وانحنى بمستواها ليملأ أفق رؤيتها بجسده المهيب ، وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش: — لن يحدث هذا يا إيلا.. انسي الأمر تماماً. سواء بعقد أو بدون عقد ، لن ترحلي ولن ينتهي أي شيء إلا عندما أقرر أنا ذلك. استدار زين بقوة ، وتناول سترته وساعته ، ثم غادر الشقة صافقاً الباب خلفه بعنف هز أركان المكان .وقفت إيلا وحدها في الفراغ الذي تركه. تنهدت بعمق ، وفكرت في كلماته ؛ هي تعلم يقيناً أنها في نظر زين ، ونظر هذا العالم بأكمله، ليست سوى "عشيقة" تبيع وقتها وجسدها مقابل المال. امرأة سيئة غادرت حدود الفضيلة التي يرسمها المجتمع. لكن الحقيقة أنها لم تعد تهتم بتلك الأحكام العابرة منذ زمن طويل .في ذلك اليوم الذي وقعت فيه على هذا العقد قبل ثلاث سنوات ، زرعت في عقلها قناعة وحيدة : كل شيء في هذه الحياة له ثمن ، كل شيء يمكن بيعه وشراؤه ، طالما أن المقابل يضمن البقاء.ولم تبدأ هذه القناعة مع زين ، بل ولدت قبل ذلك بكثير.. في تلك الليلة الملعونة التي جن فيها والدها وقرر قتلهم جميعا .قبل ذلك اليوم ، كانت إيلا تعيش في برج عاجي ، ابنة عائلة ميسورة الحال ، تلقت أفضل تعليم ، ونشأت في ترف باذخ لدرجة أنها لم تكن ترفع كوب ماء من مكانه . كانت أميرة مجتمعها الصغير ، حتى انهار كل شيء في لحظة واحدة كبيت من ورق .تذكرت تفاصيل تلك الليلة وكأنها تحدث الآن ؛ والدها يقود سيارته بجنون أعمى في طريق مظلم ، وعيناه متسعتان من الرعب والجنون ، بينما تجلس والدتها بجانبه تحاول تهدئته ، بينما ايلا تقبع في المقعد الخلفي مكممة الفم من شدة الذعر صرخ والداها في وجههما بقسوة ، صوتاً ما زال يتردد في كوابيسها: — انتهى الأمر ! ما أفعله الآن هو رحمة لي و لكم .. الدائنون لن يتركونا أحياء على أي حال ! كانت تتوسل إليه بعينيها ، بينما أمها تصرخ بنحيب مرير: "أرجوك اهدأ.. اهدأ من أجل ابنتنا !". لكن ترجي الأم لم يزده إلا جنوناً واندفاعاً . ضغط على مكابح السرعة بأقصى قوته ، و هو يقول لن ادعكم تعيشوا هذه المأساه انا مسؤول عن تخليصنا جميعا من هذا الكابوس زاد من السرعه فانحرفت السيارة عن مسارها بقوة لتنقلب بهم مرات متتالية وسط صراخ مزق سكون الليل. مات أبوها في الحال وسط الحطام . ونُقلت والدتها إلى غرفة العمليات بين الحياة والموت. والغريب في الأمر ، أن إيلا خرجت من هذا الحادث المروع بخدوش وجروح بسيطة في جسدها ، لكنها خرجت بكدمات غائرة في روحها ، كدمات يستحيل للشمس أن تشفيها. لم تنجُ والدتها بالمعنى الحقيقي ؛ بل أصيبت بشلل رباعي دائم ، ومرض عقلي جعلها تغيب عن الوعي وعما يدور حولها تماماً . لطالما فكرت إيلا أن والدتها لم تفقد عقلها بسبب الحادث، بل اختارت بوعيها الهروب من هذا الواقع المرير بطريقتها الخاصة ، تاركةً ابنتها وحيدة تواجه وحوش الأرض والدائنين، ومصاريف مستشفى لا تنتهي. نظرت إيلا إلى الفراش الفارهة في شقة "سيزر". مسحت دمعة كادت أن تفلت من عينها ، وابتسمت بقوة و قالت لماذا تبكين الان ايتها الحمقاء لقد مضي كل هذا اصبح خلفك . لقد انتهى وقت البكاء، كما انتهي العقد ، وحان الوقت لتبدئي صفحة جديدة من حياتكعندما كانت إيلا تقف على الرصيف تنتظر سيارة الأجرة وتفرك كفيها من برودة المساء ، اهتز هاتفها معلناً وصول رسالة مقتضبة وحاسمة من زين: بعد ساعة في شقة سيزر. قلبت إيلا عينيها بملل وضيق شديد ، وقالت في نفسها بسخرية وهي تضع الهاتف في حقيبتها: ماذا يتعاطى هذا الرجل بحق الجحيم،؟ ألا يمكنه الذهاب لحمل الصخور وتكسيرها لصرف هذه الطاقة الهائلة في مكان آخر بدلاً من ملاحقتي ؟ ركبت سيارة الأجرة وتوجهت إلى البرج السكني الفاخر وهي تحاول تهيئة نفسها لجولة جديدة معه ، كانت واثقة في نفسها أنها ستحافظ على قناع القوة. فتحت باب الشقة بالمفتاح ودلفت إلى الداخل ، لتفاجأ بأن المكان غارق في ظلام دامس، ولا تضيئه إلا أنوار خافتة لشموع متناثرة في الأركان.هتفت بنبرة حذرة — سيد زين؟ هل أنت هنا ؟ تقدمت بخطوات بطيئة و مدت يدها لتضيء مصباح الجدار لتفهم ما يحدث ، لكن يد زين القوية والدافئة وصلت إليها بسرعة فائقة ومنعتها بحسم. قبض على معصميها برفق ولكن بقوة، ولفهما ببراعة وثبتهما خلف ظهرها ، محاصراً إياها بجسده المهيب من الخلف حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس عنقها ، وهمس بجانب
في المساء ، وصلت إيلا إلى المستشفى ، وهي تشعر بوطأة الذنب لأنها لم تقم بزيارة والدتها منذ يومين كاملين بسبب الأحداث المتلاحقة التي عصفت بها. دلفت إلى الغرفة الهادئة، لتجد والدتها تنام بسلام على سرير المستشفى الأبيض ، تحيط بها الأجهزة الطبية.وضعت إيلا حقيبتها وأغراضها جانباً ، ثم جلست على المقعد المحاذي للسرير. وكعادتها في محاولة خلق عالم موازٍ لوالدتها ، أخذت تتحدث إليها بنبرة ناعمة ، وتحكي لها عن أحدث فيلم شاهدته للممثل المفضل الذي لطالما أحبت والدتها متابعته في أيام رخائهما. كان فيلماً كوميدياً خفيفاً. راحت إيلا تقص عليها تفاصيل المشاهد ، وتضحك بصوت خافت وهي تذكر المواقف الطريفة بالفيلم، محاولةً أن تبث الحياة في الغرفة الساكنة.لكن فجأة ، وبلا أي مقدمات، انمحت الضحكة المصطنعة، واغرورقت عيناها بالدموع التي حبستها طويلاً. انهار سد الصمود داخل روحها ، وانفجرت بالبكاء. انحنت بجسدها ووضعت رأسها فوق صدر والدتها الدافئ ، وقالت وسط دموعها : — لقد تعبتُ يا أمي.. تعبتُ حقاً. عودي إليّ أرجوكِ.. لا تتركيني وحيدة في هذا العالم .. أحتاجكِ بشدة. لم
توقفت السيارة الاودي فجأة بالقرب من مدرستهما الثانوية القديمة ، وتحديداً أمام عربة صغيرة لبيع النودلز . تأملت إيلا المكان بذهول ، وشعرت بموجة عارمة من الحنين تجتاح صدرها وتغسل هموم الحاضر ولو للحظات .نظرت إلى عمر وهما يخطوان معاً نحو العربة بخطوات هادئة ، وقالت بنبرة دافئة وعفوية: — هذا آخر مكان توقعتُ أن نأتي إليه اليوم يا عمر! التفت عمر إليها وعقد حاجبيه بابتسامة تتسع تدريجياً: — ولماذا ؟ كنا نأتي إلى هنا دائماً في الماضي.. لقد اشتقتُ إلى هذا المكان وإلى طعامه كثيراً،،، ولم أجد مكاناً أفضل منه لنبدأ منه بعد عودتي . علّقت ايلا بنبرة خافتة: — فقط.. اعتقدتُ أنك نسيت كل هذا وسط حياتك في الخارج. رد عمر بصدق وعيناه تلتقيان بعينيها: — لم أنسَ أي تفصيلة تخصنا يا إيلا.. بل كنتُ أحلم يومياً باليوم الذي نأتي فيه إلى هنا معاً مجدداً. ابتسمت إيلا وتناولت علبة النودلز الساخنة ، وقالت وهي تحركها بعفوية: — هل تذكر عندما أُصيبت معدتك بمرض شديد بسبب هذا الطعام ، وبعدها لامتني أمي والخالة نهلة ، وقالوا لي إنني أنا من أفسدتُ نظامك الصحي باجبارك علي أكل الشارع،؟
