Masukالفصل الثالث
المخطوطة التي أوشكت أن تضيع لم يكن آدم يعرف لماذا نهض من مقعده بهذه السرعة. حتى هو نفسه استغرب ردّة فعله. طوال حياته كان يزن خطواته بعقله، ولا يتدخل في أمر لا يعنيه، لكن ما إن سمع مدير المكتبة يقول إن هناك مشكلة في قسم المخطوطات، حتى شعر بانقباضٍ مفاجئ في صدره. وكأن حدسًا خفيًا دفعه إلى الوقوف قبل أن يفكر. نظر إليه مدير المشروع باستغراب. “أستاذ آدم… الاجتماع لم ينتهِ بعد.” التفت إليه معتذرًا. “لن أتأخر.” ثم خرج من القاعة بخطوات سريعة. ⸻ في الممر المؤدي إلى قسم ترميم المخطوطات، كان عدد من الموظفين يقفون أمام باب المختبر يتبادلون الحديث بقلق. اقترب منهم. سأل أحدهم: “ماذا حدث؟” أجابه الموظف: “وصلت مخطوطة نادرة هذا الصباح، وأثناء نقلها انقطع التيار الكهربائي عن غرفة التحكم بالرطوبة، فارتفعت درجة الحرارة بشكل مفاجئ. فريق الترميم يحاول إنقاذها قبل أن تتضرر.” تنفس آدم بارتياح دون أن يشعر. لم يكن الأمر حادثًا أصاب أحدًا. لكن سؤالًا آخر راوده: هل لجين في الداخل؟ ⸻ داخل المختبر، كانت لجين ترتدي القفازات الطبية، وتقف أمام طاولة خشبية واسعة. حولها أجهزة صغيرة تقيس الرطوبة والحرارة، وأوراق كثيرة مبعثرة بعناية. كانت ملامحها هادئة، لكنها تتحرك بسرعة ودقة. قال أحد الفنيين: “درجة الحرارة بدأت ترتفع.” أجابته دون أن ترفع رأسها: “افتحوا النوافذ الداخلية… وأحضروا الصندوق العازل.” تحرك الجميع لتنفيذ تعليماتها. كانت تتعامل مع الموقف بثبات أثار إعجاب آدم، الذي كان يراقب المشهد من خلف الزجاج. لم تكن تلك المرأة التي رآها تمازح النادل في المقهى فقط. بل كانت محترفة تعرف تمامًا ما تفعل. اقترب مدير المكتبة منها. “هل يمكن إنقاذها؟” رفعت رأسها. “إذا استعدنا التبريد خلال دقائق… نعم.” ⸻ لم تمر سوى لحظات حتى عاد التيار الكهربائي. بدأت الأجهزة تعمل من جديد. تنفس الجميع الصعداء. خلعت لجين قفازيها ببطء. وأغمضت عينيها لثوانٍ. كانت تلك أول لحظة تسمح فيها لنفسها بالشعور بالتوتر. صفق أحد الموظفين مازحًا. “أنقذتِ قطعة من التاريخ.” ضحك الجميع. أما هي فاكتفت بالابتسام. ⸻ عندما خرجت من المختبر، فوجئت بآدم يقف في نهاية الممر. بدت الدهشة واضحة على وجهها. “ما زلت هنا؟” ابتسم. “سمعت أن هناك مشكلة.” قالت وهي تمسح خصلات شعرها التي أفلتت من رباطها: “لحسن الحظ انتهت على خير.” تردد لحظة، ثم قال: “كنت قلقًا.” نظرت إليه بصمت. كانت الجملة بسيطة. لكنها بدت صادقة إلى درجة أربكتها. قالت بخفة لتبدد ذلك الشعور: “كل هذا القلق من أجل مخطوطة؟” ابتسم. ثم أجاب وهو ينظر إليها مباشرة: “ليس من أجل المخطوطة.” ساد الصمت. لم يزد كلمة. ولم يسألها إن فهمت قصده. لكنه رأى في عينيها أنها فهمت. خفضت بصرها قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خجولة لم تكن تشبه ابتسامتها السابقة. ⸻ قطعا الممر معًا حتى وصلا إلى بهو المكتبة. