Home / الرومانسية / على مسافة من الخطأ / ​الفصل الثاني عشر: صدى القرار والأمواج الدافئة

Share

​الفصل الثاني عشر: صدى القرار والأمواج الدافئة

Author: إيلا
last update publish date: 2026-08-20 17:47:21

​استيقظت ميار في الصباح التالي على صوت رذاذ المطر الخفيف وهو يداعب زجاج نافذة غرفتها. كانت الشمس تشرق بشحوب من خلف سحب خريفية ناعمة، تدفع بأشعة ذهبية خافتة لتنساب فوق أثاث الغرفة الخشبي ومراسمها المبعثرة باللوحات والألوان.

​جلست على أريكتها الصغيرة، تطوق جسدها برداء صوفي دافئ، وتحمل بين يديها فنجان القهوة الساخن. كانت نظراتها شاردة في الفراغ، بينما تتداعى إلى ذهنها تفاصيل الليلة الماضية بأكملها: دفء سترة كرم، لمسة يده الحازمة، ونبرة صوته الرخيمة وهو ينطق بكلماته الحاسمة التي أذابت آخر حواجز الخ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السابع عشر: تقاطعات الضوء والعتمة

    ​مع هبوط غشية المساء، بدأت ألوان الغسق البرتقالية والفيوليتية تتداخل مع السماء، صابغةً أفق الموقع البنائي بظلال دافئة أضفت نبلاً ساحراً على هيكل "مركز الفنون العصرية". خفتت حدة الضجيج الميداني المعتاد، واستُبدلت صرخات المحركات الضخمة بنغمات منتظمة لآلات صب المواد الترابية المعالجة، والتي كانت تسكب برفق وإتقان أولى الطبقات فوق واجهة الجناح الشرقي. ​كانت ميار تقف على حافة السقالة المرتفعة في الطابق الأول، ممسكةً بكشاف ضوئي محمول، وتتأمل الملمس الترابي الممتد تحت الضوء المائل. كانت القطرات الأولى للمادة المعالجة تنبعث منها رائحة الأرض المبلولة بعد المطر—رائحة أزالت من مخيلتها كل أثر لغبار النهار وصراعاته المالية. ​انقبضت أصابعها بحماس طفولي وهي تلمس السطح الاستوائي للمادة الذي جف جزئياً. كان القوام يجمع بين صلابة الحجر ودفء الطين المشرق، تماماً كما تخيلته في رسمها الرقمي الأول. ​من أسفل السقالة، ارتقى صوت خطوات حازمة وثقيلة على الدرج الخشبي المؤقت. لم تكن بحاجة للتفات لتعرف صاحبها؛ فنقر حذائه ونمط أنفاسه كانا محفورين في حواسها. ​صعد كرم إلى المنصة، وكان قد خلع خوذته ومسح وجهه بقطعة

  • على مسافة من الخطأ   الفصل السادس عشر: نبض في عمق الركام

    ​خرج كرم وميار من القاعة الميدانية، واستقبلتهما نسائم الظهيرة المكتومة بأريج الأتربة المتصاعدة وصوت المحركات التي تواصل دورانها الهادر. كانت الشمس قد بدأت تميل قليلاً عن كبد السماء، تُلقي بأشعة ذهبية دافئة تتهادى على الهياكل الحديدية الضخمة، لترسم ظلالاً طويلة ومترابطة على الأرض الحشة.​سارا جنباً إلى جنب نحو نقطة المعاينة الميدانية في الجناح الشرقي. كان الإرهاق الذهني بعد تلك المواجهة الحامية مع سليمان يلقي بثقله الخفي، غير أن المشاعر التي تبادلاها داخل الغرفة الإدارية تركت في قلبيهما سكينة عارمة وأماناً متيناً.​توقفت ميار عند حافة المنصة المرتفعة، وتأملت الحفر العميقة والشبكات الصلبة التي أُعِدّت لتستقبل الصبة الأولى للأساسات. رفعت رأسها ونظرت إلى كرم الذي وقف إلى جوارها، يمسك بيده المخطط الشامل بعد أن أعاد خوذته البيضاء إلى رأسه.​قالت ميار بصوت خفيض ينضح بشغف متجدد:— "أتدرك يا كرم؟ رغم كل ما حاول سليمان فعله، إلا أنني في هذه اللحظة بالذات أشعر بالامتنان... هذه الضغوط تجعلني أرى المبنى يعيش ويتنفس قبل أن يكتمل. إننا نقاتل من أجل كل مليمتر فيه."​التفت كرم ونظر إليها بعينين عسليتي

