Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء التاسع: سر تحت السلك الشائك

Share

الجزء التاسع: سر تحت السلك الشائك

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-03 22:01:57

الجزء التاسع: سر تحت السلك الشائك

تصلبت الدماء في عروق "أمين". كان الصمتُ في الخيمة البيضاء العملاقة ثقيلاً كشاهد قبر، لا يقطعه سوى حشرجات تنفس العشرات من المهاجرين المستلقين على أسرتهم السفلى، وأصوات وقع أقدام حراس الدورية الإسبانية وهم يطوفون بالممشى الخارجي المتاخم للسلك الشائك.

​كان "يونس" يجلس مقرفصاً في زاوية السرير، يلفه غطاءٌ حراري براق، وعيناه السوداوان تلمعان في العتمة ببرودٍ غريب لم يعهده أمين طوال سنوات رفقتهم في أزقة الفنيدق. لم تكن هناك لهفة اللقاء بين صديقين نجيا من مخالب البحر، بل شحنةٌ من الجفاء والشك المكتوم.

​"يونس..." همس أمين بنبرة متقطعة وهو يتحامل على قدمه المربوطة بالضماد الأبيض العريض، مد يده المرتجفة ليمسك بكتف صديقه. "أنت... أنت حي؟ أقسم بالله أنني ظننتك غرقت تحت الموجة عند السياج البحري! بحثتُ عنك في كل مكان، صرخت باسمك حتى تمزقت حنجرتي بالملح والغاز!"

​سحب يونس كتفه برفق ولكن بصرامة جافة، مانعاً أمين من لمسه. أخرج سيجارةً مهربة قصف طرفها بأسنانه، وولعها بقدحة خشبية خفيضة، ليخرج منها خط دخان أزرق كئيب صعد نحو سقف الخيمة البلاستيكي.

​"كنتُ سأغرق فعلاً يا أمين..." قال يونس بصوتٍ شاحب خفيض يقطر بالمرارة. "الموجة رفعتني وألقت بي كقطعة خشب نَفَى بها البحر على حديد السياج المشوك. استنشقت الملح حتى غبتُ عن الوعي. انتشلني حراس الشواطئ المغربية قرب 'بليونش'... أفقتُ في مستشفى الفنيدق وأنا مكبل بالأنقاض والأنابيب."

​توقف يونس، ونظر مباشرة في عينَي أمين النحيلتين، ونفث الدخان في وجهه: "لكن أعرف شيئاً لم تكن تظن أنني سأعرفه... أعرف كيف نجوتَ أنت، وكيف صعدتَ إلى قارب 'سانتياغو'."

​انقبض قلب أمين. "ماذا تقصد يا يونس؟"

​ابتسم يونس ابتسامة باهتة صفراء أظهرت شحوب شفتيه المتشققتين: "عندما كنتُ مستلقياً في المستشفى، دخل رجال الأمن للتحقيق. كانوا يبحثون عن دفتر المذكرات والسجلات المفقود الخاطس بالرّيس المكي... الدفتر الذي يحتوي إحداثيات شبكات التهريب والأسماء المعلمة. الضابط المغربي قال لي بصريح العبارة إن شاباً من الفنيدق أخذ الدفتر وباعه لسانتياغو ليشتري به تذكرته وتذكرة امرأة سورياً وطفلها على حساب الموت!"

​اصفرّ وجه أمين وتجمدت كلماته في حلقه. "يونس! اسمعني، الأمر لم يكن هكذا أبداً! الدفتر وجدته صدفة ولم أكن أعرف قيمته، وسانتياغو هدد برمينا جميعاً في البحر إن لم يجد ثمن عبورنا! شمس ضحت بسوار أمها الذهبي، وأنا لم يكتمل ثمن تذكرتي إلا بذلك الدفتر اللعين! أقسم لك أنني لم أبع أحداً!"

​"لا يهم ما أقسمت عليه يا أمين،" رد يونس بنبرة حادة وباردة كأنها حديد الساطور. "المهم هو أنك الآن هنا... وأنا هنا. والشرطة الإسبانية والقنصلية المغربية تبحث عن ذلك الدفتر بالذات. الضابط 'خورخي رييس' الذي اعتقل سانتياغو في البحر يعلم بأمر الدفتر، وهو يمسح معسكر (CATE) ليلة بليلة ليجد الشاب الذي تسلّم منه سانتياغو الوثائق."

