Home / النظام / على سياج سبتة / الجزء الثامن: برزخ "الجزيرة الخضراء"

Share

الجزء الثامن: برزخ "الجزيرة الخضراء"

Author: Sam
last update publish date: 2026-08-03 04:25:12

الجزء الثامن: برزخ "الجزيرة الخضراء"

كانت الرمالُ الذهبية لشاطئ "الجزيرة الخضراء" (Algeciras) باردةً ومبللة برذاذ البحر، لكنها بالنسبة لأمين وشمس كانت تشبه أرضاً مقدسة نجوا إليها من أحشاء الموت.

​استلقى أمين على ظهره، يلهث بصوتٍ مسموع، ورئتاه تصدران حشرجة جافة تتصل بالملح والبرد. كانت قدمه المصابة قد تضاعف حجمها، وبدا الجرح المفتوح أرجوانياً مخيفاً بعد أن غسلته مياه البحر العاتية ونزفت منه معظم الغرز الجراحية التي وضعتها الممرضة ماريا في سبتة. بجانبه، كانت شمس تجلس بركبتين مرتجفتين، تطوق طفلها الصغير "عمر" الذي كان يتنفس ببطء، وعيناه الصغيرتان تائهتان في أضواء المدينة الأندلسية اللامعة على التلال المجاورة.

​لم يدم صمت الشاطئ طويلاً.

​خلال دقائق معدودة، اخترقت عتمة الشاطئ أضواءٌ حمراء وزرقاء ساطعة. تدفقت سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر الإسباني، برفقة شاحنات صغيرة تابعة لشرطة الحدود الإسبانية. ترجل عشرات المتطوعين ورجال الأمن وهم يحملون الأغطية الحرارية الذهبية، والمساند الطبية، والكشافات الضوئية.

​ركضت متطوعة إسبانية نحو أمين، وفتحت بسرعة غطاءً حرارياً براقاً لتدثره به، وهي تتحدث بلغة إسبانية سريعة ورفيقة: "¡Tranquilo, chico! Estás a salvo ahora. No te muevas." (هدئ من روعك يا فتى! أنت في أمان الآن. لا تتحرك).

​رفع أمين رأسه بمشقة، ونظر نحو البحر الأسود الممتد خلفهم. كان قارب "إسبرانزا" قد تحطم بالكامل وصار مجرد أخشاب طافية تلتطم بالصخور. رأى رجال الشرطة يسحبون سانتياغو المكبل بالحديد من بين الصخور، ووجهه ملطخ بالدماء والرمال، ينظر نحو أمين بنظرة حقد صامتة قبل أن يُلقى به في خلفية المصفحة العسكرية.

​تطلعت شمس إلى أمين، ودمعة دافئة تشق الرمال العالقة بخدها: "أمين... هل هذه هي أوروبا؟ هل وصلنا حقاً؟"

​ابتسم أمين ابتسامة باهتة تمزق معها شحوب شفتيه، وقال بصوتٍ خفيض: "وصلنا يا شمس... ولكن النجاة من البحر ليست سوى البداية."

​تم نقل أمين وشمس والصغير عمر عبر سيارة إسعاف خاصة نحو مركز الإيواء المؤقت للمهاجرين (CATE) في ميناء الجزيرة الخضراء. كان المركز عبارة عن مجمع ضخم يحاط بأسوار شبكية عالية يعلوها السلك الشائك، وتنتشر فيه خيام بيضاء عملاقة ومبانٍ سابقة التجهيز تفوح منها رائحة المعقمات الصارمة، والطعام المطهو بجمعيات الخير، والرطوبة العالقة بملابس مئات النجين من رحلات الموت.

​هنا، في هذا البرزخ الإسباني، تتوقف جغرافيا البلدان لتذوب في هوية واحدة: "طالبو إيواء غير شرعيين".

​أُدخل أمين فوراً إلى العيادة الميدانية التابعة للمركز. جثا طبيب إسباني مسن على قدمه، وفحص الجرح بنظرة قلقة.

"التهاب حاد ممتد في الأنسجة،" قال الطبيب لمساعدته بالإسبانية. "تحتاج هذه القدم إلى تنظيف جراحي عاجل ومضادات حيوية قوية عبر الوريد، وإلا سينتشر التسمم."

​بينما كان الطبيب ينظف الجرح بمطهر يلسع اللحم الحي كالجمر، كان أمين يضغط بقبضته على حافة السرير المعدني، يكتم صرخاته كي لا يخيف شمس التي كانت تجلس على كرسي مجاور، تتلقى الفحص للطفل عمر.

