ログイン
كانت الطبول تُقرَع في ديار آل ناصر منذ الصباح الباكر، وكانت الخيام قد نُصبت على امتداد الوادي كأنها سحابة بيضاء هبطت من عليائها لتُظلّل فرحاً طال انتظاره. عرسٌ لا يشبه سائر الأعراس، فقد اجتمعت فيه ثلاث قبائل كبرى، وتقاطرت الوفود من كل ناحية تحمل الهدايا والتهاني والقهوة المطيّبة بالهيل، حتى غصّ الوادي بأصوات الترحيب والضحك والمزامير البدوية التي لا تُعزف إلا في المناسبات الكبرى.
وسط هذا الزحام المهيب، كانت نورة بنت مسلّم تقف على أطراف الساحة النسائية، بين صفوف النساء اللواتي يتمايلن على إيقاع الطبول، تراقب زوجها راشد بن سالم الحارثي وهو يستقبل ضيوفه بابتسامة لم تفارق محياه منذ أن دخل هذا الوادي فجراً. كان يقف بين رجال قبيلته، مهيباً في بشته الأسود المطرز، يستقبل التهاني بيد ثابتة وقلب يفيض سعادة، فقد كان هذا اليوم يمثّل له تتويجاً لعامين من الزواج السعيد، وذكرى يعتز بها أهل بني حارث كلهم. كانت نورة تلبس يومها ثوباً أخضر زمردياً مطرزاً بخيوط الفضة الدقيقة، هدية من راشد بمناسبة مرور عامين على زواجهما، أهداها إياه في احتفال صغير قبل أسابيع، وقال لها يومها بابتسامة عريضة: "هذا اللون يليق بعينيك يا نورة، أريدك أن تلبسيه في أول مناسبة كبيرة تجمعنا." وها هي اليوم تفي بوعدها، تتمايل بين صفوف النساء، تضحك مع صاحباتها، وتشير بيدها من بعيد نحو زوجها كأنها تقول لهنّ بفخر طفولي: "انظرن، هذا زوجي، انظرن كم هو مهيب." لم تكن تعلم، وهي ترفع يدها بتلك البهجة الغافلة، أن تلك الإشارة ستكون آخر حركة تفعلها يداها في هذه الحياة. بدأ إطلاق البارود يتعالى تدريجياً، كما جرت العادة القديمة في الأعراس الكبرى، احتفالاً وزينة للمناسبة، تعبيراً عن الفرح لا عن العنف. كان الرجال يتبارون في إظهار مهارتهم بالبنادق، يرفعونها نحو السماء الصافية ويطلقون النار في مشهد يعرفه كل من نشأ في هذه الديار، مشهد يتكرر في كل عرس كبير منذ أجيال. علت الزغاريد، وارتفعت الأصوات المهللة، واختلط دوي البارود بإيقاع الطبول في سيمفونية صاخبة من الفرح البدوي الأصيل. لكن بين هذا الصخب المألوف، انطلقت رصاصة لم تصعد إلى السماء كما ينبغي لها، بل جاءت منخفضة، طائشة، عابرة للمسافة الفاصلة بين ساحة الرجال وساحة النساء بسرعة لم يلحظها أحد، لتستقر أخيراً في صدر نورة وهي لا تزال ترفع يدها مبتسمة نحو زوجها، والزغرودة لا تزال عالقة على شفتيها. سقطت دون صوت يُذكر وسط ضجيج الطبول والزغاريد، حتى إن بعض من حولها ظنّوا للحظة أنها تعثّرت بطرف ثوبها الطويل. لكن الصراخ الذي انطلق من حولها بعد ثوانٍ معدودة أنبأ الجميع أن شيئاً فظيعاً قد وقع في تلك اللحظة. توقفت إحدى قريباتها عن الرقص فجأة، ونظرت للأسفل، ثم انطلق صراخها كسكين يشق الهواء: "نورة! يا الله، نورة أُصيبت!" ركض راشد كمن جُنّ، يشقّ الصفوف بلا رحمة، يدفع الرجال والنساء عن طريقه دون أن يلتفت لأحد، قلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره، حتى وصل إليها وهي بين ذراعي إحدى قريباتها، والدم ينزف من صدرها بلا توقف، يلوّن الثوب الأخضر الزمردي بلون أحمر قاتم يتمدد بسرعة مرعبة. سقط راشد على ركبتيه بجانبها، حملها بين ذراعيه، وصوته يتهدج