Share

في عرين الوحش

Author: Yeonhee
last update publish date: 2026-06-30 18:09:47

الفصل الثالث :- جزء الثاني

عمَّ الذعر والهرج أرجاء المقصورة الضخمة، وتعالت همسات الركاب الخائفة يتساءلون عن سبب هذا التوقف المفاجئ والصادم على مدرج الإقلاع. وقبل أن تستوعب أماندا ما يحدث حولها أو تستجمع شتات عقلها المذعور، فُتح باب الطائرة الأمامي بعنف وسلطة تامة، ودخل منه ثلاثة من رجال كلاي الأشداء، ببنيتهم الضخمة المرعبة، وبذلاتهم السوداء الأنيقة ونظراتهم الميتة القاسية التي لا تعرف الرحمة أو التراجع. ساروا بخطوات ثقيلة، منتظمة ومهيبة وسط الممر الضيق، وعيونهم الحادة مصوبة نحو هدف واحد محدد لا يخطئونه.

توقفت أقدامهم الثقيلة تماماً عند صف مقعدها. انحنى أحدهم نحوها بجسده الفولاذي، وقال بنبرة منخفضة لكنها حادة وباردة كالموت، تفيض بالسطوة والوعيد المطبق الذي لا يقبل النقاش:

"آنسة أماندا.. تفضلي معنا بهدوء ودون إثارة أي فوضى."

دارت الأرض بأماندا، وتجمدت الأنفاس في صدرها تماماً وهي تُجبر على النهوض تحت وطأة نظراتهم المحذرة. سحبوها من الطائرة أمام ذهول الركاب وطاقم الطيران العاجز عن التدخل، لتُقاد مجبرة عبر مهبط الطائرات وتُدخل قسراً إلى جوف السيارة المصفحة السوداء التي انطلقت مخترقة عتمة الليل كصندوق حديدي يملكه الشيطان، يبتلع خلف أبوابه المغلقة ما تبقى من حريتها وكبريائها.

طوال الطريق الموحش والسريع، ظلت أماندا متمسكة ببقايا كبريائها الجريح وقوتها الزائفة، وعيناها الخضراوان تشتعلان بمزيج حارق ومشتعل من التوتر والقلق والغضب الأعمى. التفتت بنظرات حادة ومليئة بالسم نحو المقعد الأمامي، حيث كان يجلس "إيفان"، الذراع اليمنى لكلاي والرجل الذي طالما تعاملت معه في صفقات العمل السابقة وتعرف خبايا سطوته وجبروته.

"إلى أين تأخذونني يا إيفان؟" خرقت نبرتها الحادة سكون السيارة القاتل، وأكملت بهستيريا مفرطة حين لم يعرها أي اهتمام: "تحدث أيها اللعين! إلى أين تذهبون بي كالمجرمين المصفدين؟"

لم يصدر عن إيفان أي حراك، وظلت عيناه تنظران إلى الطريق المظلم بجمود جليدي أثار حنقها وجنونها، إلى أن بدأت ملامح الطريق تتغير تماماً وتتحول نحو المرتفعات، وظهرت من بعيد عبر النوافذ أسوار القلعة الحجرية الضخمة والفاخرة التي تسكنها عائلة "كلاي" العريقة في عالم الإجرام. هنا، وقعت الحقيقة القانونية والإجرامية على رأسها؛ إنهم يسوقونها إلى عقر داره، إلى حصنه المنيع الذي لا يخرج منه داخلٌ حياً إلا بإذنه.

صرخت بغضب عارم وجنون وهي تضرب المقعد الجلدي بقبضتها المرتعشة:

"أنت وسيدك مجانين! إن كان سيدك اللعين يظن أنني سأخضع وأوقع على وثيقة زواج منه فهو واهم وغبي! لن أوقع، ولن أمنحه هذا الشرف القانوني ما حييت، وإذا فعل ذلك بالإجبار والتهديد الليلة، سأرفع دعوى خلع في الصباح وأسحب هيبته في المحاكم، أتفهم؟.. سأخلعه!"

