Mag-log inبعد تلك الوكزة التي اجتسته من عالم الأحلام، ونبرة صوته المحتدة، ناظرته والدته "عفاف" بدهشةٍ، وهي تقول باستياء:
-ما بك "تميم"؟! تلك أول مرة تتحدث فيها معي بتلك الطريقة!! زفر "تميم" وأطرق رأسه بخزي، فبالأخير لقد أخطأ ولكن ما كان مشرف عليه ساحر حد اللعنة، فقط هواء زفيرها الأشبه بعطور الشرق في طيبها جعل كل حواسه في حالة انتباه، وقربها منه إلى هذا الحد أرعد بداخله عواصف من الأحاسيس لها تأثير مهلك، فتمتم بأسفٍ: -آسف "فوفة"، سامحني، كنت غارق في النوم، وفُزِعت. اقتربت "عفاف" تعبث بخصلات شعره البني المشعث بالفعل إثر النوم، وقد أسعدها تغير مزاجه للأفضل عن تلك الأيام السابقة، إذ كانت تشعر بالحزن الشديد لأجله، ولا تعرف ما أصاب ابنها، دوماً حزين ومنزوي على حاله، ينام كثيراً ويتحدث قليلاً، ولا يهتم لا على صحته ولا بطعامه، فقالت بحنانٍ وأمومة يشوبها بعض الفضول: -لا عليك "تميم"، ولكن أخبرني!! ما سر هذا التغيير؟! شرد بخياله يستحضر صورتها المحفورة بذهنه، وبعد اكتمال الهيئة بات التفكير بها مرهق ولكن ذو رونق مبهج. لاحت على شفاهه ابتسامة جذابة وصورتها باتت تتجسد أمامه وكأنها تجلس إلى جواره على التخت مرتكزة براحتيها على الفراش تميل بجذعها إلى الخلف في تكاسل ووجهها الصبوح موالياً له، تبتسم إليه بعذوبة، فبسط يده كالمسحور؛ ليتحسس وجنتها بظهر راحته. فاقشعرت معالم وجهه؛ عندما قضمت إبهامه بمشاكسة طفولية، وهي تقهقه بمناغشة، ولكن صوت ضحكاتها الرنان الذي يشبه أعذب الألحان التي تُطرب إليها الآذان، جعلته في حالة هيام. ومن ثم اختفت مشابغته بعد وكزة أخرى من والدته، وهي تصيح باسمه، إذ جحظت عيناها من تصرفات ابنها الغريبة كلياً عليه؛ ليقابلها ما هو أغرب، وذلك عندما انتفض بغضب وخرجت من بين شفاهه سبة نابية، تلاها بقوله الساخط: -تباً ل"تميم"، ومن أنجباه على حد سواء!! صدمة!! كادت عينا "عفاف" أن تقفزا من محجريهما، وبدت على يقينٍ تام أن ابنها أصيب بشيء ما في عقله، لتنهره قائلة: -اللعنة!! أجُننت "تميم"؟! هب "تميم" من مجلسه، يلف ذراعيه حول خصر والدته بعد أن ألقت استهجانها واستدارت تستعد للخروج، وكأي أمٍ مصرية أصيلة أخذت تتمتم باستياء مُعربةً عن كونها فشلت بتربية ابنها، وأنها ستخرج بلا عودة علَّه يعرف قيمتها ويتعلم ألا يتجاوز حدوده بالحديث. وأنها ستشتكي عليه وتوشي به لدى أبيه؛ ليتخذ موقفاً حيال سوء أدب ابنه، إلى جانب مَنِّها عليه كونها حملته في بطنها تسعة أشهر. ولا مانع من أن تنعِ سنين عمرها التي ضاعت في تربيته والعناية به؛ كي يصبح رجلاً، وعندما اشتد بئسه واخشوشن صوته علا على مَن كانت السبب في وجوده بالحياة..... إلى آخره من معزوفة تلك الأسطوانة المعادة التي تجري بطلاقةٍ على ألسنة كل الأمهات وكأنها كتالوجاً يصل مع المنتج. أخذت تفرك، وهي تحاول تخليص حالها من بين يديه دون جدوى، فأشاحت بوجهها بعيد عن مرمى قبلاته المتتالية التي يغدقها على وجنتها، وهو يغمرها بعبارات الأسف التي يعلمها علَّها تصفح، قائلاً: "تميم" بتعذر: -خِلصنا "فوفة"!! غضبكِ سيء يا ملكة قلب "تميم". "عفاف" بتململٍ، وهي توكزه بمرفقها من الخلف بجانب ضلوعه جهة اليسار: -اتركني "تميم"، لن أسامحك هذه المرة، انسَ. آهة مصطنعة خرجت من بين شفاه "تميم" عقب وكزتها تلك، يفض على إثرها تشابك يديه حولها، وهو يضع يديه بإدعاء موضع ضربتها يئن منحنياً بجذعه إلى الأمام في تمثيل مبتذل، رق له قلب الأم؛ فاستدارت إليه مشغوفة؛ لتستكشف ما به. قائلةً بخوفٍ حقيقي، فقد ظنت أن وكزتها تلك آلمته كونه متوعكاً عما قريب على حسب ظنونها وإهماله في التغذية عزز من شدة تأثره بضربتها، تشك أنها تعافت عليه بها: -"تميم"؟! -ما بك بني؟! عندما رأى فزعها، كوب رأسها بين يديه يطبع قبلة على جبينها، قائلاً بترضية: -قلبي يؤلمني لغضبكِ أمي، لا تؤاخذيني، فأعصابي متوترة هذه الأيام. تحول غضب الأم إلى قلق تسأله باستفسار: -لّمُ "تميم"؟! "تميم" بمراوغة: -بعض المشكلات بالعمل. "عفاف": -منذ أكثر من أربع سنوات بعد أن تخرجت من الجامعة ووالدك يلح عليك بالعمل معه. -وأنت تصر على العمل كطيار كما أصريت على دخول هذه الجامعة. -ارح قلبي "تميم" وعاون والدك في الشركة؛ ففي كل مرة تذهب فيها برحلة عمل ينقبض صدري حتى تعُد. "تميم" بعقلانية: -أنا أحب عملي أمي، وأعتقد أنني وبعد أن أصبحت على مشارف السابعة والعشرين من عمري يمكنني أن اتخذ قراراتي بنفسي. مستكملاً بإصرار: -لن أترك ما أحب للعمل بمهنةٍ لا أفقه عنها شيئاً. -كما أنني مندهشٌ حقاً!! الدكتورة "عفاف" تخشى على ابنها من ركوب الطائرة ولا تخشى عليه من قيادة السيارة، فيمَ الاختلاف إذاً؟! فكلاهما وسيلة مواصلات. -ما قدره الله لن يغيره العبد. -أتحتاجين لأذكركِ بهذا دوماً أمي؟! ثم استكمل بجديةٍ مصطنعة: -أين إيمانكِ بالله؟! أين الإفطار؟! -أنا أتضور جوعاً يا سيدة "فوفة". ابتسمت "عفاف" لمشاكسة ابنها، وخرجت وهي تدعو الله أن يحفظه لها. أما عن "تميم" فبعد خروج والدته أخذ يبحث عنها بكل زاويةٍ في الغرفة وقلبه يتراقص فرحاً، متسائلاً: - أمعنى رؤيته لها في اليقظة؛ فبذلك سترافقه في صحوه ومنامه؟! تخصر وهو يزفر بخيبةٍ، فحتى خزانة الملابس بحث عنها بها، وأخذ يُحدث حاله باستنكار: -لقد جُننت حقاً "تميم"!! ويجب أن تذهب إلى طبيب نفسي.ألقى "دهمان" ال "جيتار" من يده بحدة بعد أن خلعه عن رقبته، وهو يتوجه صوب الصوت يعرف وجهته برغم العتمة السائدة، ممسك بتلابيب هذا الذي لا يتمكن من كشف كف يده من الدجنة التي حجبت الرؤية كلياً، ولا يعرف لدافعه هوية.ولكنه علم من صوت فحيحه مَن هو، وذلك عندما اقترب ممسكاً به وكأنه لصٌ ضبط بنهيبته تجاه خيال رجل يقف منزوياً بأحد أركان المسرح خلف الكواليس، يقول بانزعاجٍ:-القِ بهذا خارج المكان الذي أتواجد به، فلا عمل له معي.رد عليه "ديڤيد" مدير أعماله، يحاول تهدأته؛ ليتبين من آمره ما فعل المقصود بطرده أو يتقصى عن شخصه على الأقل حتى ما إذا عاد الضوء يعرف مَن عليه إقصاءه من فريق العمل، فالكل متخبط ولا أحد يمكنه التمييز في ظل الوضع الحالي."ديڤيد" بمهادنة:-اهدأ "دي"، واعلمني ماذا صدر منه، أو تمهل لحين يعمل الشباب على إصلاح عطل المولد الكهربائي؛ كي أعرف مَن المعني بالطرد.هدر به "دهمان" بنبرةٍ غير قابلة للنقاش:-لا جدال، ولست ملزماً بإبداء أسبابي، ولن يمكث هذا هنا لحظة أخرى.-شغل كشاف هاتفك، وخذه من أمامي الآن حتى لا اضطر لطرد كلاكما.ثوانٍ وكان كل مَن بالمحيط يُفَعِّلون إضاءة هواتفهم حتى اتضحت ا
