LOGINكانت أضواء الشارع الرئيسي تتلألأ فوق الأسفلت المبتل برذاذ المطر التشريني الخفيف، بينما كانت سيارة كرم السوداء تشق طريقها بسلاسة بين ازدحام المساء. ساد داخل السيارة دفء خفيض تشيعه أنفاسهما المتناغمة ورائحة القهوة المركزة الممزوجة بعطر كرم الخشبي وعرق الفانيليا الناعم الذي يضوع من ميار.كانت ميار تسند رأسها إلى المقعد المخملي الناعم، وتتأمل ان انعكاس أضواء المحلات على نافذتها الزجاجية. ورغم الإرهاق اللذيذ الذي خلفه يوم طويل من معاينة الخشب والألوان في الورشة الميدانية، إلا أن قلبها كان ينبض بسكينة عارمة لم تعهدها من قبل.التفتت بجسدها قليلاً نحو كرم. كان يمسك مقود السيارة بيده اليسرى بتمكن واسترخاء، بينما يده اليمنى تستقر بثبات فوق يدها المتروكة بينهما. كانت خطوط فكه الحاد تضيء وتظلم مع مرور أضواء الشوارع المتعاقبة، ويبدو في هذا الضوء الخافت كأنه منحوتة إغريقية جمعت بين الصرامة والجمال الساحر.قالت ميار بصوت ناعم يحمل نبرة مداعبة خفيفة:— "كرم... ألم تتعب بعد كل هذه الساعات؟ أدارت الورشة، والاجتماعات، والتدقيق الميداني... ومع ذلك لا يظهر عليك أي أثر للإرهاق."التفت كرم بنظره إليها لثوان
استيقظت ميار في الصباح التالي على صوت رذاذ المطر الخفيف وهو يداعب زجاج نافذة غرفتها. كانت الشمس تشرق بشحوب من خلف سحب خريفية ناعمة، تدفع بأشعة ذهبية خافتة لتنساب فوق أثاث الغرفة الخشبي ومراسمها المبعثرة باللوحات والألوان.جلست على أريكتها الصغيرة، تطوق جسدها برداء صوفي دافئ، وتحمل بين يديها فنجان القهوة الساخن. كانت نظراتها شاردة في الفراغ، بينما تتداعى إلى ذهنها تفاصيل الليلة الماضية بأكملها: دفء سترة كرم، لمسة يده الحازمة، ونبرة صوته الرخيمة وهو ينطق بكلماته الحاسمة التي أذابت آخر حواجز الخوف والتردد في قلبها.لم تعد العلاقة بينهما مجرد تقاطعات مهنية أو جدال بين زوايا خرسانية وألوان ترابية؛ لقد أصبحت حقيقة عميقة، ناضجة، ومشتعلة بالشغف والاطمئنان.على المكتب الصغير بجوارها، أضاءت شاشة هاتفها إشعاراً جديداً. ابتسمت تلقائياً قبل أن تفتح الرسالة، كانت من كرم:"صباح الخير يا ميار. أتمنى أن تكوني قد حظيتِ بنوم دافئ. لا تجهدي نفسكِ بالقدوم المبكر للموقع اليوم، الرياح شديدة وسأكون في اجتماع مع الموردين حتى الظهيرة. سأمر عليكِ لننتقل معاً إلى الورشة الميدانية."قرأت الرسالة مرتين، وسرت
كان المطعم الذي اختاره كرم يقع في زاوية هادئة من الحي القديم للمدينة. مطعم دافئ ذو طابع كلاسيكي، جدرانه من الحجر الدافئ المزين بلمسات خشبية وأضواء صفراء خافتة تنبعث من مصابيح نحاسية عتيقة. صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة كان ينساب في الخلفية كهمس رقيق، والنافذة القريبة من طاولتهما تطل على حديقة صغيرة تحممها قطرات المطر المتساقطة برفق.كان يجلس كرم قبالة ميار على طاولة خشبية عريضة تغطيها مفرش ناعم وتتوسطها شمعة دافئة تتراقص شعلتها بهدوء.كان كرم قد خلع سترة بدلتيه الميدانية، واكتفى بقميصه الأسود الذي فتح زره الأعلى وطوى أكمامه بأسلوب كاجوال متقن ينمّ عن ارتياح نفسي نادراً ما يظهره. أما ميار، فكانت قد خففت من طابعها الميداني عبر رفع شعرها البني المموج بالكامل بدبوس أنيق، تاركة عنقها الناعم يبدو في أبهى حليته تحت الإضاءة الذهبية الدافئة.جلس كرم يتأملها، يمسك بكأس الماء البلوري بيده القوية، وعيناه العسليتان تعكسان ضوء الشمعة المشتعلة بينهما.قالت ميار بابتسامة ساحرة وهي تستند بساعديها على الطاولة وتقترب منه قليلاً:— "لا أصدق أننا نجلس في مكان لا يحتوي على أي مخططات هندسية أو شاشات
