Share

٥

last update publish date: 2026-04-01 22:28:26

بعد تلك الوكزة التي اجتسته من عالم الأحلام، ونبرة صوته المحتدة، ناظرته والدته "عفاف" بدهشةٍ، وهي تقول باستياء:

-ما بك "تميم"؟! تلك أول مرة تتحدث فيها معي بتلك الطريقة!!

زفر "تميم" وأطرق رأسه بخزي، فبالأخير لقد أخطأ ولكن ما كان مشرف عليه ساحر حد اللعنة، فقط هواء زفيرها الأشبه بعطور الشرق في طيبها جعل كل حواسه في حالة انتباه، وقربها منه إلى هذا الحد أرعد بداخله عواصف من الأحاسيس لها تأثير مهلك، فتمتم بأسفٍ:

-آسف "فوفة"، سامحني، كنت غارق في النوم، وفُزِعت.

اقتربت "عفاف" تعبث بخصلات شعره البني المشعث بالفعل إثر النوم، وقد أسعدها تغير مزاجه للأفضل عن تلك الأيام السابقة، إذ كانت تشعر بالحزن الشديد لأجله، ولا تعرف ما أصاب ابنها، دوماً حزين ومنزوي على حاله، ينام كثيراً ويتحدث قليلاً، ولا يهتم لا على صحته ولا بطعامه، فقالت بحنانٍ وأمومة يشوبها بعض الفضول:

-لا عليك "تميم"، ولكن أخبرني!! ما سر هذا التغيير؟!

شرد بخياله يستحضر صورتها المحفورة بذهنه، وبعد اكتمال الهيئة بات التفكير بها مرهق ولكن ذو رونق مبهج.

لاحت على شفاهه ابتسامة جذابة وصورتها باتت تتجسد أمامه وكأنها تجلس إلى جواره على التخت مرتكزة براحتيها على الفراش تميل بجذعها إلى الخلف في تكاسل ووجهها الصبوح موالياً له، تبتسم إليه بعذوبة، فبسط يده كالمسحور؛ ليتحسس وجنتها بظهر راحته.

فاقشعرت معالم وجهه؛ عندما قضمت إبهامه بمشاكسة طفولية، وهي تقهقه بمناغشة، ولكن صوت ضحكاتها الرنان الذي يشبه أعذب الألحان التي تُطرب إليها الآذان، جعلته في حالة هيام.

ومن ثم اختفت مشابغته بعد وكزة أخرى من والدته، وهي تصيح باسمه، إذ جحظت عيناها من تصرفات ابنها الغريبة كلياً عليه؛ ليقابلها ما هو أغرب، وذلك عندما انتفض بغضب وخرجت من بين شفاهه سبة نابية، تلاها بقوله الساخط:

-تباً ل"تميم"، ومن أنجباه على حد سواء!!

صدمة!!

كادت عينا "عفاف" أن تقفزا من محجريهما، وبدت على يقينٍ تام أن ابنها أصيب بشيء ما في عقله، لتنهره قائلة:

-اللعنة!! أجُننت "تميم"؟!

هب "تميم" من مجلسه، يلف ذراعيه حول خصر والدته بعد أن ألقت استهجانها واستدارت تستعد للخروج، وكأي أمٍ مصرية أصيلة أخذت تتمتم باستياء مُعربةً عن كونها فشلت بتربية ابنها، وأنها ستخرج بلا عودة علَّه يعرف قيمتها ويتعلم ألا يتجاوز حدوده بالحديث.

وأنها ستشتكي عليه وتوشي به لدى أبيه؛ ليتخذ موقفاً حيال سوء أدب ابنه، إلى جانب مَنِّها عليه كونها حملته في بطنها تسعة أشهر.

ولا مانع من أن تنعِ سنين عمرها التي ضاعت في تربيته والعناية به؛ كي يصبح رجلاً، وعندما اشتد بئسه واخشوشن صوته علا على مَن كانت السبب في وجوده بالحياة..... إلى آخره من معزوفة تلك الأسطوانة المعادة التي تجري بطلاقةٍ على ألسنة كل الأمهات وكأنها كتالوجاً يصل مع المنتج.

أخذت تفرك، وهي تحاول تخليص حالها من بين يديه دون جدوى، فأشاحت بوجهها بعيد عن مرمى قبلاته المتتالية التي يغدقها على وجنتها، وهو يغمرها بعبارات الأسف التي يعلمها علَّها تصفح، قائلاً:

"تميم" بتعذر:

-خِلصنا "فوفة"!! غضبكِ سيء يا ملكة قلب "تميم".

