เข้าสู่ระบบالفصل الثالث :- جزء الثاني
عمَّ الذعر والهرج أرجاء المقصورة الضخمة، وتعالت همسات الركاب الخائفة يتساءلون عن سبب هذا التوقف المفاجئ والصادم على مدرج الإقلاع. وقبل أن تستوعب أماندا ما يحدث حولها أو تستجمع شتات عقلها المذعور، فُتح باب الطائرة الأمامي بعنف وسلطة تامة، ودخل منه ثلاثة من رجال كلاي الأشداء، ببنيتهم الضخمة المرعبة، وبذلاتهم السوداء الأنيقة ونظراتهم الميتة القاسية التي لا تعرف الرحمة أو التراجع. ساروا بخطوات ثقيلة، منتظمة ومهيبة وسط الممر الضيق، وعيونهم الحادة مصوبة نحو هدف واحد محدد لا يخطئونه. توقفت أقدامهم الثقيلة تماماً عند صف مقعدها. انحنى أحدهم نحوها بجسده الفولاذي، وقال بنبرة منخفضة لكنها حادة وباردة كالموت، تفيض بالسطوة والوعيد المطبق الذي لا يقبل النقاش: "آنسة أماندا.. تفضلي معنا بهدوء ودون إثارة أي فوضى." دارت الأرض بأماندا، وتجمدت الأنفاس في صدرها تماماً وهي تُجبر على النهوض تحت وطأة نظراتهم المحذرة. سحبوها من الطائرة أمام ذهول الركاب وطاقم الطيران العاجز عن التدخل، لتُقاد مجبرة عبر مهبط الطائرات وتُدخل قسراً إلى جوف السيارة المصفحة السوداء التي انطلقت مخترقة عتمة الليل كصندوق حديدي يملكه الشيطان، يبتلع خلف أبوابه المغلقة ما تبقى من حريتها وكبريائها. طوال الطريق الموحش والسريع، ظلت أماندا متمسكة ببقايا كبريائها الجريح وقوتها الزائفة، وعيناها الخضراوان تشتعلان بمزيج حارق ومشتعل من التوتر والقلق والغضب الأعمى. التفتت بنظرات حادة ومليئة بالسم نحو المقعد الأمامي، حيث كان يجلس "إيفان"، الذراع اليمنى لكلاي والرجل الذي طالما تعاملت معه في صفقات العمل السابقة وتعرف خبايا سطوته وجبروته. "إلى أين تأخذونني يا إيفان؟" خرقت نبرتها الحادة سكون السيارة القاتل، وأكملت بهستيريا مفرطة حين لم يعرها أي اهتمام: "تحدث أيها اللعين! إلى أين تذهبون بي كالمجرمين المصفدين؟" لم يصدر عن إيفان أي حراك، وظلت عيناه تنظران إلى الطريق المظلم بجمود جليدي أثار حنقها وجنونها، إلى أن بدأت ملامح الطريق تتغير تماماً وتتحول نحو المرتفعات، وظهرت من بعيد عبر النوافذ أسوار القلعة الحجرية الضخمة والفاخرة التي تسكنها عائلة "كلاي" العريقة في عالم الإجرام. هنا، وقعت الحقيقة القانونية والإجرامية على رأسها؛ إنهم يسوقونها إلى عقر داره، إلى حصنه المنيع الذي لا يخرج منه داخلٌ حياً إلا بإذنه. صرخت بغضب عارم وجنون وهي تضرب المقعد الجلدي بقبضتها المرتعشة: "أنت وسيدك مجانين! إن كان سيدك اللعين يظن أنني سأخضع وأوقع على وثيقة زواج منه فهو واهم وغبي! لن أوقع، ولن أمنحه هذا الشرف القانوني ما حييت، وإذا فعل ذلك بالإجبار والتهديد الليلة، سأرفع دعوى خلع في الصباح وأسحب هيبته في المحاكم، أتفهم؟.. سأخلعه!" وفجأة، انطلقت من فم إيفان ضحكة خافتة، باردة ومليئة بالسخرية اللاذعة والتهكم المرير. التفت برأسه قليلاً إلى الخلف لينظر إليها بعينين ميتتين خاويتين من أي تعاطف، وقال بنبرة متهكمة متباطئة: "قانونياً؟ وثيقة زواج وتوقيع؟ وتخلعيه؟! أفيقي من أوهامكِ يا أماندا! ما خطبكِ الليلة؟ هل نسيتِ في أي عالم تعيشين ومن هو الرجل الذي تتحدثين عنه؟ لا أحد في هذه البلاد بأكملها، لا قاضٍ ولا مسؤول، يجرؤ على مطالبة الزعيم كلاي بوثيقة زواج أو عقد مدني تافه لامرأة قال بلسانه وفي مجلس كبار الحلفاء إنها أصبحت له شرعياً وعُرفاً. لقد تم الأمر وانتهى بينه وبين والدكِ في مكالمة هاتفية واحدة لم تستغرق دقيقة. والدكِ هو وليّ أمركِ وموكلكِ الوحيد أمام القانون السفلي وقوانين العائلات، وقد قال له بلسانه وبصوت منكسر: (زوجتكَ ابنتي).. وبناءً على ذلك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف يا عزيزتي. مَن ذا الذي سيهتم في عالمنا المظلم بتوقيع امرأة أو اعترافها؟ أنتِ منذ تلك اللحظة زوجته رسمياً وسيدتهم أمام الملأ، شئتِ أم أبيتِ.. ومن كل عقلكِ، مَن القاضي الانتحاري والأحمق الذي سيمشي لكِ بمعاملة خلع ضد كلاي؟ هاا؟" وقعت الكلمات فوق رأسها كالصاعقة المدمرة، جردتها الصدمة من القدرة على الرد أو حتى التنفس، وشعرت بأن الأرض تهتز وتنهار تحت مقعدها. لم يترك لها الوحش حتى فرصة الرفض أو المواجهة القانونية؛ لقد سلبها إرادتها تماماً.. ووالدها باع حريتها وسلم رقبتها لذلك الشيطان بدم بارد. إنها حقاً في كارثة مطلقة، والأنشوطة تلتف حول عنقها. بينما كانت السيارة تعبر البوابات الحديدية العملاقة والمهيبة للقلعة، والتي كان يحيط بها جيش مدجج من الحراس المسلحين الأشداء، هدأ إيفان قليلاً، والتفت إليها مجدداً وتحدث بنبرة منخفضة حملت تحذيراً صادقاً ونادراً نابعاً من ماضيهما: "انظري يا أماندا.. سأنصحكِ نصيحة صادقة لأجل الأيام السابقة والعمل الذي كان بيننا؛ فقد كنتِ لي يوماً صديقاً جيداً وشريكاً ذكياً في العمل. أنتِ من اليوم فصاعداً تحملين اسم زوجة الزعيم كلاي. وهو.. ليس الشخص الذي يفضل أن تتغابي معه، أو تختبري حدود صبره وقوانينه. خروجكِ من هذا القصر اللعين بعد اليوم لن يكون إلا في حالة واحدة فقط... بالكفن، بموتكِ وتوقف أنفاسكِ. فلا تجعليه يفعلها وينهي حياتكِ لأسباب غبية كتلك التي تسببتِ بها اليوم." توقفت السيارة في الباحة الداخلية الفسيحة المرصوفة بالحصى. نزلت أماندا وهي تشعر بثقل الأجواء الخانقة والبرودة التي تنهش عظامها. كان القصر يعج بالحركة والهمس، كأنه خلية نحل عائلية محصنة؛ رأت عيوناً كثيرة وغريبة تنهشها دون رحمة، تترصد خطواتها بكراهية وفضول من الشرفات العالية والنوافذ المعتمة من خلف الستائر المخملية الثقيلة. كان الجميع هناك في الاستقبال المظلم؛ أبوه الزعيم القديم بنظراته الصارمة، شقيقه وزوجته التي تتفحصها باستهزاء، شقيقته الشابة ذات السبعة عشر عاماً التي تنظر إليها برعب، وحتى امرأة غريبة وولد ذو سنوات عشر.. قصر كامل يعج بالخدم والحرس، وجميعهم يراقبونها ويتفحصونها كأنها شيء غريب ودخيل، كأنها مخلوق فضائي ملوث