انتهت إيلا من عملها الطويل والمجهد في الشركة ، وخرجت من بوابات المبنى الزجاجية لتستنشق هواء المساء العليل. وقفت على حافة الرصيف ، تتأمل السيارات المارة وتنتظر وصول سيارة أجرة لتقلها إلى منزلها. مرت خمس دقائق كاملة وهي تتلفت حولها، حتى لمحت سيارة "أودي" سوداء فاخرة تهدئ من سرعتها لتتوقف أمامها مباشرة.انفتح الباب الخلفي للسيارة ، ونزل منها شخص ممشوق القوام ، يرتدي بدلة أنيقة تبرز هيبته ونضجه. وفور أن التفت نحوها ، انمحت ملامح الرسمية عن وجهه ليحل محلها دفء شديد ؛ كان عمر الأيوبي.ابتسم لها بود حقيقي واقترب خطوتين قائلاً: — مرحباً يا إيلا.. نظرت إليه بتعجب، وحاولت الحفاظ على هدوئها وهي تسأله:— عمر،؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت وأمام شركتي ؟ اتسعت ابتسامته الهادئة ، ونظر في عينيها مباشرة وقال بصدق: — يمكنني الآن أن أخبركِ بعشرين سبباً ملفقاً وكاذباً حاولتُ اختراعه في رأسي طوال الطريق قبل أن أراكِ.. أو يمكنني أن أخبركِ بالسبب الحقيقي والوحيد؛ وهو أنني أردتُ رؤيتكِ كثيراً حاولت إيلا بكل قوتها كبح مشاعرها الدفينة واضطرابها الداخلي ، وأشاحت بنظرها عنه
قررت إيلا أن تبدأ ملاعبة زين اذا كان سيقوم ب اقتحام عملها ستفعل المثل ، اختارت التوقيت الأكثر استفزازاً لرجل يقدس العمل والجدول الصارم كزين الرفاعي. كانت تعلم منذ امس ان لديه اجتماع هام في هذا التوقيت عندما سمعته يتحدث مع مساعده كان زين يجلس في قاعة الاجتماعات الكبرى بمقر شركته ، يترأس اجتماعاً مصيرياً مع وفد استثماري ألماني رفيع المستوى. الأجواء كانت مشحونة بالجدية، والصمت يلف القاعة إلا من صوت العرض التوضيحي والمناقشات الرسمية . كان زين يرتدي سترته الفاخرة ، والبرود الجليدي المعتاد يكسو ملامحه وهو يدقق في الأرقام بنظرات ثاقبة.فجأة ، أضاءت شاشة هاتف زين الشخصي الموضوع على الطاولة واهتز بخفة. كانت رسالة من إيلا. فتحها ليجد كلمتين فقط: "اشتقتُ إليك". عقد زين حاجبيه باندهاش ، وتجاهل الأمر واضعاً الهاتف مجدداً ببرود . لكن بعدها بثوانٍ قليلة ، اهتز الهاتف مجدداً برسالة أخرى: "ألا تشتاق لي انت أيضاً ؟". ثم تلتها رسالة ثالثة سريعة: "ماذا تفعل الآن ؟ لماذا أنت مشغول عني ؟". بدأ أعضاء الوفد يتبادلون نظرات مندهشه وصامت ة من توالي اهتزاز الهاتف على الط
تابع السيد فضل حديثه وعيناه تلمعان بفرحة عارمة ، وهو يربت بيديه على ملف جلدي ضخم مستقر فوق مكتبه — لقد اتصل بي رجل الأعمال زين الرفاعي بنفسه بالأمس! ابتلعت إيلا ريقها وتراجعت برأسها للخلف و قالت " زين الرفاعي...... قاطعها فضل بحماس نعم يا إيلا ، وأخبرني أنكِ تواصلتِ معه أثناء إجازتكِ المرضية رغم تعبكِ ، وأرسلتِ له التعديلات النهائية التي جعلته يوافق على المشروع القديم بالكامل وبلا أي تردد! إنها معجزة حقيقية لم أكن أحلم بها في أكثر أيامي تفاؤلاً. رمشت إيلا عدة مرات وهي تحاول استيعاب الصدمة، وشعرت بجفاف شديد في حلقها ، فبلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة متحشرجة : — السيد زين.. اتصل بك شخصياً على هاتفك ؟ ووافق على التصاميم القديمة دون أن يطلب تعديلاً واحداً أو يبدي أي اعتراض ؟ كيف حدث هذا ؟ هتف فضل بحماس شديد وهو يفتح الملف ويقلب صفحاته أمامها كمن يعرض كنزاً أثرياً ثميناً: — ليس هذا فقط يا إيلا ! بل إنكِ لو رأيتِ الأرقام المكتوبة هنا لصعقتِ. لقد وضع شروطاً وميزانية فلكية للحملة الإعلانية ، ميزانية ضخمة كفيلة بنقل شركتنا بالكامل إلى مصاف الشركات الكبر







