Masukالفصل الثالث :جزء 1
أُغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه بقوة عاصفة، ووقع صوته في أرجاء الصالون الساكن كدويّ مقصلة حادة أعلنت نهاية العهد القديم وبداية زمن العبودية. غادر بجسده الضخم وهيبته المرعبة، لكن عطر التبغ الفاخر ورائحة دخانه السام الكثيف ظلّا يملآن أثير شقتها الفاخرة، كاحتلال غاشم يرفض الجلاء ويثبت ملكيته للمكان حتى في غيابه. ظلت أماندا جاثية على السجادة الحريرية لعدة دقائق كاملة، لم تتحرك شبرًا واحدًا وكأن أطرافها قد أصيبت بالشلل. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف جنوني وهي تكافح لامتصاص الأكسجين لداخل رئتيها اللتين كادتا تنفجران من فرط الاختناق. تحسست عنقها بأصابع مرتعشة وباردة؛ كان جلدها الحريري لاهباً، وأثر كفه الفولاذية الضخمة يطوق عنقها كقيد حديدي حارق، علامة جسدية ونفسية عميقة حفرها ذاك الوحش ليرسخ في ذهنها أنه يملك أنفاسها وحياتها حتى وهو بعيد عنها. وقفت ببطء متكئة على الأريكة، وتوجهت بخطوات متثاقلة نحو المرآة الكبيرة المعلقة في ممر الشقة. نظرت إلى انعكاس وجهها المخطوف الشاحب؛ لم تكن النظرة الخائفة المذعورة تليق أبداً بـ "ابنة أبيها"، ولم تكن الكسرة والانحناء يوماً جزءاً من جيناتها المتمرسة في عالم الجريمة، السلطة، والمؤامرات المظلمة. فجأة، اشتعلت مقلتاها باللون الأخضر الغاضب كشرار النار، ومسحت ريقها الممتزج برائحة تبغه التي ما زالت عتيقة ومريرة في ثنايا ثغرها، وتملكتها رغبة عارمة في التمرد وسحق جبروته. "سحقاً لك.. وسحقاً لوالدي الذي رماني في طريقك!" همست بفحيح حاد كالأفعى، والشر يتصاعد في عروقها مجدداً ليحرق كل ذرة خوف بداخلها. لم تكن أماندا امرأة تستسلم للتهديد والوعيد، أو تقف مكتوفة الأيدي تنتظر أن يطبق الشيطان حصاره القاتل حول عنقها. تحركت بذكاء وسرعة مستغلة عامل الوقت قبل أن يكتشف أمرها؛ توجهت فوراً نحو غرفتها، والى خزنتها السرية المخفية باحترافية خلف لوحة حائط ضخمة. بأصابع سريعة ومنفعلة تضغط على الأرقام السرية، انفتح الباب الحديدي، فأخرجت رزمة مالية ضخمة من فئة المئة دولار، وجواز سفر مزوراً بدقة شديدة كانت قد احتفظت به خصيصاً لأوقات الأزمات الخانقة والمصائب الكبرى التي تمس حياتها. كانت خطتها قاطعة ولا رجعة فيها: ستغادر البلاد بأسرع وقت عبر أول طائرة تقلع من المطار وتختفي تماماً عن ناظريه وعن هذا العالم الملوث، فالعالم واسع وثروتها الموزعة في البنوك الخارجية ستكفيها لتبدأ حياة جديدة باسم جديد حر تماماً. لكن قبل أن تتجه للمطار، كان عليها مواجهة والدها لتفهم منه ما آلت إليه الأمور وكيف تجرأ على بيعها. قادت سيارتها الرياضية بجنون أعمى وسرعة هستيرية شقت بها شوارع المدينة تحت تأثير صدمة مروعة وغضب حارق يعمي بصيرتها. عندما وصلت ودعت الباب الخشبي الضخم لقصر عائلتها، وجدت السكون والظلمة يخيمان على الأرجاء كالمقابر المهجورة، والخدم يتهربون من طريقها برعب واهتزاز. وفي مكتبه الفخم ذي الأثاث الخشبي الداكن، وجدت والدها. ذلك الرجل الدموي القاسي الذي لطالما أرهب المدينة بأكملها وركع الجميع تحت حذائه، كان يجلس خلف مكتبه الضخم محطماً، منكسر الظهر، ووجهه الشاحب المسود يعكس رعباً مطبقاً ونادراً لم تره أماندا في عينيه طوال حياتها. وأمامه مباشرة على الطاولة المخملية.. كان هناك صندوق خشبي فاخر غريب، ينضح بسائل أحمر قاني لزج يقطر ببطء على الأرض.. دماء. "كيف تتنازل هكذا وعني؟ وبسبب تلك العاهرة زوجتك وفضيحتها؟!" صرخت أماندا بصوت هائج ومجنون يمزق سكون القصر القاتل، "كيف تقدم بيدك صك عبوديتي وحريتي للشيطان كلاي لإنقاذ عنقك؟ أهذا ما تملكه من رجولة وسطوة؟ كيف انقلبت الأمور في ليلة وضحاها وأصبحنا تحت ذله ورحمته؟" رفع والدها رأسه ببطء شديد، وعيناه زائغتان مليئتان بالهزيمة، وأشار بيد مرتعشة بشكل فاضح نحو الصندوق الخشبي المفتوح جزئياً وقال بصوت مبحوح، متحشرج يملؤه الفزع والموت: "أأنتِ لا تفهمين بعد مع مَن لعبتِ يا أماندا.. ولا تدركين حجم المسخ الذي استفزيتِيه.. تقدمي وانظري هناك!" اقتربت أماندا بخطوات متوجسة، ونظرت داخل الصندوق، وفي تلك الثواني المعدودة تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها بصدمة شلت تفكيرها؛ كان الرأس المقطوع بدم بارد، والمليء بالجروح والتشويه يعود لـ "ابن عمها".. ذلك الفتى اللعين الذي اكتشفت سابقاً أنه أخوها من الدم من خطيئة و زنا والدها القديمة، ذاك الذي كان يلاحقها ويتحرش بها مستغلاً صلة القرابة، والذي هرب واختفى كالفأر فور انفجار فضيحة والدته خوفاً من الموت على يد والدها. كلاي عثر على مخبئه السري، ونحره كالشاة، وأرسل رأسه في هذا الصندوق إلى هنا في أقل من ساعة واحدة من مغادرته شقتها! تابع والدها بنبرة مرتجفة يملؤها الرعب الخالص: "لقد أرسل لي رأسه كرسالة تحذيرية مبدئية.. وأبلغني رجاله بقسوة أن خطوته القادمة إما إبادة نسلي بالكامل ومحو اسم عائلتنا وثروتنا من الوجود، أو تحالفنا الخاضع عبر زواجكِ منه، كرد اعتبار وتغطية عما حدث أمام الحلفاء والمافيا الروسية. إذا لم نفعل، فنحن الخاسرون والمقتولون حتماً! الفضيحة الغبية التي فعلتِها ونشرتِها لم تضره هو في شيء، بل زادته جبروتاً وقوة أمام الحلفاء لأنه أثبت لهم أنه لا يرحم الخائنين، وضرتنا نحن في مقتل! هل تعتقدين أن لي وجهاً أو هيبة أن أجلس في مجالسهم مجدداً؟ أماندا، إذا فعلت سيكون نظري مكسوراً ورأسي في التراب أمام أصغر حارس لديهم. اذهبي إليه يا ابنتي وطيعي أمره.. على الأقل هو لا يرغب بجعلنا خصومه أو إبادتنا إن صرتِ زوجته. اذهبي وجففي الدماء النارية التي أشعلتِها بعنادكِ، ولا تكوني غبية! زواجك منه فرصة ذهبية لحمايتنا، استغليها بذكائكِ ودهائكِ قبل أن يأتي بنفسه ويحرقنا جميعاً!" تراجعت أماندا خطوتين للخلف، والاشمئزاز العارم والقرف الشديد يعصفان بروحها ونفسها من خنوع والدها المرعوب المسحوق أمام سطوة كلاي. تعلم أن كلاي وحش كاسر لا يرحم، لكنها ظنت واهمة أن والدها سيفضل الموت والقتال على أن يذل ويقدم ابنته هكذا، لكن اللعنة كيف قلبت الأمور وسلبت القوة