نزل ببيتهم، وكأنهم كانوا ينتظرون وصولها المقيد منذ مدة. لكن كلاي لم يكن موجوداً بين مستقبليها؛ لم يمنحها شرف رؤيته أو استقبالها، بل تركها تواجه الدخول لبيته بمفردها كعقوبة مبدئية أولى لكسر كبريائها وعنادها أمام عائلته. لعنت في سرها وهي تشعر بتوتر يمزق أحشاءها، وتتساءل عما ستقول لهم، ومَن هي بصفتها ماذا هنا في وسط بيتهم وبيئتهم المتزمتة! تقدمت والدته العجوز نحوها بخطوات حذرة، بطيئة يملؤها الخوف والارتباك الفاضح. كانت المرأة العجوز ترتعد سراً من اسم ابنها وبطشه، ولا سيما وهي تسمع صوته الغاضب الآمر يرن بأذنها عبر الهاتف للآن. وأول ما وطئت قدما أماندا عتبة القصر الداخلية، تبسمرت الأم في مكانها، وألجمت الصدمة لسانها تماماً وهي تتفحص تفاصيل هذه الفتاة الدخيلة بذهول، استهجان، وصدمة شديدة. كانت أماندا تقف بكبرياء برغم كل شيء، ترفع رأسها بعلو وكأن المكان ملكها، ووالدته هي الدخيل الجديد هنا. تقف بجسدها ذاك الطويل المميت والمنحوت بدقة تخطف الأنفاس، وبشرة حنطية لافتة زادتها جاذبية متمردة بلمسة "التان" الدافئة التي تعكس نمط حياة يتحلل من كل القيود، فلا تأخذ المرأة هذا اللون البرونزي إلا إذا بقيت لساعات شبه عارية تحت أشعة الشمس... وعيناها الخضراوان مع الكحل الأسود الذائب كانتا جميلتين بشكل سام وآسر، تحملان ملامح خبيثة وماكرة اعتادت على إدارة المؤامرات. وينسدل على كتفيها شعر طويل متمايل بلون بني فاتح يميل إلى الشقار، يتدلى بغزارة مفرطة حتى أسفل ظهرها كشلال من الضوء الساحر. لم تكن مجرد امرأة عادية؛ بل كان مظهرها بأكمله يصرخ بالجرأة الصادمة في هذا البيت المحافظ، بملابسها الفاضحة التي لا تستر الكثير من جسدها، ووشمها الأسود الضخم والمعقد الذي يمتد ليلتف حول يدها اليمنى بالكامل، بينما كانت تمسك سيجارتها بجرأة وتدخن بوقاحة دون احترام للموجودين، نافثةً دخانها المستفز في أرجاء الصالون الفخم دون استئذان. صُدمت الأم وغرقت في صمت مذهول من هذا المظهر الصارخ؛ فابنها كلاي رجل شرقي متزمت لا يطيق المرأة التي تفعل ذلك، بل هو نفسه من وضع تلك القوانين الصارمة والقاسية لنسائهم في العائلة، محجماً أنوثتهن في السواد والستر والحشمة التامة. فكيف أتى بهذه الأفعى المتمردة السامة العارية إلى عرينه المحصن؟ ماذا ينوي أن يفعل بها.. نفضت الأم ذهولها وخوفها، ومدت يديها المرتعشتين لتلقي بين يدي أماندا رزمة ملابس سوداء طويلة وساترة تماماً، ومقصاً حديدياً حاداً وبارداً. وفهمت أماندا بدقة شديدة وعقلها يغلي لماذا أمرها كلاي بذلك؛ إنه يريد قص ثورتها وتجريدها من سلاح أنوثتها. قادتها الأم صعوداً نحو الطابق العلوي عبر الدرج الرخامي لترشدها إلى غرفتها الجديدة، وهي تقول بصوت حكيم يحمل نبرة ميتة وخاضعة: "لقد اتصل بي كلاي قبل قليل.. قال إن هناك فتاة ستأتي، هي زوجتي الجديدة، وأمرني شخصياً أن أحضر لكِ هذه الملابس الساترة وهذا المقص لتقصي شعركِ الطويل وتلتزمي من هذه اللحظة بقوانين