LOGINعاد مرة أخرى إلى الخزانة يعبث بمحتوياتها؛ ليجلب ثياباٌ داخلية؛ كي يرتديها بعد الاستحمام، فكفاه ثلاثة أيام راحة من العمل أو لنقِل عذاباً ببعدها، ومن ثَمَّ خلع عنه هذا التيشيرت القطني يلقيه أرضاً بإهمال متغاضياً عن كل محاولات "عفاف" باللين والشدة؛ لتثنهِ عن تلك العادة السيئة، وإقناعه أن هناك اختراع ما يدعى المشجب تُعَلَّق عليه الملابس، ومن ثَمَّ أدار مقبض باب الحمام؛ ليعاود غلقه سريعاً بتفاجئ.
إذ رأى امرأة تجلس على حافة المغطس تواليه ظهرها حاصرةً ثوبها إلى منتصف فخذيها الناصعي البياض، وقد امتلأ المغطس بالماء، وهي تدلي ساقيها داخله تهزهما باستمتاع. وهناك شبورة من بخار الماء المتكاثف تنبعث من حوض الاستحمام تعيق مجال الرؤية إلا من تلك الجالسة براحة واسترخاء وكأنه منزل أبيها. وأثناء شروده بماهية تلك المرأة التي تجلس بداخل حمامه المتواجد في غرفة نومه، فلا أحدٍ يعيش بالمنزل سوى هو وأبيه ووالدته، حتى لا وجود لخادمة مقيمة، فوالدته توكل مهام التنظيف إلى سيدة بعمر الخمسين تدعى "ماجدة"، وتأتي لتباشر عملها كل جمعة بالأسبوع. وحتى لو كان اليوم هو الجمعة فتلك الفالكة لا يمكن أن تكون "دادة ماجدة". شهق بتفاجئ عندما أحس بيدٍ رطبة تربت على كتفه من الخلف، فسقطت الثياب من يديه يستدير بوجل، فتنتفض هي الأخرى بارتياع، تتراجع خطوتين إلى الخلف؛ دهشةً لردة فعله المبالغ بها من وجهة نظرها، وكأنه هو مَن اقتحم غرفتها وظهر لها بغتة وليس العكس!! تحول فزعه إلى غبطة وانبلجت أساريره، وهو يقترب منها بتمهل، مجبراً إياها على التقهقر. قطبت جبينها قائلة بحاجب مرفوع: -ماذا؟! مال رأسه إلى جانب واحد وهو يضيق عينيه ينظر إليها بهزئ، قائلاً: -ماذا تلك!! لي أنا؟! أومأت برأسها في إيجابٍ ولم ترد، وعينيها تتجول باستكشاف على وجهه وعضلات ذراعيه وأكتافه وصدره وبروز سداسية البطن، ولم تنتبه إلا وهي محاصرة بينه وبين الباب. رفع يده اليمنى يستند براحتها إلى الحائط المجاور للباب بجانب وجهها، ويده الأخرى ارتفعت تعبث بخصلة من خصلات شعرها الذي تغير لونه في كل مرة، ويبدو أنها تنفق أموالاً طائلة لدى صالونات التجميل. نهر حاله وهو يقول: -كيف لطيف تراه في المنام أن تذهب صاحبته إلى تلك الصالونات "تميم"؟! فحتماً هو لازال غافياً حتى الآن. نائمٌ!! مستيقظٌ!! فارق الحياة!! كل هذه الاحتمالات واردة، ولكنها الآن لا تهم، كل ما يهمه الآن أنها معه. عيناه مرتكزة على ما تعبث به يده، أما عيونها الساحرة مثبتة على معالم وجهه تناظره بولهٍ، وعندما التقط هيام نظراتها، همس لها قائلاً: -"يامور"!! هل أنا أحلم الآن؟! هزت"يامور" رأسها بنفي، ليستكمل همسه: -حبيبي، أ ما تقولينه حقيقة؟! -أنتِ معي هنا وأنا أراكِ وألمسكِ بالفعل؟! قالها وقد حرر خصلة شعرها بلونه الذهبي لهذه المرة، وهو يمرر أنامله على وجنتها، فأسبلت أهدابها تستمتع بلمسة يده على وجهها، وهي تهمهم: -أمممممممم. تلمس ذقنها المزدان بطابع الحسن، ومن ثم رفع رأسها