FAZER LOGINتنفست إيلا الصعداء حين وجد رئيسها في العمل
يبتسم لها، لكن الابتسامة لم تدم طويلاً. تلاشت الطمأنينة فور أن تحدث الرجل بنبرة تحمل احتراماً غريباً ومبالغاً فيه: — إيلا ، صفي ذهنكِ واصعدي فوراً إلى الجناح الملكي في الطابق الأخير.. هناك بعض المهام الخاصة التي طُلبت منكِ انت تحديداً.انقبض قلبها بريبة ، لكنها لم تملك خياراً سوى الطاعة. صعدت في المصعد وجسدها يرتجف ، وحين وقفت أمام الباب الخشبي الضخم للجناح ، رفعت يدها المرتعشة وطرقت الباب بخفة .جاءها صوته عميقاً ورخيماً من الداخل ، يحمل هيبة هزت كيانها: — ادخل. فتحت الباب ببطء ، ودلفت وهي تخفض عينيها قائلة بنبرة آلية متوترة: — خدمة الغرف يا سيدي.. حين رفعت بصرها ، تجمدت الدماء في عروقها . كان يقف أمام النافذة العريضة ، يرتدي قميصه الأبيض الفاخر الذي فتح زريه العلويين ، واضعاً يده بثقة في جيب بنطاله الأسود. ارتبكت ايلا بشدة عندما أدركت أنه نفس الشخص الذي أنقذها بالأمس. ابتلعت ريقها وقالت بتلعثم: — أنت..؟! سيادتك هل طلبت خدمة الغرف يا سيدي ؟ ماذا تود مني أن أفعل ؟ التوى طرف فم زين بابتسامة ساخرة ، ونظر إليها بنظرات اخترقت ملابسها البسيطة وقال بتهكم: — وما هي نوع الخدمات التي تقدمينها في العادة ،؟ شحب وجهها ، وقالت بسرعة وبدفاع غريزي: — سيدي، أرجوك.. ذلك الرجل بالأمس كان كاذباً ، ، أنا لم..... .قاطعها زين الرفاعي بصوت صارم كسيف حاد: — ما اسمكِ ؟ ردت بنبرة خافتة:— إيلا .تردد الاسم في رأس زين. "إيلا.. وجه القمر"، وفكر في نفسه أنها بالفعل تشبه القمر في ليله معتمه نورها ففط من يضيء المكان لكنه نفض الفكرة سريعاً واستعاد بروده القاسي قائلاً بحزم: — إيلا.. لم أطلبكِ هنا لأستمع إلى تبريراتكِ أو تفاصيل صفقاتكِ السابقة مع الزبائن. لا تضيعي وقتي الثمين. خفضت رأسها شعوراً بالإهانة ، وحاولت الحفاظ على مهنيتها : — حسناً.. ماذا تريدني أن أفعل إذن ،؟ هل تود أن أقوم بتنظيف الغرفة أم بتغيير الشراشف ،؟ رد زين بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر: — بالطبع لا.. أنا أريد خدماتكِ الأخرى. صعقت إيلا ، وتراجعت خطوة إلى الخلف ، وتجمعت الدموع في عينيها وهي تقول باحتقار: — يالك من قذر و حقير ! لقد اعتقدت بالأمس أنك إنسان نبيل وشهم ، لكنك أسوأ منهم ضاقت عيناه السوداوان بحدة ، ولأول مرة تحركت ملامحه بغضب : — سأغفر لكِ تجاوزكِ ولسانكِ السليط هذه المرة فقط.. ولكنني لن أغفر في الثانية . اسمعيني جيداً ؛ سأدفع لكِ مئتي ألف دولار شهرياً ، مقابل أن تكوني عشيقتي بعقد مؤقت يمتد لثلاث سنوات. دارت الأرض بإيلا. نظرت حولها بذعر ، واجتاحها خوف عارم من أن يقترب منها ويفعل بها ما كان سيفعله ذلك النزيل الوقح بالأمس. لمحت عيناها سكين تقطيع الفاكهة الصغير الموضوع على الطاولة الطويلة بجانبها . اندفعت وحملته بيد ترتجف ، وحبست دموعها بصعوبة وهي توجّهه نحوه: — إياك.. إياك أن تقترب مني خطوة واحدة! لم يتحرك زين من مكانه أنشاً واحداً منذ أن دخلت الغرفة . كانت يده ما زالت مستقرة في جيب بنطاله، وعيناه تراقبان ثورانها ببرود مستفز .