Share

لقاء في الظلام

Penulis: Yeonhee
last update Tanggal publikasi: 2026-06-25 02:02:41

الفصل الثاني: لقاء في الظلام

لم يتحرك من مكانه شبرًا واحدًا، ولم تصدر عنه أي إيماءة توحي بالارتباك أو التوجس. وظل مستندًا بكل ثقله المادي والمعنوي وبظهره العريض والضخم إلى الأريكة المخملية البيضاء التي تتوسط الصالون، باسطاً قدميه براحة وثقة مطلقة يعكسان كبرياءً طاغياً وجبروتاً متأصلاً في روحه. كانت الغرفة بأكملها غارقة في عتمة دامسة وخانقة، سواد حالك لا يكسره سوى ذلك الضوء الشاحب المنبعث من عمود إنارة الشارع الخارجي، والذي كان يتسلل على استحياء عبر شقوق الستائر الحريرية الثقيلة. كان يحيط نفسه بهالة مقدسة من البرود والسيطرة، وكأنه لا يجلس في شقة امرأة غريبة اخترق حصونها المنيعة وأنظمتها الأمنية المعقدة لتوّه، بل كأنه يجلس في عرينه الآمن، يصدر أحكام الإعدام بدم بارد، ويفسد البلاد والعباد دون أن ترمش له عين.

ابتلعت أماندا ريقها بصعوبة بالغة، وشعرت بغصة حارة تجرح حلقها الجاف، في حين كان قلبها الثائر يقرع جدران صدرها بعنف كطبول حرب تنبئ بنهايتها المحتومة. تجمدت يدها فوق مقبض الباب الخشبي الثقيل الذي أغلقته خلفها لتوها، وظنت لثوانٍ مرت كأنها دهور أن أطرافها قد شُلت تماماً، وأن الدماء قد تراجعت في عروقها من هول المفاجأة الكابوسية. لكن كبرياء أماندا الشرس، تلك القوة العاتية المزروعة عميقاً في جيناتها والتي صُقلت بعناية وقسوة عبر سنوات طويلة من العيش في مستنقع الدم والمؤامرات، لم تسمح لها بالانهيار أو السقوط أمام هذا الوحش البشري.

أخذت نفسًا عميقًا وطويلاً، محاولةً بكل ما أوتيت من إرادة أن تهدئ من روع نبضات قلبها المضطربة التي تكاد تُسمع بوضوح في أرجاء الغرفة الساكنة. رفعت ذقنها بتحدٍّ وصمود، ثم تقدمت بخطى وئيدة، وثابتة – أو هكذا حاولت جاهدة أن تظهر أمام نظراته المخيفة – وتوجهت مباشرة نحو المنضدة الجانبية لتشعل إضاءة أباجورة خافتة ذات لون أصفر دافئ، لترسم ملامحه وتنهي لعبة المناورة في الظلام.

انعكس الضوء الأصفر على بنيته الجسدية الضخمة المهيبة، وعلى بذلته الرسمية السوداء الفاخرة التي يبدو أنه لم يجد وقتاً لتغييرها منذ ذلك الاجتماع العاصف الذي شهده الجميع بسبب مخططها. وعلى غير العادة الصارمة التي عُرف بها، لم يكن شعره الأسود الفاحم مصففاً بشكل مثالي، بل كان مبعثراً بفوضوية؛ وبدا واضحاً كالشمس أنه مرر أصابعه الطويلة فيه مراراً بعصبية خفية وضيق في محاولة لتهدئة روعه. فاليوم الطويل والمرير الذي مرّ به بعد ذلك الزلزال السياسي الذي تسببت هي به كان قاهراً، تلاطمت فيه الصراعات وهددت بانهيار إمبراطوريته. نظر إليها بعينيه الصقريتين الحادتين، وعميقاً في حدقتيهما كانت تشتعل نيران مستعدة لإحراق الأخضر واليابس، لكن تقاطيع وجهه ظلت صخرية، خالية تماماً من أي تعبير يوحي بالانفعال السريع.

