ホーム / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الخامس: أول لقاء تحت سقف واحد

共有

الفصل الخامس: أول لقاء تحت سقف واحد

last update 公開日: 2026-08-04 20:45:26

قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.

عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.

كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤوم – طفلة صغيرة السن نسبياً بالنسبة لحفل كبير كهذا، ولم تنتبه لملامحه كثيراً وسط الزحام الهائل والفوضى التي أعقبت الحادثة المروعة. أما الآن، وهو يقف أمامها مباشرة بثوبه الداكن البسيط وقامته المديدة المهيبة، فقد رأت رجلاً تُثقل عينيه سنوات طويلة من الحزن الصامت العميق رغم أنه لم يتجاوز بعد الخامسة والثلاثين من عمره.

وقف عند الباب، لم يتقدم كثيراً نحوها، حافظ على مسافة واضحة مقصودة، وقال بصوت هادئ لكنه بارد رسمي: "أعلم تماماً أن هذا الزواج ليس اختيارك أنتِ، كما أنه أيضاً ليس اختياري الكامل الحر. لكنني أعدك أمام الله بأمر واحد لن أحيد عنه: لن تُهاني في بيتي هذا أبداً، ولن يُذكر اسمك إلا بالخير والاحترام، طالما احترمتِ أنتِ هذا البيت وأهله وتقاليده."

رفعت سلمى رأسها بثقة مفاجئة، ونظرت إليه مباشرة في عينيه – وهو أمر لم يتوقعه هو شخصياً إطلاقاً، فالنساء عادة يُطرقن رؤوسهن خجلاً أمام رجل غريب في مثل هذا الموقف الحساس. قالت بصوت واضح ثابت، رغم أن قلبها كان يخفق بشدة بالغة داخل صدرها من التوتر الشديد: "وأنا أعدك يا سيدي، أمام الله أيضاً، بأمر واحد لا أتنازل عنه: لن أطلب منك أبداً حباً لم يعد قلبك يملكه أو يقدر على منحه، فأنا أحترم حزنك وذكراك. لكنني في المقابل لن أقبل أن أُعامَل كذنب يُدفع ثمنه كل يوم، أو كعقاب دائم لا ينتهي. أنا لست الرصاصة التي أخذت زوجتك الغالية، ولا أريد أن أُعاقَب طوال حياتي المتبقية على يد لم تكن يدي أصلاً ولا أعرف صاحبها."

فوجئ راشد فعلاً بجرأة كلامها الصريح المباشر. لم يكن يتوقع أبداً من فتاة في العشرين من عمرها فقط، مطرودة عملياً من بيت أهلها وحياتها المعتادة بقرار قاسٍ لم تصنعه هي بيدها، أن تتحدث بهذا الوضوح التام وهذه الكرامة العالية أمامه مباشرة دون خوف ظاهر. نظر إليها لحظة طويلة صامتة، وشيء ما في عينيه المتعبتين تغيّر قليلاً بشكل لا يكاد يُلاحظ – ليس حباً بالطبع، فالحب الحقيقي لا يُولد أبداً في لحظة عابرة كهذه، لكنه كان أقرب إلى احترام غير متوقع بدأ يتشكل رغماً عنه.

وقفت سلمى تنتظر رده بقلب يخفق، غير متأكدة إن كانت جرأتها في الكلام ستُغضبه أو ستكسب احترامه، لكنها لم تندم على كلمة واحدة قالتها، فقد قررت منذ البداية ألا تدخل هذا البيت وهي تُخفي حقيقتها خوفاً من رد فعله. قال بعد صمت طويل مفكر: "لم أقصد أبداً أن أُحمّلك ذنباً ليس ذنبك أصلاً، ولا أن أجعلك تدفعين ثمن جريمة لم ترتكبيها. المعذرة الصادقة إن بدا كلامي وكأنه كذلك في أذنيك."

كانت هذه، بشكل لافت لم ينتبه إليه هو نفسه، أول مرة يعتذر فيها راشد لأي أحد كان منذ وفاة نورة المفجعة قبل عام كامل.

اقترب خطوة واحدة حذرة نحوها، ثم توقف فجأة، وكأنه تذكّر فجأة أن هذه الغرفة تحديداً لم تكن غرفة نورة الأصلية بذكرياتها العزيزة، وأن هذه المرأة الشابة الواقفة أمامه بثبات ليست الزوجة التي أحبها بجنون وفقدها بألم، بل امرأة أخرى تماماً، دخلت حياته المضطربة بقرار الكبار الحكيم لا بقرار قلبه الحزين المكسور.