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة عصرًا. قال آدم: “هل انتهى دوامك؟” هزت رأسها. “تقريبًا.” ثم أضافت مبتسمة: “لكن لا تقلق… لن أذهب إلى المقهى اليوم، حتى لا يتعرض كتاب آخر للقهوة.” ضحك. “أظن أن خالد سيشعر بخيبة أمل.” ضحكت هي الأخرى. ثم قالت: “هل تذهب إلى هناك كل يوم؟” “لا.” “إذن لماذا ذهبت في ذلك المساء؟” توقف قليلًا. كان يستطيع أن يقول إنها عادة. أو لأنه يحب البحر. لكنه اختار الصدق. “لا أعرف.” ثم أضاف مبتسمًا: “لكنني سعيد لأنني ذهبت.” نظرت إليه لحظة، ثم قالت بهدوء: “وأنا أيضًا.” ⸻ خرجا من المكتبة معًا. كان الهواء يحمل نسمة باردة، وأوراق الأشجار تتحرك بخفة فوق الرصيف. عند البوابة الرئيسية، وقفت سيارة أجرة. فتحت لجين حقيبتها لتخرج محفظتها. ثم توقفت فجأة. بدأت تبحث داخل الحقيبة مرة، ثم مرتين. اختفت ابتسامتها. قال آدم: “هل حدث شيء؟” قالت بقلق: “محفظتي…” “ماذا عنها؟” “ليست هنا.” أفرغت محتويات الحقيبة على المقعد الحجري القريب. دفتر صغير. كتاب. علبة أقلام. مفاتيح. لكن المحفظة لم تكن بينها. رفعت رأسها بقلق واضح. “لا بد أنني تركتها في المختبر.” قال آدم فورًا: “تعالي.” عادا مسرعين إلى داخل المكتبة. سأل الحارس عند الباب: “هل خرج أحد من قسم المخطوطات؟” هز الحارس رأسه. “الجميع غادر.” صعدا إلى الطابق الثاني. كانت الغرفة شبه مظلمة. دخلت لجين تبحث في كل زاوية. تحت الطاولة. داخل الأدراج. بين الكتب. لكن المحفظة لم تكن موجودة. توقفت. وأخذ القلق يزداد في ملامحها. قالت بصوت خافت: “بداخلها بطاقة هويتي… وبطاقاتي البنكية… وصورة قديمة لوالدي.” نظر إليها آدم باهتمام. “صورة والدك؟” أومأت. “هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه.” ساد الصمت. ثم انحنى آدم فجأة بجوار الطاولة. مد يده خلف إحدى الخزائن الخشبية الضخمة. وبعد لحظة… أخرج محفظة جلدية بنية اللون. اتسعت عينا لجين. “وجدتها!” أخذتها بسرعة. فتحتها. كانت الصورة في مكانها. أغمضت عينيها، وزفرت براحة. ثم نظرت إلى آدم. ابتسمت. لكن هذه المرة لم تكن مجرد ابتسامة شكر. كانت نظرة امتنان عميقة. قالت بصوت هادئ: “أظن أنني أصبحت مدينة لك.” هز رأسه مبتسمًا. “لا أحب كلمة مدينة.” “إذن ماذا تحب؟” فكر للحظة. ثم قال: “فنجان شاي.” رفعت حاجبيها. “شاي؟” “أنت مدينة لي بفنجان شاي فقط.” ضحكت. ضحكة صافية ارتدت أصداؤها بين رفوف الكتب. ثم قالت: “اتفقنا.” ولم يكن أي منهما يعلم… أن ذلك الشاي البسيط، الذي اتفقا عليه عفويًا، سيكون بداية أول موعد حقيقي بينهما… وموعدًا سيحمل مفاجأة لم تكن في حسبان أيٍّ منهما.الفصل الرابع عشرالليلة التي تغيّر فيها كل شيءكانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً عندما توقفت سيارة آدم أمام البناية التي تسكن فيها لجين.لم تكن الأضواء الكثيرة تملأ الشارع كما في ساعات النهار، بل اقتصرت على مصابيح صفراء متباعدة، تُلقي ظلالًا طويلة فوق الأرصفة. كان الهواء لطيفًا، يحمل شيئًا من برودة الليل، بينما خلت الطرقات إلا من عدد قليل من السيارات العابرة.أطفأ آدم محرك السيارة، لكنه لم يمد يده إلى مقبض الباب.نظر إلى لجين، التي كانت لا تزال تمسك المفتاح النحاسي بين أصابعها، تقلبه ببطء وكأنها تحاول أن تستخرج منه سرًا لا يريد أن يُقال.قال مبتسمًا:“أعتقد أن هذا المفتاح أصبح يشغل بالك أكثر مني.”ابتسمت بخفة، لكنها لم ترفع عينيها عن المفتاح.“أشعر أن والدي كان يترك لي رسالة بعد أخرى، وكلما ظننت أنني اقتربت من النهاية، اكتشفت أنني ما زلت في البداية.”أجابها آدم بهدوء:“ربما لم يكن يريد أن يمنحك الإجابة… بل أراد أن يعلمك كيف تبحثين عنها.”التفتت إليه.كانت هذه الجملة تشبه كثيرًا ما كان يقوله والدها عندما كانت طفلة.سألته بدهشة:“هل كنت تعرف والدي؟”ضحك.“لا، لكن يبدو أنه كان رجلً