امتدت يده الكبيرة المليئة بالوشوم السوداء والرموز الغامضة التي تمتد من معصمه وتختفي تحت أكمام قميصه، ببطء نحو الجيب الداخلي لسترته. وتحت نظرات أماندا الحذرة، أخرج قداحته الذهبية الفخمة ذات النقوش العتيقة. نقر عليها بسبّابته لتخرج منها شعلة زرقاء متراقصة أضاءت تفاصيل وجهه القاسي لثوانٍ معدودة، ثم نفث زفرة حارة مليئة بالدخان ونطق بنبرة صوته الرجولية الرخيمة المليئة بوعيد مبطن يثير القشعريرة:

"أهلاً.. أبو الشباب."

خرجت الكلمة من بين شفتيه ببرود تام وسخرية لاذعة، حيث كان يتعمد في كل مواجهة استخدام ذلك اللقب المستفز، لأنه يعلم جيداً بذكائه الخبيث كم يغیظ أنوثتها الكامنة التي تخفيها خلف دروعها، وكم يستفز كبرياء امرأة فرضت سطوتها على كبار رجال المافيا بمن فيهم والدها شخصياً.

ارتسمت على شفتي أماندا ابتسامة ساخرة وبرود مصطنع أتقنت تمثيله ببراعة، على الرغم من أن نبرة صوته المظلمة جعلت قشعريرة باردة تسري في كامل عمودها الفقري. تقدمت خطوة أخرى بثبات نحو المقعد الجلدي المقابل له تمامًا، وجلست واضعةً قدمًا فوق الأخرى بكبرياء، ومخرجةً سيجارة من علبتها الفضية. أشعلتها بجرأة وتحدٍّ صارخ، ونفثت دخانها الرمادي الكثيف في الهواء باتجاه وجهه مباشرة، ثم نظرت إلى عمق عينيه وقالت بنبرة متهكمة حادة:

"لم أكن أعلم أن الزعيم العظيم، صاحب النفوذ الكاسح، يمكن له أنْ يترك حلفاءه الغاضبين في قاعة الاجتماعات يتخبطون ليحموا مصالحهم، ويترك المرأة التي خانت عائلتها لأجله تُذبح بتلك الطريقة الدموية أمام الملأ وعيونها تتوسل إليك لتظهر وتحميها.. أعلم أنك تركت الرجل الذي بعمر والدك وشريكك بالعمل دون أي تبرير، بينما الدماء ما زالت تسيل أمام عتبات قصره وهو يُجبر على نحر زوجته الخائنة.. وأن تترك خطيبتك العزيزة تبكي بانهيار بعد أن كُسِرت وفُضحت أمام الجميع دون أن تملك الشجاعة للاعتذار منها.. لا بل وتأتي أنت إلى هنا.. لي أنا!"

استجمعت أنفاسها وتابعت بنبرة أكثر حدة وهي تنفث الدخان بين كل جمله:

"أهذا أنت حقاً؟... الزعيم الذي يرتعد الجميع لمجرد سماع اسمه... تجلس هنا هارباً تختبئ في شقتي كاللصوص؟... قل لي يا كلاي.. ماذا تفعل هنا بالتحديد؟. هل ضاقت بك بيوت الدعاره خاصتك وجئت لتجلس في بيتي؟... أم أنك جئتني تريدني أن أعلمك كيف تتصرف كرجل يتحمل عواقب أفعاله ؟"

ساد صمت خانق وثقيل، لم يكن يقطعه سوى أنفاس أماندا المتلاحقة وطقطقة رماد سيجارته.

خلال تلك الثواني الرهيبة، لم تتحرك في وجه كلاي الصخري أي عضلة، ولم يبدِ أي غضب تجاه كلماتها القاسية والمهينة التي كانت كفيلة في عرف المافيا بإنهاء حياة عائلات بأكملها. ظلت ملامحه جامدة، لكن عينيه الصقريتين كانتا تتسعان ببطء مرعب، وتتحولان تدريجياً إلى جمرتين تشتعلان بنار سادية قاتلة. أمال رأسه إلى الجانب قليلاً، بينما بدأت عروق عنقه وجبينه تبرز وتنتفخ بشكل مخيف تحت جلده الموشوم، دلالة صارخة على الوحش الكاسر الذي يحاول بكل قوته لجمه وتقييده في داخله بعد أن ضربت كلماتها كبرياءه. كان يعلم جيداً أنها تمتلك لسان أفعى تلدغ به الآخرين، لكنه لم يتخيل أن تتجرأ وتتحدث معه هو بالذات بهذه الوقاحة. ألم تدرك هذه الغبية بعد أنه يعاني من نزعة سايكوباتية واضطراب حاد في التحكم بالغطرسة والسيطرة؟ ألم تستوعب أنه قد ينهيها الآن دون أن يرف له جفن، ولسوء حظها، لا يوجد أحد هنا لينقذها من بين يديه؟

