Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الثاني: مجلس القرار

Share

الفصل الثاني: مجلس القرار

last update publish date: 2026-08-04 20:40:19

اجتمع كبار القبيلتين في بيت شيخ الوسيط، حمود بن فهد، الرجل الذي يحظى باحترام الجميع لحياده التام وحكمته المعروفة في فض النزاعات القبلية منذ عشرات السنين. جلس عايض آل ناصر في صدر المجلس، ووجهه لا يزال يحمل أثر عام كامل من القلق والأرق وشعور الذنب الذي لم يفارقه لحظة، وجلس مقابله ممثلون عن بني حارث، رجال جادّون صامتون، بينما تغيّب راشد نفسه عن هذه الجلسة الأولى عمداً، إذ لم يكن بعد قد قرر ما إذا كان سيقبل بما سيُعرض عليه من قرارات مصيرية.

دارت فناجين القهوة مرات عديدة، وتبودلت الأحاديث الجانبية عن أحوال المطر والمواشي، كعادة المجالس البدوية التي لا تدخل في صلب الموضوع مباشرة احتراماً لثقل الموقف. وأخيراً، بعد أن أفرغ حمود بن فهد فنجانه الثالث ووضعه جانباً بحركة بطيئة مقصودة، بدأ الحديث الجاد.

قال حمود بصوت هادئ لكنه حازم: "يا عايض، الدم الذي سال في عرسك لم يُعرف قاتله بيقين تام حتى اليوم، وهذا في حد ذاته نار تحت الرماد قد تشتعل في أي لحظة. بنو حارث يريدون ضماناً حقيقياً أن هذا الدم لن يُنسى ولن يُهدر بلا أثر، وأنتم بدوركم تريدون ضماناً أن التهمة لن تُلصق بكم إلى الأبد وتُطارد أبناءكم من بعدكم. والطريق الوحيد الذي يُغلق هذا الملف نهائياً، بشكل يرضي الطرفين ويحفظ ماء الوجه للجميع... هو الفصل."

ارتجف عايض في مكانه رغم دفء المجلس. كان يعرف جيداً ماذا تعني هذه الكلمة الثقيلة. الفصلية عادة قديمة موروثة، أن تُزوَّج فتاة من العائلة "المذنبة" – ولو ظاهرياً وبلا دليل قاطع – لرجل من العائلة المتضررة، ضماناً لدم جديد يربط العائلتين برباط لا يُمكن معه أن تُراق دماء من جديد بينهما، فكيف يمكن لرجل أن يقتل أهل زوجة ابنه أو أخيه أو ابن عمه؟ هي عادة قاسية في جوهرها، لكنها فعّالة في حفظ السلام بين القبائل منذ أجيال طويلة.

سأل عايض بصوت متهدج يكاد لا يُسمع: "ومن... من تقصدون؟"

نظر حمود إليه مباشرة دون مواربة، فمثل هذه المواقف لا تحتمل التردد: "ابنتك الكبرى، سلمى."

ساد صمت ثقيل خيّم على المجلس بأكمله، صمت يمكن سماع دبيب النمل فيه. عايض آل ناصر، الذي كان يظن أنه دفع ثمن تلك الليلة المشؤومة بما يكفي من القلق والأرق وليالي السهر المتواصلة، وجد نفسه الآن مطالَباً بأن يدفع ابنته الكبرى، فلذة كبده وأمل مستقبلها، لرجل فقد زوجته الحبيبة بالأمس القريب، رجل قد لا يرى في سلمى إلا ظلاً باهتاً لامرأة أخرى أحبها بجنون، أو أسوأ من ذلك، ذكرى حية لجريمة لم تُحسم بعد ولن تُنسى أبداً.

تدخل أحد كبار بني حارث، رجل يُدعى مطلق، كان معروفاً بصرامته وقلة صبره: "يا عايض، اعلم أن بعض شبابنا يتحدثون في المجالس الخاصة عن أخذ الثأر بأنفسهم إن طال انتظار الحل. الفصل هو الضمانة الوحيدة التي تمنع هذا الجنون، فحين يصبح الدمان دماً واحداً، يستحيل أن يُراق أحدهما انتقاماً للآخر." أومأ حمود موافقاً على كلامه، ثم أضاف بنبرة أكثر ليونة: "نحن لا نريد ظلمك يا عايض، ولا ظلم ابنتك. لكننا نبحث عن ضمانة حقيقية تُطمئن قلوب الجميع، وتاريخ قبائلنا يشهد أن الفصل نجح في مواقف أصعب من هذه بكثير."

