Share

لقاء في الظلام

Penulis: Yeonhee
last update Tanggal publikasi: 2026-06-25 02:02:41

الفصل الثاني: لقاء في الظلام

لم يتحرك من مكانه شبرًا واحدًا، ولم تصدر عنه أي إيماءة توحي بالارتباك أو التوجس. وظل مستندًا بكل ثقله المادي والمعنوي وبظهره العريض والضخم إلى الأريكة المخملية البيضاء التي تتوسط الصالون، باسطاً قدميه براحة وثقة مطلقة يعكسان كبرياءً طاغياً وجبروتاً متأصلاً في روحه. كانت الغرفة بأكملها غارقة في عتمة دامسة وخانقة، سواد حالك لا يكسره سوى ذلك الضوء الشاحب المنبعث من عمود إنارة الشارع الخارجي، والذي كان يتسلل على استحياء عبر شقوق الستائر الحريرية الثقيلة. كان يحيط نفسه بهالة مقدسة من البرود والسيطرة، وكأنه لا يجلس في شقة امرأة غريبة اخترق حصونها المنيعة وأنظمتها الأمنية المعقدة لتوّه، بل كأنه يجلس في عرينه الآمن، يصدر أحكام الإعدام بدم بارد، ويفسد البلاد والعباد دون أن ترمش له عين.

ابتلعت أماندا ريقها بصعوبة بالغة، وشعرت بغصة حارة تجرح حلقها الجاف، في حين كان قلبها الثائر يقرع جدران صدرها بعنف كطبول حرب تنبئ بنهايتها المحتومة. تجمدت يدها فوق مقبض الباب الخشبي الثقيل الذي أغلقته خلفها لتوها، وظنت لثوانٍ مرت كأنها دهور أن أطرافها قد شُلت تماماً، وأن الدماء قد تراجعت في عروقها من هول المفاجأة الكابوسية. لكن كبرياء أماندا الشرس، تلك القوة العاتية المزروعة عميقاً في جيناتها والتي صُقلت بعناية وقسوة عبر سنوات طويلة من العيش في مستنقع الدم والمؤامرات، لم تسمح لها بالانهيار أو السقوط أمام هذا الوحش البشري.

أخذت نفسًا عميقًا وطويلاً، محاولةً بكل ما أوتيت من إرادة أن تهدئ من روع نبضات قلبها المضطربة التي تكاد تُسمع بوضوح في أرجاء الغرفة الساكنة. رفعت ذقنها بتحدٍّ وصمود، ثم تقدمت بخطى وئيدة، وثابتة – أو هكذا حاولت جاهدة أن تظهر أمام نظراته المخيفة – وتوجهت مباشرة نحو المنضدة الجانبية لتشعل إضاءة أباجورة خافتة ذات لون أصفر دافئ، لترسم ملامحه وتنهي لعبة المناورة في الظلام.

انعكس الضوء الأصفر على بنيته الجسدية الضخمة المهيبة، وعلى بذلته الرسمية السوداء الفاخرة التي يبدو أنه لم يجد وقتاً لتغييرها منذ ذلك الاجتماع العاصف الذي شهده الجميع بسبب مخططها. وعلى غير العادة الصارمة التي عُرف بها، لم يكن شعره الأسود الفاحم مصففاً بشكل مثالي، بل كان مبعثراً بفوضوية؛ وبدا واضحاً كالشمس أنه مرر أصابعه الطويلة فيه مراراً بعصبية خفية وضيق في محاولة لتهدئة روعه. فاليوم الطويل والمرير الذي مرّ به بعد ذلك الزلزال السياسي الذي تسببت هي به كان قاهراً، تلاطمت فيه الصراعات وهددت بانهيار إمبراطوريته. نظر إليها بعينيه الصقريتين الحادتين، وعميقاً في حدقتيهما كانت تشتعل نيران مستعدة لإحراق الأخضر واليابس، لكن تقاطيع وجهه ظلت صخرية، خالية تماماً من أي تعبير يوحي بالانفعال السريع.