الفصل الثالث عشرالمطاردة الأولىللحظة واحدة…تبادل آدم ولجين النظرات، ثم تحرك آدم دون تردد.“ابقَي هنا.”لكن لجين لم تستمع إليه.قالت وهي تتبعه:“لن أتركك وحدك.”انطلق الرجل المجهول بين رفوف المكتبة بسرعة، محاولًا الوصول إلى المخرج الجانبي. كان يعرف المكان جيدًا، ويتحرك دون أن يلتفت خلفه.ركض آدم خلفه، بينما كان صوت خطواتهما يتردد في الممرات الهادئة.التفت بعض القراء بدهشة، ونهض أمين المكتبة من مقعده وهو يصيح:“ماذا يحدث؟”لكن أحدًا لم يجبه.────────خرج الرجل إلى الساحة الخارجية للمكتبة.كانت الشمس تميل نحو المغيب، والساحة مزدحمة بالزوار.استغل الزحام، وغير اتجاهه فجأة، ثم عبر الطريق مسرعًا.كاد آدم أن يلحق به، إلا أن سيارة مرت بينهما، فأجبرته على التوقف لحظة.استغل الرجل الفرصة، ودخل أحد الأزقة الضيقة.وصل آدم إلى الزقاق بعد ثوانٍ.لكنه كان فارغًا.اختفى الرجل.وكأنه تبخر.وصلت لجين وهي تلتقط أنفاسها.نظرت حولها.“أين ذهب؟”أجاب آدم وهو يتفحص المكان:“يعرف كيف يختفي.”خفض بصره إلى الأرض.لاحظ شيئًا صغيرًا يلمع بجوار حاوية قديمة.انحنى والتقطه.كان قلمًا معدنيًا أسود فاخرًا.لا يحمل
الفصل الثاني عشرأول الخيطفي ذلك المساء، عاد كلٌّ من آدم ولجين إلى منزله وهو يحمل أسئلة أكثر من الإجابات.كان البحر، الذي جمعهما أول مرة، هادئًا على غير عادته، لكن داخلهما لم يكن كذلك.شعرت لجين أن حياتها بدأت تنقسم إلى مرحلتين: ما قبل الرسالة… وما بعدها.أما آدم، فقد أدرك أن ما يحيط بها ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قضية لم تنتهِ آثارها بعد.⸻في صباح اليوم التالي، استيقظت لجين مبكرًا.وضعت الرسالة أمامها على الطاولة، وأعادت قراءتها للمرة الثالثة.هذه المرة لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.في أسفل الصفحة، بجوار توقيع والدها، كان هناك رمز صغير مرسوم بقلم الحبر.لم يكن توقيعًا.ولا ختمًا.بل دائرة يتوسطها مفتاح صغير.عقدت حاجبيها.همست لنفسها:“لم أرَ هذا الرمز من قبل.”بحثت في بقية الأوراق الموجودة داخل الصندوق.وبعد دقائق من التفتيش، وجدت الرمز نفسه على غلاف دفتر جلدي قديم.كان الدفتر خاليًا من أي عنوان.فتحته.بدت صفحاته الأولى فارغة.ثم، بعد عدة أوراق، بدأت تظهر ملاحظات كتبها والدها بخط صغير ومنظم.كانت الملاحظات تتحدث عن مخطوطات قديمة، وتواريخ، وأسماء مكتبات، وأرقام صفحات.لكن أكثر ما