إليه، قائلاً بحالمية وصوتٍ متحشرجٍ: -"يامور"، أشعر بكِ، لا يمكن أن يكون إحساسي بكِ مجرد وهم وخيال كما قال لي "عبد الله". -أنا لا أتوهم "يامور"؟! اجيبي؟! نظراتهما المتشابكة، ولمعت عيناه بالحب، وأفكاره المخترقة من قِبَلِها، وكذلك نبرة الرجاء في صوته؛ نسجت حولهما هالة من الرومانسية خاصةً عندما مال رأسه إليها يتنفس أنفاسها ونظراته حائرة ما بين عينيها بخضارهما اللامع ببريق العشق، وشفاهها الكرزية اللامعة، وسؤال ملح يريد معرفة إجابة له: -أي يمكن أن تكون حمرة شفتيها البراقة تلك ربانية؟! وإن لم تكن، فبأي نكهة سيكون طلاء الشفاه خاصتها؟! "يامور" وقد سحرتها جاذبيته، هامسة وشفاههما قريبة حد اللعنة: -"تيمو". "تميم" بهمس: -هائم بكِ، يا أجمل من رأت عينا "تميم". قالها وهو يدنو إليها، وراحته لازلت مستندة إلى الحائط، والأخرى تتلمس بشرة ذراعها المخملية الناعمة، هابطةً إلى راحة يدها تحتضن كفها الرقيق، يشبك أناملها بخاصته، وعلت وتيرة تنفسهما، وقلبه يهدر داخله بعنف، فتلك أول مرةً يقترب بها من فتاةٍ إلى هذا الحد. أما عن عقله فبات بتشوشٍ تام، وكل ما تلتقطه إشارات المخ وتسعى مراكز الإدراك لديه إلى ترسيخه بالذاكرة هي تلك اللحظة وما بعدها، وليذهب كل تاريخه دون هذه اللحظة إلى أعماق النسيان. آهة صدرت عنه، لم تكن نشوةً أو استمتاع بل آهة ألم، إذا فُتِح الباب فجأة ليصدم بوجهه وأنفه وصوت "عفاف" يصدح بالخارج: -هيا "تميم" الفطور على المائدة. زفر "تميم" أنفاسه بغضب، وهو يكور قبضة يده يضرب الجدار بحنق وخيبة؛ فقد تبخرت مشاكسته قبل أن يتذوق طعم الطلاء أعني شهد شفتيها، أو يسألها مَن هي أو متى ستزوره. "تميم" قائلاً بسخط وهو يزم شفاهه بغيظ: -ألا يستطيع المرء أن يأخذ راحته ببيته، سأقتلكِ "عفاف"؟!أسيرها هام حباً والتاع عشقاً والحبيب لا يدري ولا يعلم. واكتوى قلب المحب بصبو الهوى ومعشوقه قاسٍ لا يرحم.فترنم قلب العاشق يشدو ويتغنى بوجدٍ علَّ الجاني يَمِلُ، ويغدو أحكم:أيا عشقاً ذابت ضلوعي لضمه، أبعذاب روحي تتلذذ ولا تسأم؟! لمَن عساي أشكو ضنى قلبي سوى لرب العباد؟! فهو أحن وأكرم. ألا سبيل لمتيمٍ مهمشٍ مثلي، أن يبوح بلهجه، لمَن كان لحنايا الفؤاد توأم؟! اعنِ يا ربي على ما ابتليتني من كلفٍ، فمالكي في العشق أعمى وأصمم. في قصر الملك الأشهب."ألورا" ببراءة:-"راكان"، لِمَ تتحامل على "صفوان"؟!-ماذا فيها إذا أحب؟!"راكان" ببلادة:-تلك التراهات إذا تمكنت من قلب أي ذكر أضعفته أياً كان جنسه، بشري كان أو من الجان.قلبت "ألورا" عينيها بضجرٍ، فمع مَن تتحدث؟! هذا هو الملك "راكان" على قدر عطفه وحنانه معها، إلا أن قلبه المتحجر لم ولن يلِن، فلتحط لعنة الله على مَن كان السبب."ألورا" موجهة حديثها إلى من أطرق رأسه يغض بصره عن أميرة الجان الضوئي، وهي وإن كانت أميرة لعشيرتهم فهي سلطانة قلب "صفوان":-"صفوان".لبى "صفوان" النداء، وقلبه يهدر بحدة كقرع طبول الحرب؛ فهو في قمة نشواه الآن إذ استمع لاسمه