امتدت يده الكبيرة المليئة بالوشوم السوداء والرموز الغامضة التي تمتد من معصمه وتختفي تحت أكمام قميصه، ببطء نحو الجيب الداخلي لسترته. وتحت نظرات أماندا الحذرة، أخرج قداحته الذهبية الفخمة ذات النقوش العتيقة. نقر عليها بسبّابته لتخرج منها شعلة زرقاء متراقصة أضاءت تفاصيل وجهه القاسي لثوانٍ معدودة، ثم نفث زفرة حارة مليئة بالدخان ونطق بنبرة صوته الرجولية الرخيمة المليئة بوعيد مبطن يثير القشعريرة:

"أهلاً.. أبو الشباب."

خرجت الكلمة من بين شفتيه ببرود تام وسخرية لاذعة، حيث كان يتعمد في كل مواجهة استخدام ذلك اللقب المستفز، لأنه يعلم جيداً بذكائه الخبيث كم يغیظ أنوثتها الكامنة التي تخفيها خلف دروعها، وكم يستفز كبرياء امرأة فرضت سطوتها على كبار رجال المافيا بمن فيهم والدها شخصياً.

ارتسمت على شفتي أماندا ابتسامة ساخرة وبرود مصطنع أتقنت تمثيله ببراعة، على الرغم من أن نبرة صوته المظلمة جعلت قشعريرة باردة تسري في كامل عمودها الفقري. تقدمت خطوة أخرى بثبات نحو المقعد الجلدي المقابل له تمامًا، وجلست واضعةً قدمًا فوق الأخرى بكبرياء، ومخرجةً سيجارة من علبتها الفضية. أشعلتها بجرأة وتحدٍّ صارخ، ونفثت دخانها الرمادي الكثيف في الهواء باتجاه وجهه مباشرة، ثم نظرت إلى عمق عينيه وقالت بنبرة متهكمة حادة:

"لم أكن أعلم أن الزعيم العظيم، صاحب النفوذ الكاسح، يمكن له أنْ يترك حلفاءه الغاضبين في قاعة الاجتماعات يتخبطون ليحموا مصالحهم، ويترك المرأة التي خانت عائلتها لأجله تُذبح بتلك الطريقة الدموية أمام الملأ وعيونها تتوسل إليك لتظهر وتحميها.. أعلم أنك تركت الرجل الذي بعمر والدك وشريكك بالعمل دون أي تبرير، بينما الدماء ما زالت تسيل أمام عتبات قصره وهو يُجبر على نحر زوجته الخائنة.. وأن تترك خطيبتك العزيزة تبكي بانهيار بعد أن كُسِرت وفُضحت أمام الجميع دون أن تملك الشجاعة للاعتذار منها.. لا بل وتأتي أنت إلى هنا.. لي أنا!"

استجمعت أنفاسها وتابعت بنبرة أكثر حدة وهي تنفث الدخان بين كل جمله:

"أهذا أنت حقاً؟... الزعيم الذي يرتعد الجميع لمجرد سماع اسمه... تجلس هنا هارباً تختبئ في شقتي كاللصوص؟... قل لي يا كلاي.. ماذا تفعل هنا بالتحديد؟. هل ضاقت بك بيوت الدعاره خاصتك وجئت لتجلس في بيتي؟... أم أنك جئتني تريدني أن أعلمك كيف تتصرف كرجل يتحمل عواقب أفعاله ؟"

ساد صمت خانق وثقيل، لم يكن يقطعه سوى أنفاس أماندا المتلاحقة وطقطقة رماد سيجارته.