​انفتح باب العيادة البلاستيكي، ودخل رجلٌ بزي رسمي داكن، يحمل ملفاً أصفر وقافزاً على ظهره شعار الشرطة الوطنية الإسبانية (Policía Nacional). كان المترجم المرافق له شاباً مغربياً من أصل تطواني يرتدي سترة صفراء.

​وقف المترجم أمام أمين وشمس، وقال بنبرة ميكانيكية متكررة اعتاد تكرارها مئات المرات: "السلام عليكم. أنا المترجم الرسمي لمركز الإيواء. الضابط يحتاج لتسجيل المعطيات الأولية: الاسم الكامل، الجنسية، وكيفية الدخول. إذا كنتم تتحدثون عن لجوء إنساني أو سياسي، فعليكم البصم باليدين وتحديد الهوية."

​نظرت شمس إلى أمين بقلق. كانت تعلم أن الإفصاح عن جنسيتها السورية يمنحها حق تقديم طلب اللجوء الإنساني الذي يحميها من الترحيل الفوري، لكن الوضع بالنسبة لأمين—الشاب المغربي قادم من منطقة الفنيدق—كان مختلفاً تماماً وشديد التعقيد.

​"أنا شمس الأسد، سورية الجنسية،" قالت شمس بصوتٍ ثابت رغم الارتجاف. "وهذا طفلي عمر. هربنا من الحرب والتجأنا عبر الحدود."

​دون المترجم والضابط التفاصيل بسرعة، ثم التفت المترجم نحو أمين، متأملاً وجهه النحيل وقدمه المبرأة بالأضمدة: "وأنت يا فتى؟ ما اسمك؟ ومن أين أتيت؟"

​حبس أمين أنفاسه. تذكر كلمات عثمان دياكيتي في حي إل برنسيبي: "في معسكرات الإسبان، الكلمة التي تخرج من لسانك قد تكون تذكرتك نحو الحرية أو بطاقة عودتك في أول طائرة إلى المربّع الأول."

​تذكر أمين أن القوانين الإسبانية تعيد المهاجرين المغاربة القادمين من الفنيدق وتطوان بسرعة عبر الاتفاقيات الأمنية المباشرة، ما لم يثبت وجود أسباب خاصة أو عدم القدرة على تحديد الهوية فوراً.

​"أنا... أمين،" قال بنبرة خفيضة، ممسكاً ببطاقة تعريفه الوطنية المبتلة في جيبه، دون أن يخرجها. "أتيت من الجبال... لا أملك أوراقاً رسمية. ضاعت في البحر مع القارب."

​نظر الضابط الإسباني إليه بعينين صقريتين مليئتين بالشك. رفع جهاز البصمة الإلكتروني المحمول وقدمه لأمين: "ضع إبهامك هنا."

​وضع أمين إبهامه المرتجف على الشاشة الزجاجية الحمراء. كانت الشاشة تومض بانتظار مطابقة البصمة مع قواعد البيانات الأوروبية (Eurodac). مرّت ثوانٍ طويلة كأنها دهور، قلبه يخفق برعب من أن تكون بصمته مسجلة في أي سجل سابق.

​أصدر الجهاز نغمة خفيفة: بييب.

أظهرت الشاشة عدم وجود مطابقة سابقة في النظام الأوروبي!

​تنفس أمين الصعداء في سرّه، لكن الضابط كسر هذا الارتياح المؤقت برفع ملفه وقال بالإسبانية للمترجم: "سيُسجل كمهجر غير محدد الهوية (Sin Documentación). ونظراً لوضعه الصحي، يُنقل إلى القسم (B) المخصص للشباب المحتجزين مؤقتاً لحين استكمال التحقيق ومقابلة القنصلية."

​"ماذا يعني هذا؟" سألت شمس بلهفة.

​"يعني أنه سينقل إلى العناية والمراقبة،" أجاب المترجم ببرود. "وأنتِ وطفلكِ ستُنقلان إلى قسم العائلات وطالبي اللجوء في مبنى الصليب الأحمر بالطرف الآخر من المركز. يمنع اختلاط الأقسام."

​"لا!" صرخت شمس وقفت في مكانها. "إنه أخي! هو من أنقذ حياتنا في البحر! لا تفصلونا!"