وفجأة، انطلقت من فم إيفان ضحكة خافتة، باردة ومليئة بالسخرية اللاذعة والتهكم المرير. التفت برأسه قليلاً إلى الخلف لينظر إليها بعينين ميتتين خاويتين من أي تعاطف، وقال بنبرة متهكمة متباطئة:

"قانونياً؟ وثيقة زواج وتوقيع؟ وتخلعيه؟! أفيقي من أوهامكِ يا أماندا! ما خطبكِ الليلة؟ هل نسيتِ في أي عالم تعيشين ومن هو الرجل الذي تتحدثين عنه؟ لا أحد في هذه البلاد بأكملها، لا قاضٍ ولا مسؤول، يجرؤ على مطالبة الزعيم كلاي بوثيقة زواج أو عقد مدني تافه لامرأة قال بلسانه وفي مجلس كبار الحلفاء إنها أصبحت له شرعياً وعُرفاً. لقد تم الأمر وانتهى بينه وبين والدكِ في مكالمة هاتفية واحدة لم تستغرق دقيقة. والدكِ هو وليّ أمركِ وموكلكِ الوحيد أمام القانون السفلي وقوانين العائلات، وقد قال له بلسانه وبصوت منكسر: (زوجتكَ ابنتي).. وبناءً على ذلك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف يا عزيزتي. مَن ذا الذي سيهتم في عالمنا المظلم بتوقيع امرأة أو اعترافها؟ أنتِ منذ تلك اللحظة زوجته رسمياً وسيدتهم أمام الملأ، شئتِ أم أبيتِ.. ومن كل عقلكِ، مَن القاضي الانتحاري والأحمق الذي سيمشي لكِ بمعاملة خلع ضد كلاي؟ هاا؟"

وقعت الكلمات فوق رأسها كالصاعقة المدمرة، جردتها الصدمة من القدرة على الرد أو حتى التنفس، وشعرت بأن الأرض تهتز وتنهار تحت مقعدها. لم يترك لها الوحش حتى فرصة الرفض أو المواجهة القانونية؛ لقد سلبها إرادتها تماماً.. ووالدها باع حريتها وسلم رقبتها لذلك الشيطان بدم بارد. إنها حقاً في كارثة مطلقة، والأنشوطة تلتف حول عنقها.

بينما كانت السيارة تعبر البوابات الحديدية العملاقة والمهيبة للقلعة، والتي كان يحيط بها جيش مدجج من الحراس المسلحين الأشداء، هدأ إيفان قليلاً، والتفت إليها مجدداً وتحدث بنبرة منخفضة حملت تحذيراً صادقاً ونادراً نابعاً من ماضيهما:

"انظري يا أماندا.. سأنصحكِ نصيحة صادقة لأجل الأيام السابقة والعمل الذي كان بيننا؛ فقد كنتِ لي يوماً صديقاً جيداً وشريكاً ذكياً في العمل. أنتِ من اليوم فصاعداً تحملين اسم زوجة الزعيم كلاي. وهو.. ليس الشخص الذي يفضل أن تتغابي معه، أو تختبري حدود صبره وقوانينه. خروجكِ من هذا القصر اللعين بعد اليوم لن يكون إلا في حالة واحدة فقط... بالكفن، بموتكِ وتوقف أنفاسكِ. فلا تجعليه يفعلها وينهي حياتكِ لأسباب غبية كتلك التي تسببتِ بها اليوم."

توقفت السيارة في الباحة الداخلية الفسيحة المرصوفة بالحصى. نزلت أماندا وهي تشعر بثقل الأجواء الخانقة والبرودة التي تنهش عظامها. كان القصر يعج بالحركة والهمس، كأنه خلية نحل عائلية محصنة؛ رأت عيوناً كثيرة وغريبة تنهشها دون رحمة، تترصد خطواتها بكراهية وفضول من الشرفات العالية والنوافذ المعتمة من خلف الستائر المخملية الثقيلة.

كان الجميع هناك في الاستقبال المظلم؛ أبوه الزعيم القديم بنظراته الصارمة، شقيقه وزوجته التي تتفحصها باستهزاء، شقيقته الشابة ذات السبعة عشر عاماً التي تنظر إليها برعب، وحتى امرأة غريبة وولد ذو سنوات عشر.. قصر كامل يعج بالخدم والحرس، وجميعهم يراقبونها ويتفحصونها كأنها شيء غريب ودخيل، كأنها مخلوق فضائي ملوث نزل ببيتهم، وكأنهم كانوا ينتظرون وصولها المقيد منذ مدة.