بدل أن يصرخ بغضب، انقبضت زوايا شفتيه ببطء شديد. أجل، لقد نجح في السيطرة على شياطينه في هذه اللحظة، لكن ذلك الهدوء لن يطول. ارتسمت على وجهه القاسي ابتسامة باردة مليئة بالشر المحض والتوعد، ابتسامة صياد محترف يستمتع بتخبط فريسته التي تعتقد واهمة أنها أصابت منه مقتلاً. انحنى بجسده الضخم إلى الأمام ببطء واضعاً مرفقيه القويين على ركبتيه ليقترب من مساحتها الخاصة، فأصبح قريباً منها بما يكفي لتستنشق رغماً عنها رائحة عطره الفاخر الممتزج بالتبغ المركّز بطريقة سامة.

أطلق ضحكة خافتة عميقة وباردة خرجت من أعماق صدره العريض، ضحكة سوداء اهتزت لها أركان الصالون، ثم نظر مباشرة إلى عمق عينيها الخضراوين وقال بفحيح مرعب:

"أتجرأين... ماذا قلتِ لتوكِ؟ تعلمين مَن وكيف يتصرف كرجل؟ ومن أنتِ أصلاً لتتحدثي عن الرجولة؟ أيتها العاهرة المسترجلة.. هل تعتقدين في عمق عقلكِ الصغير أن تلك المرأة التي نُحرت كالنعاج تهمني؟ لقد استخدمتُ جسدها لآخذ ما أريد، وعندما انتهت فائدتها، جعلتُ زوجها المغفل ينحرها بيده ليخلصني للأبد من هوسها الغبي بي.. هل اعتقدتِ أنني سأبكي عليها؟ وخطيبتي تلك؟ هي ليست في النهاية إلا صفقة تجارية بحتة، ألقيتُ بها وبأوراقها في سلة المهملات بمجرد أن انتهت مصلحتي الكبرى مع عائلتها ونلتُ مرادي."

ثبت نظراته القاتلة عليها، وتابع بصوت منخفض مليء بالسطوة:

"أماندا.. في عالمي، أنتن النساء كالأحذية تماماً، أجرب كل أنواعها، وأعتمد في النهاية تلك التي تأتي على مقاسي وتخدم طريقي. أنتن مجرد أدوات ورخيصة تنتهي بمجرد أنْ تنتهي الرغبة في داخلي. ولو كنت أرى والدكِ رجلاً حقيقياً، ما كنت لآخذ زوجته، ولو أردتُ فعل ذلك أمام عينيه لفعلت ،وهو لن يجرؤ على رمش جفنه ."

ابتسم بقذارة نهبت ما تبقى من هدوء الغرفة، ونهض من مقعده فجأة بحركة واحدة سريعة ومهيبة. وبدا طوله الفارع وعرض كتفيه وكأنه يبتلع مساحة الصالون بأكملها، ملقياً بظله الأسود الطويل فوق جسدها النحيل ككابوس يطبق على أنفاسها. خطى نحوها ببطء شديد ومدروس، وانحنى نحوها ممرراً يده الخشنة المليئة بالخواتم الفضية حول عنقها الحريري بنعومة مرعبة، ثم اشتدت قبضة يده فجأة وطوق عنقها بأكمله بقسوة، وهتف بنبرة زلزلت جدران الغرفة:

"تتحديني وتلعبي معي؟! وأنا لو أردتُ إنهاء حياتكِ الآن، لما احتجتُ لأكثر من إصبعين فقط لأكسر هذا العنق الصغير!"