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الخامس عشر: ظلال على أرض هشة

    ارتفعت شمس الظهيرة لتتوسط كبد السماء فوق موقع البناء الشاسع، متلقيةً أشعتها الملتهبة على الهياكل الحديدية المكشوفة وأعمدة الخرسانة العارية. كان غبار التراب الرملي يرتفع كضباب خفيف مع حركة شاحنات النقل الثقيلة وآلات الحفر التي تصدر صخباً ممتداً يهز الأرجاء. وسط هذا الضجيج الميداني العارم، كان كرم يقف على مرتفع ترابي يطل على أساسات الجناح الشرقي لـ "مركز الفنون العصرية"، ممسكاً بمخطط تنفيذي ضخم تنعكس عليه أشعة الشمس، بينما كانت رأسه مكشوفة بعد أن خلع خوذته البيضاء لثوانٍ ليمسح العرق المتجمع على جبينه، متجاهلاً الحرارة والضغط ومكتفياً بنظراته الثاقبة التي تزن كل شبر في الأرض.اقتربت ميار منه بخطوات حذرة، تتفادى كابلات الكهرباء الممتدة على الأرض المبتلة برذاذ صهاريج المياه. كانت ترتدي سترة العمل الميدانية الحافظة، وتحمل بين يديها دفتر الملاحظات الجلدي مع عينات صغيرة ملموسة من الخشب الترابي المعالج. كانت تتطلع إلى كرم بإعجاب مكتوم؛ فهذا الرجل الذي أظهر لها بالبارحة رقة وحناناً يذيب الروح داخل شقته الهادئة تحت المطر، يقف الآن وسط الأتربة والصخب كجدار خرساني صلب لا تهزه الرياح.قبل أن تصل إل

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الرابع عشر: "بين الصلب والروح"

    أخذت أقطار المطر تتساقط بصوت أكثر كثافة على زجاج النافذة البانورامية، تاركةً خلفها خطوطاً مائية متعرجة تكسر انعكاس الأضواء الدافئة المنبعثة من مجسّم "مركز الفنون العصرية". كانت ميار لا تزال تجلس على طرف الطاولة الخشبية، متسندة بيديها الخلفيتين إلى سطحها الصقيل، وعيناها تتبعان قطرات المطر الخارجية في لحظة سكون صافية. لكنّ ذلك الهدوء الرغيد لم يدم طويلاً؛ إذ أحدث صوتُ رنين هاتف كرم، الذي كان موضوعاً فوق المكتب، ذبذبةً حادة شقت صمت الغرفة. توقف كرم عن تأمل وجهها، واستدار بجسده نحو المكتب. ألقى نظرة سريعة على الشاشة المضيئة، ولثانية واحدة، مرت على ملامحه الحادة لمحة خاطفة من التردد، قبل أن يسحب الهاتف ويجيب بصوت خفيض وبارد يعكس تحوله الفوري إلى رجل الأعمال الصارم: — "أهلاً وسيم... ألم نتفق على تأجيل مناقشة تقارير التربة إلى الغد؟" ساد صمت قصير وهو يستمع للطرف الآخر. بدأت معالم الراحة تتلاشى تدريجياً عن وجه كرم، لتستبدل بقسوة رزينة عادت لتكسو خطوط فكّه. انقطعت حدقة عينيه في الفراغ، واشتدت قبضته على الهاتف حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. تعدّلت ميار في جلستها، وراقبت تبدّل تعابيره بقلق مكتوم.