منهم والآن هم الذين عليهم التنازل والانحناء له! لم تنطق بكلمة واحدة رداً على انكسار والدها، بل استدارت بكبرياء جريح وغادرت القصر فوراً متوجهة بسيارتها نحو المطار، متمسكة بروحها وفرصتها الأخيرة والأمل الوحيد المتبقي لها: جواز السفر المزور والهروب نحو المجهول للأبد. طوال الطريق المظلم المؤدي إلى المطار، كان التوتر ينهش جسدها نهشاً؛ دقات قلبها تقرع في صدرها كالعاصفة الرعدية، وعيناها الخضراوان تراقبان المرايا بهوس وتوجس جنوني، يداهمها رعب حقيقي وقاتل من أن تلمح سيارة سوداء مصفحة تابعة له تلاحقها، أو أن يظهر الوحش نفسه من بين الزحام ليقبض على عنقها مجدداً ويسحق عظامها. كان الخوف من ملاحقته ونفوذه المرعب خانقاً للأنفاس، وكأن ظله المظلم يتبعها في كل زاوية ومنعطف. دخلت صالة المطار بخطوات سريعة، مبعثرة ومرتبكة، ونبضاتها تتسارع بجنون مع كل خطوة تخطوها نحو بوابة المغادرة الدولية، وهي تتخيل في عقلها شكل حياتها السوداوية إذا تزوجته حقاً وكم ستكون جحيماً ممتداً. عبرت تفتيش الجوازات بجواز سفرها المزور وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها خوفاً من كشف أمرها، إلى أن صعدت أخيراً ووطأت قدماها متن الطائرة المتوجهة إلى وجهة أوروبية بعيدة جداً. جلست في مقعدها عند النافذة، وأغلقت عينيها المتعبتين وهي تشعر برعشة الخوف القاتل والارتياح العارم تمتزجان في جسدها المنهك. تحركت الطائرة الضخمة ببطء، وبدأت تسير على المدرج الطويل تمهيداً للإقلاع الوشيك نحو السماء وحريتها. زفرت أماندا براحة عميقة وأخيرة، وظنت واهمة لثوانٍ معدودة أنها انتصرت في هذه المعركة، وأن ذكاءها الحاد أنقذها من مخالب الشيطان المطبق.. وفجأة.. ودون أي سابق إنذار، دوت صرخة مكابح الطائرة العنيفة والمريعة، وتوقفت الطائرة الضخمة وسط المدرج بشكل مفاجئ، حاد وصادم حبس أنفاس وقطع دقات قلوب جميع الركاب في المقصورة!الفصل السابع والثلاثون :القسم الثالث «لا... لأنك كلما نظرتَ إلى وجهها، لن تنسى يوماً أنها ابنة قاتل والدتك يا إيفان!» خرج صوت إيفان عبر الهاتف مجهداً، وهو يجيب فاقداً لكل ذرّة عقل برأسه، يقطر بمرارة سنواتٍ طويلة من القهر المكتوم: «ولهذا تحديداً عليك أن تزوجها لي! تكفيراً عما فعله والدك العاهر بي يا كلاي... هل ظننتَ أنني حين عرفتُ الحقيقة صمتُ لأجله؟! ذلك العاهر الذي جعلني اضحوكة عاملني كابنٍ له وجعلني كلباً مطيعاً أخدمه لسنوات عمري دون ان تجرأ على الاعتراض او التذمر، وقضيتُ شبابي أسعى لرضاه ورد جميله، لأكتشف في النهاية أنه هو من قتل والدتي ورماني في ذلك الملجأ اللعين لينتقم منها لأنها لم تحبه؟!» تجمدت الدماء في عروق كلاي، واشتدت قبضة يده على الهاتف حتى كادت عظام أصابعه تتكسر. كان القاضي العاهر ذاك.. هو من كشف تلك الحقيقة لإيفان انتقاماً منهم بعدما فعلته أماندا وأعلنت براءته بالقوة.. فعلها! أجل والده اللعين سيرجيو فعلها حقاً... قتل أخته للقاضي، وألقى بابنها في الملجأ، ثم انتشله منه ليصنع منه أخاً لكلاي وذراعاً يمنى له! انقبض قلب كلاي بألمٍ حارق يمزق صدره؛ هو لا يريد خسارة إي
