Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الأول: يوم الفرح الذي صار مأتماً

Share

غرام راشد
غرام راشد
Author: farida alzebair

الفصل الأول: يوم الفرح الذي صار مأتماً

last update publish date: 2026-08-04 20:39:20

كانت الطبول تُقرَع في ديار آل ناصر منذ الصباح الباكر، وكانت الخيام قد نُصبت على امتداد الوادي كأنها سحابة بيضاء هبطت من عليائها لتُظلّل فرحاً طال انتظاره. عرسٌ لا يشبه سائر الأعراس، فقد اجتمعت فيه ثلاث قبائل كبرى، وتقاطرت الوفود من كل ناحية تحمل الهدايا والتهاني والقهوة المطيّبة بالهيل، حتى غصّ الوادي بأصوات الترحيب والضحك والمزامير البدوية التي لا تُعزف إلا في المناسبات الكبرى.

وسط هذا الزحام المهيب، كانت نورة بنت مسلّم تقف على أطراف الساحة النسائية، بين صفوف النساء اللواتي يتمايلن على إيقاع الطبول، تراقب زوجها راشد بن سالم الحارثي وهو يستقبل ضيوفه بابتسامة لم تفارق محياه منذ أن دخل هذا الوادي فجراً. كان يقف بين رجال قبيلته، مهيباً في بشته الأسود المطرز، يستقبل التهاني بيد ثابتة وقلب يفيض سعادة، فقد كان هذا اليوم يمثّل له تتويجاً لعامين من الزواج السعيد، وذكرى يعتز بها أهل بني حارث كلهم.

كانت نورة تلبس يومها ثوباً أخضر زمردياً مطرزاً بخيوط الفضة الدقيقة، هدية من راشد بمناسبة مرور عامين على زواجهما، أهداها إياه في احتفال صغير قبل أسابيع، وقال لها يومها بابتسامة عريضة: "هذا اللون يليق بعينيك يا نورة، أريدك أن تلبسيه في أول مناسبة كبيرة تجمعنا." وها هي اليوم تفي بوعدها، تتمايل بين صفوف النساء، تضحك مع صاحباتها، وتشير بيدها من بعيد نحو زوجها كأنها تقول لهنّ بفخر طفولي: "انظرن، هذا زوجي، انظرن كم هو مهيب." لم تكن تعلم، وهي ترفع يدها بتلك البهجة الغافلة، أن تلك الإشارة ستكون آخر حركة تفعلها يداها في هذه الحياة.

بدأ إطلاق البارود يتعالى تدريجياً، كما جرت العادة القديمة في الأعراس الكبرى، احتفالاً وزينة للمناسبة، تعبيراً عن الفرح لا عن العنف. كان الرجال يتبارون في إظهار مهارتهم بالبنادق، يرفعونها نحو السماء الصافية ويطلقون النار في مشهد يعرفه كل من نشأ في هذه الديار، مشهد يتكرر في كل عرس كبير منذ أجيال. علت الزغاريد، وارتفعت الأصوات المهللة، واختلط دوي البارود بإيقاع الطبول في سيمفونية صاخبة من الفرح البدوي الأصيل.

لكن بين هذا الصخب المألوف، انطلقت رصاصة لم تصعد إلى السماء كما ينبغي لها، بل جاءت منخفضة، طائشة، عابرة للمسافة الفاصلة بين ساحة الرجال وساحة النساء بسرعة لم يلحظها أحد، لتستقر أخيراً في صدر نورة وهي لا تزال ترفع يدها مبتسمة نحو زوجها، والزغرودة لا تزال عالقة على شفتيها.

سقطت دون صوت يُذكر وسط ضجيج الطبول والزغاريد، حتى إن بعض من حولها ظنّوا للحظة أنها تعثّرت بطرف ثوبها الطويل. لكن الصراخ الذي انطلق من حولها بعد ثوانٍ معدودة أنبأ الجميع أن شيئاً فظيعاً قد وقع في تلك اللحظة. توقفت إحدى قريباتها عن الرقص فجأة، ونظرت للأسفل، ثم انطلق صراخها كسكين يشق الهواء: "نورة! يا الله، نورة أُصيبت!"

ركض راشد كمن جُنّ، يشقّ الصفوف بلا رحمة، يدفع الرجال والنساء عن طريقه دون أن يلتفت لأحد، قلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره، حتى وصل إليها وهي بين ذراعي إحدى قريباتها، والدم ينزف من صدرها بلا توقف، يلوّن الثوب الأخضر الزمردي بلون أحمر قاتم يتمدد بسرعة مرعبة.

سقط راشد على ركبتيه بجانبها، حملها بين ذراعيه، وصوته يتهدج بالرعب: "نورة... نورة يا حياتي، افتحي عينيك، انظري إليّ، أنا هنا، أنا معك."

