Home / المذؤوب / عهد الذئب الاخير / الفصل الاول:الوافدة الجديده

Share

عهد الذئب الاخير
عهد الذئب الاخير
Author: أيه

الفصل الاول:الوافدة الجديده

Author: أيه
last update publish date: 2026-10-02 02:20:29

كان الثلج يغطي مدينة ويسلر في مقاطعة كولومبيا البريطانية كأنه بطانية بيضاء لا نهاية لها، وكانت الجبال تحيط بها كحراس صامتين أرهقهم السهر. وقفت إيفلين مورغان أمام بوابة المدرسة الجديدة، تضم حقيبتها إلى صدرها، وتتأمل المبنى الحجري الذي تسرّبت من نوافذه أضواء صفراء دافئة، لم تفلح في تبديد وحشتها.

لم تكن تحب الانتقال، ولا ما يفعله بالمرء من اقتلاع للجذور. قبل أسابيع قليلة كانت تعيش في تورونتو، بين شوارع تحفظها قدماها ووجوه ألفتها حتى صارت جزءًا من نهارها. أما الآن فقد وجدت نفسها في بلدة صغيرة تطوقها الغابات، وكل ما فيها هادئ أكثر مما ينبغي، كأن الصمت هنا يخفي شيئًا ينتظر.

كانت أمها قد رددت في السيارة طوال الطريق: «ستحبينها يا عزيزتي. المكان جميل، والناس طيبون.» لكن في نبرتها توترًا لم تفهمه إيفلين، فقد لاحظت أنها تلقي نظرة إلى المرآة الخلفية كل دقيقة، كأنها تخشى أن يتبعهما أحد.

زفرت إيفلين، فتصاعد بخار أنفاسها أبيض في الهواء المتجمد، ثم دفعت الباب الثقيل ودخلت.

استقبلها دفء الممرات، ورائحة الطلاء الجديد، وضجيج الطلاب. حدق بعضهم فيها بفضول لا يخفى، فالوافدة الجديدة في بلدة صغيرة حدث يستحق التأمل. تسلمت من مكتب الإدارة جدولها وخريطة المبنى، ثم مضت تبحث عن خزانتها بين ممرات متشابهة.

وفي أثناء ذلك بلغ سمعها دوي متقطع: صرخات، وارتطام عصي، واحتكاك شفرات بالجليد. قادتها قدماها من غير قصد إلى مدخل الصالة الرياضية الكبرى.

كانت حلبة الجليد تمتد أمامها لامعة بيضاء، يتدرب فوقها فريق المدرسة. دوّت صافرة المدرب، فانطلق اللاعبون كالسهام، تتقاطع عصيهم ويتطاير الجليد المسحوق تحت أحذيتهم. لم تكن إيفلين من عشاق هذه اللعبة، لكنها عجزت عن الإشاحة ببصرها.

من بين اللاعبين برز شاب طويل القامة يرتدي القميص رقم سبعة عشر. كان يتحرك بخفة مدهشة، كأنه يعرف موضع القرص قبل أن يصل إليه، وكأن الجليد نفسه يطيعه. لم يكن في حركته تكلف ولا استعراض، بل ثقة هادئة تشبه ثقة الذئب في غابته.

لم تدر لِمَ خطرت لها هذه المقارنة.

توقفت دون أن تشعر، وخفق قلبها على غير عادته. وفجأة رفع الشاب رأسه، كأن أحدًا ناداه باسمه، والتفت نحو المدخل، فالتقت عيناه بعينيها.

كانتا رماديتين عميقتين، تحملان شيئًا أقدم من عمره. ولثوان معدودة بدا أن الضجيج كله قد انسحب من العالم؛ فلا صافرات ولا صرخات، بل نظرة طويلة معلقة بين طرفي الصالة.

ثم صاح أحد اللاعبين:

«إيثان! ركز يا رجل!»