الفصل السابع والثلاثون :القسم الثاني نظرت إليه بعدم تصديق؛ كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بطريقة جنونية والدماء تتجمد في شرايينها. هل يسألها ليقلب الأمور بمنتهى البساطة ويعلّق عليها آثامه وكأنها هي السبب؟! نطقت ترده بغضبٍ: «ألم تقل لي ألا أتدخل بما يخص شقيقتك؟ لذا مع الأسف... لن تجد مني جواباً!» تجاوزته وهي ترفع رأسها بتكبرٍ أظلم ملامحه الحادة. لقد أراد أن يتحدث معها بأي شيء ليقتلع ذلك الجدار الصلب الذي أقامته بينهما منذ البارحة... تباً كم يكره جفاءها! هو قادر على تحمل أي ألمٍ في هذا العالم؛ الرصاص، الضرب، الحرق، وكل شيء لعين... لكنه لا يطيق ثانية واحدة تكون فيها باردة تجاهه. صمتَ يفكر ملياً؛ كل ما يعلمه أنه يريدها بكل ذرة في كيانه، وحين تتجاهله هكذا، تحفز شياطينه. بينما تحولت نظرات أماندا إلى جحيم وهي تسخر منه دون أن تحسب أي حساب بل ستصب جام سخطها عليه ولم تعد تهتم لشيء: «قلت لي إن شقيقتك تستحق حياة مع رجل طبيعي... وليس عاهراً لعيناً، قذراً، منحطاً، ومتخلفاً رجعياً مثلك؟! هاه؟!» نظر إليها بعيون حادة لا يصدق هل تشتمه مستعملة كلامه الذي ألقاه بوجه إيفان عليه؟ اختلفت ملامحه لأخرى غا
الفصل السابع والثلاثون: القسم الأول خرج كلاي من الغرفة كالمجنون، يمسك بمسدسه وغضبه سيحرق المكان.. تجمدت أماندا بمكانها لثوانٍ وقلبها يدق كطبول الحرب، والذعر يأكل أطرافها: إلى أين هو خارج بهذا السلاح.. وفي منتصف هذا الليل؟! قفزت من السرير بسرعة وخوفٍ ينهش قلبها، تهرول خلفه بخطواتٍ مذعورة لتستكشف إلى أين يتجه هكذا.. هل لسيلين؟! وهناك عند أعلى الدرج، حبست أنفاسها وهي تراه يتوقف لبرهة خاطفة أمام غرفة سيلين؛ تنفست الصعداء وتسربت موجة ارتياح سريعة إلى صدرها حين أكمل طريقه نحو الأسفل دون أن يدخل إليها، لكن الارتياح سرعان ما تبدد إلى ذعرٍ أشد وهو يغادر القصر كلياً. ركضت فوراً نحو نافذة الصالة الكبيرة تتطلع لأسفل، لتشاهد سيارته وهي تنطلق كالصاروخ تشق العتمة وصوت محركها يملأ الفناء، تاركاً خلفه سحابة غبار.. وذلك يعني أنه ذاهب لإيفان. عادت إلى سريرها تتخبط في ظلمة الغرفة، ينهشها القلق وتأكلها الأفكار المسمومة. كانت تموت خوفاً عليه وعلى إيفان؛ تعلم جيداً أنه في هذه اللحظة يتجه إليه ليقتله بهذه العصبية والجنون الذي خرج به! وانعصر قلبها وهي تضع يدها على بطنها تفكر غريزياً لو كانت هذه الطفل التي
الفصل السادس الثلاثون:القسم الثالث على طاولة العشاء المكتظة بأصناف الطعام المتنوعة، كان جميع أفراد العائلة يتسامرون، والدفء يسود المكان في أجواء عائلية بامتياز. لكن عيني أماندا الثاقبتين لم تفوّتا التفاصيل الصغيرة المنتشرة كالألغام على الطاولة؛ لاحظت التوتر الشديد الذي تملّك سيلين فور دخول إيفان برفقة كلاي فجأة، وكيف اضطربت الفتاة وتشتتت نظراتها كلما التقت بعيني إيفان. ولم يكن ذلك فحسب، بل ارتابت أماندا من نظرات إيفان نفسه... الخالية تماماً من أي شعور؛ لم تكن عيناه تحملان نظراته المعتادة، بل كانت مخيفة، فارغة، مظلمة، وتائهة في فراغ غريب كأنه جسد بلا روح، صامت بطريقة مريبة كأنه غير موجود معهم هنا. وحين حاولت سيلين بحركات خجولة ومراوغة أن تمد يدها لتسكب له الطعام، كان هو قد اكتفى بشرب الخمر، لكنه حين فعلت تناوله منها، واستمرت هي تلعب بطعامها وعيونها معلقة به. أما كلاي... فكان يجلس كجبل مثقل بالهموم، يغلي كبركان تعلم أماندا سببه من كذبة إيفان صباحاً. كان يجحرها بعينيه، يمرر حدقتيه المظلمتين عليها بنظرات حادة كالسيف تفيض بالوعيد والتهديد. لم يكتفِ بنظراته المشتعلة، بل كان يغرس يده ويعت
الفصل السادس والثلاثون: القسم الثاني قهقهت أماندا بتوتر وسعادة وهي تراه كيف تجمد.. الرجل الخارق كلاي شُلت حركته بتوتر وأصبح يتصرف بغباء... عيناه تجمدت على بطنها.. إصبعه التي كان يشير بها إليها في الهواء بقيت بمكانها... تجمدت ملامحه، وانطفأ في حدقتيه أي أثر للغضب فوراً، ليحل محلها شحوبٌ مباغت وذهولٌ تام سحقه. «أنا حامل.» كررت أماندا وهي تبتسم على رد فعله. طارت الكلمة في الهواء كشرارةٍ صدمت كيانه الصلب... اخترقت أذنيه بلحنٍ غريب لم تألفه روحه الشيطانية قط. تراجعت يده ببطءٍ شديد حتى سقطت بجانبه، وظل يحدق بها بجمودٍ مطلق... بجمود كائنٍ حُرِم من لغة الكلام، عاجزٍ عن استيعاب أن هذه الأنثى التي يعشقها تقف أمامه وتقول إنها تحمل في داخلها قطعةً منه... طفلاً صغيراً يثبت حبهما وليالي عشقه لها، لطالما منحته الحب والحنان وها هي تمنحه عائلة.. طفل.. تخلق له من أعماقها وتكافئه أكثر. ابتسم لا يعلم ماذا يقول وكيف سيرد لها كل ما تمنحه إياه من ذلك الأمل والحياة. كانت أماندا تثبت عينيها الخضراوين في عينيه، تتأمل هذا التحول المرعب في ملامحه؛ من وحشٍ ثائر إلى رجلٍ مسلوب القدرة على التكلم، تائهٍ في دهشةٍ
الفصل السادس والثلاثون :القسم الأول في قلب صالة بيته الدافئة... بين جدرانٍ شهدت ضحكات عائلة آمنة... انهار كل شيء إلى جحيمٍ مظلم. كان الرجل مطروحاً على الأرض... وجهه مهشم بدماء حارقة... يزحف بوهن تحت قدم كلاي الملطخة بآثامه... يرتعد ويتوسل بصوتٍ يبكيه الرعب أمام أنظار أطفاله المكممين في الزاوية...«أرجوكم... أرجوكم ليس امام اطفالي...»... لكن التوسلات كانت تطير في الهواء كرمادٍ محترق... لا تجد سوى مسخين خُلقا من قاع الظلام... كائنات بلا ذرة رحمة ولا قلب. كان المشهد وحشي... كلاي يعذبه ببرود قاتل... يوجه إليه ضربات حادة تبدّد ما تبقى من عظام وجهه... ثم يلقي بجسده المتهالك إلى إيفان كأنه قطعة لحم رخيصة.. ليلتقطه إيفان بقسوة مجردة من أي أثر للبشرية... يفرغ فيه وجهاً آخر من العذاب... يعذبه بدقة وسادية ثم يرده طائراً إلى كلاي مجدداً... يمارسان عليه دور ملك الموت في لعبة مظلمة، بين أيدي مسخين خُلقا من جحيم وليس طين. كان ماركو يجلس على إلاريكة... وجهه مصفر كالأموات... عيناه زائغتان يرتعد... لم يكن يتحمل رؤية كل هذا البطش... قلبه كان يؤلمه ويتعصر حسرة وألماً على حال الرجل وعائلته... يشع