لم تفتح عينيها. حاول الحكيم المرافق للقافلة، رجل عجوز خبير بجروح الحروب القديمة، أن يفعل شيئاً، أن يوقف النزيف بقطعة قماش، أن يبحث عن نبض لا يزال يقاوم، لكن الجرح كان قد أصاب مقتلاً في موضع خطير من الصدر، ولم تمضِ إلا دقائق معدودة حتى فاضت روحها بين يدي زوجها، بينما الدماء لا تزال تلطّخ الثوب الأخضر الذي لبسته من أجله، والحناء لا تزال طرية على يديها.

توقفت الطبول واحدة تلو الأخرى. توقف الغناء. توقف كل شيء في ذلك الوادي الذي كان قبل دقائق يعج بالفرح. وقف راشد بن سالم، شيخ بني حارث، رجل يُهابه القريب والبعيد، رجل لم يُرَ يوماً باكياً أمام أحد، وهو يحمل جثمان زوجته بين ذراعيه، لا يصرخ ولا يبكي، بل يقف كالحجر المنحوت، وعيناه تحدّقان في اللاشيء، وكأن الرصاصة التي أصابت صدرها قد اخترقت قلبه هو أيضاً واستقرت هناك إلى الأبد.

اقترب منه فارس، صديق عمره، محاولاً أن يأخذ الجثمان من بين ذراعيه ليُحمل بشكل لائق، لكن راشد رفض بحركة عنيفة صامتة، وظل يحمل نورة بنفسه طوال الطريق إلى الخيمة الكبرى، لا يسمح لأحد بلمسها، وكأنه يخشى أن تفلت منه للأبد إن تركها للحظة واحدة. جلس بجانب جثمانها طوال الليل، لا يتكلم، لا يأكل، لا يشرب، بينما كانت النساء يُعددن جثمانها للدفن في الغرفة المجاورة، وأصوات البكاء والعويل تملأ أرجاء المخيم الذي كان قبل ساعات معدودة يعج بالفرح والزغاريد.

في الصباح التالي، حُمل جثمان نورة إلى مثواه الأخير وسط موكب صامت مهيب، ووقف راشد عند حافة القبر، لا يذرف دمعة واحدة أمام الحاضرين، لكن من كان قريباً منه كفارس رأى يديه ترتجفان بشدة وهو يُلقي حفنة التراب الأولى على جسد من أحبها أكثر من حياته نفسها.

❖ ❖ ❖

لم يُعرف على وجه اليقين من أطلق تلك الرصاصة اللعينة. تسارعت الاتهامات في تلك الليلة نفسها، وارتفعت الأصوات المطالبة بالثأر من آل ناصر، أصحاب الدار والعرس، إذ إن الرصاصة – كما قال أهل الخبرة بالبارود ومساراته بعد فحص دقيق للأثر – قد انطلقت من ناحية صفوفهم، من مكان لم يُحدَّد بدقة بين عشرات الرجال الذين كانوا يطلقون النار في تلك اللحظة احتفالاً.

حاول شيوخ القبائل الثلاث احتواء الموقف في تلك الليلة المشؤومة، فالدماء التي سُفكت في عرس يمكن أن تُشعل حرباً تمتد لأجيال، وبنو حارث قبيلة لا يُستهان بعددها ولا بقوتها ولا بحمية شبابها الغاضبين. جلس عايض آل ناصر، صاحب الدار، أمام جثمان نورة في تلك الليلة الطويلة، ووجهه شاحب كأنه هو من فارق الحياة، يداه ترتجفان وهو يقدّم واجب العزاء لراشد الذي لم يُجب بكلمة واحدة طوال ساعتين.

كانت ابنته الكبرى سلمى واقفة خلفه في تلك الليلة، ترى الدماء على الثوب الأخضر، وترى عيني راشد الفارغتين المحدّقتين في اللاشيء، ولم تكن تعلم – وهي في العشرين من عمرها آنذاك – أن هذا المشهد المرعب سيُحدّد مصير حياتها كلها بعد عام واحد فقط.

مرّ عام كامل بثقله وحزنه. عام لم يبتسم فيه راشد بن سالم مرة واحدة أمام أحد، حتى في مجالس الرجال حين يُروى نكتة تُضحك الجميع، كان يكتفي بإيماءة خفيفة لا تصل إلى عينيه. عام أغلق فيه غرفة نورة بيده يوم دفنها، ومنع أي أحد – حتى أمه نفسها – من العبث بأغراضها أو تغيير موضع شيء فيها، حتى عباءتها التي علّقتها على مسمار خلف الباب في صباح ذلك اليوم المشؤوم بقيت معلّقة هناك، تنتظر امرأة لن تعود إليها أبداً.