قال عايض بصوت متهدج، وقد شعر بثقل السنين يهبط على كتفيه فجأة: "وهل راشد موافق على هذا؟ هل عُرض عليه الأمر؟"

هزّ حمود رأسه ببطء وحكمة: "لم أعرضه عليه بعد بشكل رسمي، أردت أخذ رأيكم أولاً كعائلة معنية. لكنه رجل يعرف مصلحة قبيلته قبل مصلحته الشخصية، رجل تربّى على تقديم الجماعة على الفرد. سيوافق في النهاية، وإن كان قلبه لا يزال معلقاً تماماً بمن رحلت عنه، ولن يُنسيه هذا الزواج إياها أبداً، هذا واضح للجميع."

نظر أحد كبار آل ناصر إلى عايض بنظرة متفهمة، وقال محاولاً التخفيف عنه: "يا عايض، أعرف أن هذا القرار ثقيل على قلبك، لكن فكّر في الأمر من زاوية أخرى: ابنتك ستدخل بيت رجل معروف بشرفه وكرمه وحسن خلقه، رجل لن يظلمها مهما بلغ حزنه. أليس هذا أفضل من أن تبقى معلّقة في انتظار حرب قد تحرمها من حياة مستقرة أصلاً؟" لم يجد عايض جواباً شافياً لهذا المنطق، لكن قلب الأب لا يقتنع بالمنطق وحده حين يتعلق الأمر بمصير ابنته الغالية. رفع كفّيه أخيراً استسلاماً، وقال بصوت متعب: "أعطوني حتى الغد لأخبرها بنفسي وأسمع رأيها، فهي ليست سلعة أُقايض بها، بل ابنتي التي ربّيتها بيدي، ولها حق أن تعرف مصيرها من فمي أنا لا من أفواه الغرباء." تفهّم حمود بن فهد هذا الطلب المشروع، وأنهى المجلس على أن يُستكمل الحديث في الغد بعد أن يأخذ عايض رأي ابنته وأهله.

في طريق عودته إلى بيته تلك الليلة، توقف عايض عند بئر القبيلة القديمة، حيث اعتاد أن يجلس وحيداً كلما ثقلت عليه هموم الحياة. جلس على الحجر البارد، ورفع عينيه نحو السماء الصافية المرصعة بالنجوم، وتحدث بصوت خافت كأنه يخاطب الله مباشرة: "يا رب، أنت تعلم أنني لم أُرد هذا لابنتي، وأنت تعلم براءتي مما جرى في ذلك العرس. فإن كان في هذا الزواج خير لها ولقومنا، فوفّقها وثبّت قلبها، وإن كان فيه شر، فاصرفه عنها برحمتك." بقي جالساً هناك طويلاً، حتى بردت الليلة أكثر، قبل أن ينهض أخيراً ويتجه نحو بيته ليواجه أصعب حديث سيخوضه مع ابنته الحبيبة.

❖ ❖ ❖

في تلك الليلة نفسها، بعد أن انفض المجلس وعاد عايض إلى بيته مثقلاً بالهم، دخل على ابنته سلمى في مجلسها الخاص، حيث كانت تجلس تُطالع بعض الأوراق القديمة المتعلقة بخلطات الأعشاب – فقد كانت معروفة بين نساء القبيلة كلها بمعرفتها الواسعة بالأعشاب الطبية وطرق تحضيرها، موهبة توارثتها عن جدتها لأمها، وكانت تقضي ساعات طويلة من كل يوم تُدوّن ما تتعلمه بخط يدها الجميل، وتُجرّب خلطات جديدة لعلاج أمراض النساء والأطفال في القبيلة.

رفعت رأسها عن الأوراق حين دخل والدها بخطوات ثقيلة غير معتادة، ولاحظت الهمّ باديا بوضوح على وجهه المتعب. قالت بقلق واضح: "ما بك يا أبي؟ يبدو عليك القلق الشديد، هل من خبر سيء؟"

كانت والدتها، أم سلمى، جالسة في الزاوية تُحيك ثوباً صغيراً، ولاحظت هي أيضاً توتر زوجها منذ دخوله، فتوقفت عن عملها ونظرت إليه بقلق صامت، منتظرة أن يتكلم. جلس عايض أمام ابنته ببطء، وأخذ نفساً عميقاً طويلاً يحاول أن يجمع فيه شجاعته المتناثرة، ثم قال ما لم يكن يتخيل يوماً أنه سيُضطر لقوله لابنته: "يا سلمى... طُلبتِ للفصل."