خلال تلك الثواني الرهيبة، لم تتحرك في وجه كلاي الصخري أي عضلة، ولم يبدِ أي غضب تجاه كلماتها القاسية والمهينة التي كانت كفيلة في عرف المافيا بإنهاء حياة عائلات بأكملها. ظلت ملامحه جامدة، لكن عينيه الصقريتين كانتا تتسعان ببطء مرعب، وتتحولان تدريجياً إلى جمرتين تشتعلان بنار سادية قاتلة. أمال رأسه إلى الجانب قليلاً، بينما بدأت عروق عنقه وجبينه تبرز وتنتفخ بشكل مخيف تحت جلده الموشوم، دلالة صارخة على الوحش الكاسر الذي يحاول بكل قوته لجمه وتقييده في داخله بعد أن ضربت كلماتها كبرياءه. كان يعلم جيداً أنها تمتلك لسان أفعى تلدغ به الآخرين، لكنه لم يتخيل أن تتجرأ وتتحدث معه هو بالذات بهذه الوقاحة. ألم تدرك هذه الغبية بعد أنه يعاني من نزعة سايكوباتية واضطراب حاد في التحكم بالغطرسة والسيطرة؟ ألم تستوعب أنه قد ينهيها الآن دون أن يرف له جفن، ولسوء حظها، لا يوجد أحد هنا لينقذها من بين يديه؟

بدل أن يصرخ بغضب، انقبضت زوايا شفتيه ببطء شديد. أجل، لقد نجح في السيطرة على شياطينه في هذه اللحظة، لكن ذلك الهدوء لن يطول. ارتسمت على وجهه القاسي ابتسامة باردة مليئة بالشر المحض والتوعد، ابتسامة صياد محترف يستمتع بتخبط فريسته التي تعتقد واهمة أنها أصابت منه مقتلاً. انحنى بجسده الضخم إلى الأمام ببطء واضعاً مرفقيه القويين على ركبتيه ليقترب من مساحتها الخاصة، فأصبح قريباً منها بما يكفي لتستنشق رغماً عنها رائحة عطره الفاخر الممتزج بالتبغ المركّز بطريقة سامة.

أطلق ضحكة خافتة عميقة وباردة خرجت من أعماق صدره العريض، ضحكة سوداء اهتزت لها أركان الصالون، ثم نظر مباشرة إلى عمق عينيها الخضراوين وقال بفحيح مرعب:

"أتجرأين... ماذا قلتِ لتوكِ؟ تعلمين مَن وكيف يتصرف كرجل؟ ومن أنتِ أصلاً لتتحدثي عن الرجولة؟ أيتها العاهرة المسترجلة.. هل تعتقدين في عمق عقلكِ الصغير أن تلك المرأة التي نُحرت كالنعاج تهمني؟ لقد استخدمتُ جسدها لآخذ ما أريد، وعندما انتهت فائدتها، جعلتُ زوجها المغفل ينحرها بيده ليخلصني للأبد من هوسها الغبي بي.. هل اعتقدتِ أنني سأبكي عليها؟ وخطيبتي تلك؟ هي ليست في النهاية إلا صفقة تجارية بحتة، ألقيتُ بها وبأوراقها في سلة المهملات بمجرد أن انتهت مصلحتي الكبرى مع عائلتها ونلتُ مرادي."

ثبت نظراته القاتلة عليها، وتابع بصوت منخفض مليء بالسطوة:

"أماندا.. في عالمي، أنتن النساء كالأحذية تماماً، أجرب كل أنواعها، وأعتمد في النهاية تلك التي تأتي على مقاسي وتخدم طريقي. أنتن مجرد أدوات ورخيصة تنتهي بمجرد أنْ تنتهي الرغبة في داخلي. ولو كنت أرى والدكِ رجلاً حقيقياً، ما كنت لآخذ زوجته، ولو أردتُ فعل ذلك أمام عينيه لفعلت ،وهو لن يجرؤ على رمش جفنه ."

ابتسم بقذارة نهبت ما تبقى من هدوء الغرفة، ونهض من مقعده فجأة بحركة واحدة سريعة ومهيبة. وبدا طوله الفارع وعرض كتفيه وكأنه يبتلع مساحة الصالون بأكملها، ملقياً بظله الأسود الطويل فوق جسدها النحيل ككابوس يطبق على أنفاسها. خطى نحوها ببطء شديد ومدروس، وانحنى نحوها ممرراً يده الخشنة المليئة بالخواتم الفضية حول عنقها الحريري بنعومة مرعبة، ثم اشتدت قبضة يده فجأة وطوق عنقها بأكمله بقسوة، وهتف بنبرة زلزلت جدران الغرفة:

"تتحديني وتلعبي معي؟! وأنا لو أردتُ إنهاء حياتكِ الآن، لما احتجتُ لأكثر من إصبعين فقط لأكسر هذا العنق الصغير!"