عاد مرة أخرى إلى الخزانة يعبث بمحتوياتها؛ ليجلب ثياباٌ داخلية؛ كي يرتديها بعد الاستحمام، فكفاه ثلاثة أيام راحة من العمل أو لنقِل عذاباً ببعدها، ومن ثَمَّ خلع عنه هذا التيشيرت القطني يلقيه أرضاً بإهمال متغاضياً عن كل محاولات "عفاف" باللين والشدة؛ لتثنهِ عن تلك العادة السيئة، وإقناعه أن هناك اختراع ما يدعى المشجب تُعَلَّق عليه الملابس، ومن ثَمَّ أدار مقبض باب الحمام؛ ليعاود غلقه سريعاً بتفاجئ.إذ رأى امرأة تجلس على حافة المغطس تواليه ظهرها حاصرةً ثوبها إلى منتصف فخذيها الناصعي البياض، وقد امتلأ المغطس بالماء، وهي تدلي ساقيها داخله تهزهما باستمتاع.وهناك شبورة من بخار الماء المتكاثف تنبعث من حوض الاستحمام تعيق مجال الرؤية إلا من تلك الجالسة براحة واسترخاء وكأنه منزل أبيها.وأثناء شروده بماهية تلك المرأة التي تجلس بداخل حمامه المتواجد في غرفة نومه، فلا أحدٍ يعيش بالمنزل سوى هو وأبيه ووالدته، حتى لا وجود لخادمة مقيمة، فوالدته توكل مهام التنظيف إلى سيدة بعمر الخمسين تدعى "ماجدة"، وتأتي لتباشر عملها كل جمعة بالأسبوع.وحتى لو كان اليوم هو الجمعة فتلك الفالكة لا يمكن أن تكون "دادة ماجدة".شهق
بعد تلك الوكزة التي اجتسته من عالم الأحلام، ونبرة صوته المحتدة، ناظرته والدته "عفاف" بدهشةٍ، وهي تقول باستياء:-ما بك "تميم"؟! تلك أول مرة تتحدث فيها معي بتلك الطريقة!!زفر "تميم" وأطرق رأسه بخزي، فبالأخير لقد أخطأ ولكن ما كان مشرف عليه ساحر حد اللعنة، فقط هواء زفيرها الأشبه بعطور الشرق في طيبها جعل كل حواسه في حالة انتباه، وقربها منه إلى هذا الحد أرعد بداخله عواصف من الأحاسيس لها تأثير مهلك، فتمتم بأسفٍ:-آسف "فوفة"، سامحني، كنت غارق في النوم، وفُزِعت. اقتربت "عفاف" تعبث بخصلات شعره البني المشعث بالفعل إثر النوم، وقد أسعدها تغير مزاجه للأفضل عن تلك الأيام السابقة، إذ كانت تشعر بالحزن الشديد لأجله، ولا تعرف ما أصاب ابنها، دوماً حزين ومنزوي على حاله، ينام كثيراً ويتحدث قليلاً، ولا يهتم لا على صحته ولا بطعامه، فقالت بحنانٍ وأمومة يشوبها بعض الفضول:-لا عليك "تميم"، ولكن أخبرني!! ما سر هذا التغيير؟! شرد بخياله يستحضر صورتها المحفورة بذهنه، وبعد اكتمال الهيئة بات التفكير بها مرهق ولكن ذو رونق مبهج. لاحت على شفاهه ابتسامة جذابة وصورتها باتت تتجسد أمامه وكأنها تجلس إلى جواره على التخت مر
رياحٌ عاصفة اشتدت، وعلا صوت الرعد، واستحال صفاء عنان السماء إلى غسقٍ دامي، وأحدهم ثائر وقد ماجت أوداجه بغضبٍ عارم، وتشتت أصاب كل سكان مملكته والكل يتسائل:- لِمَ كل هذا السخط الذي يعصف بملكهم؟!