Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الثالث: القرار الصعب

Share

الفصل الثالث: القرار الصعب

last update publish date: 2026-08-04 20:43:29

في ديار بني حارث، على بُعد مسيرة يوم كامل بالإبل، كان راشد يجلس وحيداً في مجلسه الخاص بعد أن غادر آخر ضيوفه في وقت متأخر من الليل، والمصباح الوحيد المضاء في الغرفة يلقي ظلالاً طويلة راقصة على الجدران الحجرية العتيقة. كان صديقه فارس، الذي لم يفارقه منذ أيام الصبا وشاركه أفراحه وأتراحه كلها، يجلس قبالته على الوسائد، يراقب صمته الثقيل الذي طال أكثر من اللازم في تلك الليلة تحديداً.

قال فارس أخيراً، كاسراً ذلك الصمت الخانق: "حمود بن فهد ينتظر جوابك يا راشد، أرسل رسولاً هذا المساء يستعجل الرد. القبيلة كلها تنتظر قرارك بفارغ الصبر، فمصير السلام معلّق على كلمة واحدة منك."

لم يرفع راشد عينيه عن ألسنة النار المتوهجة في الموقد الحجري، كأنه يجد فيها عزاء أو تسلية عن أفكاره المؤلمة. قال بصوت أجش متعب: "يريدونني أن أتزوج من ابنة الرجل الذي قد يكون قتل نورة، يريدونني أن أُدخل ابنة الجاني – إن صح الظن – إلى بيتي وفراشي وحياتي كلها."

رد فارس بهدوء محاولاً التعقل: "لم يُثبت حتى الآن أن عايض آل ناصر هو من أطلق تلك الرصاصة اللعينة، ولا حتى أحد من صفهم بيقين تام لا لبس فيه. أنت تعرف هذا جيداً يا راشد، فقد حقّقنا في الأمر شهوراً طويلة دون نتيجة قاطعة."

"أعرف كل هذا يا فارس، عقلي يعرفه تماماً. لكن قلبي لا يعرف إلا شيئاً واحداً بسيطاً وموجعاً: أن نورة ماتت في عرسهم، تحت سقف بيتهم، بين ضيوفهم، وأن السلام لن يتحقق إلا بثمن باهظ، والثمن هذه المرة اسمه سلمى بنت عايض، فتاة بريئة تماماً مما جرى."

نهض فارس ببطء واقترب منه، ووضع يده على كتفه بحنان الأخوة الصادقة: "يا راشد، أنت شيخ قبيلة كاملة تعتمد عليك في كل قرار مصيري، قبل أن تكون رجلاً يحمل حزناً شخصياً مهما كان عميقاً ومبرراً. فكّر معي: كم شاباً من شبابنا سيموت إن اشتعلت الحرب بين القبيلتين؟ كم امرأة بريئة ستفقد زوجها أو ابنها كما فقدتَ أنت زوجتك الغالية؟ هذا الزواج ليس خيانة لذكرى نورة الطاهرة، بل هو بالعكس تماماً الطريق الوحيد لحماية كل من تبقّى من الأحياء، وصون دمائهم من أن تُراق بلا طائل."

بقي راشد صامتاً طويلاً، يتأمل كلمات صديقه بجدية، ثم قال أخيراً بصوت أخفت وأكثر انكساراً: "لن أحبها يا فارس، هذا مستحيل. لن أستطيع أن أحب امرأة أخرى بعد نورة، قلبي دُفن معها في تلك الحفرة. لكنني سأحترمها كزوجة، وسأحمي اسمها وكرامتها، وسأمنع هذه الفتنة اللعينة من أن تبتلع قبيلتنا وأبناءها الأبرياء."

صمت فارس قليلاً، ثم قال بنبرة أكثر جدية: "أتذكر يا راشد حين مرضتَ في صغرك مرضاً شديداً، وظن الجميع أنك لن تنجو؟ كانت أمك تجلس بجانبك ليالي طويلة، تدعو الله أن يشفيك. وحين شُفيت أخيراً، قالت لي إن الله لا يغلق باباً إلا ويفتح آخر أوسع منه. ربما هذا الزواج، رغم كل ثقله وألمه الظاهر، هو الباب الذي سيفتحه الله لك بعد أن أغلق باب نورة إلى الأبد. لا أقول هذا لأخفف عنك حزنك، بل لأذكّرك أن الحياة لم تنتهِ بعد، وأن قلبك، رغم كل ما مر به، لا يزال ينبض بالحياة."