اشتدت قبضته الفولاذية على عنقها؛ لم يكن خنقاً كاملاً يقطع أنفاسها للموت الفوري، بل كان إطباقاً مدروساً بعبقرية وسادية، يمنحها الأكسجين بالقطارة لتظل واعية تماماً لكل ثانية من إذلاله وبطشه بها. ظل واقفاً أمامها كالجدار الشاهق، وعيناه تلتهمان ملامح وجهها المخطوف والمتألم بمتعة متوحشة لا مثيل لها. وفجأة، وبحركة واحدة عنيفة فاجأت دفاعاتها، رفعها بكف واحدة قابضة على عنقها عن الأريكة وكأنها دمية خفيفة الوزن، ثم هبط بجسده ليجلس مكانها تماماً، ساحباً إياها معه في حركة خاطفة لتهبط بعنف وتجد نفسها جاثية أرضاً على السجادة بين قدميه المتباعدتين بكبرياء وسادية، بينما يده ما زالت ممسكة بعنقها، تجبرها على رفع رأسها رغماً عنها والنظر مباشرة إلى جحيم عينيه.

كانت وضعيتها الضعيفة بين قدميه تحمل أقصى درجات الإذلال التي تعمد بكل خبث إيصالها إلى أعماق روحها. لقد جردها من علوها وكبريائها في ثوانٍ معدودة، وجعلها تشعر رغماً عنها بضآلة حجمها أمامه. لعنت أماندا نفسها في سرها ودارت الأرض بها؛ كيف وصلت إلى هذه النقطة المأساوية؟

مرر أصابعه الطويلة الأخرى في شعره المبعثر بعصبية، محاولاً السيطرة على أفكاره السادية. كان مجهداً بحق بعد يومه العصيب الذي تسببت هي به، ورؤيتها بهذا المنظر المهين أرضاً تحت رحمته المطلقة كان شيئاً مثيراً لشيطانه الخفي. ثم انحنى بمستوى وجهها المصدوم حتى كادت أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها، وتابع بسادية:

"انظري لنفسكِ الآن جيدا بهذا المنظر الذليل.. تبدين مطيعة ومستسلمة. هل تظنين حقاً أنكِ بهذا الذكاء الخارق؟ في الحقيقة أنتِ لم تسحقي سوى نفسكِ أيتها الغبية.. لقد حفرتِ نهايتكِ بيدكِ، لكني كنت قد حذرتكِ سابقاً، وأنتِ ماذا فعلتِ؟"

تابع وعيناه تلمعان بشر مستعر:

"لم تبالي حتى لمصير والدكِ.. ذلك الرجل الذي تظنينه شيئاً مهماً في السوق، ليس في نظري سوى ورقة ذليلة، جاءني زاحفاً، متوسلاً على ركبتيه يرتعد خوفاً من أن أبيد نسله وأمحو اسمه من الوجود بعد الدمار الذي أحدثتِهِ في الصفقة. هل اعتقدتِ حقاً أن ذلك الجبان سيقف بوجهي ويحميكِ مني؟ هل تظنين أنه لو كان يملك ذرة رجولة لتركني آخذ زوجته؟"

أطلق كلاي ضحكة خافتة مليئة بالغل، وتابع وعيناه الصقريتان تلتهمان ملامح وجهها المصدومة:

"أتعلمين ماذا فعل والدكِ العظيم ليتفادى بطشي وينقذ عنقه وثروته من الإفلاس؟ لقد اقترح عليّ وبنفسه صفقة لم أكن لأرفضها أبداً.. لقد منحني وتنازل لي عنكِ أنتِ! نعم.. تنازل لي عنكِ تماماً كأي قطعة أثاث رخيصة في أروقة قصره. قدمكِ لي كهدية وجزية طاعة لينال رضائي وعفوي، أهداني إياكِ لأفعل بكِ ما أشاء، أهذا هو والدكِ الذي تفتخرين به؟ والأهم من كل هذا.. أليس هذا ما كنتِ تحلمين به في أشد خيالاتكِ المريضة، أن تكوني ملكاً لي؟"