​نظرت شمس إلى أمين، ومدت يدها لتلتصق بيده المبللة. لكن اثنين من عناصر الحرس المدني تقدما برفق ولكن بصرامة عسكرية، وطلبا منها التحرك نحو سيارة قسم العائلات.

​"اذهبي يا شمس..." قال أمين بنبرة هادئة يحاول بها حمايتها وإخفاء خوفه الداخلي. "اذهبي مع عمر. هم لن يؤذوكِ هنا. ركزي على حماية الصغير، وأنا سأكون بخير... أقسم لكِ سأكون بخير."

​"أعدني يا أمين..." قالت شمس وهي تُسحب بخطوات بطيئة نحو الباب، والدموع تترقرق في عينيها. "أعدني ألا تستسلم... أعدني أن نلتقي خارج هذه الأسلاك."

​"أعدُكِ،" همس أمين.

​بحلول منتصف الليل، كان أمين مستلقياً على سرير سفلي في خيمة بيضاء ضخمة تضم عشرات الشبان من جنسيات متعددة؛ من المغرب، والسنغال، ومالي، وغينيا. كانت الرائحة مزيجاً من المعقمات ودخان السجائر المهربة التي يتبادلها الشبان في الظلام.

​كانت قدمه المربوطة بضماد أبيض جديد تنبض بألم خفيف بعد أخذ الوجبة الأولى من المضادات الحيوية، لكن الألم الحقيقي كان يعصر قلبه.

​نظر عبر فتحة الخيمة إلى الأعلى. كان السلك الشائك الملتف فوق السور الخرساني للمركز يقطع رؤية السماء النجمية. رأى دورية شرطة تمر على الممشى الخارجي، وفي يد الحارس كشاف ضوئي يمسح الأسيجة بانتظام.

​فجأة، سمع همساً خفيفاً من السرير المباشر خلفه بالدارجة المغربية:

"لا تنظر إلى السلك كثيراً يا أخي... فالنظر إليه يمرض القلب."

​التفت أمين ببطء، ليجد شاباً نحيلاً مقرفصاً في زاوية السرير، يفرك سيجارة بين أطراف أصابعه. كان وجهه مألوفاً بشكل مرعب!

​"أنت..." همس أمين وعيناه تتسعان برعب وذهول.

​ابتسم الشاب ابتسامة شاحبة أظهرت أسنانه المجهدة من ملح البحر: "نعم يا أمين... إنه أنا. يونس لم يغرق في الفنيدق، ولكنه لم يخلص أيضاً... جرفني الترحيل والتسليم الإسباني هذا الصباح من باب سبتة إلى هنا مباشرة."

​تجمد أمين في مكانه. كان يونس—صديق العمر الذي بكاه وتحسر عليه في أعماق البحر—يجلس أمامه على بعد سنتيمترات في معسكر الإيواء ذاته! ولكن ملامح يونس لم تكن تشبه ملامح الصديق القديم؛ كانت عينان غائرتين يملؤهما الشك، والرغبة الانتقامية، وسرٌ مظلم يحمله عن الليلة التي غرق فيها الجميع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على سياج سبتة   ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطع

    ​الجزء الثاني والعشرون: نبرةٌ من صلب وشبكةٌ تتقاطعساد الصمت الغرفة الصغيرة في الطابق الرابع من مجمع "سان دوني". لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس مريم المتسارعة وهي تترقب رد المهرب عبر الهاتف، وحشرجة المطر الخفيف وهو يضرب الإفريز الخارجي للنافذة.​على الطرف الآخر من الخط، ساد وجومٌ مفاجئ. لم يكن "المالكي" يتوقع أن يسمع هذا الاسم تحديداً؛ اسم "أمين الفنيدقي" الذي صار في أوساط شبكات التهريب بين المغرب وإسبانيا رمزاً للكابوس الذي هدم إمبراطورية "البارون" الممتدة وسرّب وثائقها الحساسة لقوات الأمن الوطني في مدريد.​تلا هذا الصمت زفيرٌ حاد ونبرة تهكمية ممتلئة بالغل والتهديد: "أمين؟ الشاب الأعرج الذي نجا من السلك المشوك في سبتة؟ هل تظن أن أوراق إقامتك الإسبانية الجديدة تمنحك أجنحة تطير بها في ضواحي باريس؟ أنت هنا في أرضي يا فتى... في 'سان دوني'، القانون لا يحميك، والشرطة الفرنسية لا تجرؤ على دخول أنفاقنا بعد الغروب!"​لم ترف عين أمين، ولم تهتز بنية صوته الصلبة التي اكتسبت نبرة العزم من صخور المضيق: "المالكي... وفر كبرياءك الفارغ لنفسك. البارون قال الكلام نفسه قبلك في سرقسطة، وهو الآن يمسح أرضية زن