بالرعب: "نورة... نورة يا حياتي، افتحي عينيك، انظري إليّ، أنا هنا، أنا معك." لم تفتح عينيها. حاول الحكيم المرافق للقافلة، رجل عجوز خبير بجروح الحروب القديمة، أن يفعل شيئاً، أن يوقف النزيف بقطعة قماش، أن يبحث عن نبض لا يزال يقاوم، لكن الجرح كان قد أصاب مقتلاً في موضع خطير من الصدر، ولم تمضِ إلا دقائق معدودة حتى فاضت روحها بين يدي زوجها، بينما الدماء لا تزال تلطّخ الثوب الأخضر الذي لبسته من أجله، والحناء لا تزال طرية على يديها. توقفت الطبول واحدة تلو الأخرى. توقف الغناء. توقف كل شيء في ذلك الوادي الذي كان قبل دقائق يعج بالفرح. وقف راشد بن سالم، شيخ بني حارث، رجل يُهابه القريب والبعيد، رجل لم يُرَ يوماً باكياً أمام أحد، وهو يحمل جثمان زوجته بين ذراعيه، لا يصرخ ولا يبكي، بل يقف كالحجر المنحوت، وعيناه تحدّقان في اللاشيء، وكأن الرصاصة التي أصابت صدرها قد اخترقت قلبه هو أيضاً واستقرت هناك إلى الأبد. اقترب منه فارس، صديق عمره، محاولاً أن يأخذ الجثمان من بين ذراعيه ليُحمل بشكل لائق، لكن راشد رفض بحركة عنيفة صامتة، وظل يحمل نورة بنفسه طوال الطريق إلى الخيمة الكبرى، لا يسمح لأحد بلمسها، وكأنه يخشى أن تفلت منه للأبد إن تركها للحظة واحدة. جلس بجانب جثمانها طوال الليل، لا يتكلم، لا يأكل، لا يشرب، بينما كانت النساء يُعددن جثمانها للدفن في الغرفة المجاورة، وأصوات البكاء والعويل تملأ أرجاء المخيم الذي كان قبل ساعات معدودة يعج بالفرح والزغاريد. في الصباح التالي، حُمل جثمان نورة إلى مثواه الأخير وسط موكب صامت مهيب، ووقف راشد عند حافة القبر، لا يذرف دمعة واحدة أمام الحاضرين، لكن من كان قريباً منه كفارس رأى يديه ترتجفان بشدة وهو يُلقي حفنة التراب الأولى على جسد من أحبها أكثر من حياته نفسها. ❖ ❖ ❖ لم يُعرف على وجه اليقين من أطلق تلك الرصاصة اللعينة. تسارعت الاتهامات في تلك الليلة نفسها، وارتفعت الأصوات المطالبة بالثأر من آل ناصر، أصحاب الدار والعرس، إذ إن الرصاصة – كما قال أهل الخبرة بالبارود ومساراته بعد فحص دقيق للأثر – قد انطلقت من ناحية صفوفهم، من مكان لم يُحدَّد بدقة بين عشرات الرجال الذين كانوا يطلقون النار في تلك اللحظة احتفالاً. حاول شيوخ القبائل الثلاث احتواء الموقف في تلك الليلة المشؤومة، فالدماء التي سُفكت في عرس يمكن أن تُشعل حرباً تمتد لأجيال، وبنو حارث قبيلة لا يُستهان بعددها ولا بقوتها ولا بحمية شبابها الغاضبين. جلس عايض آل ناصر، صاحب الدار، أمام جثمان نورة في تلك الليلة الطويلة، ووجهه شاحب كأنه هو من فارق الحياة، يداه ترتجفان وهو يقدّم واجب العزاء لراشد الذي لم يُجب بكلمة واحدة طوال ساعتين. كانت ابنته الكبرى سلمى واقفة خلفه في تلك الليلة، ترى الدماء على الثوب الأخضر، وترى عيني راشد الفارغتين المحدّقتين في اللاشيء، ولم تكن تعلم – وهي في العشرين من عمرها آنذاك – أن هذا المشهد المرعب سيُحدّد مصير حياتها كلها بعد عام واحد فقط. مرّ عام كامل بثقله وحزنه. عام لم يبتسم فيه راشد بن سالم مرة واحدة أمام أحد، حتى في مجالس الرجال حين يُروى نكتة تُضحك الجميع، كان يكتفي بإيماءة خفيفة لا تصل إلى عينيه. عام أغلق فيه غرفة نورة بيده يوم دفنها، ومنع أي أحد – حتى أمه نفسها – من العبث بأغراضها أو تغيير موضع شيء فيها، حتى عباءتها التي علّقتها على مسمار خلف الباب في صباح ذلك اليوم المشؤوم بقيت معلّقة هناك، تنتظر امرأة لن تعود إليها أبداً. حاول شيوخ القبائل في تلك السنة تهدئة الأمور بشتى الوسائل الممكنة: الدية المضاعفة، والصلح العلني في مجلس عام حضره كبار القوم، والوساطات المتكررة بين بني حارث وآل ناصر عبر رجال محايدين يحظون باحترام الطرفين. لكن جمراً كان لا يزال يشتعل تحت الرماد رغم كل هذه المحاولات. شبان من بني حارث كانوا يتحدثون سراً في المجالس الليلية عن "دم لم يُؤخذ بعد"، وأصوات من آل ناصر تتهم بالمقابل أن بعض بني حارث أنفسهم قد يكونون أرادوا التخلص من نورة لأسباب خفية لا يعلمها أحد، إذ لم يكن كل أهل راشد راضين تماماً عن زواجه منها في بادئ الأمر، فقد كانت من أصل غير معروف الحسب كما يُشاع. كان لا بد من فعل شيء نهائي، شيء يقطع الشك باليقين، ويُغلق هذا الملف المؤلم إلى الأبد أمام كل من يريد إشعال الفتنة من جديد لمصلحة خاصة. وهنا، في مجالس الحكماء الليلية، بدأت تتبلور فكرة قديمة، فكرة "الفصلية". في تلك الأثناء، كانت سلمى بنت عايض، الفتاة التي لم تكن تعرف بعد أن اسمها يُتداول في مجالس الرجال الليلية كحل لأزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل، تعيش حياتها العادية كما لو أن شيئاً لم يتغيّر. كانت تستيقظ باكراً كل صباح، تساعد والدتها في شؤون البيت، وتقضي ما تبقّى من نهارها بين نساء القبيلة اللواتي يأتين إليها طلباً لمشورتها في علاج طفل مريض أو امرأة تشكو وجعاً لا تعرف سببه. كانت تُحب هذا الدور، دور المرأة التي يُقصدها الجميع حين يعجز الطب المتاح، وكانت تحلم – في سرها الذي لم تبح به لأحد – أن تصبح يوماً حكيمة القبيلة المعروفة، كما كانت جدتها من قبلها. لم تكن تعلم أن مصيرها كان يُحاك خيطاً خيطاً في مجلس بعيد، وأن حلمها الصغير البسيط سيُؤجَّل، أو ربما يتغيّر شكله تماماً، بسبب رصاصة طائشة أُطلقت في عرس لم تحضره حتى، ودم لم تُرقه يداها. كانت لسلمى أخت صغرى تُدعى نوف، لا تزال في السادسة عشرة من عمرها، تنظر إلى أختها الكبرى بإعجاب شديد وتتمنى أن تصبح مثلها يوماً، حكيمة تُشفي الناس بيديها. في تلك الأيام الأخيرة قبل أن يصلها الخبر، كانت نوف تجلس بجانبها كل مساء تستمع لحكاياتها عن الأعشاب وفوائدها، ولم تكن تتخيل أن هذه الجلسات الدافئة البسيطة ستصبح قريباً ذكرى ثمينة تفتقدها أختها في ليالي وحدتها القادمة في ديار غريبة. كذلك كان هناك شاب من القبيلة، يُدعى سعد، قد تقدّم لخطبة سلمى قبل أشهر قليلة من تلك الحادثة، وكان والدها قد وعده بالنظر في الأمر بعد موسم الحصاد. حين وصله خبر الفصلية، جاء إلى بيت عايض غاضباً محتجاً، لكنه لم يستطع فعل شيء أمام قرار المجلس الكبير الذي يمس مصير قبيلتين بأكملهما. غادر بيت عايض في تلك الليلة بقلب محطم، تاركاً سلمى تشعر بذنب إضافي، وكأنها تخلّت عن حلم كان يمكن أن يكون سعيداً وبسيطاً، من أجل قدر لم تخترْه. في اليوم التالي لزيارة سعد الغاضبة، جلست سلمى مع أمها في الحديقة الصغيرة خلف البيت، تحت شجرة نخيل عتيقة زرعها جدها قبل عقود. قالت أمها وهي تُمسّد شعر ابنتها بحنان: "يا بنيتي، أعرف أن قلبك مثقل، وأن أحلاماً كثيرة تتهاوى أمام عينيك في هذه الأيام. لكن اعلمي أن المرأة القوية ليست من لا تنكسر أبداً، بل من تنهض بعد كل انكسار." بكت سلمى قليلاً على كتف أمها، ثم مسحت دموعها بيدها وقالت بصوت أكثر ثباتاً: "سأنهض يا أمي، أعدك بهذا. لن أدع هذا القدر يُحطمني، مهما كلّفني الأمر."