تسجيل الدخولانسكبت أضواء الزينة الدافئة على أرجاء حديقة سرايا آل الشاذلي، وكان النسيم العليل يخاطب الأشجار العالية، محمّلاً برائحة الفل والورد الجوري. التجمع العائلي كان في أوج نضارته، والكل متجمعين في الصالون الرئيسي بعد شفاء مراد التام وعودته بهيبته الكاملة.كان مراد يرتدي بدلة كحلية رسمية تزيد من شموخه وقوته، بينما جلس صقر الشاذلي على رأس الصالون وبجواره ملاك، وأدهم الصقر وبجواره نور، وإياد يجلس بجانب زين يتهامسان بابتسامة.فجأة، وقف مراد بثبات، وعدّل ياقتها بثقة، وخطا خطوات منتظمة بثبات نحو صقر وملاك. سكتت كل الأصوات في الصالون، وانصرفت الأبصار إليه.نحنح مراد بصوته الرجولي الفخم وقال بنبرة مليئة بالاحترام والصرامة:— «عمي صقر.. طنط ملاك.. بعد ما ربنا كتب لي عمر جديد وبقيت بفضل الله بكامل صحتي، أنا واقف قدامكم النهاردة مش بس كـ صقر في القوات الخاصة، أنا واقف هنا كـ راجل بيطلب إيد بنتكم.. بطلب إيد الدكتورة وأميرة القلم مايا، تكون شركتي وحبيبتي وزوجتي على سنة الله ورسوله.»في اللحظة دي، كانت مايا داخلة الصالون شايلة صينية المشروبات الدافئة! أول ما سمعت كلامه، إيدها اترعشت والصينية كادت تقع منها
فجأة! صوابع مراد بدأت تتحرك حركة خفيفة جداً تحت إيدها. مايا رفعت راسها بسرعة وخوف: «مراد؟!» جفون مراد بدأت تترعش وتتفتح ببطء شديد، ضوء الغرفة كان زغلل في عينيه، لحد ما ملامح مايا بدأت تظهر قدامه وضوح. صوته طلع ضعيف جداً ومبحوح من أجهزة التنفس: — «ما... مايا...» مايا انحنت عليه والدموع نازلة من عينها بابتسامة الملايكة: — «أنا هنا يا مراد.. أنا جنبك يا حبيبي.. الحمد لله على سلامتك يا صقري!» مراد حاول يبتسم بتعب، وضغط بإيديه الضعيفة على إيدها ببطء، وقال بصوت خافض لكنه مليان حب وحماية: — «قلت لك... هرجع لك... الصقر مبيخلفش وعده... ولا بيبعد عن أميرته...» مرت أيام قليلة على ليلة الرعب، والهدوء بدأ يرجع بالتدريج لسرايا آل الشاذلي وفيلا آل الصقر، بس المرة دي الهدوء كان مليان دفء وامتنان حقيقي. الشمس كانت طالعة صافية، والبيت كله بيتحضر لاستقبال بطلهم اللي راجع من المستشفى العسكري بعد ما الدكاترة أخيرًا سمحوا له بالخروج والتنقل، بشرط الراحة التامة ومتابعة العلاج. في الجناح الخاص بمراد، كانت نور وملاك شغالين بإيديهم، بيرتبوا كل حاجة، بيغيروا الفرش، وبيرشوا معطر الورد اللي مرا
كان الهدوء في سرايا آل الشاذلي كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. الشمس بدأت تغرب، والسماء اتحولت للون برتقالي معتم، ومايا قاعدة في شرفتها، الفانوس النحاسي طافي جنبها، والقلم بين أيدها مش راضي يتحرك خطوة واحدة. كل ما تحاول تكتب سطر، تحس بإنقباضة شديدة في قلبها، وكأن في سكين بيتغرس في صدرها بدون مقدمات. مسكت هاتفها للمرة الألف، تفتح الشات بينها وبين مراد، مفيش أي شبكة ولا أي إشعار وصل منه من ساعة ما تحرك. الدمعة نزلت من عينها رغماً عنها، وضربات قلبها كانت بتسارع بطريقة مرعبة. في الصالون تحت، كانت ملاك واقفة بتجهز السفرة مع نور، وصقر قاعد مع أدهم وآدم بيتكلموا في أوراق الشغل، لكن الهدوء ده اتكسر فجأة بصوت رنين تليفون أدهم الصقر! النغمة كانت يرن منها القلق، أدهم طلع التليفون من جيبه، ولما شاف الرقم المسؤول، ملامح وجهه اتغيرت تماماًتحولت لجمود وصرامة مرعبة. رد بسرعة وصوته جاد: — «أيوة يا فندم.. تمام.. إيه؟! مراد؟!» السكتة اللي سكتها أدهم بعد الكلمة دي خلت الصالون كله يقع في صمت قاتل. صقر وقف من مكانه فجأة، وآدم عينيه اتسعت برعب، وملاك ونور اسودت الدنيا في وشهم. أدهم صوته بدأ يترعش