اشتدت قبضته الفولاذية على عنقها؛ لم يكن خنقاً كاملاً يقطع أنفاسها للموت الفوري، بل كان إطباقاً مدروساً بعبقرية وسادية، يمنحها الأكسجين بالقطارة لتظل واعية تماماً لكل ثانية من إذلاله وبطشه بها. ظل واقفاً أمامها كالجدار الشاهق، وعيناه تلتهمان ملامح وجهها المخطوف والمتألم بمتعة متوحشة لا مثيل لها. وفجأة، وبحركة واحدة عنيفة فاجأت دفاعاتها، رفعها بكف واحدة قابضة على عنقها عن الأريكة وكأنها دمية خفيفة الوزن، ثم هبط بجسده ليجلس مكانها تماماً، ساحباً إياها معه في حركة خاطفة لتهبط بعنف وتجد نفسها جاثية أرضاً على السجادة بين قدميه المتباعدتين بكبرياء وسادية، بينما يده ما زالت ممسكة بعنقها، تجبرها على رفع رأسها رغماً عنها والنظر مباشرة إلى جحيم عينيه.

كانت وضعيتها الضعيفة بين قدميه تحمل أقصى درجات الإذلال التي تعمد بكل خبث إيصالها إلى أعماق روحها. لقد جردها من علوها وكبريائها في ثوانٍ معدودة، وجعلها تشعر رغماً عنها بضآلة حجمها أمامه. لعنت أماندا نفسها في سرها ودارت الأرض بها؛ كيف وصلت إلى هذه النقطة المأساوية؟

مرر أصابعه الطويلة الأخرى في شعره المبعثر بعصبية، محاولاً السيطرة على أفكاره السادية. كان مجهداً بحق بعد يومه العصيب الذي تسببت هي به، ورؤيتها بهذا المنظر المهين أرضاً تحت رحمته المطلقة كان شيئاً مثيراً لشيطانه الخفي. ثم انحنى بمستوى وجهها المصدوم حتى كادت أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها، وتابع بسادية:

"انظري لنفسكِ الآن جيدا بهذا المنظر الذليل.. تبدين مطيعة ومستسلمة. هل تظنين حقاً أنكِ بهذا الذكاء الخارق؟ في الحقيقة أنتِ لم تسحقي سوى نفسكِ أيتها الغبية.. لقد حفرتِ نهايتكِ بيدكِ، لكني كنت قد حذرتكِ سابقاً، وأنتِ ماذا فعلتِ؟"

تابع وعيناه تلمعان بشر مستعر:

"لم تبالي حتى لمصير والدكِ.. ذلك الرجل الذي تظنينه شيئاً مهماً في السوق، ليس في نظري سوى ورقة ذليلة، جاءني زاحفاً، متوسلاً على ركبتيه يرتعد خوفاً من أن أبيد نسله وأمحو اسمه من الوجود بعد الدمار الذي أحدثتِهِ في الصفقة. هل اعتقدتِ حقاً أن ذلك الجبان سيقف بوجهي ويحميكِ مني؟ هل تظنين أنه لو كان يملك ذرة رجولة لتركني آخذ زوجته؟"

أطلق كلاي ضحكة خافتة مليئة بالغل، وتابع وعيناه الصقريتان تلتهمان ملامح وجهها المصدومة:

"أتعلمين ماذا فعل والدكِ العظيم ليتفادى بطشي وينقذ عنقه وثروته من الإفلاس؟ لقد اقترح عليّ وبنفسه صفقة لم أكن لأرفضها أبداً.. لقد منحني وتنازل لي عنكِ أنتِ! نعم.. تنازل لي عنكِ تماماً كأي قطعة أثاث رخيصة في أروقة قصره. قدمكِ لي كهدية وجزية طاعة لينال رضائي وعفوي، أهداني إياكِ لأفعل بكِ ما أشاء، أهذا هو والدكِ الذي تفتخرين به؟ والأهم من كل هذا.. أليس هذا ما كنتِ تحلمين به في أشد خيالاتكِ المريضة، أن تكوني ملكاً لي؟"