قادوا سلمى بعد مراسم الاستقبال الباردة إلى غرفة مُعدّة لها خصيصاً، غرفة واسعة أنيقة مفروشة بعناية، بستائر مخملية ثقيلة ووسائد مطرزة، لكنها لم تكن بالتأكيد غرفة نورة الأصلية – فتلك بقيت مغلقة بإحكام كما كانت منذ عام كامل، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جلست سلمى وحيدة تماماً لساعة طويلة ثقيلة، تسمع أصوات النساء الخافتة في الخارج وهن يتهامسن فيما بينهن، ولا تستطيع تمييز كلماتهن الدقيقة بوضوح، لكنها كانت تحزر مضمونها المؤلم من نبرة أصواتهن ونظراتهن العابرة. نظرت حولها في الغرفة، فرأت على الطاولة الصغيرة إبريق ماء وكأساً، وبجانبهما طبق من التمر لم تلمسه، فقد كان معدتها معقودة من التوتر ولم تستطع تذوق شيء منذ الصباح. أخذت تتأمل نقوش السقف الخشبي المعقدة فوقها، محاولة أن تشغل ذهنها عن الأفكار المقلقة التي تتزاحم فيه، عن هذا البيت الغريب، وعن الرجل الذي سيدخل عليها بعد قليل.عند منتصف الليل تقريباً، وقد كادت سلمى تغفو من التعب والتوتر معاً، فُتح الباب الثقيل ببطء، ودخل راشد بخطوات هادئة موزونة.كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها سلمى عن قرب حقيقي، فقد كانت في العرس السابق – عرس نورة المشؤو
جاء يوم الزفاف بعد شهر كامل من ذلك القرار المصيري الثقيل، لكنه لم يكن كسائر أيام الأعراس السعيدة المعروفة. لم تُقرَع الطبول بذلك الصخب المعتاد الصاخب، ولم تُطلَق العيارات النارية احتفالاً في الهواء كما جرت العادة – فلا أحد في القبيلتين كان راغباً في تذكّر ما جرى بالضبط في ذلك العرس السابق المشؤوم. كان يوماً هادئاً، رسمياً باهتاً، تحكمه بروتوكولات الصلح والمصالحة أكثر بكثير مما يحكمه الفرح الحقيقي والبهجة الصادقة.في الأيام التي سبقت الزفاف، اجتمعت نساء القبيلة في بيت عايض لمساعدة سلمى في تحضيراتها، كما جرت العادة، لكن الأجواء لم تكن كسائر الأعراس الصاخبة المبهجة. كانت الأغاني التي تُنشَد أخف حدة، والضحكات أقل صخباً، وكأن الجميع يدرك في قرارة نفسه أن هذا الزفاف يحمل طابعاً مختلفاً عن كل ما عرفوه من قبل. جلست سلمى وسط النساء وهن يُزيّنّ يديها بالحناء، تستمع لنصائحهن المتضاربة عن الحياة الزوجية، بعضهن يتحدثن عن السعادة المنتظرة، وأخريات يهمسن بقلق عن طبيعة الرجل الذي ستتزوجه وحزنه المعروف للجميع. قالت إحدى الجارات العجائز، وهي تُمسك يد سلمى بلطف: "لا تخافي يا بنيتي، الرجال الذين أحبوا مر