​اقترب يونس من أمين حتى كادت أنفاسهما تتلاقى، وقال بكسرٍ مكتوم: "السر المظلم ليس أنك صعدت إلى القارب يا أمين... السر هو أن القنصلية وضعت اسمي واسمك في لائحة الترحيل المباشر التي ستنطلق حافلاتها غداً عند الفجر نحو ميناء طنجة. إذا أخذوا بصماتنا النهائية صباح غد... سنعود إلى السجن في الفنيدق لنقضي حياتنا خلف القضبان!"

​سقطت الكلمات على رأس أمين كصخرة جبلية هائلة. الترحيل؟ العودة إلى المربع الأول بعد كل الملح، والدم، والموت في المضيق؟

​"ماذا سنفعل؟" سأل أمين، والعرَق البارد يغطي جبهته المجهدة. "شمس وطفلها في قسم العائلات، وأنا لا أستطيع الركض بهذه القدم المريضة!"

​أطفأ يونس سيجارته تحت نعل حذائه الرياضي الممزق، وأخرج من تحت وسادته الخشنة شفرة معدنية صغيرة كاسرة، أخذها سراً من أدوات العيادة الطبية.

​"لن ننتظر الفجر يا أمين..." قال يونس ونبرته تتغير إلى حسمٍ محموم. "الساعة الآن الثانية بعد منتصف الليل. تغيير وردية الحراس يتم بعد أربعين دقيقة. الجزء الخلفي من الخيمة المطل على أحواض الوقود يمر منه أنبوب تصريف مياه أمطار ينتهي خارج أسوار المعسكر، قرب الطريق السريع المؤدي إلى قادش. هناك ثغرة في الأسلاك الشائكة تركها العمال يوم أمس."

​نظر أمين إلى قدمه الضميدة الملتفة بالمضادات الحيوية، وأحس بنبض الجرح الحاد. "والشفرة؟ ماذا سنفعل بها؟"

​"سنقطع بها القماش الخلفي للخيمة، ونقطع السلك البلاستيكي المعلق بباب أنبوب التصريف،" أجاب يونس، ثم التفت ونظر إلى أمين بعينين نافذتين: "إذا أردتَ أن تنجو بنفسك وتنقذ الفتاة السورية وطفلها، فعليك أن تهرب الليلة. الموقف لا يحتمل الخوف أو الشفقة. إما أن نخرج معاً عبر أنبوب التصريف الآن، أو نركب حافلة الترحيل غداً وننتهي جميعاً."

​"وشمس؟" سأل أمين بلهفة وحرقة. "كيف أتركها هنا؟ أعدتها ألا أستسلم وألا أتركها خلفي!"

​قبض يونس على معصم أمين بقوة شديدة حتى أوشك أن يقطع دمه: "الفتيات والأطفال السوريون يخضعون لاتفاقيات لجوء إنساني دولية، لن يرحلوها إلى سوريا أو المغرب يا غبي! سينقلونها إلى مركز حماية اللاجئين في مدريد أو مالقا خلال أيام! أما أنت وأنا... فنحن 'حرّاقة' مغاربة بلا حقوق! هربك الليلة هو الفرصة الوحيدة لتستقر في إسبانيا وتستخرج الأوراق الرسمية كي تعود وتنقذها في مدريد!"

​صمت أمين. كانت أفكاره تتصارع كأمواج المضيق الشرسة. تذكر وجه أمه في القرية، ووجه شمس وهي تمسك بيده في العيادة وتطلب منه ألا يستسلم، وصوت عثمان دياكيتي الذي ضحى بنفسه في أزقة إل برنسيبي.

​وقوفه هنا يعني الترحيل الحتمي والسجن. والهرب يعني خوض مأساة جديدة بقدمٍ مدماة وسط أراضي الأندلس المجهولة.

​"حسناً..." قال أمين وهو يربط ضمادة قدمه بقوة أشد ليعصر ألمه ويكتمه في صدره. "سنفعلها يا يونس. لن أعود إلى الفنيدق مكبلاً."

​وقف الشابان بحذر في عتمة الخيمة. انسحبا بخطوات هادئة كالأشباح نحو الزاوية الخلفية القريبة من أحواض الديزل. شق يونس قماش الخيمة البلاستيكي بحذر باستخدام الشفرة المعدنية الصريحة.