حاول شيوخ القبائل في تلك السنة تهدئة الأمور بشتى الوسائل الممكنة: الدية المضاعفة، والصلح العلني في مجلس عام حضره كبار القوم، والوساطات المتكررة بين بني حارث وآل ناصر عبر رجال محايدين يحظون باحترام الطرفين. لكن جمراً كان لا يزال يشتعل تحت الرماد رغم كل هذه المحاولات. شبان من بني حارث كانوا يتحدثون سراً في المجالس الليلية عن "دم لم يُؤخذ بعد"، وأصوات من آل ناصر تتهم بالمقابل أن بعض بني حارث أنفسهم قد يكونون أرادوا التخلص من نورة لأسباب خفية لا يعلمها أحد، إذ لم يكن كل أهل راشد راضين تماماً عن زواجه منها في بادئ الأمر، فقد كانت من أصل غير معروف الحسب كما يُشاع.

كان لا بد من فعل شيء نهائي، شيء يقطع الشك باليقين، ويُغلق هذا الملف المؤلم إلى الأبد أمام كل من يريد إشعال الفتنة من جديد لمصلحة خاصة. وهنا، في مجالس الحكماء الليلية، بدأت تتبلور فكرة قديمة، فكرة "الفصلية".

في تلك الأثناء، كانت سلمى بنت عايض، الفتاة التي لم تكن تعرف بعد أن اسمها يُتداول في مجالس الرجال الليلية كحل لأزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل، تعيش حياتها العادية كما لو أن شيئاً لم يتغيّر. كانت تستيقظ باكراً كل صباح، تساعد والدتها في شؤون البيت، وتقضي ما تبقّى من نهارها بين نساء القبيلة اللواتي يأتين إليها طلباً لمشورتها في علاج طفل مريض أو امرأة تشكو وجعاً لا تعرف سببه. كانت تُحب هذا الدور، دور المرأة التي يُقصدها الجميع حين يعجز الطب المتاح، وكانت تحلم – في سرها الذي لم تبح به لأحد – أن تصبح يوماً حكيمة القبيلة المعروفة، كما كانت جدتها من قبلها.

لم تكن تعلم أن مصيرها كان يُحاك خيطاً خيطاً في مجلس بعيد، وأن حلمها الصغير البسيط سيُؤجَّل، أو ربما يتغيّر شكله تماماً، بسبب رصاصة طائشة أُطلقت في عرس لم تحضره حتى، ودم لم تُرقه يداها.

كانت لسلمى أخت صغرى تُدعى نوف، لا تزال في السادسة عشرة من عمرها، تنظر إلى أختها الكبرى بإعجاب شديد وتتمنى أن تصبح مثلها يوماً، حكيمة تُشفي الناس بيديها. في تلك الأيام الأخيرة قبل أن يصلها الخبر، كانت نوف تجلس بجانبها كل مساء تستمع لحكاياتها عن الأعشاب وفوائدها، ولم تكن تتخيل أن هذه الجلسات الدافئة البسيطة ستصبح قريباً ذكرى ثمينة تفتقدها أختها في ليالي وحدتها القادمة في ديار غريبة.

كذلك كان هناك شاب من القبيلة، يُدعى سعد، قد تقدّم لخطبة سلمى قبل أشهر قليلة من تلك الحادثة، وكان والدها قد وعده بالنظر في الأمر بعد موسم الحصاد. حين وصله خبر الفصلية، جاء إلى بيت عايض غاضباً محتجاً، لكنه لم يستطع فعل شيء أمام قرار المجلس الكبير الذي يمس مصير قبيلتين بأكملهما. غادر بيت عايض في تلك الليلة بقلب محطم، تاركاً سلمى تشعر بذنب إضافي، وكأنها تخلّت عن حلم كان يمكن أن يكون سعيداً وبسيطاً، من أجل قدر لم تخترْه.

في اليوم التالي لزيارة سعد الغاضبة، جلست سلمى مع أمها في الحديقة الصغيرة خلف البيت، تحت شجرة نخيل عتيقة زرعها جدها قبل عقود. قالت أمها وهي تُمسّد شعر ابنتها بحنان: "يا بنيتي، أعرف أن قلبك مثقل، وأن أحلاماً كثيرة تتهاوى أمام عينيك في هذه الأيام. لكن اعلمي أن المرأة القوية ليست من لا تنكسر أبداً، بل من تنهض بعد كل انكسار." بكت سلمى قليلاً على كتف أمها، ثم مسحت دموعها بيدها وقالت بصوت أكثر ثباتاً: "سأنهض يا أمي، أعدك بهذا. لن أدع هذا القدر يُحطمني، مهما كلّفني الأمر."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status