تسجيل الدخولالفصل الثاني
اللقاء الذي لم يكن في الحسبان استيقظ آدم في صباح اليوم التالي على غير عادته قبل أن يرن المنبه. فتح عينيه ببطء، وحدق في سقف غرفته للحظات، وكأنه يحاول أن يتذكر حلمًا أفلت منه مع أول خيط من الضوء. ثم تنهد وهو يبتسم بسخرية. “ماذا أصابك؟” كان يسأل نفسه. رجل تجاوز الأربعين، أمضى أكثر من عشرين عامًا يبني شركة أصبحت من أكبر الشركات في مجال الاستثمار العقاري، ويؤمن أن النجاح لا يتحقق إلا بالعقل والانضباط، يجد نفسه مشغولًا بامرأة لم يتبادل معها كلمة واحدة. نهض من فراشه، واتجه إلى النافذة. كان منزله يقع على تلة منخفضة تطل على جزء كبير من المدينة. أحب هذا المنزل منذ اشتراه، لأنه يمنحه شعورًا بالابتعاد عن صخب الحياة، لكنه في ذلك الصباح لم يكن يرى الأشجار ولا الطرق الممتدة أسفل التلة. كانت عيناه تستحضران مشهدًا واحدًا فقط. ابتسامتها. وتلك العبارة التي قالتها للنادل بكل هدوء: “لا بأس… يبدو أن الكتاب كان يحتاج إلى بعض القهوة ليبقى مستيقظًا.” ضحك وحده. ثم هز رأسه. “أصبحت تعيد الجملة كما لو كانت بيتًا من الشعر.” دخل إلى غرفة الملابس، وارتدى بدلته المعتادة، ثم نزل إلى المطبخ حيث كان العم صالح، الذي رافق العائلة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، يجهز الإفطار. ابتسم الرجل المسن عندما رآه. “صباح الخير يا أستاذ آدم.” “صباح الخير يا عم صالح.” وضع أمامه كوب القهوة، ثم قال وهو يتأمله: “يبدو أنك نمت جيدًا الليلة.” رفع آدم رأسه باستغراب. “كيف عرفت؟” ضحك العم صالح. “لأنك لأول مرة منذ أشهر تدخل المطبخ وأنت تصفر.” توقف آدم عن الحركة. لم يكن يشعر أنه كان يصفر فعلًا. ابتسم محرجًا. “ربما لأن الجو جميل.” رد العم صالح وهو يسكب الشاي لنفسه: “الجو جميل منذ أسبوع، لكنك لم تنتبه إليه إلا اليوم.” لم يجد آدم جوابًا. ⸻ في الوقت نفسه، كانت لجين تقف أمام مرآة صغيرة في شقتها. كانت ترتب شعرها استعدادًا للذهاب إلى المكتبة الوطنية، حيث تعمل ضمن فريق متخصص في ترميم الكتب والمخطوطات النادرة. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، ثم ابتسمت لنفسها. “أرجو ألا أقضي اليوم أفكر في رجل لا أعرف عنه شيئًا.” التقطت حقيبتها وغادرت. كان الطريق إلى المكتبة يمر عبر شارع تصطف على جانبيه أشجار الجاكرندا، التي بدأت أزهارها البنفسجية تتساقط على الأرصفة. أحبت هذا المشهد منذ سنوات. كانت تؤمن أن المدن تصبح أكثر لطفًا عندما تزرع الأشجار في طرقاتها. ⸻ في الشركة، بدأ يوم آدم مزدحمًا كعادته. اجتماعات. تقارير. مكالمات. وعقود تحتاج إلى توقيع. دخلت سكرتيرته، سارة، تحمل جدول المواعيد. قالت: “في الواحدة ظهرًا لديك اجتماع مع إدارة مشروع الحي الثقافي الجديد.” رفع رأسه. “أين سيقام؟” “في مبنى المكتبة الوطنية.” توقف لثانية. ثم أعاد السؤال وكأنه لم يسمع جيدًا. “المكتبة الوطنية؟” “نعم.” أضافت وهي تراجع الأوراق: “يبدو أنهم اختاروا قاعة الاجتماعات الجديدة هناك.” ابتسم ابتسامة خفيفة. لماذا شعر فجأة أن هذا اليوم يحمل شيئًا مختلفًا؟ ⸻ وصل آدم إلى المكتبة قبل الموعد بعشر دقائق. كان المبنى تحفة معمارية تمزج بين الحجر القديم والزجاج الحديث. في البهو الكبير انتشرت رائحة الورق القديم، ممزوجة برائحة الخشب المصقول. شعر براحة غريبة. لم يكن يرتاد المكتبات كثيرًا، لكنه كان يحب رائحتها. أوقفه موظف الاستقبال. “مرحبًا، أستاذ آدم. الاجتماع في الطابق الثاني، لكن المصعد تحت الصيانة مؤقتًا.” ابتسم. “لا بأس.” اتجه نحو الدرج. وفي منتصف السلم… سمع صوت ارتطام خفيف. التفت. كانت فتاة تحمل صندوقًا مليئًا بالكتب، وقد انزلقت إحدى النسخ وسقطت على الأرض. أسرع إليها دون تفكير. انحنى ليلتقط الكتاب. وفي اللحظة نفسها، انحنت هي أيضًا. التقت أيديهما فوق الغلاف. ثم… التقت عيناهما. توقف الزمن مرة أخرى. قالت بدهشة خفيفة: “أنت!” ابتسم هو. “يبدو أن المصادفات لا تزال تلاحقنا.” ضحكت. وكانت ضحكتها هذه المرة أكثر ارتياحًا. قالت: “أظن أن عليّ الاعتراف بأنني بدأت أؤمن بها.” ناولها الكتاب. “وهل الكتاب هذه المرة بخير؟” نظرت إلى الغلاف. ثم قالت مبتسمة: “الحمد لله… هذه المرة نجا من القهوة.” ضحك الاثنان. وكان ذلك كافيًا لأن يلتفت إليهما بعض المارة بابتسامات فضولية. ⸻ قال آدم: “لم أكن أعلم أنك تعملين هنا.” أجابت وهي ترتب الكتب داخل الصندوق: “أنا ضمن قسم ترميم المخطوطات.” “إذن كنت محقًا عندما شعرت أن علاقتك بالكتب ليست عادية.” ابتسمت. “وأنت؟” “لدينا اجتماع هنا.” أشارت إلى الطابق العلوي. “إذن نحن متجهان إلى المكان نفسه.” صعدا معًا الدرج. لم يكن بينهما ذلك الحرج الذي يرافق اللقاء الأول. بل كان هناك شعور غريب بالألفة، وكأن المسافة بين الغريبين تقلصت منذ النظرة الأولى في المقهى. عندما وصلا إلى الطابق الثاني، توقفت لجين. “يجب أن أذهب إلى المختبر.” أومأ آدم برأسه. ثم قال بعد لحظة تردد: “سعيد لأننا التقينا مرة أخرى.” نظرت إليه مباشرة. وقالت بابتسامة صادقة: “وأنا أيضًا.” ثم استدارت وغادرت. ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف باب خشبي كتب عليه: قسم ترميم المخطوطات. ⸻ دخل آدم قاعة الاجتماع، لكنه لم يسمع نصف ما قيل فيها. كانت أمامه خرائط ومجسمات ومناقشات طويلة. أما عقله… فكان في مكان آخر. كان يفكر في سؤال واحد فقط: هل كانت هذه مجرد مصادفة أخرى… أم أن الحياة بدأت تنسج خيوطًا لا يراها أحد سواها؟ وبينما كان يوقّع آخر ورقة في الاجتماع، دخل أحد الموظفين مسرعًا وهمس في أذن مدير المكتبة بكلمات جعلت ملامحه تتغير فجأة. نظر المدير نحو الحضور وقال بقلق: “أعتذر منكم… يبدو أن لدينا مشكلة في قسم المخطوطات.” لم يعرف آدم لماذا نهض من مقعده تلقائيًا. لكنه فعل. وكأن قلبه أخبره قبل عقله… أن الأمر يتعلق بلجين.الفصل الرابع عشرالليلة التي تغيّر فيها كل شيءكانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً عندما توقفت سيارة آدم أمام البناية التي تسكن فيها لجين.لم تكن الأضواء الكثيرة تملأ الشارع كما في ساعات النهار، بل اقتصرت على مصابيح صفراء متباعدة، تُلقي ظلالًا طويلة فوق الأرصفة. كان الهواء لطيفًا، يحمل شيئًا من برودة الليل، بينما خلت الطرقات إلا من عدد قليل من السيارات العابرة.أطفأ آدم محرك السيارة، لكنه لم يمد يده إلى مقبض الباب.نظر إلى لجين، التي كانت لا تزال تمسك المفتاح النحاسي بين أصابعها، تقلبه ببطء وكأنها تحاول أن تستخرج منه سرًا لا يريد أن يُقال.قال مبتسمًا:“أعتقد أن هذا المفتاح أصبح يشغل بالك أكثر مني.”ابتسمت بخفة، لكنها لم ترفع عينيها عن المفتاح.“أشعر أن والدي كان يترك لي رسالة بعد أخرى، وكلما ظننت أنني اقتربت من النهاية، اكتشفت أنني ما زلت في البداية.”أجابها آدم بهدوء:“ربما لم يكن يريد أن يمنحك الإجابة… بل أراد أن يعلمك كيف تبحثين عنها.”التفتت إليه.كانت هذه الجملة تشبه كثيرًا ما كان يقوله والدها عندما كانت طفلة.سألته بدهشة:“هل كنت تعرف والدي؟”ضحك.“لا، لكن يبدو أنه كان رجلً