قال بصوت أكثر هدوءاً وأقل رسمية قليلاً: "سأترككِ الآن لترتاحي هذه الليلة الطويلة بعد يوم متعب. غداً صباحاً، إن شاء الله، سأُعرّفك بنفسي على البيت كاملاً وعلى أهله المقيمين فيه."

ثم استدار بهدوء وخرج من الغرفة، تاركاً سلمى وحيدة تماماً في تلك الغرفة الغريبة عنها كل الغرابة، تستمع بانتباه لوقع خطواته الثقيلة وهي تبتعد تدريجياً في الممر الحجري الطويل، وتشعر لأول مرة منذ أن عرفت بخبر زواجها المفاجئ أن ثمة شيئاً ما – مهما كان صغيراً وخافتاً وغير واضح المعالم بعد – قد بدأ يتغيّر بالفعل في داخلها.

جلست عند النافذة الحجرية الصغيرة، تنظر بشرود إلى ظلام الليل الدامس خارج بيت زوجها الجديد الغريب، وقالت لنفسها بصوت لا يُسمع سوى في أعماق قلبها: "يا سلمى، ليس عليكِ أبداً أن تُحبيه، فهذا ليس مطلوباً منك. عليكِ فقط أن تنجي بكرامتك كاملة غير منقوصة من هذا الاختبار الصعب."

لكن قلبها، رغم كل ما قالته لنفسها بحزم وعزيمة، كان لا يزال يخفق بإيقاع غريب لم تفهمه بعد تماماً، إيقاع بدأ يتسلل إليها رغماً عنها في تلك الليلة الأولى الغامضة.

قبل أن تُغمض عينيها أخيراً، أخرجت سلمى من صرة صغيرة أحضرتها معها من بيت أهلها مجموعة من الأوراق المطوية بعناية، أوراقها الخاصة بخلطات الأعشاب التي جمعتها على مر السنين. تصفحتها ببطء، وشعرت بشيء من الطمأنينة يعود إليها، فهذا العلم الذي تحمله لن يأخذه منها أحد مهما تغيّرت الظروف. قررت في تلك اللحظة أنها ستستمر في هذا الطريق حتى في بيتها الجديد، وأن هذه الموهبة قد تكون مفتاحها لإيجاد مكانة تخصها في هذا العالم الغريب الذي دخلته رغماً عنها.

استلقت أخيراً على الفراش الغريب، تحدّق في سقف الغرفة المزخرف، وتستعيد في ذهنها كل تفصيلة من ذلك اللقاء القصير: نبرة صوته حين اعتذر، النظرة التي عبرت عينيه للحظة، الطريقة التي وقف بها بعيداً عنها كأنه يخشى الاقتراب أكثر مما ينبغي. لم تكن هذه مشاعر حب بالتأكيد، فهي لا تعرف هذا الرجل إلا منذ ساعات معدودة، لكنها كانت أقرب إلى فضول غريب، ورغبة خفية في أن تفهم أكثر هذا الرجل المحاط بالحزن من كل جانب، هذا الرجل الذي رغم كل الظروف القاسية التي جمعتهما، اختار أن يعتذر لها بدل أن يتجاهلها أو يُهينها كما توقعت.

خارج الغرفة، في ممر البيت الطويل المظلم، توقف راشد للحظة عند زاوية الجدار، ونظر خلفه نحو الباب المغلق الذي تركها خلفه، وشعر بشيء غريب يعتصر صدره، شيء لم يشعر به منذ عام كامل: فضول. فضول تجاه امرأة لم يخترها، لكنها فاجأته بكلماتها الجريئة الصادقة. هزّ رأسه محاولاً طرد هذا الشعور الغريب، وتابع طريقه نحو غرفته الخاصة، غير مدرك بعد أن تلك الليلة كانت بداية رحلة طويلة لم يكن يتخيل نهايتها.

في غرفته، وجد فارس ينتظره، جالساً بصبر يحتسي القهوة، فقد أراد أن يطمئن على صديقه في أول ليلة من زواجه الجديد. سأله بابتسامة خفيفة: "كيف كان اللقاء الأول؟" جلس راشد بجانبه، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يجيب: "مختلفة يا فارس، مختلفة تماماً عما توقعت. لم تكن خائفة كما ظننت، ولا منكسرة كما تمنى البعض. تحدثت إليّ بجرأة لم أعهدها من امرأة من قبل، حتى من نورة نفسها في أول لقاءاتنا." رفع فارس حاجبيه باستغراب ممزوج بالفضول: "يبدو أن قدرك جلب لك امرأة ذات شخصية قوية، لا مجرد فتاة خائفة تنتظر رحمتك." ابتسم راشد ابتسامة تعبة، وقال: "لست أدري بعد ماذا أظن، لكنني أشعر أن الأيام القادمة لن تكون كما توقعتها بالضبط."