"عفاف" بتململٍ، وهي توكزه بمرفقها من الخلف بجانب ضلوعه جهة اليسار:

-اتركني "تميم"، لن أسامحك هذه المرة، انسَ.

آهة مصطنعة خرجت من بين شفاه "تميم" عقب وكزتها تلك، يفض على إثرها

تشابك يديه حولها، وهو يضع يديه بإدعاء موضع ضربتها يئن منحنياً بجذعه إلى الأمام في تمثيل مبتذل، رق له قلب الأم؛ فاستدارت إليه مشغوفة؛ لتستكشف ما به.

قائلةً بخوفٍ حقيقي، فقد ظنت أن وكزتها تلك آلمته كونه متوعكاً عما قريب على حسب ظنونها وإهماله في التغذية عزز من شدة تأثره بضربتها، تشك أنها تعافت عليه بها:

-"تميم"؟!

-ما بك بني؟!

عندما رأى فزعها، كوب رأسها بين يديه يطبع قبلة على جبينها، قائلاً بترضية:

-قلبي يؤلمني لغضبكِ أمي، لا تؤاخذيني، فأعصابي متوترة هذه الأيام.

تحول غضب الأم إلى قلق تسأله باستفسار:

-لّمُ "تميم"؟!

"تميم" بمراوغة:

-بعض المشكلات بالعمل.

"عفاف":

-منذ أكثر من أربع سنوات بعد أن تخرجت من الجامعة ووالدك يلح عليك بالعمل معه.

-وأنت تصر على العمل كطيار كما أصريت على دخول هذه الجامعة.

-ارح قلبي "تميم" وعاون والدك في الشركة؛ ففي كل مرة تذهب فيها برحلة عمل ينقبض صدري حتى تعُد.

"تميم" بعقلانية:

-أنا أحب عملي أمي، وأعتقد أنني وبعد أن أصبحت على مشارف السابعة والعشرين من عمري يمكنني أن اتخذ قراراتي بنفسي.

مستكملاً بإصرار:

-لن أترك ما أحب للعمل بمهنةٍ لا أفقه عنها شيئاً.

-كما أنني مندهشٌ حقاً!! الدكتورة "عفاف" تخشى على ابنها من ركوب الطائرة ولا تخشى عليه من قيادة السيارة، فيمَ الاختلاف إذاً؟! فكلاهما وسيلة مواصلات.

-ما قدره الله لن يغيره العبد.

-أتحتاجين لأذكركِ بهذا دوماً أمي؟!

ثم استكمل بجديةٍ مصطنعة:

-أين إيمانكِ بالله؟! أين الإفطار؟!

-أنا أتضور جوعاً يا سيدة "فوفة".

ابتسمت "عفاف" لمشاكسة ابنها، وخرجت وهي تدعو الله أن يحفظه لها.

أما عن "تميم" فبعد خروج والدته أخذ يبحث عنها بكل زاويةٍ في الغرفة وقلبه يتراقص فرحاً، متسائلاً:

- أمعنى رؤيته لها في اليقظة؛ فبذلك سترافقه في صحوه ومنامه؟!

تخصر وهو يزفر بخيبةٍ، فحتى خزانة الملابس بحث عنها بها، وأخذ يُحدث حاله باستنكار:

-لقد جُننت حقاً "تميم"!! ويجب أن تذهب إلى طبيب نفسي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غرام سادة الجن   ٧

    أسيرها هام حباً والتاع عشقاً والحبيب لا يدري ولا يعلم. واكتوى قلب المحب بصبو الهوى ومعشوقه قاسٍ لا يرحم.فترنم قلب العاشق يشدو ويتغنى بوجدٍ علَّ الجاني يَمِلُ، ويغدو أحكم:أيا عشقاً ذابت ضلوعي لضمه، أبعذاب روحي تتلذذ ولا تسأم؟! لمَن عساي أشكو ضنى قلبي سوى لرب العباد؟! فهو أحن وأكرم. ألا سبيل لمتيمٍ مهمشٍ مثلي، أن يبوح بلهجه، لمَن كان لحنايا الفؤاد توأم؟! اعنِ يا ربي على ما ابتليتني من كلفٍ، فمالكي في العشق أعمى وأصمم. في قصر الملك الأشهب."ألورا" ببراءة:-"راكان"، لِمَ تتحامل على "صفوان"؟!-ماذا فيها إذا أحب؟!"راكان" ببلادة:-تلك التراهات إذا تمكنت من قلب أي ذكر أضعفته أياً كان جنسه، بشري كان أو من الجان.قلبت "ألورا" عينيها بضجرٍ، فمع مَن تتحدث؟! هذا هو الملك "راكان" على قدر عطفه وحنانه معها، إلا أن قلبه المتحجر لم ولن يلِن، فلتحط لعنة الله على مَن كان السبب."ألورا" موجهة حديثها إلى من أطرق رأسه يغض بصره عن أميرة الجان الضوئي، وهي وإن كانت أميرة لعشيرتهم فهي سلطانة قلب "صفوان":-"صفوان".لبى "صفوان" النداء، وقلبه يهدر بحدة كقرع طبول الحرب؛ فهو في قمة نشواه الآن إذ استمع لاسمه