الفصل الثالث عشرالمطاردة الأولىللحظة واحدة…تبادل آدم ولجين النظرات، ثم تحرك آدم دون تردد.“ابقَي هنا.”لكن لجين لم تستمع إليه.قالت وهي تتبعه:“لن أتركك وحدك.”انطلق الرجل المجهول بين رفوف المكتبة بسرعة، محاولًا الوصول إلى المخرج الجانبي. كان يعرف المكان جيدًا، ويتحرك دون أن يلتفت خلفه.ركض آدم خلفه، بينما كان صوت خطواتهما يتردد في الممرات الهادئة.التفت بعض القراء بدهشة، ونهض أمين المكتبة من مقعده وهو يصيح:“ماذا يحدث؟”لكن أحدًا لم يجبه.────────خرج الرجل إلى الساحة الخارجية للمكتبة.كانت الشمس تميل نحو المغيب، والساحة مزدحمة بالزوار.استغل الزحام، وغير اتجاهه فجأة، ثم عبر الطريق مسرعًا.كاد آدم أن يلحق به، إلا أن سيارة مرت بينهما، فأجبرته على التوقف لحظة.استغل الرجل الفرصة، ودخل أحد الأزقة الضيقة.وصل آدم إلى الزقاق بعد ثوانٍ.لكنه كان فارغًا.اختفى الرجل.وكأنه تبخر.وصلت لجين وهي تلتقط أنفاسها.نظرت حولها.“أين ذهب؟”أجاب آدم وهو يتفحص المكان:“يعرف كيف يختفي.”خفض بصره إلى الأرض.لاحظ شيئًا صغيرًا يلمع بجوار حاوية قديمة.انحنى والتقطه.كان قلمًا معدنيًا أسود فاخرًا.لا يحمل
الفصل الثاني عشرأول الخيطفي ذلك المساء، عاد كلٌّ من آدم ولجين إلى منزله وهو يحمل أسئلة أكثر من الإجابات.كان البحر، الذي جمعهما أول مرة، هادئًا على غير عادته، لكن داخلهما لم يكن كذلك.شعرت لجين أن حياتها بدأت تنقسم إلى مرحلتين: ما قبل الرسالة… وما بعدها.أما آدم، فقد أدرك أن ما يحيط بها ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قضية لم تنتهِ آثارها بعد.⸻في صباح اليوم التالي، استيقظت لجين مبكرًا.وضعت الرسالة أمامها على الطاولة، وأعادت قراءتها للمرة الثالثة.هذه المرة لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل.في أسفل الصفحة، بجوار توقيع والدها، كان هناك رمز صغير مرسوم بقلم الحبر.لم يكن توقيعًا.ولا ختمًا.بل دائرة يتوسطها مفتاح صغير.عقدت حاجبيها.همست لنفسها:“لم أرَ هذا الرمز من قبل.”بحثت في بقية الأوراق الموجودة داخل الصندوق.وبعد دقائق من التفتيش، وجدت الرمز نفسه على غلاف دفتر جلدي قديم.كان الدفتر خاليًا من أي عنوان.فتحته.بدت صفحاته الأولى فارغة.ثم، بعد عدة أوراق، بدأت تظهر ملاحظات كتبها والدها بخط صغير ومنظم.كانت الملاحظات تتحدث عن مخطوطات قديمة، وتواريخ، وأسماء مكتبات، وأرقام صفحات.لكن أكثر ما