لكن كلاي لم يكن موجوداً بين مستقبليها؛ لم يمنحها شرف رؤيته أو استقبالها، بل تركها تواجه الدخول لبيته بمفردها كعقوبة مبدئية أولى لكسر كبريائها وعنادها أمام عائلته. لعنت في سرها وهي تشعر بتوتر يمزق أحشاءها، وتتساءل عما ستقول لهم، ومَن هي بصفتها ماذا هنا في وسط بيتهم وبيئتهم المتزمتة!

تقدمت والدته العجوز نحوها بخطوات حذرة، بطيئة يملؤها الخوف والارتباك الفاضح. كانت المرأة العجوز ترتعد سراً من اسم ابنها وبطشه، ولا سيما وهي تسمع صوته الغاضب الآمر يرن بأذنها عبر الهاتف للآن. وأول ما وطئت قدما أماندا عتبة القصر الداخلية، تبسمرت الأم في مكانها، وألجمت الصدمة لسانها تماماً وهي تتفحص تفاصيل هذه الفتاة الدخيلة بذهول، استهجان، وصدمة شديدة.

كانت أماندا تقف بكبرياء برغم كل شيء، ترفع رأسها بعلو وكأن المكان ملكها، ووالدته هي الدخيل الجديد هنا. تقف بجسدها ذاك الطويل المميت والمنحوت بدقة تخطف الأنفاس، وبشرة حنطية لافتة زادتها جاذبية متمردة بلمسة "التان" الدافئة التي تعكس نمط حياة يتحلل من كل القيود، فلا تأخذ المرأة هذا اللون البرونزي إلا إذا بقيت لساعات شبه عارية تحت أشعة الشمس... وعيناها الخضراوان مع الكحل الأسود الذائب كانتا جميلتين بشكل سام وآسر، تحملان ملامح خبيثة وماكرة اعتادت على إدارة المؤامرات. وينسدل على كتفيها شعر طويل متمايل بلون بني فاتح يميل إلى الشقار، يتدلى بغزارة مفرطة حتى أسفل ظهرها كشلال من الضوء الساحر. لم تكن مجرد امرأة عادية؛ بل كان مظهرها بأكمله يصرخ بالجرأة الصادمة في هذا البيت المحافظ، بملابسها الفاضحة التي لا تستر الكثير من جسدها، ووشمها الأسود الضخم والمعقد الذي يمتد ليلتف حول يدها اليمنى بالكامل، بينما كانت تمسك سيجارتها بجرأة وتدخن بوقاحة دون احترام للموجودين، نافثةً دخانها المستفز في أرجاء الصالون الفخم دون استئذان.

صُدمت الأم وغرقت في صمت مذهول من هذا المظهر الصارخ؛ فابنها كلاي رجل شرقي متزمت لا يطيق المرأة التي تفعل ذلك، بل هو نفسه من وضع تلك القوانين الصارمة والقاسية لنسائهم في العائلة، محجماً أنوثتهن في السواد والستر والحشمة التامة. فكيف أتى بهذه الأفعى المتمردة السامة العارية إلى عرينه المحصن؟ ماذا ينوي أن يفعل بها..

نفضت الأم ذهولها وخوفها، ومدت يديها المرتعشتين لتلقي بين يدي أماندا رزمة ملابس سوداء طويلة وساترة تماماً، ومقصاً حديدياً حاداً وبارداً. وفهمت أماندا بدقة شديدة وعقلها يغلي لماذا أمرها كلاي بذلك؛ إنه يريد قص ثورتها وتجريدها من سلاح أنوثتها. قادتها الأم صعوداً نحو الطابق العلوي عبر الدرج الرخامي لترشدها إلى غرفتها الجديدة، وهي تقول بصوت حكيم يحمل نبرة ميتة وخاضعة:

"لقد اتصل بي كلاي قبل قليل.. قال إن هناك فتاة ستأتي، هي زوجتي الجديدة، وأمرني شخصياً أن أحضر لكِ هذه الملابس الساترة وهذا المقص لتقصي شعركِ الطويل وتلتزمي من هذه اللحظة بقوانين نسائنا وحرمة بيتنا." وألقت عليها بقية قوانينهم الصارمة وقواعد البيت الجاهلة التي لم تعجب أماندا بالتأكيد بل اعتبرتها تخلفاً وجهلاً مطلقاً، ثم أكملت الأم بكل هدوء وهي تحذرها بنظرة غامضة: "وقال لي حرفياً: إذا رفضت أو فعلت أي شيء متمرد، اتصلي بي على الفور لآتي وأتصرف معها."