نسائنا وحرمة بيتنا." وألقت عليها بقية قوانينهم الصارمة وقواعد البيت الجاهلة التي لم تعجب أماندا بالتأكيد بل اعتبرتها تخلفاً وجهلاً مطلقاً، ثم أكملت الأم بكل هدوء وهي تحذرها بنظرة غامضة: "وقال لي حرفياً: إذا رفضت أو فعلت أي شيء متمرد، اتصلي بي على الفور لآتي وأتصرف معها." صمتت الأم لثوانٍ، وتراجعت خطوة عن المغادرة وتأملت وجه أماندا المخطوف الشاحب بتساؤل مرعب وبعض الفضول العائلي: "ابني كلاي لا يتزوج مطلقاً إلا حين تحدث كارثة تهز الأرض، أو لتأكيد صفقة دموية ضخمة تمس نفوذه وسلطته.. ولا أظن أن تواجدكِ المفاجئ هنا يخرج عن هذا الإطار المظلم، لكن أظن سرعة حدوث الأمر وجلبكِ بهذه الطريقة توحي أن شيئاً سيئاً ومرعباً قد حدث بالخارج.. أخبريني، ماذا يحدث بالتحديد بينه وبين عائلتكِ؟" لم تجب أماندا على تساؤلاتها؛ بل خطفت رزمة الملابس السوداء والمقص الحديدي بعنف شديد من يدها، ودون أن تنطق بحرف واحد أو تمنحها أي اعتبار، دفعت الباب الخشبي الثقيل للغرفة وأغلقته بقوة هائلة في وجه والدته، تاركةً إياها بالخارج منصعقة ومذهولة من هذه الوقاحة المفرطة. استندت أماندا بظهرها المنهك إلى الباب المغلق، وهي تلعن في سرها وتتنفس بصعوبة بالغة وضيق يطبق على صدرها. نظرت حولها إلى الغرفة الفاخرة ذات الأثاث الكلاسيكي الداكن والتي بدت لها في هذه اللحظة كزنزانة ملكية محصنة ومطبقة على أنفاسها؛ كانت الأفكار السوداوية تتلاطم في عقلها المذعور، وجدران القلعة بدأت تضيق عليها ببطء، وهي لا تعلم حتى هذه اللحظة كيف ستواجه هذا المسخ الطاغية عندما يأتي، وكيف ستتصرف حينها لتنجو بحياتها، وكيف ستقبل بالأساس حياة كهذه مع جاهل متزمت مثله وفي بيئة خانقة ومتخلفة كتلك.الفصل الخامس والعشرين :القسم الأول. تسللت أشعة الشمس الغاربة كأطيافٍ ذهبية ذائبة من زجاج النافذة الكبير بالصالة، لتلتقي بظلال الغسق الأرجواني المسكوب على السكون السائد في المكان. فتحت أماندا عينيها ببطء على حركة كلاي؛ كان جثم الأريكة الجلدية يتنفس تحته وهو ينهض بتمهل كتمثالٍ صلب، والضوء الخافت يعكس حافة جبينه الممزقة حيث تجمدت قطرات الدم كنزيفٍ قديم لم يبالِ بضماده. الهدوء الذي يحيط به كان يحمل هيبة صامتة، تنفس بقوة واستدار نحوها يرتدي بنطاله، قبل أن يرمقها بنظرة حادة، ناطقاً بنبرة خشنة: «هل تستطيعين المشي؟» رمشت أماندا بعينيها الخضراء الكحيلتين بتكاسل، تثاءبت بنعومة وهي تعدل شعرها المبعثر حول كتفيها، ثم نطقت بفضول: «لماذا؟» مسح بكفه الضخمة على وجهه دون أن ينظر إليها: «لنخرج ونأكل... أظن أن العصافير في معدتكِ لم يعد لها صوت لأنها قد ماتت من الجوع.» ابتسمت أماندا على كلامه وفكرت بذكاء أنثوي، وشيء من الدلال الساخر يلمع في عينيها؛ أرادت استغلال اللحظة لتسحبه إلى ملعبها، فقالت وهي تميل رأسها برقة: «تقصد...ان نخرج معاً ديت رومنسي؟ ولكن الموعد الغرامي يحتاج إلى بوكيه ورد أح