تابعت بصراخ مخنوق: — من تظن نفسك ؟ هل تعتقد أن أموالك تشتري كل شيء ؟ قال زين بهدوء قاتل: — نعم هذا ما اعتقده و أيضا لا داعي للذعر والدراما.. لن أجبركِ على شيء لا تريدينه. الأمر لا يتعدى كونه صفقة تجارية ، يمكنكِ قبولها بكامل إرادتكِ ، أو رفضها والمغادرة الان و لن يمسك سوء مني نظرت إليه بنظرة تقطر احتقاراً ، وقالت بحسم: — بالطبع أرفض ! ألقت السكين من يدها ، واستدارت تفتح الباب وخرجت راكضة. لم يحاول زين منعها ، ولم يتحرك ليلحق بها ، بل تركها ترحل بمجرد أن أغلقت الباب وخفقت خطواتها في الممر ، دارت في رأسها آلاف الأفكار كالعاصفة. تذكرت حياتها ؛ هل ستظل هكذا ؟ مهانة في الصباح كعاملة غرف ، وفي المساء تركض هاربة من الدائنين الذين يترصدون كل حركاتها ويهددونها بالقتل ؟ توقفت في منتصف الممر. همست لنفسها بصوت باكٍ: "لقد قال مئتي ألف دولار شهرياً..". هذا المبلغ الضخم كفيلاً بإنقاذي.... .لقد رحل والدي وترك خلفه ديوناً بالملايين ، فضلاً عن مصاريف مصحة امي كل شهر. مسحت دموعها بعنف، وأغمضت عينيها مستسلمة للمصير المظلم . وقالت بنبرة خالية من الحياة: "إذا كنت سأعيش في كل الأحوال بلا كرامة.. فليكن لهذا الأمر ثمن يحميني ويحمي أمي" .استدارت بجسدها ، وعادت بخطوات ثقيلة كأنها تسير إلى مشنقتها . وقفت أمام الباب ، وطرقته مجدداً .انفتح الباب فوراً ، وكان زين يقف خلفه ينتظرها. كان يمسك في يده ورقة العقد وقلم الحبر الفاخر ، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة ساخرة وواثقة.. ابتسامة رجل كان يعلم يقيناً أنها ستعود راكعةعندما كانت إيلا تقف على الرصيف تنتظر سيارة الأجرة وتفرك كفيها من برودة المساء ، اهتز هاتفها معلناً وصول رسالة مقتضبة وحاسمة من زين: بعد ساعة في شقة سيزر. قلبت إيلا عينيها بملل وضيق شديد ، وقالت في نفسها بسخرية وهي تضع الهاتف في حقيبتها: ماذا يتعاطى هذا الرجل بحق الجحيم،؟ ألا يمكنه الذهاب لحمل الصخور وتكسيرها لصرف هذه الطاقة الهائلة في مكان آخر بدلاً من ملاحقتي ؟ ركبت سيارة الأجرة وتوجهت إلى البرج السكني الفاخر وهي تحاول تهيئة نفسها لجولة جديدة معه ، كانت واثقة في نفسها أنها ستحافظ على قناع القوة. فتحت باب الشقة بالمفتاح ودلفت إلى الداخل ، لتفاجأ بأن المكان غارق في ظلام دامس، ولا تضيئه إلا أنوار خافتة لشموع متناثرة في الأركان.هتفت بنبرة حذرة — سيد زين؟ هل أنت هنا ؟ تقدمت بخطوات بطيئة و مدت يدها لتضيء مصباح الجدار لتفهم ما يحدث ، لكن يد زين القوية والدافئة وصلت إليها بسرعة فائقة ومنعتها بحسم. قبض على معصميها برفق ولكن بقوة، ولفهما ببراعة وثبتهما خلف ظهرها ، محاصراً إياها بجسده المهيب من الخلف حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس عنقها ، وهمس بجانب