صمتت الأم لثوانٍ، وتراجعت خطوة عن المغادرة وتأملت وجه أماندا المخطوف الشاحب بتساؤل مرعب وبعض الفضول العائلي:

"ابني كلاي لا يتزوج مطلقاً إلا حين تحدث كارثة تهز الأرض، أو لتأكيد صفقة دموية ضخمة تمس نفوذه وسلطته.. ولا أظن أن تواجدكِ المفاجئ هنا يخرج عن هذا الإطار المظلم، لكن أظن سرعة حدوث الأمر وجلبكِ بهذه الطريقة توحي أن شيئاً سيئاً ومرعباً قد حدث بالخارج.. أخبريني، ماذا يحدث بالتحديد بينه وبين عائلتكِ؟"

لم تجب أماندا على تساؤلاتها؛ بل خطفت رزمة الملابس السوداء والمقص الحديدي بعنف شديد من يدها، ودون أن تنطق بحرف واحد أو تمنحها أي اعتبار، دفعت الباب الخشبي الثقيل للغرفة وأغلقته بقوة هائلة في وجه والدته، تاركةً إياها بالخارج منصعقة ومذهولة من هذه الوقاحة المفرطة.

استندت أماندا بظهرها المنهك إلى الباب المغلق، وهي تلعن في سرها وتتنفس بصعوبة بالغة وضيق يطبق على صدرها. نظرت حولها إلى الغرفة الفاخرة ذات الأثاث الكلاسيكي الداكن والتي بدت لها في هذه اللحظة كزنزانة ملكية محصنة ومطبقة على أنفاسها؛ كانت الأفكار السوداوية تتلاطم في عقلها المذعور، وجدران القلعة بدأت تضيق عليها ببطء، وهي لا تعلم حتى هذه اللحظة كيف ستواجه هذا المسخ الطاغية عندما يأتي، وكيف ستتصرف حينها لتنجو بحياتها، وكيف ستقبل بالأساس حياة كهذه مع جاهل متزمت مثله وفي بيئة خانقة ومتخلفة كتلك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشُق في ظُلمة المافيا    لا تتركني

    الفصل الأربعون: القسم الثالث بينما كانت دماء المجزرة لا تزال تسيل في تلك القاعة الملعونة، كانت أماندا تتنفس هواء المكسيك العليل براحة وهدوء وسط أشجار النخيل المرتفعة التي تعزل القصر عن العالم، تحيطها هالة من السكون المخادع. كانت تنظر إلى المسبح الفيروزي الساحر الذي تنعكس على صفحة مائه الشفافة ظلال الأضواء، وكأن الطبيعة بأسرها تواطأت لتخفي عنها هول الفظائع التي لوثت عالمها. كان نسيم الليل البارد يداعب خصلات شعرها وعنقها الطويل، بينما تنتشر الإضاءة الذهبية الخافتة لتمنح المكان توهجاً دافئاً يبعث السكينة في الروح. التفتت مجيبة عن سؤال عم جنكيز بتوتر؛ فلغتها الإسبانية لم تكن جيدة بالقدر الكافي، ولطالما بذلت مجهوداً في تعلمها دون أن تنجح، لكنها كانت تعرف القليل من الجمل الأساسية للتواصل مع من حولها. وتبا كم كانت تجد لغتهم الإسبانية مثيرة. وذلك ما أعاد أماندا بصرها لتستكشف تفاصيل المكان من الداخل، فقد كان القصر يعج بعبق الثراء والترف الكلاسيكي من نقوش وزخارف ذهبية تغطي الجدران، تُتوّجها جداريات كلاسيكية تروي حكايات وفنوناً عريقة، وتتدلى من الأسقف العالية ثريات كريستالية ضخمة تن