الفصل الرابع وعشرون :القسم الثالث انهمرت قبلاته على طول جسدها كالمطر الحارق؛ لم تكن قبلات عابرة، بل كان يطبُع شفاهه بقسوة وظمأ، يلتهم بشرتها بأسلوبٍ حاد يترك أثره الحار على عنقها، كتفيها، وكل إنشٍ ينحني نحوه. كان يحتسي أنفاسها، ويقبلها بكثافةٍ تجعلها تتنهد تحت سطوته، يزرع ملكيته بلمسات فمه التي تنزع منها آخر ذرات المقاومة. وحين التقت بشرتها بجلده الخشن أطلقت اهات متعذبة، كان التباين مذهلاً ومرعباً؛ جلده الخشن المليء بالندوب والجفاف، يمسح ويحتك ببشرتها الناعمة الذائبة ،كالحديد الساخن حين يلامس الحرير. كان كل ملمس من يده الضخمة القاسية يثير في جسدها قشعريرة تسري كدفقات كهربائية، تحرقها وتذيبها في وقتٍ واحد. اعتلاها بكامل ضخامته على الأريكة الجلدية التي اختنقت تحت ثقلهما، مخفياً إياها كمتحف مليئ باللوحات الفنية بجسده الفولاذي كأنه درعها. وفي المقابل، كانت هي أسفله تلتف حوله كأنها نباتٌ متسلق؛ أغلقت قدميها لتعقدهما بتمسكٍ أنثوي حول ظهره، وغرست أظافرها الناعمة دون وعي في لَحم اكتافه العريض، تثبت نفسها به كأنها تتعلق بالحياة وسط هذا الطوفان. من بين أنفاسها المتسارعة التي تشق سكون ال
الفصل الرابع والعشرون: القسم الثاني سحب كلاي قبضته الملتصقة بالجدار المهشم ببطء،بينما كانت قد تناثرت شظايا اللوحة المحطمة عند أقدامهما. وتراجعت يده الدامية لتستقر بجانبه، غير أبهٍ بالدماء التي تسيل منها. كان يلهث بكثافة، وكتفاه العريضان يعلوان ويهبطان بحدة، وأفكاره تتطاحن في عقله المريض كعاصفة هوجاء. بينما كانت أماندا متجمدة في مكانها بعد ان سقطت كلماته عليها كالصاعقة؛ ولأول مرة لم تفكر بعقلها بهذه الطريقة ومن وجهة نظره، إذ كانت هذه الزاوية غائبة عنها تماماً. لم تفكر يوماً بحياتها في اندفاع ذاك الرجل من هذا المنظور... وتأملت في الحقيقة المرة لقد كان كلاي محقاً! لا أحد يخوض كل هذا الجحيم ويموت في سبيله لمجرد صداقة عابرة. صُدمت من إدراكها المفاجئ، وازدادت برودة أطرافها. عقد كلاي حاجبيه بمرارة، ومرر يده الملطخة بالدماء على وجهه، يصرخ بصوتٍ خشناً هز الجدران وهو يلتهم نفسه من الغيرة: «تباً! لو كنتُ أعلم... لما قتلته بهذه السهولة! آخ... لو يعود بي الزمن فقط لأذقته ألوان العذاب التي لم تخطر على بال بشر قبل أن أرحمه بالموت!» كان يغلي وشياطينه تصرخ به أن يفرغ هذا الجنون في المكان. شع
الفصل الرابع والعشرون: القسم الأول كانت أنفاسه لاهثة، متقطعة، والألم والكدمات التي تغطي وجهه وجسده جعلته يبدو كوحشٍ جريح. ورغم ذلك، استقرت قبضته القاسية على يدها وأعادها إليه، كأنها طوق نجاةٍ يرفض التخلي عنه أو تركها تبتعد إنشاً واحدًا. تجمدت أماندا في مكانها، واتسعت عيناها بذهولٍ شلّ تفكيرها. لم تكن تتوقع في خضم هذا الجحيم وبهذه السرعة ان يحدث هذا، بين كل أولئك الرجال الذين كان يفتكون به والضربات القاتل والتعب الذي يمزق جسده، أن يكون أول ما يشغل عقله المريض ورغبته في المحاسبة عليه هو... همسة! لم تكن تعلم أنه في تلك اللحظة المظلمة، بينما كانت الضربات تنهال عليه والسلاسل تهشم ظهره، كانت عيناه السوداء الملطختان بالدماء من رأسه تلاحقانها، وتلاحقان حركة فمِ ذاك الرجل وهي تقترب من أذنها. سألها مرة أخرى، بصوتٍ مبحوحٍ يرتجف من الأحتراق والغلّ، وهو يضغط على ذراعها ينتشلها من تحديقها بالفراغ: «ماذا قال لكِ ذاك الحثالة؟..