في ديار بني حارث، على بُعد مسيرة يوم كامل بالإبل، كان راشد يجلس وحيداً في مجلسه الخاص بعد أن غادر آخر ضيوفه في وقت متأخر من الليل، والمصباح الوحيد المضاء في الغرفة يلقي ظلالاً طويلة راقصة على الجدران الحجرية العتيقة. كان صديقه فارس، الذي لم يفارقه منذ أيام الصبا وشاركه أفراحه وأتراحه كلها، يجلس قبالته على الوسائد، يراقب صمته الثقيل الذي طال أكثر من اللازم في تلك الليلة تحديداً.قال فارس أخيراً، كاسراً ذلك الصمت الخانق: "حمود بن فهد ينتظر جوابك يا راشد، أرسل رسولاً هذا المساء يستعجل الرد. القبيلة كلها تنتظر قرارك بفارغ الصبر، فمصير السلام معلّق على كلمة واحدة منك."لم يرفع راشد عينيه عن ألسنة النار المتوهجة في الموقد الحجري، كأنه يجد فيها عزاء أو تسلية عن أفكاره المؤلمة. قال بصوت أجش متعب: "يريدونني أن أتزوج من ابنة الرجل الذي قد يكون قتل نورة، يريدونني أن أُدخل ابنة الجاني – إن صح الظن – إلى بيتي وفراشي وحياتي كلها."رد فارس بهدوء محاولاً التعقل: "لم يُثبت حتى الآن أن عايض آل ناصر هو من أطلق تلك الرصاصة اللعينة، ولا حتى أحد من صفهم بيقين تام لا لبس فيه. أنت تعرف هذا جيداً يا راشد، فقد
اجتمع كبار القبيلتين في بيت شيخ الوسيط، حمود بن فهد، الرجل الذي يحظى باحترام الجميع لحياده التام وحكمته المعروفة في فض النزاعات القبلية منذ عشرات السنين. جلس عايض آل ناصر في صدر المجلس، ووجهه لا يزال يحمل أثر عام كامل من القلق والأرق وشعور الذنب الذي لم يفارقه لحظة، وجلس مقابله ممثلون عن بني حارث، رجال جادّون صامتون، بينما تغيّب راشد نفسه عن هذه الجلسة الأولى عمداً، إذ لم يكن بعد قد قرر ما إذا كان سيقبل بما سيُعرض عليه من قرارات مصيرية.دارت فناجين القهوة مرات عديدة، وتبودلت الأحاديث الجانبية عن أحوال المطر والمواشي، كعادة المجالس البدوية التي لا تدخل في صلب الموضوع مباشرة احتراماً لثقل الموقف. وأخيراً، بعد أن أفرغ حمود بن فهد فنجانه الثالث ووضعه جانباً بحركة بطيئة مقصودة، بدأ الحديث الجاد.قال حمود بصوت هادئ لكنه حازم: "يا عايض، الدم الذي سال في عرسك لم يُعرف قاتله بيقين تام حتى اليوم، وهذا في حد ذاته نار تحت الرماد قد تشتعل في أي لحظة. بنو حارث يريدون ضماناً حقيقياً أن هذا الدم لن يُنسى ولن يُهدر بلا أثر، وأنتم بدوركم تريدون ضماناً أن التهمة لن تُلصق بكم إلى الأبد وتُطارد أبناءكم من
كانت الطبول تُقرَع في ديار آل ناصر منذ الصباح الباكر، وكانت الخيام قد نُصبت على امتداد الوادي كأنها سحابة بيضاء هبطت من عليائها لتُظلّل فرحاً طال انتظاره. عرسٌ لا يشبه سائر الأعراس، فقد اجتمعت فيه ثلاث قبائل كبرى، وتقاطرت الوفود من كل ناحية تحمل الهدايا والتهاني والقهوة المطيّبة بالهيل، حتى غصّ الوادي بأصوات الترحيب والضحك والمزامير البدوية التي لا تُعزف إلا في المناسبات الكبرى.وسط هذا الزحام المهيب، كانت نورة بنت مسلّم تقف على أطراف الساحة النسائية، بين صفوف النساء اللواتي يتمايلن على إيقاع الطبول، تراقب زوجها راشد بن سالم الحارثي وهو يستقبل ضيوفه بابتسامة لم تفارق محياه منذ أن دخل هذا الوادي فجراً. كان يقف بين رجال قبيلته، مهيباً في بشته الأسود المطرز، يستقبل التهاني بيد ثابتة وقلب يفيض سعادة، فقد كان هذا اليوم يمثّل له تتويجاً لعامين من الزواج السعيد، وذكرى يعتز بها أهل بني حارث كلهم.كانت نورة تلبس يومها ثوباً أخضر زمردياً مطرزاً بخيوط الفضة الدقيقة، هدية من راشد بمناسبة مرور عامين على زواجهما، أهداها إياه في احتفال صغير قبل أسابيع، وقال لها يومها بابتسامة عريضة: "هذا اللون يليق