بعد أن غادر فارس، جلس راشد وحيداً في شرفة غرفته الصغيرة المطلة على الفناء، يتأمل النجوم كعادته، ويفكر في تلك الكلمات التي قالتها سلمى له: "لست الرصاصة التي أخذت زوجتك." كانت جملة بسيطة، لكنها أصابت وتراً عميقاً في داخله، وتراً لم يُمس منذ عام كامل. أدرك في تلك اللحظة أن الطريق أمامه، رغم كل الحزن الذي يحمله، قد يحمل أيضاً مفاجآت لم يتوقعها، وأن هذه المرأة الشابة التي دخلت بيته رغماً عنها قد تكون أقوى وأعمق مما بدت عليه في النظرة الأولى.

قبل أن يستسلم للنوم، مرّ راشد بغرفة أمه ليطمئنها كعادته كل ليلة، فوجدها لا تزال مستيقظة، جالسة تُسبّح بمسبحتها الخشبية القديمة. سألته دون مقدمات: "كيف وجدتها؟" أجاب بحذر: "فتاة ذات شخصية، يا أمي، لم أتوقع هذا." تنهدت مضاوي بثقل، وقالت: "أعطها وقتاً يا بني، وأعطِ نفسك وقتاً أيضاً. لن أزعم أنني سأحبها بسهولة، فقلبي لا يزال يتألم لفقدان نورة، لكنني لن أظلمها إن كانت فعلاً كما تصفها." كانت هذه أول إشارة من مضاوي إلى احتمال تليّن موقفها القاسي، وشعر راشد ببصيص أمل خافت وهو يودّع أمه وينسحب أخيراً إلى فراشه بعد ليلة طويلة مرهقة غيّرت مجرى حياته بأكملها.

❖ ❖ ❖

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • غرام راشد   الفصل الخامس: أول لقاء تحت سقف واحد

    قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو

  • غرام راشد   الفصل الرابع: ليلة العرس الأخرى

    جاء يوم الزفاف بعد شهر كامل من ذلك القرار المصيري الثقيل، لكنه لم يكن كسائر أيام الأعراس السعيدة المعروفة. لم تُقرَع الطبول بذلك الصخب المعتاد الصاخب، ولم تُطلَق العيارات النارية احتفالاً في الهواء كما جرت العادة – فلا أحد في القبيلتين كان راغباً في تذكّر ما جرى بالضبط في ذلك العرس السابق المشؤوم. كان يوماً هادئاً، رسمياً باهتاً، تحكمه بروتوكولات الصلح والمصالحة أكثر بكثير مما يحكمه الفرح الحقيقي والبهجة الصادقة.في الأيام التي سبقت الزفاف، اجتمعت نساء القبيلة في بيت عايض لمساعدة سلمى في تحضيراتها، كما جرت العادة، لكن الأجواء لم تكن كسائر الأعراس الصاخبة المبهجة. كانت الأغاني التي تُنشَد أخف حدة، والضحكات أقل صخباً، وكأن الجميع يدرك في قرارة نفسه أن هذا الزفاف يحمل طابعاً مختلفاً عن كل ما عرفوه من قبل. جلست سلمى وسط النساء وهن يُزيّنّ يديها بالحناء، تستمع لنصائحهن المتضاربة عن الحياة الزوجية، بعضهن يتحدثن عن السعادة المنتظرة، وأخريات يهمسن بقلق عن طبيعة الرجل الذي ستتزوجه وحزنه المعروف للجميع. قالت إحدى الجارات العجائز، وهي تُمسك يد سلمى بلطف: "لا تخافي يا بنيتي، الرجال الذين أحبوا مر