قال فارس بهدوء حكيم: "لم يطلب منك أحد أن تحبها يا صديقي، لا اليوم ولا غداً. القلب لا يُؤمر بالحب، هذه حقيقة يعرفها الجميع."

نهض فارس ليصبّ لهما فنجانين آخرين من القهوة، وبينما كان يفعل ذلك، سأل راشد بفضول حقيقي: "وماذا تعرف عنها، عن سلمى هذه؟ هل سمعت شيئاً؟" أجاب فارس وهو يعود للجلوس: "سمعت أنها فتاة مثقفة نوعاً ما، تُعنى بالأعشاب وعلاجاتها، ويُقال إنها أنقذت حياة أكثر من طفل في قبيلتها بمعرفتها هذه. كما يُقال إنها عنيدة الرأي، لا تُطيع بسهولة، وهذا قد يكون تحدياً لك يا راشد، أنت المعتاد على أن تُطاع في كل شيء." ضحك راشد ضحكة خافتة، وقال: "ربما هذا بالضبط ما أحتاجه الآن، شخص لا يخشى مواجهتي، بعد سنة كاملة من الجميع يتعامل معي بحذر مبالغ فيه خشية أن يجرح مشاعري."

ابتسم راشد ابتسامة باهتة حزينة، لم تصل إلى عينيه المتعبتين قط: "القلب لا يُؤمر بالحب... صحيح. لكنه أيضاً لا يُقفَل بإرادة صاحبه ولا بقراره، مهما حاول ذلك الصاحب جاهداً. سأحاول رغم ذلك أن أبقيه مغلقاً، سأحاول من أجل ذكرى نورة."

جلس الاثنان صامتين لبرهة طويلة، يستمعان إلى صوت الريح الخفيف يتسلل من نافذة المجلس، حتى قال فارس أخيراً بنبرة أخف، محاولاً كسر الجو الثقيل المخيم على المكان: "أتذكر حين كنا صغاراً، وكنت تقول لي دائماً إنك لن تتزوج إلا عن حب حقيقي، لا عن مصلحة أو حساب؟ ها قد تغيّرت الأحوال يا صديقي."

ضحك راشد ضحكة خافتة، أول ضحكة حقيقية منذ أشهر طويلة، وقال: "تغيّرت الأحوال فعلاً، لكن يبقى قلبي كما هو، لن يتغيّر أبداً تجاه من أحببتها أولاً. هذا الزواج واجب يا فارس، ليس أكثر من ذلك، وسأحمل هذا الواجب كما أحمل كل واجباتي الأخرى تجاه قومي، بصبر وثبات."

نظر إليه فارس بعينين تحملان مزيجاً من الشفقة والأمل معاً، وكأنه يعرف شيئاً لا يعرفه راشد بعد عن نفسه، لكنه لم يقل شيئاً، واكتفى بأن ودّعه بعناق أخوي حار قبل أن يغادر المجلس في تلك الليلة الطويلة.

بقي راشد وحيداً بعد رحيل صديقه، يستعيد في ذهنه كل ما قيل تلك الليلة. نهض أخيراً، وخرج إلى فناء البيت الواسع، ورفع عينيه نحو السماء المرصعة بالنجوم، كما اعتاد أن يفعل في لحظات الحيرة الكبرى منذ صباه. تذكر كلمات والده الراحل، الذي كان شيخاً حكيماً قبله: "يا بني، الشيخ الحق هو من يضع مصلحة قومه فوق راحته الشخصية، ولو كلّفه ذلك أغلى ما يملك." كررها راشد في سره مرات عديدة تلك الليلة، وكأنها تعويذة تمنحه القوة على المضي في طريق لم يخترْه، لكنه أصبح الآن واجباً لا مفر منه ولا هروب.

عاد إلى غرفته أخيراً بعد منتصف الليل بساعتين، وقبل أن يستسلم للنوم المتعب، أخرج من درج مكتبه رسالة قديمة لم يفتحها منذ أشهر، رسالة كتبتها له نورة في أول أيام زواجهما، وأعاد قراءتها للمرة المئة، وكأنه يستمد منها آخر قطرات القوة قبل أن يبدأ فصلاً جديداً كلياً من حياته لم يكن يتخيله يوماً.