اقترب كلاي أكثر بجسده نحوها حتى لامست شفتاه شفتيها المرتجفتين بخشونة حارقة، وهمس بفحيح مرعب وهو ينظر بأعماق روحها، يرغب بكل جوارحه في كسرها:

"الزواج منكِ يا أماندا لن يكون تحالفاً، ولا صفقة تجارية متكافئة.. بل سيكون صك عبودية تام وإذلالاً أبدياً. ستدخلين قصري وعالمي كعبدة مملوكة لي، مجردة بالكامل من اسمكِ، وثروتكِ، وكبريائكِ اللعين. سأجعلكِ تندمين وتلعنين اليوم الأسود الذي قررتِ فيه اللعب معي. ستتمنين الموت في كل ثانية ولن تجديه، وسأروضكِ وأكسر هذا اللسان السليط حتى تتوسلي لي راكعةً طلباً للعفو. أهلاً بكِ في جحيمكِ الخاص يا عزيزتي.. ولا تقولي لي يوماً إني لم أحذركِ."

أفلت عنقها فجأة وابتعد، ثم استدار ببرود كاسح وثقة طاغية، متوجهاً نحو الباب بخطوات هادئة، تاركاً إياها غارقة في صدمتها المروعة، تائهة ومبعثرة في وسط ذهولها وضياعها بعد أن أدركت بعقلها أن كبرياءها وعالمها قد سُحقا بالكامل تحت أقدامه، وأن والدها قد باعها للشيطان لإنقاذ نفسه، وتركها وحيدة تواجه مصيرها المحتوم. لكن كيف يجرؤ!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • عشُق في ظُلمة المافيا    افرغ جنون احتراقك بي

    الفصل الرابع والعشرون: القسم الثاني سحب كلاي قبضته الملتصقة بالجدار المهشم ببطء،بينما كانت قد تناثرت شظايا اللوحة المحطمة عند أقدامهما. وتراجعت يده الدامية لتستقر بجانبه، غير أبهٍ بالدماء التي تسيل منها. كان يلهث بكثافة، وكتفاه العريضان يعلوان ويهبطان بحدة، وأفكاره تتطاحن في عقله المريض كعاصفة هوجاء. بينما كانت أماندا متجمدة في مكانها بعد ان سقطت كلماته عليها كالصاعقة؛ ولأول مرة لم تفكر بعقلها بهذه الطريقة ومن وجهة نظره، إذ كانت هذه الزاوية غائبة عنها تماماً. لم تفكر يوماً بحياتها في اندفاع ذاك الرجل من هذا المنظور... وتأملت في الحقيقة المرة لقد كان كلاي محقاً! لا أحد يخوض كل هذا الجحيم ويموت في سبيله لمجرد صداقة عابرة. صُدمت من إدراكها المفاجئ، وازدادت برودة أطرافها. عقد كلاي حاجبيه بمرارة، ومرر يده الملطخة بالدماء على وجهه، يصرخ بصوتٍ خشناً هز الجدران وهو يلتهم نفسه من الغيرة: «تباً! لو كنتُ أعلم... لما قتلته بهذه السهولة! آخ... لو يعود بي الزمن فقط لأذقته ألوان العذاب التي لم تخطر على بال بشر قبل أن أرحمه بالموت!» كان يغلي وشياطينه تصرخ به أن يفرغ هذا الجنون في المكان. شع