  • على سياج سبتة   الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولى

    الجزء الحادي والعشرون: ضباب "سان دوني" والخطوة الأولىكانت النوافذُ المزدوجة لقطار "TGV" السريع تعكسُ وجهاً جاداً لأمين، تداخلت فيه ملامح الشاب الأعرج الهارب من قهر الفنيدق مع صلابة رجلٍ استعاد كرامته وأوراقه في أزقة سرقسطة.​كان القطار ينهبُ الأرض نهباً عبر السهول الفرنسية الخضراء الممتدة، ينطلق بسرعة تجاوزت ثلاثمائة كيلومتر في الساعة متجهاً نحو محطة "غار دي نور" (Gare du Nord) في قلب العاصمة باريس. كان أمين يتحسس جيب معطفه الداخلي كل بضع دقائق؛ حيث ترابض بطاقة إقامته الإسبانية القانونية، وبجوارها المفتاح القديم لصندوق مدريد الذي تحتفظ الشرطة بناسخة منه، والورقة التي كُتب عليها العنوان الدقيق لـ "مريم دياكيتي" في حي "سان دوني" (Saint-Denis).​لم تكن باريس في مخيلة أمين مدينة الأنوار أو بطاقات البريد السياحية؛ بل كانت في ذهن أي مهاجر خبر الدروب الخفية عبارة عن غابة خرسانية تضم أضخم المجمعات السكنية المكتظة، والضواحي الهامشية التي تتدفق فيها أعتى عصابات التهريب وتبييض الأموال العابرة للقارات.​وصل القطار عند الساعة الرابعة عصراً. ساد المحطة صخبٌ مروع؛ آلاف المسافرين يركضون نحو خطوط الم

  • على سياج سبتة   الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيط

    الجزء العشرون: نداءٌ عبر المحيطكانت ليالي سرقسطة في خريف عام 2026 قد بدأت تستعيد برودتها الجافة، متوشحة بغطاء خفيف من الضباب الذي ينتشر فوق جسور نهر "إبرو". لكن الدفء الذي كان ينبعث من ورشة "أمين" الصغيرة لم يكن مجرد حرارة موقد كهربائي؛ بل كان شعوراً بالنصر والاستقرار الثمين الذي خُلق من رحم أهوال المضيق ودموع الرحيل.​كان أمين يجلس عند طاولته الخشبية، يفكك مسننات ساعة ميكانيكية ذات طراز كلاسيكي. كانت حركاته دقيقة، وأصابعه تثبت التروس ببراعة اكتسبها من الصبر الطويل على نوائب الدهر. إلى جواره، كانت "شمس" تستعد لمغادرة الورشة متجهة نحو مقر مكتب الإغاثة، حيث تنتظرها مجموعة جديدة من اللاجئين والمهاجرين الجدد الذين يحتاجون إلى الترجمة والتوجيه القانوني.​"أمين..." قالت شمس وهي تلف وشاحها الصوفي حول عنقها، وتنظر إليه بحنان، "لا تتأخر الليلة. عمر يتطلع لقصة المساء، وقد وعدته أن تحكي له عن بوابات طنجة القديمة."​ابتسم أمين ورفع عينيه عن العدسة المكبرة: "لن أتأخر يا شمس. سأغلق الورشة بعد أن أنهي تركيب هذه الساعة... اصحبي معك المفاتيح الإضافية."​خرجت شمس، وخلّفت وراءها صمت الورشة الهادئ الذي