انتبه الشاب، والتفت إلى زملائه، فيما تراجعت إيفلين مسرعة وقد احمر وجهها من حرج لا تعرف سببه. مشت في الممر وهي تضغط على حقيبتها، وقلبها يضرب في صدرها كطائر حبيس.

لم تكن تعلم أن تلك النظرة القصيرة ستغير حياتها بالكامل، وأن شيئًا قديمًا نائمًا في الجبال قد تململ في تلك اللحظة، وفتح عينه الأولى.

وبينما كانت إيفلين تبتعد عن الصالة، ارتفع في الخارج عواء بعيد، طويل وغامض. توقفت للحظة، ونظرت نحو النوافذ المغطاة بالثلج. لم تعرف لماذا شعرت بأن العواء كان موجهًا إليها وحدها.

في الجهة الأخرى من المدرسة، وقف إيثان للحظات دون أن يسمع حديث زملائه. كان يشعر برائحة غريبة وصلت إليه من الممر؛ رائحة ثلج وصنوبر، وتحتها شيء آخر لم يستطع تفسيره. شيء جعله يشعر بأن فتاة لم يرها تحمل سرًا يخصه.

رفع عينيه نحو الباب، لكنه لم يرها.

ولأول مرة منذ سنوات، شعر إيثان بأن حياته الهادئة بدأت تتغير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عهد الذئب الاخير    الفصل المائه والاخير:البدايه التي اختارتها.

    استيقظت إيفلين على ضوء شتوي هادئ يتسلل من بين ستائر غرفتها.كان الثلج قد غطى الشوارع طوال الليل، وحين فتحت النافذة قليلًا، شعرت ببرودة الهواء تلامس وجهها.نظرت إلى الخارج.كل شيء كان أبيض.ابتسمت.مر وقت طويل منذ كان الثلج يعني لها الخوف والغموض والأسئلة التي لا تجد لها إجابة.أما الآن، فلم يعد يعني سوى شيء واحد.البداية.أغلقت النافذة، ثم عادت إلى هاتفها.كان هناك عشرات الإشعارات.مقالها الجديد نُشر في الصباح.فتحت الصفحة.كان العنوان في الأعلى:"بين النسخة الأولى والنتيجة النهائية: كيف تتغير المناقصات أثناء المراجعة؟"بدأت تقرأ التعليقات.بعض القراء قالوا إنهم لم يكونوا يعرفون أن التقييم الأولي يمكن أن يتغير بهذه الطريقة.آخرون تحدثوا عن أهمية مراجعة المستندات قبل الحكم على أي مشروع.وكان هناك تعليق قصير جعلها تبتسم:"أحيانًا الحقيقة أبسط من القصة التي نتخيلها."أغلقت الصفحة.لم تكن بحاجة إلى المزيد.لقد فهمت الدرس.ليس كل غموض يخفي جريمة.وليس كل اسم يتكرر يعني وجود مؤامرة.وليس كل اختلاف في الأرقام دليلًا على تلاعب.أحيانًا تكون الحقيقة موجودة في مكان واضح، لكننا نحتاج فقط إلى الص