في المساء ، وصلت إيلا إلى المستشفى ، وهي تشعر بوطأة الذنب لأنها لم تقم بزيارة والدتها منذ يومين كاملين بسبب الأحداث المتلاحقة التي عصفت بها. دلفت إلى الغرفة الهادئة، لتجد والدتها تنام بسلام على سرير المستشفى الأبيض ، تحيط بها الأجهزة الطبية.وضعت إيلا حقيبتها وأغراضها جانباً ، ثم جلست على المقعد المحاذي للسرير. وكعادتها في محاولة خلق عالم موازٍ لوالدتها ، أخذت تتحدث إليها بنبرة ناعمة ، وتحكي لها عن أحدث فيلم شاهدته للممثل المفضل الذي لطالما أحبت والدتها متابعته في أيام رخائهما. كان فيلماً كوميدياً خفيفاً. راحت إيلا تقص عليها تفاصيل المشاهد ، وتضحك بصوت خافت وهي تذكر المواقف الطريفة بالفيلم، محاولةً أن تبث الحياة في الغرفة الساكنة.لكن فجأة ، وبلا أي مقدمات، انمحت الضحكة المصطنعة، واغرورقت عيناها بالدموع التي حبستها طويلاً. انهار سد الصمود داخل روحها ، وانفجرت بالبكاء. انحنت بجسدها ووضعت رأسها فوق صدر والدتها الدافئ ، وقالت وسط دموعها : — لقد تعبتُ يا أمي.. تعبتُ حقاً. عودي إليّ أرجوكِ.. لا تتركيني وحيدة في هذا العالم .. أحتاجكِ بشدة. لم
توقفت السيارة الاودي فجأة بالقرب من مدرستهما الثانوية القديمة ، وتحديداً أمام عربة صغيرة لبيع النودلز . تأملت إيلا المكان بذهول ، وشعرت بموجة عارمة من الحنين تجتاح صدرها وتغسل هموم الحاضر ولو للحظات .نظرت إلى عمر وهما يخطوان معاً نحو العربة بخطوات هادئة ، وقالت بنبرة دافئة وعفوية: — هذا آخر مكان توقعتُ أن نأتي إليه اليوم يا عمر! التفت عمر إليها وعقد حاجبيه بابتسامة تتسع تدريجياً: — ولماذا ؟ كنا نأتي إلى هنا دائماً في الماضي.. لقد اشتقتُ إلى هذا المكان وإلى طعامه كثيراً،،، ولم أجد مكاناً أفضل منه لنبدأ منه بعد عودتي . علّقت ايلا بنبرة خافتة: — فقط.. اعتقدتُ أنك نسيت كل هذا وسط حياتك في الخارج. رد عمر بصدق وعيناه تلتقيان بعينيها: — لم أنسَ أي تفصيلة تخصنا يا إيلا.. بل كنتُ أحلم يومياً باليوم الذي نأتي فيه إلى هنا معاً مجدداً. ابتسمت إيلا وتناولت علبة النودلز الساخنة ، وقالت وهي تحركها بعفوية: — هل تذكر عندما أُصيبت معدتك بمرض شديد بسبب هذا الطعام ، وبعدها لامتني أمي والخالة نهلة ، وقالوا لي إنني أنا من أفسدتُ نظامك الصحي باجبارك علي أكل الشارع،؟
انتهت إيلا من عملها الطويل والمجهد في الشركة ، وخرجت من بوابات المبنى الزجاجية لتستنشق هواء المساء العليل. وقفت على حافة الرصيف ، تتأمل السيارات المارة وتنتظر وصول سيارة أجرة لتقلها إلى منزلها. مرت خمس دقائق كاملة وهي تتلفت حولها، حتى لمحت سيارة "أودي" سوداء فاخرة تهدئ من سرعتها لتتوقف أمامها مباشرة.انفتح الباب الخلفي للسيارة ، ونزل منها شخص ممشوق القوام ، يرتدي بدلة أنيقة تبرز هيبته ونضجه. وفور أن التفت نحوها ، انمحت ملامح الرسمية عن وجهه ليحل محلها دفء شديد ؛ كان عمر الأيوبي.