  • على سياج سبتة   الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسى

    الجزء التاسع عشر: شمسٌ تُشرق فوق "إبرو" والمرسىمرّت ستةُ أشهرٍ على تلك الليلة المطيرة التي تحطمت فيها ظلالُ "البارون" تحت أضواء الشرطة الوطنية في أزقة "دليسياس" الصناعية. ستة أشهرٍ كانت كفيلةً بأن تُعيد ترتيب إيقاع الحياة، وتغسل مرارة الملح والأسلاك الشائكة التي ظلت عالقةً بأرواحٍ عاشت سنواتها الخوالي في رعبٍ مكتوم.​في صبيحة يوم صيفي دافئ من أغسطس 2026، كانت شوارع مدينة "سرقسطة" تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية. انقشع ضباب نهر "إبرو" القديم ليحل محله هواءٌ جافٌ يُنعش الأنفاس، ومياهه تتدفق بهدوءٍ تحت الجسر الحجري، حاملةً حكاية العابرين نحو ضفاف الأمان.​داخل ورشة صيانة الساعات في حي "أكتور"، لم يعد المظهر هو ذلك المكان المكتظ بالمجهول والخوف. أصبحت الورشة متسعاً أنيقاً يرتاده أهالي الحي من الإسبان والمهاجرين؛ جدرانها المكسوة بالخشب الفاتح تتزين بساعات جدارية قديمة تعمل بإيقاعٍ منتظم، وعلى الطاولة الرئيسية كانت ترابيزات العمل الدقيقة مصفوفةً بعناية.​كان "أمين" يقف خلف طاولته، يرتدي قميصاً أزرق ناصعاً، ويعلو وجهه ارتياحٌ لم يَعرفه منذ أيام الفنيدق. كانت قدمه قد تعافت تماماً بعد مرحلة الت

  • على سياج سبتة   الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"

    الجزء الثامن عشر: كمين تحت أضواء "دليسياس"كان الليلُ يخيمُ وثيقاً على مدينة سرقسطة، وتتساقطُ قطرات المطر الشتوي الخفيف متألقةً تحت أضواء مصابيح الشوارع الصفراء في حي "دليسياس" الشعبي.​في الشقة الصغيرة المتاخمة لنهر "إبرو"، لم يكن هناك مكانٌ للنوم. كانت الطاولة الخشبية مستغلة بالكامل؛ خرائط تفصيلية لمدينة سبتة المحتلة، صور قديمة لأزقة حي "إل برنسيبي" المظلمة، وأوراق رسمية صادرة عن الشرطة الوطنية الإسبانية ومكتب اللجوء والهجرة.​كان "أمين" يجلس قبالة المحامي الإسباني "ألبرتو غوميز"—المتطوع الدائم لدى منظمة الإنسان والحريات—وبصحبتهما المشرفة الاجتماعية "فاطمة" والضابط "كارلوس مورا" من وحدة مكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر بمدريد، والذي حضر خصيصاً إلى سرقسطة بعد البلاغ العاجل الذي قدمته "شمس".​"استمع إليّ جيداً يا أمين،" قال الضابط كارلوس بفرنسية متقنة وهو ينشر تقريراً أمنياً على الطاولة. "اتصلنا بالسلطات الأمنية في المحافظة السامية بمدينة سبتة، وقاموا بمراجعة أرشيف المقتنيات الشخصية للضحايا والمحتجزين في ليلة الأحداث التراجيدية التي قُتل فيها الشاب السنغالي 'عثمان دياكيتي'."​حب

  • على سياج سبتة   الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدق

    الجزء السابع عشر: سرّ "البارون" وظلال الفنيدقكان صمتُ "يونس" عبر الهاتف أثقل من مياه المضيق في ليلة يغيب فيها القمر. كان أمين يسمع حشرجة تنفس صديقه الممزوجة بصوت هدير أمواج مرسى الفنيدق، وكأن تلك اللقطات القديمة من الغرق والمطاردة تعاد صياغتها على مسرح أوربي جديد.​"تكلم يا يونس!" قال أمين وهو يضغط الهاتف على أذنه بيدٍ ترتجف غضباً وخوفاً. "أقسَمْتَ لي أن كل شيء انتهى، وأن الدفتر الذي سلّمتُه للشرطة في مدريد هو السجل الأخير! من هذا الرجل الذي يطلق على نفسه 'البارون'؟ وما هي هذه الشريحة الثانية التي يهددني بها وبحياة شمس وعمر؟"​تنفس يونس ببطء، وتصاعد من سماعة الهاتف صوت قدحة ولاعة خشبية، تلاها زفير سيجارة طويلة.​"البارون ليس مجرد مهرب عادي يا أمين..." قال يونس بصوت خفيض يقطر بالمرارة. "البارون هو الشريك الخفي لـ 'الريّس المكي' في فرنسا. هو العقل المالي الذي كان يدير أموال شبكة العبور بين طنجة، ومدريد، وباريس. الدفتر الذي سلّمته أنت كان يحتوي على الأسماء والمسارات العملية، لكن المحفظة الرقمية المعقدة التي تحوي ملايين اليوروات المهربة كانت مؤمنة بتشفير ثنائي... نصفه كان في شريحة مدريد،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status