الفصل الحادي عشرعينٌ خلف العدسةبقيت لجين تحدق في شاشة هاتفها.لم يكن ما أخافها هو مضمون الرسالة وحده…بل الصورة.كانت واضحة، التُقطت من زاوية مرتفعة، تُظهرها وهي تقف عند باب شقتها، بينما يقف فارس أمامها.هذا يعني أن من التقطها كان قريبًا جدًا.قريبًا إلى حد يسمح له بمراقبة مدخل البناية.شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.رفعت رأسها نحو النافذة.ثم أغلقتها بسرعة، وأسدلت الستائر.لأول مرة منذ سنوات، لم تشعر أن شقتها هي المكان الأكثر أمانًا.⸻أعادت النظر إلى الرقم الذي أرسل الرسالة.رقم غير مسجل.ضغطت على زر الاتصال.جاءها الرد الآلي:“الرقم المطلوب لا يمكن الوصول إليه.”حاولت مرة ثانية.ثم ثالثة.لكن النتيجة كانت نفسها.جلست على الأريكة وهي تحاول ترتيب أفكارها.هل تخبر آدم؟أم تتصل بفارس؟أم تذهب إلى الشرطة؟كانت الاحتمالات كثيرة، لكن المعلومات قليلة.قررت ألا تتخذ أي قرار وهي تحت تأثير الخوف.وضعت الهاتف إلى جوارها، وأخذت نفسًا عميقًا.ثم فتحت المظروف مرة أخرى.⸻كانت الرسالة بخط والدها المعروف، الواضح والمنظم.بدأت تقرأ من أولها، هذه المرة بهدوء.ابنتي لجين…إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فا
الفصل العاشرما بين الباب والعتبةتجمدت لجين في مكانها.كانت يدها لا تزال تمسك بالمظروف، بينما عيناها معلقتان بالعين السحرية.لم يكن هناك شك.إنه فارس.وقف أمام الباب بثياب بسيطة، على غير هيئته الرسمية التي اعتادت رؤيته بها. لم يكن يحمل حقيبة، ولا يبدو أنه جاء في زيارة طويلة.كان واقفًا بصمت.وكأنه يمنحها حرية الاختيار.إما أن تفتح الباب…أو أن يرحل.أغلقت لجين عينيها لثوانٍ، ثم أخفت المظروف داخل الصندوق الخشبي، وأعادته إلى الدرج، قبل أن تتجه ببطء نحو الباب.فتحت القفل.ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.نظر إليها فارس.وقال بهدوء:“مساء الخير.”لم تجب إلا بعد لحظة.“مساء النور.”ساد بينهما صمت طويل.قطعته هي بقولها:“كيف عرفت عنواني؟”أجاب بصراحة:“لم يكن صعبًا… ما زلتِ في الشقة نفسها.”لم تبدُ على وجهها أي ملامح ارتياح.قالت:“لماذا جئت؟”تنهد.“لأنني أخطأت حين حاولت أن أتحدث إليك في المعرض.”“إذن جئت لتعتذر؟”هز رأسه.“وجئت لأن الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل.”⸻ظلت ممسكة بالباب.لم تدعه يدخل.ولم تطلب منه الرحيل.قالت:“ثماني سنوات يا فارس.”خفض رأسه.“أعرف.”“ثماني سنوات دون رسالة… دون اتصال
الفصل التاسعالرسالة التي لم يحن موعدهالم تستطع لجين أن تكمل القراءة.أعادت الورقة إلى المظروف بسرعة، وكأن الكلمات التي قرأتها أصبحت أثقل من أن تتحملها.جلس آدم أمامها بصمت.لم يسألها عمّا جاء في الرسالة.كان يرى الاضطراب في عينيها، ويشعر أن أي سؤال الآن سيكون عبئًا إضافيًا عليها.مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق أحدهما.ثم قالت لجين بصوت خافت:“أعتذر…”رفع آدم رأسه.“على ماذا؟”“لأنني دعوتك إلى هنا، ثم نسيت وجودك.”ابتسم ابتسامة هادئة.“أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن أمامه… هو الصمت.”نظرت إليه، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك من يفهم خوفها دون أن يطالبها بشرحه.⸻أغلقت المظروف بعناية، ثم أعادته إلى الصندوق.لاحظ الأستاذ عبدالعزيز، الذي كان يراقبهما من بعيد، أن لون وجهها قد تغير.اقترب بخطوات هادئة.“هل كل شيء بخير يا ابنتي؟”حاولت أن تبتسم.“نعم… فقط احتجت إلى بعض الوقت.”هز الرجل رأسه بتفهم.ثم قال:“كان والدك كثيرًا ما يردد جملة لا أنساها.”رفعت لجين رأسها باهتمام.“ماذا كان يقول؟”ابتسم الرجل وهو يسترجع الذكرى.“كان يقول: الحقيقة مثل الشمس… قد تؤذي العين في اللحظ