لم تفهم كلمة "طُلبتِ" للوهلة الأولى، عقلها لم يستوعب سياق الجملة بسرعة، لكن كلمة "الفصل" وحدها، بكل ثقلها التاريخي وارتباطها بحوادث سمعت عنها في طفولتها، كانت كفيلة بأن يجفّ ريقها فوراً ويتسارع قلبها. سألت بصوت لا يخلو من رعشة واضحة: "لمن؟ لمن يا أبي؟"

"لراشد بن سالم."

سقط القلم من يدها على الأرض بصوت خفيف بدا في ذلك الصمت وكأنه دوي عظيم. راشد بن سالم، الرجل الذي رأت عينيها دموع الفقد الصامتة في عينيه منذ عام كامل، الرجل الذي فقد زوجته الحبيبة برصاصة قيل إنها أُطلقت من صفوف قبيلتها هي بالذات، من رجالها، ربما من أقاربها. كيف يمكن أن تدخل بيتاً كهذا، بيتاً لا يزال يحمل رائحة امرأة أخرى في كل زاوية وركن، بيتاً ستكون فيه دخيلة مكروهة إلى الأبد؟

قالت بصوت حاولت أن تجعله متماسكاً، رغم أن قلبها كان يرتجف بشدة داخل صدرها: "وهل لي رأي في هذا يا أبي؟ أم أن القرار قد اتُّخذ عني بالفعل دون استشارتي؟"

نظر إليها والدها بعينين مثقلتين بالذنب والألم، عينان لم تعرفا النوم منذ ليال طويلة: "يا ابنتي الغالية، لو كان لي أن أفديك بروحي وبكل ما أملك لفعلت ذلك دون تردد لحظة واحدة. لكن هذا الزواج هو الطريق الوحيد الذي يمنع حرباً قد تُبيد القبيلتين معاً، وتُيتّم أبناء كثيرين، وترمّل نساء أبرياء. أنتِ... أنتِ الوحيدة القادرة على حمل هذا العبء الثقيل بكرامة، أعرف هذا في قلبك رغم صغر سنك."

أطرقت سلمى برأسها طويلاً، صامتة، تعصر يديها إحداهما بالأخرى بتوتر ظاهر. لم تكن من النساء اللواتي يبكين بسهولة أمام الآخرين، ولا من اللواتي يخضعن بصمت مطلق لكل ما يُفرض عليهن دون كلمة. لكنها كانت تعرف أيضاً، بحكمة تفوق سنها، ثقل المسؤولية الملقاة الآن على عاتقها وحدها. رفعت رأسها أخيراً بعد صمت طويل، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل عزماً غريباً فاجأ والدها نفسه: "سأذهب يا أبي. سأذهب لأنقذ دماء لم تُرَق بعد. لكن اعلم جيداً أنني لن أذهب لأكون ظلاً صامتاً لامرأة ميتة، ولا كبش فداء ذليلاً يُداس عليه. سأذهب برأسي مرفوعاً كما ربّيتني، أو لا أذهب أبداً مهما كانت العواقب."

في تلك الأثناء، كانت والدة سلمى قد خرجت من الغرفة بصمت، غير قادرة على تحمل وقع الكلمات، وذهبت إلى الحديقة الصغيرة تبكي وحدها تحت ضوء القمر. لحقت بها ابنتها الصغرى نوف بعد قليل، ووجدتها تبكي بصمت، فسألتها بخوف: "ما بك يا أمي؟ هل ستُحرم سلمى منا حقاً؟" لم تُجب الأم، بل ضمّت ابنتها الصغرى بقوة، وبكتا معاً تحت شجرة النخيل العتيقة، بينما كان عايض في الداخل يواجه أصعب لحظة في حياته كأب.

بكى عايض في تلك الليلة لأول مرة منذ سنوات طويلة، بكى أمام ابنته دون خجل، وقال بصوت مخنوق: "سامحيني يا سلمى، سامحني إن كنتُ قد قصّرتُ في حمايتك من هذا القدر القاسي." اقتربت منه سلمى وضمّته بقوة، وقالت بحنان: "لا ذنب لك يا أبي، القدر وحده من كتب هذا، ولن ألومك يوماً على شيء لم تخترْه أنت أيضاً." ثم عادت إلى غرفتها تلك الليلة، وجلست وحيدة تبكي بصمت طويل، لا لأنها خافت من راشد نفسه، بل لأنها أدركت أن حياتها التي عرفتها، بأحلامها الصغيرة وأصدقائها وعالمها المألوف، ستنتهي فجأة، وستبدأ حياة أخرى مجهولة تماماً في ديار غريبة بين أناس لا يعرفونها ولا يريدونها.

❖ ❖ ❖

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status