  • عشُق في ظُلمة المافيا    بركان الغيرة المشتعل

    الفصل الرابع والعشرون: القسم الأول كانت أنفاسه لاهثة، متقطعة، والألم والكدمات التي تغطي وجهه وجسده جعلته يبدو كوحشٍ جريح. ورغم ذلك، استقرت قبضته القاسية على يدها وأعادها إليه، كأنها طوق نجاةٍ يرفض التخلي عنه أو تركها تبتعد إنشاً واحدًا. تجمدت أماندا في مكانها، واتسعت عيناها بذهولٍ شلّ تفكيرها. لم تكن تتوقع في خضم هذا الجحيم وبهذه السرعة ان يحدث هذا، بين كل أولئك الرجال الذين كان يفتكون به والضربات القاتل والتعب الذي يمزق جسده، أن يكون أول ما يشغل عقله المريض ورغبته في المحاسبة عليه هو... همسة! لم تكن تعلم أنه في تلك اللحظة المظلمة، بينما كانت الضربات تنهال عليه والسلاسل تهشم ظهره، كانت عيناه السوداء الملطختان بالدماء من رأسه تلاحقانها، وتلاحقان حركة فمِ ذاك الرجل وهي تقترب من أذنها. سألها مرة أخرى، بصوتٍ مبحوحٍ يرتجف من الأحتراق والغلّ، وهو يضغط على ذراعها ينتشلها من تحديقها بالفراغ: «ماذا قال لكِ ذاك الحثالة؟..لا تجعليني أكرر السؤال،اماندا.. أريد أن أعرف حالاً!» تراجعت أماندا للخلف بقلبٍ يقرع طبول الحرب في صدرها. كان توترها واضحاً لدرجة أنها شعرت ببرودة أطرافها رغم حرار

  • عشُق في ظُلمة المافيا    فلسفةُ المَسْخ

    الفصل الثالث والعشرين: القسم الثالث عندما توقفت السيارة أمام متجر كبير، نزل كلاي بخطواته المهيبة كانت تحمل هيبةً مظلمة وهالته مليئة بالكاريزما. وهي بجواره.. فور دخولهما، كانت نظرات الإعجاب والهمس تلاحقه من كل جانب؛ النساء يختلسن النظر إليه باثارة من طوله الشاهق وجسده الضخم و اكتافه العريضة وملامحه الرجولية الخشنة تلك جعلته مثيرا كاللعنة، ما ان ينظر له أحد مباشرةً تتوجه نظراتهم لها ليتفحصنها من الأعلى للاسفل ثم يجحرونها بانزعاج وكأنها قطعت رزقتهن به.. وكأنها سلبتهن أمل الحصول عليه . أما هو، فلم يكن يرى أحداً... لم يعر أياً منهن نظرة او أدنى التفاتة. كان يحوطها بجسده الفولاذي كأنه حارسٌ شخصي يُحمي شخصيةً رفيعة المستوى من خطر اغتيالٍ محتوم قد يحدث هنا. حدقتاه المحمرتان تحرسان كل زاوية، وتمسحان المكان برعبٍ مريض ووسواسٍ قهري، لا يرفع عينيه عنها لثانيةٍ واحدة. سارت أماندا بجواره بين الممرات بقلبٍ يلمع بالذهول والصدمة؛ كانت تراقبه وهو يمدّ يده بجمودٍ ويختار أصنافها المفضلة بدقة متناهية... أطعمتها، مشروباتها، وكل التفاصيل الصغيرة التي احبتها يوماً! اجتاحتها رغبةٌ عارمة في أن تسأله: منذ

  • عشُق في ظُلمة المافيا    غُرابٌ في بيتٍ دافِئ

    الفصل الثالث والعشرون: القسم الثاني كانت تشعر بتوترٍ يأكل أحشاءها وهي تحدق به بطرف عينها. تراقبه كيف يقود السيارة، وأصابعه الفولاذية تطرق على عجلة القيادة بطريقةٍ مضطربة. كان يمرر إبهامه ويمسح طرف أنفه بعصبيةٍ كل بضع ثوانٍ، وتشنجاتٌ خفيفة تضرب فكّه المطبّق بصلابة... تعلم جيداً أن هذه الأعراض ليست سوى آثارٍ لتلك المواد المسمومة التي سمّم بها دمه البارحة، وهبوطٍ جحيمي يحرق أعصابه بحثاً عن جرعةٍ أخرى. وبحركةٍ خاطفة كانت تعيد نظرها فوراً إلى الطريق أمامها في كل مرةٍ يلتفت فيها إليها بوسواسٍ قهري قاتل، يتفحص وجودها بجانبه بطريقة مضطربة وكأنها قد تختفي. ابتلعت ريقها بصعوبة، متسائلةً في سرها بمرارة: لماذا أصبحت تخافه الآن أكثر من ذي قبل؟ لا تعلم لِمَ، ربما لأنها أصبحت تعلم جنونه وأفكاره المظلمة... تعلم أنه الآن أصبح قنبلةً موقوتة مسدودة الفتيل قد تنفجر بوجهها إذا لم تحسن إمساكها. كانت ترغب في التحدث، تود أن تكسر هذا الصمت الخانق الذي يملأ السيارة، لكن غريزة الخوف تحجمها بعد أن أمرها بالبيت بقسوةٍ ألا تتحدث دون أن يأذن لها. غير أن أفكار عقلها كانت تهمس لها بوضوح أن هذه الساعات بالذات هي