تناقضٌ كلي يشوب هذه العشيرة من المخلوقات بين ما يفعلوه وما يؤمنوا به، إذ أن إبليس كبير الشياطين كان واحد من الجان العابدين لله، ولتوحيده وعبادته الخالصة لجلال وجهه العظيم كرمه الله بأن رفعه إلى الملأ الأعلى، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه".لحظة إدراك!! ففي الآية السابقة جملة خبرية ألا وهي "إذ قلنا للملائكة" !!أي أن الله سبحانه وتعالى يخاطب فئة من خلقه ألا وهم الملائكة وإبليس مَعْنيٌّ معهم بالقول، وأعطى جلاله الأمر لهم بالسجود لأبو البشر سيدنا" آدم" عليه السلام، فكانت الطاعة واجبة على الملائكة الذين تلقوا الأمر والجان العابد الناسك من بينهم إبليس، ولكن الكل لبى إلا إبليس، فسق عن أمر ربه أي امتنع عن التنفيذ وإبداء الولاء والطاعة.وما نعنيه هنا أن من يوسوس لنسل آدم لا يسلك مسلكهم فهو لا ينكر الألوهية بل كان عابد في منزلة الملائكة، كل عداوته موجهة إلى مَن جعلوه منبوذاً من رحمة الله، ألا وهم نحن البشر.وها نحن أمام أكثرهم شراً، فالنساء لعبته، ودمار قلوبهن شاغلته، كل أنثى مهما كان جنسها حشرة وأقل شأنٍ من هذا الكائن
أناملُ فنانٍ بارع تتلاعب بأوتار آلة موسيقية، وصوتٍ كرواني يصدح صداه بالأرجاء، الجميع في حالة سُبات وكأنما على رؤسهم الطير أو كمن سُلِبت عقولهم على الأخير.تلك النغمات الرنانة تُضْرب بحرفية وإتقان على نمارق الحرمان، وكلمات الغنوة المؤداة تُجسد ما بناشدها من عذابٍ ومعاناة، والمؤدي قد تفوق على أقرانه في إيصال إحساسه النابع من مأساةٍ حقيقية عايشها بالفعل.الحزن مخيم على ملامح وجهه ببشرته الحنطية، والأنين يطل من عينين سوادهما أشد حلكة من سماء ليل قمرها غاب عنها في خسوف كلي.هذا الألم المتمثل بوضوح على هيئته وعمق صوته المؤثر شاع وَجْدَه على جميع الحاضرين بل على الأجواء أكملها، وذلك بالرغم من حالة اللاوعي التي هو عليها الآن.إلا أن ما يبثه تواً لمتابعيه لا غبارٌ عليه، فمَن يتغنى بتلك الكلمات التي تقشعر لعمقها الأبدان وترتجف لمكنوناتها الأفئدة والأوصال وبهذا الصوت الشجي، قطعاً فنانٌ مرهف.إنه "دي إتش مان" هذا الوسيم ذو الجسد الرياضي المُعضل بتناسقٍ غير مهيب.في البداية كان لحن أغنيته الحزينة يتهادى برتمٍ ونغماتٍ منخفضةٍ ناعمة، وهو يتمايل بوقارٍ مع اللحن، وانسجام جمهوره أصبح حافزاً له؛ كي يمنح
العيون ضائعة ما بين معالم وتيه، وقلبه يهدر بعنف حتى بلغ نبضه من به صمم.فما بالنا بمن التحم جسدها بصدره يضمها إليه بعشقٍ عارم، تمتمت باسمه، أو كان ينقصه ذلك!! فقربها وحده متاهة:-"صفوان".هبطت نظراته إلى شفتيها، مسبلاً أهدابه يتأمل دقة الرسمة ولمعانهما بما طلتهما به ولا يفقه ما هو ولكنه أعطاهما مظهراً أكثر إغواء، فهمهم مغيباً:-امممم، ما به "صفوان"؟!"