  • غرام سادة الجن   ٦

    عاد مرة أخرى إلى الخزانة يعبث بمحتوياتها؛ ليجلب ثياباٌ داخلية؛ كي يرتديها بعد الاستحمام، فكفاه ثلاثة أيام راحة من العمل أو لنقِل عذاباً ببعدها، ومن ثَمَّ خلع عنه هذا التيشيرت القطني يلقيه أرضاً بإهمال متغاضياً عن كل محاولات "عفاف" باللين والشدة؛ لتثنهِ عن تلك العادة السيئة، وإقناعه أن هناك اختراع ما يدعى المشجب تُعَلَّق عليه الملابس، ومن ثَمَّ أدار مقبض باب الحمام؛ ليعاود غلقه سريعاً بتفاجئ.إذ رأى امرأة تجلس على حافة المغطس تواليه ظهرها حاصرةً ثوبها إلى منتصف فخذيها الناصعي البياض، وقد امتلأ المغطس بالماء، وهي تدلي ساقيها داخله تهزهما باستمتاع.وهناك شبورة من بخار الماء المتكاثف تنبعث من حوض الاستحمام تعيق مجال الرؤية إلا من تلك الجالسة براحة واسترخاء وكأنه منزل أبيها.وأثناء شروده بماهية تلك المرأة التي تجلس بداخل حمامه المتواجد في غرفة نومه، فلا أحدٍ يعيش بالمنزل سوى هو وأبيه ووالدته، حتى لا وجود لخادمة مقيمة، فوالدته توكل مهام التنظيف إلى سيدة بعمر الخمسين تدعى "ماجدة"، وتأتي لتباشر عملها كل جمعة بالأسبوع.وحتى لو كان اليوم هو الجمعة فتلك الفالكة لا يمكن أن تكون "دادة ماجدة".شهق

  • غرام سادة الجن   ٥

    بعد تلك الوكزة التي اجتسته من عالم الأحلام، ونبرة صوته المحتدة، ناظرته والدته "عفاف" بدهشةٍ، وهي تقول باستياء:-ما بك "تميم"؟! تلك أول مرة تتحدث فيها معي بتلك الطريقة!!زفر "تميم" وأطرق رأسه بخزي، فبالأخير لقد أخطأ ولكن ما كان مشرف عليه ساحر حد اللعنة، فقط هواء زفيرها الأشبه بعطور الشرق في طيبها جعل كل حواسه في حالة انتباه، وقربها منه إلى هذا الحد أرعد بداخله عواصف من الأحاسيس لها تأثير مهلك، فتمتم بأسفٍ:-آسف "فوفة"، سامحني، كنت غارق في النوم، وفُزِعت. اقتربت "عفاف" تعبث بخصلات شعره البني المشعث بالفعل إثر النوم، وقد أسعدها تغير مزاجه للأفضل عن تلك الأيام السابقة، إذ كانت تشعر بالحزن الشديد لأجله، ولا تعرف ما أصاب ابنها، دوماً حزين ومنزوي على حاله، ينام كثيراً ويتحدث قليلاً، ولا يهتم لا على صحته ولا بطعامه، فقالت بحنانٍ وأمومة يشوبها بعض الفضول:-لا عليك "تميم"، ولكن أخبرني!! ما سر هذا التغيير؟! شرد بخياله يستحضر صورتها المحفورة بذهنه، وبعد اكتمال الهيئة بات التفكير بها مرهق ولكن ذو رونق مبهج. لاحت على شفاهه ابتسامة جذابة وصورتها باتت تتجسد أمامه وكأنها تجلس إلى جواره على التخت مر