اقترب كلاي أكثر بجسده نحوها حتى لامست شفتاه شفتيها المرتجفتين بخشونة حارقة، وهمس بفحيح مرعب وهو ينظر بأعماق روحها، يرغب بكل جوارحه في كسرها:

"الزواج منكِ يا أماندا لن يكون تحالفاً، ولا صفقة تجارية متكافئة.. بل سيكون صك عبودية تام وإذلالاً أبدياً. ستدخلين قصري وعالمي كعبدة مملوكة لي، مجردة بالكامل من اسمكِ، وثروتكِ، وكبريائكِ اللعين. سأجعلكِ تندمين وتلعنين اليوم الأسود الذي قررتِ فيه اللعب معي. ستتمنين الموت في كل ثانية ولن تجديه، وسأروضكِ وأكسر هذا اللسان السليط حتى تتوسلي لي راكعةً طلباً للعفو. أهلاً بكِ في جحيمكِ الخاص يا عزيزتي.. ولا تقولي لي يوماً إني لم أحذركِ."

أفلت عنقها فجأة وابتعد، ثم استدار ببرود كاسح وثقة طاغية، متوجهاً نحو الباب بخطوات هادئة، تاركاً إياها غارقة في صدمتها المروعة، تائهة ومبعثرة في وسط ذهولها وضياعها بعد أن أدركت بعقلها أن كبرياءها وعالمها قد سُحقا بالكامل تحت أقدامه، وأن والدها قد باعها للشيطان لإنقاذ نفسه، وتركها وحيدة تواجه مصيرها المحتوم. لكن كيف يجرؤ!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • عشُق في ظُلمة المافيا    لا تتركني

    الفصل الأربعون: القسم الثالث بينما كانت دماء المجزرة لا تزال تسيل في تلك القاعة الملعونة، كانت أماندا تتنفس هواء المكسيك العليل براحة وهدوء وسط أشجار النخيل المرتفعة التي تعزل القصر عن العالم، تحيطها هالة من السكون المخادع. كانت تنظر إلى المسبح الفيروزي الساحر الذي تنعكس على صفحة مائه الشفافة ظلال الأضواء، وكأن الطبيعة بأسرها تواطأت لتخفي عنها هول الفظائع التي لوثت عالمها. كان نسيم الليل البارد يداعب خصلات شعرها وعنقها الطويل، بينما تنتشر الإضاءة الذهبية الخافتة لتمنح المكان توهجاً دافئاً يبعث السكينة في الروح. التفتت مجيبة عن سؤال عم جنكيز بتوتر؛ فلغتها الإسبانية لم تكن جيدة بالقدر الكافي، ولطالما بذلت مجهوداً في تعلمها دون أن تنجح، لكنها كانت تعرف القليل من الجمل الأساسية للتواصل مع من حولها. وتبا كم كانت تجد لغتهم الإسبانية مثيرة. وذلك ما أعاد أماندا بصرها لتستكشف تفاصيل المكان من الداخل، فقد كان القصر يعج بعبق الثراء والترف الكلاسيكي من نقوش وزخارف ذهبية تغطي الجدران، تُتوّجها جداريات كلاسيكية تروي حكايات وفنوناً عريقة، وتتدلى من الأسقف العالية ثريات كريستالية ضخمة تن