  • غرام راشد   الفصل الثالث: القرار الصعب

    في ديار بني حارث، على بُعد مسيرة يوم كامل بالإبل، كان راشد يجلس وحيداً في مجلسه الخاص بعد أن غادر آخر ضيوفه في وقت متأخر من الليل، والمصباح الوحيد المضاء في الغرفة يلقي ظلالاً طويلة راقصة على الجدران الحجرية العتيقة. كان صديقه فارس، الذي لم يفارقه منذ أيام الصبا وشاركه أفراحه وأتراحه كلها، يجلس قبالته على الوسائد، يراقب صمته الثقيل الذي طال أكثر من اللازم في تلك الليلة تحديداً.قال فارس أخيراً، كاسراً ذلك الصمت الخانق: "حمود بن فهد ينتظر جوابك يا راشد، أرسل رسولاً هذا المساء يستعجل الرد. القبيلة كلها تنتظر قرارك بفارغ الصبر، فمصير السلام معلّق على كلمة واحدة منك."لم يرفع راشد عينيه عن ألسنة النار المتوهجة في الموقد الحجري، كأنه يجد فيها عزاء أو تسلية عن أفكاره المؤلمة. قال بصوت أجش متعب: "يريدونني أن أتزوج من ابنة الرجل الذي قد يكون قتل نورة، يريدونني أن أُدخل ابنة الجاني – إن صح الظن – إلى بيتي وفراشي وحياتي كلها."رد فارس بهدوء محاولاً التعقل: "لم يُثبت حتى الآن أن عايض آل ناصر هو من أطلق تلك الرصاصة اللعينة، ولا حتى أحد من صفهم بيقين تام لا لبس فيه. أنت تعرف هذا جيداً يا راشد، فقد

  • غرام راشد   الفصل الثاني: مجلس القرار

    اجتمع كبار القبيلتين في بيت شيخ الوسيط، حمود بن فهد، الرجل الذي يحظى باحترام الجميع لحياده التام وحكمته المعروفة في فض النزاعات القبلية منذ عشرات السنين. جلس عايض آل ناصر في صدر المجلس، ووجهه لا يزال يحمل أثر عام كامل من القلق والأرق وشعور الذنب الذي لم يفارقه لحظة، وجلس مقابله ممثلون عن بني حارث، رجال جادّون صامتون، بينما تغيّب راشد نفسه عن هذه الجلسة الأولى عمداً، إذ لم يكن بعد قد قرر ما إذا كان سيقبل بما سيُعرض عليه من قرارات مصيرية.دارت فناجين القهوة مرات عديدة، وتبودلت الأحاديث الجانبية عن أحوال المطر والمواشي، كعادة المجالس البدوية التي لا تدخل في صلب الموضوع مباشرة احتراماً لثقل الموقف. وأخيراً، بعد أن أفرغ حمود بن فهد فنجانه الثالث ووضعه جانباً بحركة بطيئة مقصودة، بدأ الحديث الجاد.قال حمود بصوت هادئ لكنه حازم: "يا عايض، الدم الذي سال في عرسك لم يُعرف قاتله بيقين تام حتى اليوم، وهذا في حد ذاته نار تحت الرماد قد تشتعل في أي لحظة. بنو حارث يريدون ضماناً حقيقياً أن هذا الدم لن يُنسى ولن يُهدر بلا أثر، وأنتم بدوركم تريدون ضماناً أن التهمة لن تُلصق بكم إلى الأبد وتُطارد أبناءكم من

  • غرام راشد   الفصل الأول: يوم الفرح الذي صار مأتماً

    كانت الطبول تُقرَع في ديار آل ناصر منذ الصباح الباكر، وكانت الخيام قد نُصبت على امتداد الوادي كأنها سحابة بيضاء هبطت من عليائها لتُظلّل فرحاً طال انتظاره. عرسٌ لا يشبه سائر الأعراس، فقد اجتمعت فيه ثلاث قبائل كبرى، وتقاطرت الوفود من كل ناحية تحمل الهدايا والتهاني والقهوة المطيّبة بالهيل، حتى غصّ الوادي بأصوات الترحيب والضحك والمزامير البدوية التي لا تُعزف إلا في المناسبات الكبرى.وسط هذا الزحام المهيب، كانت نورة بنت مسلّم تقف على أطراف الساحة النسائية، بين صفوف النساء اللواتي يتمايلن على إيقاع الطبول، تراقب زوجها راشد بن سالم الحارثي وهو يستقبل ضيوفه بابتسامة لم تفارق محياه منذ أن دخل هذا الوادي فجراً. كان يقف بين رجال قبيلته، مهيباً في بشته الأسود المطرز، يستقبل التهاني بيد ثابتة وقلب يفيض سعادة، فقد كان هذا اليوم يمثّل له تتويجاً لعامين من الزواج السعيد، وذكرى يعتز بها أهل بني حارث كلهم.كانت نورة تلبس يومها ثوباً أخضر زمردياً مطرزاً بخيوط الفضة الدقيقة، هدية من راشد بمناسبة مرور عامين على زواجهما، أهداها إياه في احتفال صغير قبل أسابيع، وقال لها يومها بابتسامة عريضة: "هذا اللون يليق

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status