ألورا" محاولة فض أسر ذراعه من حولها، إذ بدأت تنجذب لتأثير اللحظة ولا تريد أن تتمادى كما حدث في الطائرة فما كان وما من الممكن أن يكون لا يجب وقوعه.فهناك الآلاف من الموانع أولهما حبيبته الخفية وتعففها كأميرة وكبريائها كأنثى يمليان عليها الترفع فإذا كان الحب داء فدواءها لابد وأن يكن خصيصاً لها.وكذلك رفضها للارتباط مانعٌ لا نقاش فيه وحتى وإن مالت لتلك الفكرة، قطعاً لن يكن "صفوان".نزعت حالها من أحضانه نزعاً، فاستفاق من نشوته، مطرقاً رأسه يقول بأسفٍ:-أعتذر منكِ مولاتي، فأنا لم أفكر عندما وجدت المياه موشكة على سحبك إلى العمق، لا تؤاخذيني."ألورا" بارتباكِ، فلِم عساها أن تلُمه، وقد ضعفت هي الأخرى، بل وكادت أن تنصاع لتلك الهالة لولا أنها انتب
أغمض عينيه عندما حمل الماء إليه رسائل انضمامها مع موجه الملامس لهما، وداخله يتسائل أجائت تنهره مستهجنة أم.......ابتسامة تهكمية لاحت على شفاهه عندما مر بخاطره فكرة أنها تبعته؛ لتستقصَ عما به، منذ متى وهي تهتم؟!عقد ذراعيه أمام صدره، يستعد لعريضة استنكارية يتغضن بها لسانها، تلقي عليه دفعاتٍ متواليةً بشأن اندفاعه الذي دوماً ما ذكرت أنه عيب به، لكن أتُراه العيب الوحيد الذي استرعى انتباهها؟!أم أن هناك تحفظاتٌ أخرى بخصوص الشيطان "صفوان"؟!خنجرٌ ذو حدين أُدير بضراوة وقسوة مخترقاً ضلوعه، يشق نابضه مغموساً بسُمٍ جفائها له، ومع كل استنكار تترك بشقه النازف وجعاٌ لا يعلمه إلا المولى عز وجل.تركت بدورها نعليها على الشاطئ إلى جوار خاصته، تتبعه إلى خلوته، ولا تعلم ما الذي جعلها تشعر بالذنب حياله، ربما كونها قَبِلت بصحبته لها، فهي تدرك تماماً مدى تقديسه لعزلته وتستشف ذلك من رفضه للاختلاط بغير العشيرة.حتى هناك لم يكن "صفوان" بمن يرغب الجميع في رفقته، إنهم يخشونه، ورهبتهم منه تجعلهم يتجنبوه؛ لذا قررت إعفاءه من هذه المهمة الشاقة، وستخبره برغبتها في العودة، لاعنةً تَعجُلها، فلِم لَم تنتظر أن يفرغ أخيه
أسرع "صفوان" يستميلها فهو لا يرغب أبداً في مضايقتها أو تنغيص عليها متعة الاستجمام ولا فرحتها بهذه السفرة، فهو أكثر منها استمتاعاً أنها أجمل لحظات عايشها طوال حياته، راغباً مثلها تماماً لو تتلاشى ذكريات الماضي السحيق، تاركين خلفهما أصلهما وقوانين عشيرتهما، ويعيشا سوياً على هذه الجزيرة في سلامٍ بمنأى عن أية خلافات ونزاعات بين قبائل الجن وشياطين الأبالسة."صفوان" بتلعثمٍ فتلك أول مرةٍ يقولها:-ل..لا "أ.. لورا"، أنا لست مجبوراً بل على العكس، أنا... أنا سعيد.قال الأخيرة ومن ثم أطرق رأسه على استحياء، فطربت مسامعه عندما وصل إليها صوت ضحكتها العذبة، وهي تعاود سؤاله:-"صفوان"!! ماذا قلت الآن؟! أنا لا أصدق أذني، عدها بالله عليك؛ حتى أتأكد.لم يقوَ على رفع بصره إليها بل ظل كما هو، ولكنه تمتم قائلاً:-قلت أني سعيد لأجلكِ.أجفل عندما أحس بملمس أناملها أسفل ذقنه، ترفع رأسه، فتقابلت الأعين وأفصحت النظرات وذلك عندما ألحت عليه بالسؤال:-لأجل مَن، "صفوان"؟ابتلع، وها قد بدأ جبينه بالتعرق، وذلك الذي بين ضلوعه لا يكف عن الهدر، لاعناً إياه فحتماً سيفتضح أمره."صفوان" مجيباً بصدقٍ وعينيه تبثها يقين ما سير