  • عشُق في ظُلمة المافيا    البركان خلف الثلج

    الفصل الثالث والعشرون: القسم الاول شمرت عن ساعديها بآلية، وبدأت بتنظيف الرخام وترتيب الفوضى وهي تضع الماء على النار لإعداد القهوة. كانت حركتها في التنظيف أشبه بمحاولةٍ خائبة لترتيب أفكارها المبعثرة وغسل التوتر العاصف من روحها. كل قطعة زجاجٍ ترفعها وكل بقعةٍ تمسحها كانت تذكرها بليلة البارحة؛ تلك اللحظة التي رأت فيها الموت يلمع في عيني كلاي قبل أن تحوله إلى مجرد رجلٍ يرتجف توسلاً أمام سلاحٍ موجهٍ لجمجمتها. كانت تسأل نفسها برفقة صرير الأواني: كيف سيمر هذا النهار؟ هل سينفذ وعده حرفياً أم أن كبرياءه الجريح سيرغمه على اختراع طرقٍ جديدة للاقتصاص منها؟ وبينما كانت تقلب القهوة بهدوء، سمعت وقع خطواته الثقيلة يقترب من المشتل الخارجي للمطبخ. دخل المطبخ بهيبته الطاغية وظله الذي أظلم أرجاء المكان، يرتدي ملابس نظيفة ووجهه لا يحمل أي تعبيرٍ بشري، لكن أثر الإرهاق المحتجز تحت عينيه والانتفاخ الداكن المحيط بحدقتيه كان يفضح غيابه التام عن الوعي البارحة وسط سموم الكحول والبودرة اللعينة. رآها تقف في المطبخ المنظف حديثاً وتعد القهوة، فتجاهل النظر المباشر إليها، وكأنها مجرد طيفٍ لا وجود له، واتجه مبا

  • عشُق في ظُلمة المافيا    الهدوء ما بعد العاصفة

    الفصل الثاني والعشرون: القسم الرابع ما إن سحبت المسدّس من يدها المرتجفة وأفرغه من الرصاص، حتى انهار ثباته بالكامل. ألقى السلاح جانباً بدويٍّ خفيف، وانقضّ عليها يُمسك بكتفيها بقوةٍ كادت تطحن عظامها، محدقاً في عينيها بجنونٍ فاضح. للحظةٍ خاطفة، ملأها رعبٌ شلّ أطرافها؛ شعرت وكأنه سيعتصرها بين أضلعه بضمّةٍ حاقدة تنهش روحها وجسدها معاً، لكنه تجمد فجأة... تراجع خطوةً للخلف بجسدٍ يرتجف، كأنه لا يجرؤ على لمسها مجدداً! تلاقت أعينهما في صمتٍ مريب، وسرت بينهما قشعريرةٌ حارقة، مليئة بعتابٍ مظلم ومرارةٍ لا تُقاس. لم ينطق بحرفٍ واحد، لكن عينيه كانتا تصرخان بوجعِ رجلٍ عُريت إنسانيته وانكسر كبرياؤه أمام المرأة التي يستعبدها. ارتدى كلاي ملابسه بأصابع يثقلها الذهول والتخبط، دون أن تنطق شفته بكلمة. جثا على أرضية الغرفة المتهشمة، ولمّ السلاح المفرغ والسكين محتفظاً بهما بعيداً عن متناول يدها. وقبل أن يتجاوز عتبة الباب، توقف جلياً... التف ببطءٍ وبوسواسٍ قهري قاتل، يمعن النظر فيها لثوانٍ دهرية؛ يتفحص صعود صدرها وهبوطه بلهفةٍ خفية ليتأكد—للمرة الألف—أنها ما تزال تتنفس. أما هي، فظلت حدقتاها معلقتين بظ

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status