كانت النماذج العيّنية لطلاء الواجهات مفرودة على طاولة خشبية طويلة تحت مظلة مؤقتة في الساحة الميدانية. تسللت أشعة الشمس الدافئة من بين السحب الركامية لتلقي ضوءاً ناصعاً وطبيعياً على درجات الألوان المختلفة.يقف كرم ببدلته الميدانية الداكنة، والقميص الأسود المرفوع الأكمام يبرز حسم وقفته. وإلى جانبه تقف ميار، تطوف بسبابتها فوق البطاقات الملونة الممتدة. ورغم أن المساعدين والعمال كانوا يقفون على مسافة قريبة ينتظرون التوجيهات الرسمية، إلا أن الهالة المحيطة بكرم وميار كانت تعزلُهما تماماً عن محيطهما الميداني.كانت اللمسة الناعمة والقبلة الدافئة التي انطبعت على جبهتها داخل الكرفان لا تزال تلقي بظلالها على نبرة صوتيهما ونظراتهما المتبادلة. لم يعد التحدي بينهما يحمل قسوة الصدام القديم، بل أضحى عبارة عن مداعبة عاطفية راقية يُغلفها الشغف والمرح.رفعت ميار بطاقة لونية بدرجة الترابي الدافئ (Terracotta) المشبع بلمسة ذهبية، وقربتها من كتف كرم الخرساني الجاف، وقالت بمكر جذاب:— "انظر يا مهندس... هذه الدرجة بالذات هي التي ستمنح مدخل المبنى حيوية ساحرة. إنها تعكس الضوء عند الظهيرة وتجعل الخرسانة البا
ساد المكان صمتٌ محمل بالتوتر العاطفي الشديد بعد أن ابتعد كرم خطوة صغيرة إلى الخلف. ورغم أن العمال في موقع البناء عادوا لمتابعة رفع الألواح الخشبية واعتذر المشرف بارتباك بالغ، إلا أن ميار لم تكن تسمع ضجيج المحركات، ولا كرم كان يلقي بالاً للملازم والمخططات المفرودة على الطاولة.كانت اللمسة الخاطفة، وقوة الاحتواء التي أظهرها كرم في لحظة الخطر المفاجئة، قد أذابت كل ما كان متبقياً من المسافات الرسمية. كانت يد ميار تلتف بتلقائية حول جهازها اللوحي تحاول استعادة ثباتها، بينما كان كرم يمرر يده على ساعده القوي، يحاول ضبط أنفاسه المتقطعة ونبرة صوته الحازمة التي اعتاد أن يخاطب بها مرؤوسيه.قال كرم بصوت رخيم، مائل للهدوء الخفيض وهو ينظر إليها مباشرة:— "الموقع هنا ما زال غير آمن بالكامل لتجوّلكِ بمفردكِ يا ميار. الشمس بدأت تنتصف، وأقترح أن ننتقل إلى مكتبي الميداني في الكرفان الجانبي لنراجع عينات دهان واجهات المدخل. الهواء بالخارج أصبح مترباً جداً."أومأت ميار برأسها، وكانت عيناها اللوزيتان تنبضان ببريق خاص يحمل مزيجاً من الامتنان والدفء. قالت بنبرة ناعمة:— "موافقة... أعتقد أننا بحاجة لمكان
مرت ثلاثة أيام على ليلة العاصفة والعرض الناجح. ثلاثة أيام لم يلتقيا فيها وجهاً لوجه، واقتصر التواصل بينهما على رسائل نصية قصيرة وتقارير عمل رسمية تُرسل عبر البريد الإلكتروني. لكن ذلك الصمت لم يكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة العاطفية القادمة؛ فقد كان كل منهما يستحضر في مخيلته تفاصيل تلك اللحظة الخافتة في قاعة الاجتماعات، وتلك الكلمات الصريحة التي ألقاها كرم قبل أن تغادر سيارته.في صباح يوم الأحد، كان موقع مشروع "مركز الفنون العصرية" يشهد بداية الحركة الميدانية الأولى. كانت أرض الموقع مساحة واسعة ومبتلة بآثار الأمطار الأخيرة، تحيط بها السقالات المعدنية والآليات الثقيلة، وشمس الصباح الخجولة تلقي بظلالها الذهبية على الهياكل الخرسانية الممتدة.وصلت ميار إلى الموقع في تمام التاسعة صباحاً. كانت ترتدي سترة جينز داكنة وعملية فوق كنزة صوفية باللون الزيتي، وبنطالاً مريحاً مع حذاء مخصص للمواقع الميدانية. كان شعرها المموج مربوطاً للخلف بإهمال محبب، وتحمل في يدها الخوذة البيضاء الواقية وجهازها اللوحي.وقفت عند مدخل الموقع تتأمل المساحة الفسيحة، وفجأة لمحت كرم يقف في المنتصف بين مجموعة من المهن