  • غرام سادة الجن   ٤

    رياحٌ عاصفة اشتدت، وعلا صوت الرعد، واستحال صفاء عنان السماء إلى غسقٍ دامي، وأحدهم ثائر وقد ماجت أوداجه بغضبٍ عارم، وتشتت أصاب كل سكان مملكته والكل يتسائل:- لِمَ كل هذا السخط الذي يعصف بملكهم؟!وبعيد في الأفق جواد يعدو وعلى ظهره أكثرهم جاذبية على الإطلاق، ومن يمكنه رؤيته من عشيرته وكافة الفصائل من هذه المخلوقات التي تشاركنا الأرض ومتاعها ينحني في ثبات واستكانة إجلال وخنوع ل"ملك الجان "راكان"". وما إن اقترب هذا الفارس على حصانه ذو البياض الناصع والشعر الكثيف الذي يتدلى أعلى ناصيته، رافعاً رأسه في شموخ كممطتيه من بوابة قصر الملك "الأشهب"، حتى فُتِحت البوابة على مصراعيها دون فاعل أو طلب من القادم، وكأن تلك الكتلة الحديدية المطلاة بماء القصدير تنفذ الأمر طاعة للوالج. ترجل الملك "راكان" من أعلى سرج حصانه، يقطع الأرض أسفله بخطى ثابتة قوية وبرغم ما توحيه هذه الخطوات من نقمٍ إلا أنها واثقة محسوبة. ولكن ما الداعي؛ ليبدو على معالم وجهه الحنق وعدم الرضى؟! سؤال تبادر بذهن كل خدام القصر والتابعين وكذلك "صفوان" قائد جيوش الملك "الأشهب"، وصديق الطفولة والصبى للملك المفوض "راكان" فقد عاشوا معاً م

  • غرام سادة الجن   ٣

    حُبِست أنفاسه، وهو يستمع إلى صوتها يناجيه بعد غياب، فلها ثلاثة ليالٍ لم تزُره بأحلامه؛ حتى تملكته الوحشة وصار هائماً لا يريد مغادرة غرفته. وكلما أفاق من نومه دون مرآها يلتقط عبوة الأقراص المنومة من أعلى الكومود المتواجد بجوار تخته في غرفته المودرن ذات الطابع الرجولي.ف"تميم" من أسرة ميسورة الحال، يمتلك والده شركة أبنية وعقارات، وتعمل والدته أستاذة بكلية العلوم جامعة القاهرة. ومن ثم يبتلع قرصاً من هذه الأقراص، وإن لم يُجْدِ نفعاً يتناول الثاني فالثالث؛ حتى بدأت والدته بالقلق عليه ظنناً منها أنه متوعكٌ أو به علة ما بسبب نومه المتواصل.وعندما طوقت "يامور" خصره، وأحس بدفء جسدها الملاصق له، وهي تحتضنه إليها باتت أنفاسه المحتبسة دون وعي منه، تخرج بتنهيدات متلاحقة، وهو يسبل أهدابه باستمتاع ونشوى، وأوصاله تضربها موجة شوق عارمة إنه عاشق لها حتى النخاع ، والهاجر هو من يشتكي الفقد!! وذلك عندما قالت بنبرة صوتها العذب:-اشتقتك "تيمو"، بل بلغ بي الشوق حد الجنون.صحيح أنها أول مرة تكن قريبة منه إلى هذا الحد.. قرب مهلك، ولكن الأيام القليلة التي مضت جعلته يعيش أسوء مرحلة بحياته، إذ كاد يجن وهو على

  • غرام سادة الجن   ٢

    تجعد جبينه وهو يفرج عن أهدابه عندما داعبت أشعة الشمس عينيه بحدقيتيها السوداء؛ لتتنبه حواسه على أصوات شلالات مياه صافية تنساب من علٍ، صوت غديرها يبعث البهجة في النفوس.نهض بعد أن كان مستلقياً على ظهره والسماء الصافية وبرغم من توهج قرص الشمس الذي يتوسطها إلا أن حرارتها لم تكن محرقة إلى هذا الحد، تجولت أنظاره تجوب المكان تتفحصه بتمعن، وإذا بفراشات ذات ألوان فسفورية ترفرف حوله، وبرغم جمالها وتناسق ألوانها إلا إنها تبدو غير طبيعية. كما تتنقل هنا وهناك أنواع وأشكال من الطيور منها المعروف ومنها غير المألوف. التقطت مسامعه ترانيم بلابل وتغاريد كراوين وزقزقة عصافير وكلها أصوات متداخلة بتناغم. وكأن هناك "مايسترو" هو القائم على تنظيم وتوظيف كل نغمة لكل طائر في هذه الألحان وكأنها "أوركسترا" يونانية تعزف لحناً سيمفونياً لأحد المشاهير بحرفيةٍ وذوقٍ وإبداع. لاحت من حوله مروچٌ خضراء، وأشجار وأزهار غاية في الروعة والإبداع، وبرغم التباين بينها في الأشكال والألوان، إلا أن الأكثر غرابة هو اجتماع كل هذه الفصائل والأنواع في بستان واحد؛ فاختلاف الظروف التكيفية لكل منها يجعل نموها في مكان واحد أشبه بالخيا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status