  • عشُق في ظُلمة المافيا    عاصفة الرماد

    الفصل الاربعون :القسم الثاني. كانت ليلة قمرية تتسربل بثوب أسود أنيق.. تتهادى على وجوه الحاضرين ابتساماتٌ مدروسة باتقان، لا يعلمون أن الليلة ستتحول إلى ملحمة مطعمة بشلالات الدماء. يطؤون السجاد الأحمر بترف في قاعة الاستقبال الكبرى، يتراقص حولهم الخدم بخفة، بينما تعكس الثريات الكريستالية العملاقة بريقاً ساحراً على الأرضية الرخامية. وفي ركن مكين، تقف فتاة بقمة أناقتها، تحتضن كماناً عتيقاً كأنها تحتضن قطعة من روحها، تداعب أصابعها الأوتار بحرفية ساحرة، ليخرج الصوت شجياً يملأ المكان، غير مدركة أن ألحانها الدافئة ستختتم قريباً على صدى الرصاص والشظايا...وكل الفتيات بالقاعة يحسدن ابنة هذه العائلة؛ لقد ولدت وبفمها ملعقة من ذهب لتنتقل من عز والدها لعز زوجها المستقبلي.. ابنة العائلة الأغنى بالبلاد. وفي الخارج، كانت السيارات الفارهة تتوافد الواحدة تلو الأخرى، ليترجل منها نخبة من سادة العالم صالحون وفاسدين وخارجين عن القانون؛ رجال تتدلى على صدورهم هيبة الثروة والسلطة، ترتدون بدلات مصممة خصيصاً لهم البعض برتدي التوكسيدو المصممة لهذه الحفل، الجميع تلمع أزرار أكمامهم بألماس يوازيه وميض ساعاتهم الذ

  • عشُق في ظُلمة المافيا    على عتبات الوداع

    الفصل الأربعون: القسم الأول عاد كلاي إلى غرفته في القصر، روحه الملعونة متهالكة يدفعه سكون مريب تشوبه كأوتارٍ على وشك الانقطاع ببشريته. وفي أزقة الليل الأخيرة، قبل أن تتسلل خيوط الفجر الأولى بالسماء الواسعة، فتح باب الغرفة بخطوات ثقيلة ومجهدة. كانت الغرفة غارقة في دفء خافت، تنبعث منه رائحة عطرها التي كانت الوحيدة القادرة على محو الجحيم المشتعل في جمجمته. هو اللعين، المسخ الذي لا يرمش له جفن وهو يقضي على حياة الناس كعزرائيل ويقرر مصائرهم ظن انه الاله، كان يتسلل إلى السرير كطفل خائف كل ما يتمنى ان يكون بجوارها.. بتمهل شديد كي لا يوقظها دون ان يخلع حتى حذائه دخل لهناك. لم يكن يملك أدنى رغبة في أي شيء سوى أن يدفن رأسه في أحضانها؛ فظلام عقله وحجم تعفن روحه الذي يعتصره كانا أكبر من قدرته على الاحتمال هو ايضا بشر. جذَبها إليه مباغتة، وعصر جسدها بين ذراعيه الضخمتين بقسوة حنونة وموجعة دون وعي لتخيله ان الغد لن تكون هنا بسريره، يدفن وجهه في منحنى عنقها ويتنشق عبقها بجموح يائس، وكأنه يحاول أن يبتلعها ليحميها من العالم، ليؤكد لجنون افكاره أنها لا تزال حية بين يديه ولم تفلت منه. استيقظت أماندا

  • عشُق في ظُلمة المافيا    ولادة مسخ

    الفصل التاسع والثلاثون :القسم الثالث. كانت رائحة الدفئ من الحطب المحترق يفوح بالبيت. تجلس سيلين على طرف الأريكة، تدس وجهها بين كفيها المرتعشتين، ودموع الندم تحرق وجنتيها. كانت تحدق بالمرأة المسنة وهي تتقدم نحو إيفان بابتسامة حنونة، وتقدم له كوباً من البرتقال المركز بعد ان قدمت لها، وهب تهمس له أربكت الصمت: «أهذه هي؟ إنها جميلة جداً يا بني...» ابتسمت سيلين باحراج؛ فالسكون في المكان كان قاتلاً وجعل الهمس مسموعاً. أمالت رأسها نحو النافذة تاركة عينيها تتأملان إيفان القابع في زاوية الغرفة، يعاين سلاحاً بتركيز شديد. كانت تلوم سذاجتها الملعونة، وعلى ضعفها الذي قادها للهاوية. تذكرت كيف منحته روحها وجسدها بكامل الحب والعاطفة، ظانة أنه ملاذها... لتكتشف أنها لم تكن سوى دمية استخدمها ليرد الدين لعائلتها، وليغرس خنجره المسموم في ظهرهم. تذكرت ذلك اليوم المظلم جثت تحت قدميه تبكي وتتوسل ألا يفضحها، ألا يدمر ما تبقى من شرفها أمام عائلتها، وكيف رد عليها بجمود يقطع الأنفاس ليردّ عنها الخوف: "سأقول إنني أخذتك بالقوة والغصب". كان يتصرف كأنه أعتى أعدائها، لكن حين طالت يدها السلاح في لحظة جنون لتنهي