​انفتح شقٌ ضيق تسرّبت منه نسمات الهواء القاري البارد المحمل برائحة الوقود. أطل أمين برأسه من الشق، فرأى الممشى الخارجي فارغاً لثوانٍ؛ كان الحارس الإسباني قد تحرك نحو الجهة الأمامية لتسليم ورديته.

​"الآن!" همس يونس وهو ينزلق من الشق نحو الأرض الترابية المبتلة خارج الخيمة.

​تبع أمين صديقه بمشقة مروعة، زاحفاً على صدره، وهو يجرّ قدمه المصابة المكسوة بضماد ملطخ بالتراب والدم.

​وصلا إلى فتحة أنبوب التصريف الحديدي الذي يخترق قاع الأسوار الشائكة نحو الخارج. كان الباب الشبكي للأنبوب موصولاً بقيدٍ بلاستيكي أصفر. هجم عليه يونس بالشفرة، يقطعه بحركات سرعية ومحمومة.

​تك!

​انفتح الباب الشبكي.

​لكن في تلك اللحظة بالضبط، انطلقت في أرجاء معسكر (CATE) صفارة إنذار عالية ومجهدة هزت أركان الليل، وتلاها فوراً اشتعال كشافات ضوئية عملاقة مسحت المساحة الخلفية للخيام بضوء أبيض ساطع كالشمس!

​"¡Alerta! ¡Escape en el sector C!" (إنذار! فرار في القطاع ج!) دوّى الصوت عبر مكبرات الصوت تلاها عواء كلاب الحراسة الشرسة!

​"انزل في الأنبوب يا أمين! أسرع!" صرخ يونس وهو يدفع أمين بفرط داخل الأنبوب المظلم، وقبل أن يدخل يونس خلفه، اخترق ضوء الكشاف المباشر وجهيهما، وظهر خيال الضابط "خورخي رييس" يركض نحو الممر ومعه ثلاثة عناصر مدججين بالأسلحة المطاطية والكلاب!

​"توقفوا مكانكم!" صرخ خورخي بالإسبانية وهو يوجه سلاحه نحو الفتحة.

​تزاحم أمين ويونس داخل الأنبوب الضيق المظلم، والأصوات تدوي خلفهما، والماء البارد الملوث يغمر أجسادهما... بينما كانت رحلة الفرار من برزخ المعسكر تبدأ تحت وابل الرصاص المطاطي ونباح الكلاب المفترسة!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   الجزء الرابع والثلاثون: صدى الندوب على منصة العالم

    الجزء الرابع والثلاثون: صدى الندوب على منصة العالماستيقظت مدينة "سرقسطة" في صباح يوم شتوي مشمس، حيث كانت قاعة المؤتمرات الكبرى في قصر "أليخافيريا" التاريخي تغص بالحياة والحركة. تجمَّع مئات الوفود الرسمية، والدبلوماسيون، وممثلو المنظمات الحقوقية الدولية، ورجال الصحافة والإعلام، إلى جانب وفود من الصيادين والشباب القادمين من شمال المغرب ومن جزر الكناري، لحضور الجلسة الافتتاحية لـ "الملتقى الدولي الأول للسلامة البحرية والدمج الاجتماعي".​كانت القاعة مزينة بأعلام المنظمات الشريكة، وعلى الشاشة العملاقة خلف المنصة الرئيسية ترأست العبارة المركزية للملتقى: "جسورٌ لا أسوار... كرامةٌ بلا حدود".​في الصف الأول، كانت "شمس" تجلس بجوار الصغير "عمر" والمحامي "ألبرتو غوميز"، بينما كان "المهدي" يتابع الترتيبات التقنية لإدارة البث المباشر الذي يتابعه مئات الشباب في مدينة الفنيدق وجزر الكناري.​وقف رئيس الجلسة، وهو مسؤول أممي بارز في مفوضية شؤون اللاجئين، وأخذ المايكروفون ليعلن انطلاق الفعاليات: "أيها السادة والسيدات، نشهد اليوم افتتاح محطة فارقة في نقاشات الهجرة الدولية. لن نستمع اليوم إلى أرقام جافة و