  • عهد الذئب الاخير    الفصل التاسع وتسعون: المراجعه الأخيرة

    لم تنتظر إيفلين حتى صباح اليوم التالي.كانت الجملة الموجودة في أسفل محضر الاجتماع تدور في رأسها منذ أن قرأتها:"يوصى بإجراء مراجعة إضافية قبل اعتماد النتيجة النهائية."لم يكن فيها اتهام، ولا اسم شركة، ولا سبب واضح.لكنها كانت كافية لتفتح سؤالًا جديدًا.جلست أمام الحاسوب وفتحت محضر الاجتماع مرة أخرى. قرأت الصفحات السبع ببطء، هذه المرة سطرًا سطرًا.كان واضحًا أن لجنة التقييم راجعت عروض جميع الشركات خلال فترة المراجعة، وأن المستندات الإضافية سُجلت رسميًا.لكن سبب التوصية بالمراجعة الإضافية لم يكن مذكورًا بالتفصيل.فتحت إيفلين دفترها وكتبت:لماذا طلبت اللجنة مراجعة إضافية؟ثم تحتها:هل كانت المراجعة تتعلق بشركة معينة أم بجميع العروض؟أرسلت الصورة إلى سارة.— "محتاجة أعرف سبب الجملة دي."جاء الرد بعد دقائق:— "هحاول أوصل لمحضر الاجتماع اللي بعدها."ابتسمت إيفلين.— "ده اللي محتاجينه."بدأت تبحث بنفسها في المستندات العامة للمشروع. كان هناك أكثر من ملف، وبعضها يحمل تواريخ مختلفة. أحد الملفات كان بعنوان:الاجتماع النهائي للجنة التقييم.فتحته بسرعة.لكن الملف كان محميًا بكلمة مرور.تنهدت.لم ت

  • عهد الذئب الاخير    الفصل الثامن وتسعون: المستند المضاف

    عادت إيفلين إلى شقتها في وقت متأخر من الليل، لكنها لم تفكر حتى في النوم.كانت صورة المستند الذي أرسلته سارة لا تزال مفتوحة على شاشة هاتفها."تمت إضافة المستند بعد إغلاق التقييم الأول."كانت الجملة وحدها كافية لإثارة فضولها، لكنها لم تكن كافية لتكوين قصة.وهذا ما كانت تعرفه جيدًا.وضعت حقيبتها على الكرسي، ثم جلست أمام الحاسوب وفتحت الملف الذي أرسلته سارة.كان المستند عبارة عن عرض مالي محدث قدمته إحدى الشركات المشاركة في المناقصة.في أعلى الصفحة ظهر التاريخ.ثم توقيع مسؤول إداري.ثم ملاحظة صغيرة في الأسفل:"تم استلام المستند ضمن فترة السماح المحددة للمراجعة."رفعت إيفلين حاجبها.فترة السماح؟إذن المستند لم يصل بالضرورة بعد الموعد النهائي.ربما كانت المشكلة في طريقة تسجيله، وليس في توقيته.اتصلت بسارة."إنتِ لسه صاحيه؟"ضحكت سارة من الطرف الآخر."كنت مستنياكي تتصلي.""لقيتي المستند كامل؟""أيوه.""والتاريخ؟""موجود.""طيب ليه اتضاف بعد إغلاق التقييم الأول؟"صمتت سارة لحظة."مش عارفة.""يبقى لازم نعرف."في صباح اليوم التالي، بدأت إيفلين من المصدر نفسه.اتصلت بالجهة المسؤولة عن المناقصة وط

  • عهد الذئب الاخير    الفصل السابع وتسعون: الاسم المتكرر

    في صباح اليوم التالي، وصلت إيفلين إلى غرفة الأخبار قبل معظم الموظفين.كانت تحمل كوب قهوتها وملف مشروع محطة السكك القديمة تحت ذراعها. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم جلست أمام الحاسوب وفتحت المستندات التي جمعتها في الليلة السابقة.كان اسم Northgate Development لا يزال أمامها.لم تكن تعرف إن كان وجوده يستحق كل هذا الاهتمام، لكنها لم تتعلم خلال عملها الصحفي أن تتجاهل التفاصيل المتكررة.فتحت محرك البحث الداخلي للصحيفة وكتبت الاسم.ظهرت عشرات النتائج.تقارير اقتصادية.أخبار عن مشروعات عقارية.إعلانات شراكات.مناقصات قديمة.ومقال صغير نُشر قبل أربع سنوات.توقفت عنده.كان المقال يتحدث عن مشروع لتطوير منطقة صناعية في الطرف الشرقي من المدينة.قلبت إيفلين المقال بسرعة.اسم الشركة كان موجودًا، لكن ذلك لم يكن الغريب.الغريب أن إحدى الشركات التي شاركت في تنفيذ المشروع كانت Blue Crest Hauling.تجمدت يدها فوق لوحة المفاتيح.Blue Crest.نفس الشركة التي ظهرت في التحقيق السابق المتعلق بالشحنة 47-B.لكنها لم تسمح لنفسها بالقفز إلى أي استنتاج.فتحت التقرير الاقتصادي كاملًا.كان المشروع مختلفًا تمامًا.القطاع مخت