  • عشُق في ظُلمة المافيا    عاصفة الرماد

    الفصل الاربعون :القسم الثاني. كانت ليلة قمرية تتسربل بثوب أسود أنيق.. تتهادى على وجوه الحاضرين ابتساماتٌ مدروسة باتقان، لا يعلمون أن الليلة ستتحول إلى ملحمة مطعمة بشلالات الدماء. يطؤون السجاد الأحمر بترف في قاعة الاستقبال الكبرى، يتراقص حولهم الخدم بخفة، بينما تعكس الثريات الكريستالية العملاقة بريقاً ساحراً على الأرضية الرخامية. وفي ركن مكين، تقف فتاة بقمة أناقتها، تحتضن كماناً عتيقاً كأنها تحتضن قطعة من روحها، تداعب أصابعها الأوتار بحرفية ساحرة، ليخرج الصوت شجياً يملأ المكان، غير مدركة أن ألحانها الدافئة ستختتم قريباً على صدى الرصاص والشظايا...وكل الفتيات بالقاعة يحسدن ابنة هذه العائلة؛ لقد ولدت وبفمها ملعقة من ذهب لتنتقل من عز والدها لعز زوجها المستقبلي.. ابنة العائلة الأغنى بالبلاد. وفي الخارج، كانت السيارات الفارهة تتوافد الواحدة تلو الأخرى، ليترجل منها نخبة من سادة العالم صالحون وفاسدين وخارجين عن القانون؛ رجال تتدلى على صدورهم هيبة الثروة والسلطة، ترتدون بدلات مصممة خصيصاً لهم البعض برتدي التوكسيدو المصممة لهذه الحفل، الجميع تلمع أزرار أكمامهم بألماس يوازيه وميض ساعاتهم الذ

  • عشُق في ظُلمة المافيا    على عتبات الوداع

    الفصل الأربعون: القسم الأول عاد كلاي إلى غرفته في القصر، روحه الملعونة متهالكة يدفعه سكون مريب تشوبه كأوتارٍ على وشك الانقطاع ببشريته. وفي أزقة الليل الأخيرة، قبل أن تتسلل خيوط الفجر الأولى بالسماء الواسعة، فتح باب الغرفة بخطوات ثقيلة ومجهدة. كانت الغرفة غارقة في دفء خافت، تنبعث منه رائحة عطرها التي كانت الوحيدة القادرة على محو الجحيم المشتعل في جمجمته. هو اللعين، المسخ الذي لا يرمش له جفن وهو يقضي على حياة الناس كعزرائيل ويقرر مصائرهم ظن انه الاله، كان يتسلل إلى السرير كطفل خائف كل ما يتمنى ان يكون بجوارها.. بتمهل شديد كي لا يوقظها دون ان يخلع حتى حذائه دخل لهناك. لم يكن يملك أدنى رغبة في أي شيء سوى أن يدفن رأسه في أحضانها؛ فظلام عقله وحجم تعفن روحه الذي يعتصره كانا أكبر من قدرته على الاحتمال هو ايضا بشر. جذَبها إليه مباغتة، وعصر جسدها بين ذراعيه الضخمتين بقسوة حنونة وموجعة دون وعي لتخيله ان الغد لن تكون هنا بسريره، يدفن وجهه في منحنى عنقها ويتنشق عبقها بجموح يائس، وكأنه يحاول أن يبتلعها ليحميها من العالم، ليؤكد لجنون افكاره أنها لا تزال حية بين يديه ولم تفلت منه. استيقظت أماندا

  • عشُق في ظُلمة المافيا    ولادة مسخ

    الفصل التاسع والثلاثون :القسم الثالث. كانت رائحة الدفئ من الحطب المحترق يفوح بالبيت. تجلس سيلين على طرف الأريكة، تدس وجهها بين كفيها المرتعشتين، ودموع الندم تحرق وجنتيها. كانت تحدق بالمرأة المسنة وهي تتقدم نحو إيفان بابتسامة حنونة، وتقدم له كوباً من البرتقال المركز بعد ان قدمت لها، وهب تهمس له أربكت الصمت: «أهذه هي؟ إنها جميلة جداً يا بني...» ابتسمت سيلين باحراج؛ فالسكون في المكان كان قاتلاً وجعل الهمس مسموعاً. أمالت رأسها نحو النافذة تاركة عينيها تتأملان إيفان القابع في زاوية الغرفة، يعاين سلاحاً بتركيز شديد. كانت تلوم سذاجتها الملعونة، وعلى ضعفها الذي قادها للهاوية. تذكرت كيف منحته روحها وجسدها بكامل الحب والعاطفة، ظانة أنه ملاذها... لتكتشف أنها لم تكن سوى دمية استخدمها ليرد الدين لعائلتها، وليغرس خنجره المسموم في ظهرهم. تذكرت ذلك اليوم المظلم جثت تحت قدميه تبكي وتتوسل ألا يفضحها، ألا يدمر ما تبقى من شرفها أمام عائلتها، وكيف رد عليها بجمود يقطع الأنفاس ليردّ عنها الخوف: "سأقول إنني أخذتك بالقوة والغصب". كان يتصرف كأنه أعتى أعدائها، لكن حين طالت يدها السلاح في لحظة جنون لتنهي