  • على سياج سبتة   الجزء الثالث والثلاثون: صدى "إبرو" في الملتقى الدولي

    الجزء الثالث والثلاثون: صدى "إبرو" في الملتقى الدوليكانت شمسُ الخريف الأخيرة في سرقسطة تكسو ساحات قصر "أليخافيريا" وكتدرائية "البيلار" بطابعٍ دافئ وساحر، فيما كانت أروقة مبادرة "جسور" تعيش حالةً استثنائيةً من النشاط والاستعدادات المكثفة. لم تعد المبادرة مجرد مكتب إرشادي محلي في حي "أكتور"، بل تحولت إلى محور إقليمي ودولي يربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.​في الصباح الباكر، كان "أمين" يقف بجوار طاولة الاجتماعات الكبرى في القاعة الزجاجية الملحقة بالمقر الرئيسي. كانت أمامه تصاميم هندسية لكتيبات التوعية، وجداول ضخمة تنظم فعاليات "الملتقى الدولي الأول للسلامة البحرية والدمج الاجتماعي" الذي تستضيفه سرقسطة برعاية مشتركة من حكومة إقليم أراغون ومنظمات حقوقية أوروبية ومغربية.​دخل المحامي "ألبرتو غوميز" حاملاً رزمة من وثائق الاعتماد الرسمية، وابتسامة عريضة تعلو وجهه: "أمين، لقد أكدت وفود ثلاث وزارات أوروبية حضورها، بالإضافة إلى ممثلين عن خفر السواحل الإسباني والفرنسي، ووفد رفيع المستوى من التعاونيات البحرية لمدن شمال المغرب وعلى رأسها الفنيدق."​رفع أمين رأسه، وعلا محياه ارتيا

  • على سياج سبتة   الجزء الثاني والثلاثون: أمانُ الصغار وضفافُ "إبرو"

    الجزء الثاني والثلاثون: أمانُ الصغار وضفافُ "إبرو"كان الشفقُ الأرجوانيُّ يرسمُ خطوطه الدافئة فوق شواطئ "لاس بالماس"، معلناً انتهاء الأسبوع المفصلي لتأسيس فرع جزر الكناري. لكن العمل الإنساني الذي يقوده "أمين" و"شمس" لم يكن يكتفي برسم الخطط على الأوراق الرسمية، بل كان يمتد ليمس العصب الأكثر إيلاماً في ملف الهجرة غير النظامية: الأطفال والقاصرون غير المرفقين الذين يصلون على متن القوارب بلا عائلات، محملين بصدمات نفسية وجروح غائرة.​في المساء الأخير قبل مغادرتهما الأرخبيل، زار أمين وشمس مركز الرعاية الأولية للقاصرين الملحق بفرع المبادرة الجديد. كانت القاعة المخصصة للدعم النفسي تعبق برائحة الألوان والورق المقوى، حيث كان أخصائيون نفسييون إسبان ومغاربة يعملون جنباً إلى جنب مع شمس على برامج إعادة التأهيل بالرسم والتعبير الحركي.​كان هناك طفلٌ مغربي صغير لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره يدعى "سامي"، ينتمي لمدينة الناظور، كان قد وصل قبل أسبوعين مفردًا بعد أن ضاع والده في ليلة الهياج البحري. كان سامي يجلس في زاوية القاعة صامتاً، يرفض الحديث مع أي شخص، ويكتفي برسم خطوط سوداء متداخلة تشبه الأسلاك وال

  • على سياج سبتة   ​الجزء الحادي والثلاثون: شباك الأمل في "لاس بالماس"

    ​الجزء الحادي والثلاثون: شباك الأمل في "لاس بالماس"كانت شمسُ الصباح في أرخبيل جزر الكناري تُلقي بأشعتها الدافئة على أسطح المنازل البيضاء لمدينة "لاس بالماس"، وتنعكس ببريق فضي على أمواج المحيط الأطلسي المترامية الأطراف. في المقر الجديد لـ "مبادرة جسور - فرع جزر الكناري"، كان حراك العمل قد بدأ مبكراً وبإيقاع نشط يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الفريق.​داخل قاعة التدريب المهني الفسيحة، كانت طاولات العمل مصفوفة بعناية، وعليها قطع لمعدات الملاحة البحرية، وشباك الصيد التقليدية، ومحركات القوارب المصغرة.​وقف الشاب "أنوار"—الذي أُنقذ قبل أسابيع قليلة من قارب الموت التائه في عرض المحيط—مرتدياً بذلة العمل الزرقاء، وبيده مفتاح ربط ميكانيكي، وهو يشرح لمجموعة من الشباب الواصلين حديثاً قواعد الصيانة الأولية وتأمين السلامة فوق سطح الماء. لم تكن نبرته نبرة مدرب تقليدي، بل كانت نبرة أخٍ أكبر خبر قسوة الأمواج وعلمهم درساً في النجاة والصبر.​"استمعوا إلي جيداً يا إخوتي..." قال أنوار بصوته الأسمر الواثق وهو يشير إلى محرك صغير مفكك أمامه. "البحر ليس عدواً، والهروب على متن قوارب الموت دون دراية ليس ش