لا تجعليني أكرر السؤال،اماندا.. أريد أن أعرف حالاً!» تراجعت أماندا للخلف بقلبٍ يقرع طبول الحرب في صدرها. كان توترها واضحاً لدرجة أنها شعرت ببرودة أطرافها رغم حرار
الفصل الثالث والعشرين: القسم الثالث عندما توقفت السيارة أمام متجر كبير، نزل كلاي بخطواته المهيبة كانت تحمل هيبةً مظلمة وهالته مليئة بالكاريزما. وهي بجواره.. فور دخولهما، كانت نظرات الإعجاب والهمس تلاحقه من كل جانب؛ النساء يختلسن النظر إليه باثارة من طوله الشاهق وجسده الضخم و اكتافه العريضة وملامحه الرجولية الخشنة تلك جعلته مثيرا كاللعنة، ما ان ينظر له أحد مباشرةً تتوجه نظراتهم لها ليتفحصنها من الأعلى للاسفل ثم يجحرونها بانزعاج وكأنها قطعت رزقتهن به.. وكأنها سلبتهن أمل الحصول عليه . أما هو، فلم يكن يرى أحداً... لم يعر أياً منهن نظرة او أدنى التفاتة. كان يحوطها بجسده الفولاذي كأنه حارسٌ شخصي يُحمي شخصيةً رفيعة المستوى من خطر اغتيالٍ محتوم قد يحدث هنا. حدقتاه المحمرتان تحرسان كل زاوية، وتمسحان المكان برعبٍ مريض ووسواسٍ قهري، لا يرفع عينيه عنها لثانيةٍ واحدة. سارت أماندا بجواره بين الممرات بقلبٍ يلمع بالذهول والصدمة؛ كانت تراقبه وهو يمدّ يده بجمودٍ ويختار أصنافها المفضلة بدقة متناهية... أطعمتها، مشروباتها، وكل التفاصيل الصغيرة التي احبتها يوماً! اجتاحتها رغبةٌ عارمة في أن تسأله: منذ
الفصل الثالث والعشرون: القسم الثاني كانت تشعر بتوترٍ يأكل أحشاءها وهي تحدق به بطرف عينها. تراقبه كيف يقود السيارة، وأصابعه الفولاذية تطرق على عجلة القيادة بطريقةٍ مضطربة. كان يمرر إبهامه ويمسح طرف أنفه بعصبيةٍ كل بضع ثوانٍ، وتشنجاتٌ خفيفة تضرب فكّه المطبّق بصلابة... تعلم جيداً أن هذه الأعراض ليست سوى آثارٍ لتلك المواد المسمومة التي سمّم بها دمه البارحة، وهبوطٍ جحيمي يحرق أعصابه بحثاً عن جرعةٍ أخرى. وبحركةٍ خاطفة كانت تعيد نظرها فوراً إلى الطريق أمامها في كل مرةٍ يلتفت فيها إليها بوسواسٍ قهري قاتل، يتفحص وجودها بجانبه بطريقة مضطربة وكأنها قد تختفي. ابتلعت ريقها بصعوبة، متسائلةً في سرها بمرارة: لماذا أصبحت تخافه الآن أكثر من ذي قبل؟ لا تعلم لِمَ، ربما لأنها أصبحت تعلم جنونه وأفكاره المظلمة... تعلم أنه الآن أصبح قنبلةً موقوتة مسدودة الفتيل قد تنفجر بوجهها إذا لم تحسن إمساكها. كانت ترغب في التحدث، تود أن تكسر هذا الصمت الخانق الذي يملأ السيارة، لكن غريزة الخوف تحجمها بعد أن أمرها بالبيت بقسوةٍ ألا تتحدث دون أن يأذن لها. غير أن أفكار عقلها كانت تهمس لها بوضوح أن هذه الساعات بالذات هي