  • عشُق في ظُلمة المافيا    جنازة مؤجلة

    الفصل التاسع والثلاثون:القسم الثاني «يا له من مجنون.. والدك.. بمَ يفكر بحق السماء؟»همست أماندا بها وهي تجلس على طرف السرير، تضع يدها فوق بطنها وعيناها معلقتان بأثره عند الباب.. عمق نظراته التي أكلتها وهو يتأملها كل ذلك الوقت دون أن يخرج صوت أنفاسه حتى. تساءلت بحزن وثقل يطبق على صدرها: لمَ يفعل ذلك بنفسه؟ لمَ يهرب منها؟ لمَ يعذب نفسه بهذه الطريقة؟ أيعاقبها أم يعاقب روحه؟ لا تفهم.أحزنها حاله؛ وقوفه فوق رأسها ومغادرته الصامتة، وعدم اقترابه إلا حين نامت؛ تمنت لو أنها فتحت عينيها وأمسكت بيده وجذبتْه بجوارها. تذكرت ملامحه المجهدة، ووجهه الخالي من الحياة، وحزنه المكتوم طوال الوقت، فانتابتها غصة حارقة. هو يتآكل داخلياً، يصارع جحيمه وجنونه وحده في الأسفل... وقفت على قدميها بحسم؛ فلا معنى للبقاء هنا بمفردها تتآكل بالأسئلة بينما هو اختار عزلته. كانت تحبه بالقدر الذي يجعلها لا تخاف ظلامه، بل تفهمه؛ تدرك أن القسوة التي يُظهرها ليست سوى درعٍ ثقيل يغطي روحاً تتآكل وجعاً، وأن بلسمه الوحيد يقبع بين كفيها. قررت الذهاب إليه لانتشاله من جحيم أفكاره، أن تتنازل عن كل كبرياءها، وتقتحم جدرانه لتسترد الأ

  • عشُق في ظُلمة المافيا    نار وثلج

    الفصل التاسع وثلاثون: القسم الأولسقط قلب أماندا في الهاوية من تلك الفكرة التي عصفت برأسها... كانت تتوسله بعينيها المرتعبتين أن ينطق، أن يتكلم، أن يطمئنها، منتظرة منه كلمة واحدة تهدئ من روعها..تطمئن روحها.. لكنه كان يحدق بها وكأنها هي نفسها قد ماتت! نهض كلاي من مكانه بعد أن تطمأن أنها استيقظت ببرود قارص وملامح غاضبة، نهض متجاهلاً تضرعها ورفض أن يخبرها أنه بخير؛ أرادها أن تكتوي بالنار التي التهمت قلبه تشعر بما شعر به اليوم بسببها، ثم غادر الغرفة بلا أي تعليق دون أن يلقي عليها حتى نظرة واحدة!نهضت خلفه بذعرٍ وهستيريا، تنزع إبرة من وريدها وهي تثبت عينيها بذهول على بقع دمه على الكرسي والأرض.. سرعان ما همت الطبيبة بالدخول لتهدئتها، تنهدت أماندا براحة وهي تنطق بنبرة مهدئة أزاحت عن كاهل أماندا جبالاً من الخوف:«طفلكِ بخير ولم يمسه سوء... لكن ضغطكِ مرتفع جداً. ستأخذين إبرة مميعة للدم من الآن وصاعداً، وستلتزمين بجرعات يومية وأدوية مخصصة لسلامة الجنين.»استكانت أماندا وأطلقت زفيراً حاراً من أعماقها... كل شيء بخير، صغيرها ما زال هناك بأحشائها. مسحت وجهها المجهد، وتلمست الجرح بزاوية جبينها الناتج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status