  • على سياج سبتة   الجزء الثلاثون: شروقٌ فوق جزر الكناري

    الجزء الثلاثون: شروقٌ فوق جزر الكناريكانت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الإسبانية تهبط ببطء نحو مدرار مطار "جران كناريا" في مدينة "لاس بالماس"، حيث تعكس مياه المحيط الأطلسي الساطعة أشعة الشمس الدافئة فوق الهضاب البركانية الشاهقة. من فوق السحاب، كانت جزر الكناري تترصع كدررٍ خضراء وسمراء في قلب المحيط؛ لم تعد في أذهان المهاجرين مجرد محطة نجاة أو شاطئ يتنفسون فيه الصعداء بعد القوارب المتهالكة، بل أصبحت حلقة وصل حيوية تؤسس لمرحلة جديدة من الكرامة والاستقرار.​كان أمين يجلس بجوار النافذة، يتحسس ذراع زوجته شمس التي كانت تنظر إلى الأفق الممتد بعينين تملؤهما العاطفة والرجاء. كان الصغير "عمر" غارقاً في النوم على مقعده، ممسكاً بلعبة خشبية صغيرة صممها له والده في ورشة سرقسطة.​"أمين..." قالت شمس بنبرة خفيضة يتداخل فيها الحنين مع الإصرار، "قبل سنتين فقط، كانت جزر الكناري بالنسبة لأبناء الفنيدق والعرائش وأفريقيا جنوب الصحراء تعني إما الوصول بعد الموت المؤجل، أو الغرق في المحيط... واليوم نصل إليها بنور الأوراق الرسمية، لنبني فرعاً يحمي من يصلون بعدها."​ابتسم أمين ونظر نحو جروح قدمه اليسرى القتيمة

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن والعشرون: أبعادٌ جديدة وخطوة نحو الأفق

    الجزء الثامن والعشرون: أبعادٌ جديدة وخطوة نحو الأفقكان الشتاء الإسباني قد اشتدت برودته، والرياح القادمة من مرتفعات "أراغون" تداعب زجاج ورشة "جسور" في حي أكتور. لكن الدفء في الداخل كان يبعث على الأمل؛ فقد أصبح المهدي جزءاً أساسياً من طاقم العمل، يمسك بملفات الإرشاد الإداري والتأطير بجدية نادرة، محاولاً كل يوم أن يمحو بأمانته آثار خطأ الماضي.​كان أمين يجلس مع المحامي "ألبرتو غوميز" والمهدي حول طاولة الاجتماعات الصغيرة. كانت أمامهما خريطة لإسبانيا ومجموعة من الأوراق الرسمية الصادرة عن حكومة الإقليم.​"المبادرة تنمو أسرع مما توقعنا يا أمين..." قال ألبرتو وهو يضع نظارته الطبية. "النجاح الذي حققتموه في سرقسطة دفع بلديات مدن أخرى مثل 'تيرويل' و'هويسكا' إلى طلب افتتاح فروع مصغرة لـ 'جسور' لتأطير الشباب المهاجرين وتأهيلهم مهنياً."​نظر أمين إلى المهدي وابتسم: "وهنا يأتي دورك يا مهدي... خبرتك السابقة في التدريس وتأطير الجمعيات بالمغرب ستكون المحرك الأساسي لتنظيم هذه الفروع وتدريب المشرفين الجدد."​اطرق المهدي رأسه بتواضع ونبرة امتنان: "هذا شرف كبير لي يا أمين... وسأبذل كل جهدي لنقل هذه الرسال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status