  • على مسافة من الخطأ   الفصل الثالث عشر: ظلال على جدار الخرسانة

    كانت أضواء الشارع الرئيسي تتلألأ فوق الأسفلت المبتل برذاذ المطر التشريني الخفيف، بينما كانت سيارة كرم السوداء تشق طريقها بسلاسة بين ازدحام المساء. ساد داخل السيارة دفء خفيض تشيعه أنفاسهما المتناغمة ورائحة القهوة المركزة الممزوجة بعطر كرم الخشبي وعرق الفانيليا الناعم الذي يضوع من ميار.كانت ميار تسند رأسها إلى المقعد المخملي الناعم، وتتأمل ان انعكاس أضواء المحلات على نافذتها الزجاجية. ورغم الإرهاق اللذيذ الذي خلفه يوم طويل من معاينة الخشب والألوان في الورشة الميدانية، إلا أن قلبها كان ينبض بسكينة عارمة لم تعهدها من قبل.التفتت بجسدها قليلاً نحو كرم. كان يمسك مقود السيارة بيده اليسرى بتمكن واسترخاء، بينما يده اليمنى تستقر بثبات فوق يدها المتروكة بينهما. كانت خطوط فكه الحاد تضيء وتظلم مع مرور أضواء الشوارع المتعاقبة، ويبدو في هذا الضوء الخافت كأنه منحوتة إغريقية جمعت بين الصرامة والجمال الساحر.قالت ميار بصوت ناعم يحمل نبرة مداعبة خفيفة:— "كرم... ألم تتعب بعد كل هذه الساعات؟ أدارت الورشة، والاجتماعات، والتدقيق الميداني... ومع ذلك لا يظهر عليك أي أثر للإرهاق."التفت كرم بنظره إليها لثوان

  • على مسافة من الخطأ   ​الفصل الثاني عشر: صدى القرار والأمواج الدافئة

    ​استيقظت ميار في الصباح التالي على صوت رذاذ المطر الخفيف وهو يداعب زجاج نافذة غرفتها. كانت الشمس تشرق بشحوب من خلف سحب خريفية ناعمة، تدفع بأشعة ذهبية خافتة لتنساب فوق أثاث الغرفة الخشبي ومراسمها المبعثرة باللوحات والألوان.​جلست على أريكتها الصغيرة، تطوق جسدها برداء صوفي دافئ، وتحمل بين يديها فنجان القهوة الساخن. كانت نظراتها شاردة في الفراغ، بينما تتداعى إلى ذهنها تفاصيل الليلة الماضية بأكملها: دفء سترة كرم، لمسة يده الحازمة، ونبرة صوته الرخيمة وهو ينطق بكلماته الحاسمة التي أذابت آخر حواجز الخوف والتردد في قلبها.​لم تعد العلاقة بينهما مجرد تقاطعات مهنية أو جدال بين زوايا خرسانية وألوان ترابية؛ لقد أصبحت حقيقة عميقة، ناضجة، ومشتعلة بالشغف والاطمئنان.​على المكتب الصغير بجوارها، أضاءت شاشة هاتفها إشعاراً جديداً. ابتسمت تلقائياً قبل أن تفتح الرسالة، كانت من كرم:​"صباح الخير يا ميار. أتمنى أن تكوني قد حظيتِ بنوم دافئ. لا تجهدي نفسكِ بالقدوم المبكر للموقع اليوم، الرياح شديدة وسأكون في اجتماع مع الموردين حتى الظهيرة. سأمر عليكِ لننتقل معاً إلى الورشة الميدانية."​قرأت الرسالة مرتين، وسرت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status