وبعيد في الأفق جواد يعدو وعلى ظهره أكثرهم جاذبية على الإطلاق، ومن يمكنه رؤيته من عشيرته وكافة الفصائل من هذه المخلوقات التي تشاركنا الأرض ومتاعها ينحني في ثبات واستكانة إجلال وخنوع ل"ملك الجان "راكان"". وما إن اقترب هذا الفارس على حصانه ذو البياض الناصع والشعر الكثيف الذي يتدلى أعلى ناصيته، رافعاً رأسه في شموخ كممطتيه من بوابة قصر الملك "الأشهب"، حتى فُتِحت البوابة على مصراعيها دون فاعل أو طلب من القادم، وكأن تلك الكتلة الحديدية المطلاة بماء القصدير تنفذ الأمر طاعة للوالج. ترجل الملك "راكان" من أعلى سرج حصانه، يقطع الأرض أسفله بخطى ثابتة قوية وبرغم ما توحيه هذه الخطوات من نقمٍ إلا أنها واثقة محسوبة. ولكن ما الداعي؛ ليبدو على معالم وجهه الحنق وعدم الرضى؟! سؤال تبادر بذهن كل خدام القصر والتابعين وكذلك "صفوان" قائد جيوش الملك "الأشهب"، وصديق الطفولة والصبى للملك المفوض "راكان" فقد عاشوا معاً م
حُبِست أنفاسه، وهو يستمع إلى صوتها يناجيه بعد غياب، فلها ثلاثة ليالٍ لم تزُره بأحلامه؛ حتى تملكته الوحشة وصار هائماً لا يريد مغادرة غرفته. وكلما أفاق من نومه دون مرآها يلتقط عبوة الأقراص المنومة من أعلى الكومود المتواجد بجوار تخته في غرفته المودرن ذات الطابع الرجولي.ف"تميم" من أسرة ميسورة الحال، يمتلك والده شركة أبنية وعقارات، وتعمل والدته أستاذة بكلية العلوم جامعة القاهرة. ومن ثم يبتلع قرصاً من هذه الأقراص، وإن لم يُجْدِ نفعاً يتناول الثاني فالثالث؛ حتى بدأت والدته بالقلق عليه ظنناً منها أنه متوعكٌ أو به علة ما بسبب نومه المتواصل.وعندما طوقت "يامور" خصره، وأحس بدفء جسدها الملاصق له، وهي تحتضنه إليها باتت أنفاسه المحتبسة دون وعي منه، تخرج بتنهيدات متلاحقة، وهو يسبل أهدابه باستمتاع ونشوى، وأوصاله تضربها موجة شوق عارمة إنه عاشق لها حتى النخاع ، والهاجر هو من يشتكي الفقد!! وذلك عندما قالت بنبرة صوتها العذب:-اشتقتك "تيمو"، بل بلغ بي الشوق حد الجنون.صحيح أنها أول مرة تكن قريبة منه إلى هذا الحد.. قرب مهلك، ولكن الأيام القليلة التي مضت جعلته يعيش أسوء مرحلة بحياته، إذ كاد يجن وهو على
تجعد جبينه وهو يفرج عن أهدابه عندما داعبت أشعة الشمس عينيه بحدقيتيها السوداء؛ لتتنبه حواسه على أصوات شلالات مياه صافية تنساب من علٍ، صوت غديرها يبعث البهجة في النفوس.نهض بعد أن كان مستلقياً على ظهره والسماء الصافية وبرغم من توهج قرص الشمس الذي يتوسطها إلا أن حرارتها لم تكن محرقة إلى هذا الحد، تجولت أنظاره تجوب المكان تتفحصه بتمعن، وإذا بفراشات ذات ألوان فسفورية ترفرف حوله، وبرغم جمالها وتناسق ألوانها إلا إنها تبدو غير طبيعية. كما تتنقل هنا وهناك أنواع وأشكال من الطيور منها المعروف ومنها غير المألوف. التقطت مسامعه ترانيم بلابل وتغاريد كراوين وزقزقة عصافير وكلها أصوات متداخلة بتناغم. وكأن هناك "مايسترو" هو القائم على تنظيم وتوظيف كل نغمة لكل طائر في هذه الألحان وكأنها "أوركسترا" يونانية تعزف لحناً سيمفونياً لأحد المشاهير بحرفيةٍ وذوقٍ وإبداع. لاحت من حوله مروچٌ خضراء، وأشجار وأزهار غاية في الروعة والإبداع، وبرغم التباين بينها في الأشكال والألوان، إلا أن الأكثر غرابة هو اجتماع كل هذه الفصائل والأنواع في بستان واحد؛ فاختلاف الظروف التكيفية لكل منها يجعل نموها في مكان واحد أشبه بالخيا