❖ ❖ ❖

في الصباح التالي، بعد ليلة طويلة من التفكير والتقليب بين الرفض والقبول، أرسل راشد جوابه النهائي إلى حمود بن فهد عبر رسول موثوق: الموافقة على الزواج، بشرط واضح صريح لا لبس فيه، أن تُعامل سلمى في بيته بكل احترام وكرامة تليق بها، وأن لا يُذكر اسم نورة أمامها بسوء أو بمقارنة مهينة جارحة تحت أي ظرف، فهو – رغم حزنه العميق وجرحه الذي لم يندمل – لم يكن يوماً رجلاً يقبل الظلم أو الإهانة، ولو كان الظلم موجهاً لامرأة لم يخترها قلبه ولم يرغب في زواجها أصلاً.

قبل أن يغادر فارس ذلك الصباح، وقف عند باب المجلس، والتفت نحو صديقه بنظرة فيها مزيج من الفخر والقلق معاً: "اتخذتَ القرار الصحيح يا راشد، أعرف كم كلّفك هذا من ألم. لكن دعني أسألك سؤالاً واحداً قبل أن أذهب: هل فكرت يوماً أنك قد لا تكون وحدك من يعاني في هذا الزواج؟ تلك الفتاة، مهما كانت هويتها وأصلها، ستدخل بيتاً لا يريدها أحد فيه، وستُعامَل كغريبة في كل زاوية، بينما ذنبها الوحيد أنها وُلدت في العائلة الخطأ في الوقت الخطأ."

توقف راشد عن الحركة، وبدت على وجهه للحظة عابرة نظرة تأمل صادقة لم يُظهرها من قبل. قال بصوت خافت: "لم أفكر في هذا حقاً حتى الآن يا فارس، كنت مشغولاً تماماً بحزني الخاص عن أن أرى حزن الآخرين. سأحاول أن أتذكر هذا حين تصل."

خرج فارس من المجلس وهو يبتسم بخفة، لأول مرة منذ عام كامل يرى في صديقه بارقة من التعاطف الإنساني تتجاوز حدود ألمه الشخصي، وشعر في قرارة نفسه أن هذا القرار، رغم قسوته الظاهرية ومرارته، قد يحمل في طياته بذرة خير لم يرها أحد بعد.

عاد راشد بعد ذلك إلى غرفة نورة المغلقة، وهو أمر لم يفعله منذ أشهر طويلة خوفاً من أن يُجدد جراحه. فتح الباب ببطء، ودخل إلى الغرفة التي بقيت كما تركتها صاحبتها تماماً، عباءتها المعلقة، عطرها الذي لا يزال عالقاً في الهواء رغم مرور الوقت، مشطها الموضوع على الطاولة الصغيرة. جلس على حافة الفراش، وأخذ يتحدث إليها بصوت خافت، كما لو كانت لا تزال تسمعه: "يا نورة، سأتزوج مرة أخرى، ليس لأنني نسيتك، بل لأنقذ قومنا من حرب لا طائل منها. أعلم أنك، لو كنتِ هنا، لفهمتِ هذا القرار ولباركتِه، فأنتِ كنتِ دوماً أكثر حكمة مني في هذه الأمور." بقي جالساً هناك ساعة كاملة، يستعيد ذكرياتهما، قبل أن يغلق الباب خلفه بحذر شديد ويعود إلى حياته المقبلة بقلب مثقل لكنه مصمم على الوفاء بوعده لصديقه ولقبيلته.

في طريقه إلى غرفته، مرّ بغرفة أمه، فوجدها لا تزال مستيقظة رغم تأخر الساعة، جالسة عند نافذتها تنظر إلى الظلام. دخل عليها، وجلس بجانبها بصمت لحظة قبل أن يقول: "قررتُ يا أمي، سأتزوج." نظرت إليه مضاوي بعينين حزينتين تحملان مشاعر متضاربة، ثم قالت أخيراً: "أعرف أن هذا صعب عليك يا بني، لكنني فخورة بك، فخورة أنك تضع مصلحة قومك فوق ألمك الشخصي. لكن اعلم أنني لن أستطيع أن أفتح قلبي بسهولة لهذه الفتاة، ابنة من قد يكون تسبب في موت من أحببتها كابنة لي." أخذ راشد يد أمه بحنان، وقال: "لا أطلب منك حباً فورياً يا أمي، أطلب فقط ألا تُسيئي معاملتها، فهي بريئة كما نحن." أومأت مضاوي برأسها بصمت، غير قادرة على الوعد بأكثر من ذلك في تلك الليلة الصعبة.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status