الفصل الحادي عشرعينٌ خلف العدسةبقيت لجين تحدق في شاشة هاتفها.لم يكن ما أخافها هو مضمون الرسالة وحده…بل الصورة.كانت واضحة، التُقطت من زاوية مرتفعة، تُظهرها وهي تقف عند باب شقتها، بينما يقف فارس أمامها.هذا يعني أن من التقطها كان قريبًا جدًا.قريبًا إلى حد يسمح له بمراقبة مدخل البناية.شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.رفعت رأسها نحو النافذة.ثم أغلقتها بسرعة، وأسدلت الستائر.لأول مرة منذ سنوات، لم تشعر أن شقتها هي المكان الأكثر أمانًا.⸻أعادت النظر إلى الرقم الذي أرسل الرسالة.رقم غير مسجل.ضغطت على زر الاتصال.جاءها الرد الآلي:“الرقم المطلوب لا يمكن الوصول إليه.”حاولت مرة ثانية.ثم ثالثة.لكن النتيجة كانت نفسها.جلست على الأريكة وهي تحاول ترتيب أفكارها.هل تخبر آدم؟أم تتصل بفارس؟أم تذهب إلى الشرطة؟كانت الاحتمالات كثيرة، لكن المعلومات قليلة.قررت ألا تتخذ أي قرار وهي تحت تأثير الخوف.وضعت الهاتف إلى جوارها، وأخذت نفسًا عميقًا.ثم فتحت المظروف مرة أخرى.⸻كانت الرسالة بخط والدها المعروف، الواضح والمنظم.بدأت تقرأ من أولها، هذه المرة بهدوء.ابنتي لجين…إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فا
الفصل العاشرما بين الباب والعتبةتجمدت لجين في مكانها.كانت يدها لا تزال تمسك بالمظروف، بينما عيناها معلقتان بالعين السحرية.لم يكن هناك شك.إنه فارس.وقف أمام الباب بثياب بسيطة، على غير هيئته الرسمية التي اعتادت رؤيته بها. لم يكن يحمل حقيبة، ولا يبدو أنه جاء في زيارة طويلة.كان واقفًا بصمت.وكأنه يمنحها حرية الاختيار.إما أن تفتح الباب…أو أن يرحل.أغلقت لجين عينيها لثوانٍ، ثم أخفت المظروف داخل الصندوق الخشبي، وأعادته إلى الدرج، قبل أن تتجه ببطء نحو الباب.فتحت القفل.ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.نظر إليها فارس.وقال بهدوء:“مساء الخير.”لم تجب إلا بعد لحظة.“مساء النور.”ساد بينهما صمت طويل.قطعته هي بقولها:“كيف عرفت عنواني؟”أجاب بصراحة:“لم يكن صعبًا… ما زلتِ في الشقة نفسها.”لم تبدُ على وجهها أي ملامح ارتياح.قالت:“لماذا جئت؟”تنهد.“لأنني أخطأت حين حاولت أن أتحدث إليك في المعرض.”“إذن جئت لتعتذر؟”هز رأسه.“وجئت لأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.”⸻ظلت ممسكة بالباب.لم تدعه يدخل.ولم تطلب منه الرحيل.قالت:“ثماني سنوات يا فارس.”خفض رأسه.“أعرف.”“ثماني سنوات دون رسالة… دون اتصال
الفصل التاسعالرسالة التي لم يحن موعدهالم تستطع لجين أن تكمل القراءة.أعادت الورقة إلى المظروف بسرعة، وكأن الكلمات التي قرأتها أصبحت أثقل من أن تتحملها.جلس آدم أمامها بصمت.لم يسألها عمّا جاء في الرسالة.كان يرى الاضطراب في عينيها، ويشعر أن أي سؤال الآن سيكون عبئًا إضافيًا عليها.مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق أحدهما.ثم قالت لجين بصوت خافت:“أعتذر…”رفع آدم رأسه.“على ماذا؟”“لأنني دعوتك إلى هنا، ثم نسيت وجودك.”ابتسم ابتسامة هادئة.“أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن أمامه… هو الصمت.”نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يفهم خوفها دون أن يطالبها بشرحه.⸻أغلقت المظروف بعناية، ثم أعادته إلى الصندوق.لاحظ الأستاذ عبدالعزيز، الذي كان يراقبهما من بعيد، أن لون وجهها قد تغير.اقترب بخطوات هادئة.“هل كل شيء بخير يا ابنتي؟”حاولت أن تبتسم.“نعم… فقط احتجت إلى بعض الوقت.”هز الرجل رأسه بتفهم.ثم قال:“كان والدك كثيرًا ما يردد جملة لا أنساها.”رفعت لجين رأسها باهتمام.“ماذا كان يقول؟”ابتسم الرجل وهو يسترجع الذكرى.“كان يقول: الحقيقة مثل الشمس… قد تؤذي العين في اللحظ