استيقظت مايا على خيوط الشمس الذهبية وهي تداعب ستائر غرفتها في سرايا آل الشاذلي، وشعرت برغبة قوية في بدء اليوم بأمل جديد، متناسيةً قليلاً كوابيس الأيام الماضية. نزلت إلى الطابق السفلي حيث كانت العائلة تجتمع حول طاولة الإفطار الفاخرة المليئة بأطياب الطعام. كان صقر الشاذلي يجلس على رأس الطاولة يتابع الأخبار بملامحه الرصينة، بينما تقف ملاك بحنانها المعتاد تشرف على تقديم الأطباق الدافئة. — «صباح الخير يا أجمل عيلة،» قالت مايا وهي تجلس بابتسامة متألقة. رد صقر بحنان وهو يقبل رأسها: «صباح النور يا قلب أباكِ.. شايف ضحكتك منورة النهاردة، شكله الفصل الجديد من الرواية طالع تحفة!» ابتسمت ملاك وهي تسكب الشاي: «ربنا يديم عليكِ الراحة يا مايا يا بنتي. بس قوليلي، خلصتِ الجزء الخاص بالعزومة الرمضانية ولا لسه؟» ضحكت مايا وقالت بشغف: «خلصته يا ماما، والقراء طايرين بيه وبأجوائه على المنصة! بس بصراحة، حاسة إن الأحداث الجاية محتاجة إثارة أكتر.. عاوزة أكتب عن التضحية والشجاعة، حاجة تهز القلوب.» في هذه اللحظة، دخل أخوها الشاب «إياد» الصالون وهو يمسك هاتفه ويبتسم ببلادة وشرود غير معتاد، وعيناه لا تف
استيقظت السرايا في الصباح الباكر على حركة غير معتادة. كانت الحقائب تُجمع في البهو الرئيسي، حيث قرر أدهم الصقر وعائلته العودة إلى منزلهم المستقل بعد الاطمئنان التام على استقرار الأوضاع وسلامة مايا. لم يكن مراد يفضل الابتعاد في هذا التوقيت الحرج، لكن والده كان يرى أن العودة لمقراتهم الطبيعية ترسل إشارة قوة للأعداء والمنافسين بأن الحياة تسير بنظامها الصارم ودون أدنى ارتباك. كانت مايا تقف عند الدرج ترتدي زياً رقيقاً باللون الكحلي، تتأمل الحركة في الأسفل بقلب يدق باضطراب خفي. تقدم منها مراد ببدلته الرسمية الداكنة، وساعته الفضية الفاخرة تلمع تحت أنوار البهو. وقف أمامها مباشرة بثباته المعهود، ونظر في عينيها بنبرة حادة لكنها تحمل دفئاً خاصاً: — «إحنا راجعين البيت يا مايا.. بس ده مش معناه إن الحراسة هتقل خطوة واحدة هنا. تليفونك يفضل في إيدك، وأي تحرك بره السرايا لازم أكون بلغت بيه شخصياً.» أومأت مايا برأسها وابتسمت بتوتر: — «فاهمة يا مراد.. بس أنت كمان خذ بالك من نفسك، الشركة فيها حركة غريبة اليومين دول وأنا حاسة إن المنافسين مش هيسكتوا بسهولة.» عدل مراد ياقة قميصه وقال بثقة ثاقبة:
أشرقت شمس الصباح الدافئة لتشق ظلام الصحراء، معلنةً عن ميلاد يوم جديد وانتهاء واحدة من أصعب الليالي التي مرت على عائلة الصقر. كانت سيارات الحراسة والقوات الخاصة تهز الطريق في طريق عودتها، وتتوسطها سيارة مراد التكتيكية. في المقعد الخلفي، كانت مايا تسند رأسها المجهد على كتف مراد، ملفوفة بمعطفه الأسود الضخم الذي يغطيها بالكامل. كانت يدها الصغيرة متشبثة بيده بصلابة، وكأنها تخشى أن تفلته فيعود الكابوس مجدداً. أما مراد، فكان ينظر إليها بين الحين والآخر، يربت على يدها بحنان بالغ، وعيناه اللتان كانت تشعان غضباً منذ ساعات، أصبحت للتو تفيضان بالدفء والأمان. وصل الموكب أخيراً إلى بوابة السرايا الرئيسية. كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، والجميع في حالة ترقب وانتظار يقطع الأنفاس. لحظة اللقاء ودموع الفرح بمجرد أن توقفت السيارة، ركض آدم الشاذلي وملاك ونور نحو الباب. فتح مراد الباب ونزل أولاً، ثم استندت عليه مايا وهي ترتجف خفية من أثر التعب. — «مايا! بنتي!» صرخت ملاك بصوت يحمل كل لوعة الأمومة، وارتمت في أحضان ابنتها تضمها بلهفة وحرقة وهي تقبل رأسها ووجهها ودموعها تسيل بلا توقف: «الحمد لله يا رب!