  • عشُق في ظُلمة المافيا    جنازة مؤجلة

    الفصل التاسع والثلاثون:القسم الثاني «يا له من مجنون.. والدك.. بمَ يفكر بحق السماء؟»همست أماندا بها وهي تجلس على طرف السرير، تضع يدها فوق بطنها وعيناها معلقتان بأثره عند الباب.. عمق نظراته التي أكلتها وهو يتأملها كل ذلك الوقت دون أن يخرج صوت أنفاسه حتى. تساءلت بحزن وثقل يطبق على صدرها: لمَ يفعل ذلك بنفسه؟ لمَ يهرب منها؟ لمَ يعذب نفسه بهذه الطريقة؟ أيعاقبها أم يعاقب روحه؟ لا تفهم.أحزنها حاله؛ وقوفه فوق رأسها ومغادرته الصامتة، وعدم اقترابه إلا حين نامت؛ تمنت لو أنها فتحت عينيها وأمسكت بيده وجذبتْه بجوارها. تذكرت ملامحه المجهدة، ووجهه الخالي من الحياة، وحزنه المكتوم طوال الوقت، فانتابتها غصة حارقة. هو يتآكل داخلياً، يصارع جحيمه وجنونه وحده في الأسفل... وقفت على قدميها بحسم؛ فلا معنى للبقاء هنا بمفردها تتآكل بالأسئلة بينما هو اختار عزلته. كانت تحبه بالقدر الذي يجعلها لا تخاف ظلامه، بل تفهمه؛ تدرك أن القسوة التي يُظهرها ليست سوى درعٍ ثقيل يغطي روحاً تتآكل وجعاً، وأن بلسمه الوحيد يقبع بين كفيها. قررت الذهاب إليه لانتشاله من جحيم أفكاره، أن تتنازل عن كل كبرياءها، وتقتحم جدرانه لتسترد الأ

  • عشُق في ظُلمة المافيا    نار وثلج

    الفصل التاسع وثلاثون: القسم الأولسقط قلب أماندا في الهاوية من تلك الفكرة التي عصفت برأسها... كانت تتوسله بعينيها المرتعبتين أن ينطق، أن يتكلم، أن يطمئنها، منتظرة منه كلمة واحدة تهدئ من روعها..تطمئن روحها.. لكنه كان يحدق بها وكأنها هي نفسها قد ماتت! نهض كلاي من مكانه بعد أن تطمأن أنها استيقظت ببرود قارص وملامح غاضبة، نهض متجاهلاً تضرعها ورفض أن يخبرها أنه بخير؛ أرادها أن تكتوي بالنار التي التهمت قلبه تشعر بما شعر به اليوم بسببها، ثم غادر الغرفة بلا أي تعليق دون أن يلقي عليها حتى نظرة واحدة!نهضت خلفه بذعرٍ وهستيريا، تنزع إبرة من وريدها وهي تثبت عينيها بذهول على بقع دمه على الكرسي والأرض.. سرعان ما همت الطبيبة بالدخول لتهدئتها، تنهدت أماندا براحة وهي تنطق بنبرة مهدئة أزاحت عن كاهل أماندا جبالاً من الخوف:«طفلكِ بخير ولم يمسه سوء... لكن ضغطكِ مرتفع جداً. ستأخذين إبرة مميعة للدم من الآن وصاعداً، وستلتزمين بجرعات يومية وأدوية مخصصة لسلامة الجنين.»استكانت أماندا وأطلقت زفيراً حاراً من أعماقها... كل شيء بخير، صغيرها ما زال هناك بأحشائها. مسحت وجهها المجهد، وتلمست الجرح بزاوية جبينها الناتج

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status