  • عهد الذئب الاخير    السادس وتسعون:مابعد التحقيق

    لم تتوقع إيفلين أن تشعر بهذا الفراغ بعد انتهاء التحقيق.على مدار الأسابيع الماضية، كان يومها يبدأ وينتهي بالشحنة 47-B. كانت تستيقظ وهي تفكر في مستند ناقص، وتنام وهي تتساءل عن اسم جديد ظهر في ورقة قديمة. كل إجابة كانت تفتح سؤالًا آخر، وكل سؤال كان يقودها إلى شخص جديد أو مكان جديد.والآن...انتهى كل شيء.جلست أمام مكتبها صباحًا، تنظر إلى شاشة الحاسوب دون أن تكتب شيئًا.كان المقال قد نُشر منذ ساعات، وبدأت التعليقات تصل تباعًا. بعض القراء أثنوا على التفاصيل، والبعض الآخر قال إن التحقيق جعلهم يفكرون في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها معلومة ناقصة إلى قصة مختلفة تمامًا.فتحت إيفلين التعليقات سريعًا، ثم أغلقتها.لم تكن تريد أن تقضي يومها في متابعة آراء الناس.كانت تريد أن تعرف ماذا ستفعل بعد ذلك.ظهر اسم سارة على شاشة هاتفها.— "إنتِ فين؟"ابتسمت إيفلين.— "في المكتب."— "عارفة. بس إنتِ ساكتة بقالك ساعة."— "مفيش حاجة أعملها."— "مفيش حاجة؟"ضحكت سارة.— "إنتِ أخيرًا خلصتي تحقيق من غير ما تلاقي مصيبة جديدة؟"قالت إيفلين:— "واضح."دخلت سارة إلى الغرفة بعد دقائق، وفي يدها كوبان من القهوة.وضعت

  • عهد الذئب الاخير    الفصل الخامس تسعون: التغيير الاخير

    جلست إيفلين أمام مكتبها، بينما كانت شاشة الحاسوب مضاءة في غرفة الأخبار شبه الهادئة. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، ومع ذلك لم تشعر بالتعب. أمامها امتدت الأوراق التي جمعتها خلال الأيام الماضية، وكل واحدة منها تحمل جزءًا من قصة الشحنة 47-B.كانت الصورة الآن واضحة تقريبًا.المستودع السابع.إعادة ترتيب الحمولة.تغيير مسار بسبب موعد التسليم.التخزين المؤقت ليلة واحدة.الميناء الثاني.ثم تغيير شركة النقل.ثم الميناء الثالث.وأخيرًا وصول الشحنة إلى مشروع توسعة الميناء.لكن شيئًا واحدًا ظل عالقًا في ذهنها.لماذا تغيرت شركة النقل؟لم يكن التغيير دليلًا على وجود مشكلة، لكنها لم تكن تريد أن تترك السؤال دون إجابة.فتحت الملف الذي أرسلته سارة، وبدأت تقرأه مرة أخرى.ظهر اسم الشركة الأولى.Northline Transport.ثم في السطر التالي ظهر اسم شركة أخرى.Blue Crest Hauling.وبين الاسمين ملاحظة قصيرة:"تم تعديل مسؤولية النقل وفقًا للتحديث التعاقدي."رفعت إيفلين حاجبيها.تحديث تعاقدي؟هذا يعني أن هناك عقدًا أو ملحقًا للعقد.قالت لنفسها:"إذن أين المستند؟"أرسلت رسالة إلى سارة.— "هل تقدري تدوري على أي عقد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status