ابتسم لها بود حقيقي واقترب خطوتين قائلاً: — مرحباً يا إيلا.. نظرت إليه بتعجب، وحاولت الحفاظ على هدوئها وهي تسأله:— عمر،؟ ماذا تفعل هنا في هذا الوقت وأمام شركتي ؟ اتسعت ابتسامته الهادئة ، ونظر في عينيها مباشرة وقال بصدق: — يمكنني الآن أن أخبركِ بعشرين سبباً ملفقاً وكاذباً حاولتُ اختراعه في رأسي طوال الطريق قبل أن أراكِ.. أو يمكنني أن أخبركِ بالسبب الحقيقي والوحيد؛ وهو أنني أردتُ رؤيتكِ كثيراً حاولت إيلا بكل قوتها كبح مشاعرها الدفينة واضطرابها الداخلي ، وأشاحت بنظرها عنه
قررت إيلا أن تبدأ ملاعبة زين اذا كان سيقوم ب اقتحام عملها ستفعل المثل ، اختارت التوقيت الأكثر استفزازاً لرجل يقدس العمل والجدول الصارم كزين الرفاعي. كانت تعلم منذ امس ان لديه اجتماع هام في هذا التوقيت عندما سمعته يتحدث مع مساعده كان زين يجلس في قاعة الاجتماعات الكبرى بمقر شركته ، يترأس اجتماعاً مصيرياً مع وفد استثماري ألماني رفيع المستوى. الأجواء كانت مشحونة بالجدية، والصمت يلف القاعة إلا من صوت العرض التوضيحي والمناقشات الرسمية . كان زين يرتدي سترته الفاخرة ، والبرود الجليدي المعتاد يكسو ملامحه وهو يدقق في الأرقام بنظرات ثاقبة.فجأة ، أضاءت شاشة هاتف زين الشخصي الموضوع على الطاولة واهتز بخفة. كانت رسالة من إيلا. فتحها ليجد كلمتين فقط: "اشتقتُ إليك". عقد زين حاجبيه باندهاش ، وتجاهل الأمر واضعاً الهاتف مجدداً ببرود . لكن بعدها بثوانٍ قليلة ، اهتز الهاتف مجدداً برسالة أخرى: "ألا تشتاق لي انت أيضاً ؟". ثم تلتها رسالة ثالثة سريعة: "ماذا تفعل الآن ؟ لماذا أنت مشغول عني ؟". بدأ أعضاء الوفد يتبادلون نظرات مندهشه وصامت ة من توالي اهتزاز الهاتف على الط
تابع السيد فضل حديثه وعيناه تلمعان بفرحة عارمة ، وهو يربت بيديه على ملف جلدي ضخم مستقر فوق مكتبه — لقد اتصل بي رجل الأعمال زين الرفاعي بنفسه بالأمس! ابتلعت إيلا ريقها وتراجعت برأسها للخلف و قالت " زين الرفاعي...... قاطعها فضل بحماس نعم يا إيلا ، وأخبرني أنكِ تواصلتِ معه أثناء إجازتكِ المرضية رغم تعبكِ ، وأرسلتِ له التعديلات النهائية التي جعلته يوافق على المشروع القديم بالكامل وبلا أي تردد! إنها معجزة حقيقية لم أكن أحلم بها في أكثر أيامي تفاؤلاً. رمشت إيلا عدة مرات وهي تحاول استيعاب الصدمة، وشعرت بجفاف شديد في حلقها ، فبلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة متحشرجة : — السيد زين.. اتصل بك شخصياً على هاتفك ؟ ووافق على التصاميم القديمة دون أن يطلب تعديلاً واحداً أو يبدي أي اعتراض ؟ كيف حدث هذا ؟ هتف فضل بحماس شديد وهو يفتح الملف ويقلب صفحاته أمامها كمن يعرض كنزاً أثرياً ثميناً: — ليس هذا فقط يا إيلا ! بل إنكِ لو رأيتِ الأرقام المكتوبة هنا لصعقتِ. لقد وضع شروطاً وميزانية فلكية للحملة الإعلانية ، ميزانية ضخمة كفيلة بنقل شركتنا بالكامل إلى مصاف الشركات الكبر







