ログインاستيقظت السرايا في الصباح الباكر على حركة غير معتادة. كانت الحقائب تُجمع في البهو الرئيسي، حيث قرر أدهم الصقر وعائلته العودة إلى منزلهم المستقل بعد الاطمئنان التام على استقرار الأوضاع وسلامة مايا. لم يكن مراد يفضل الابتعاد في هذا التوقيت الحرج، لكن والده كان يرى أن العودة لمقراتهم الطبيعية ترسل إشارة قوة للأعداء والمنافسين بأن الحياة تسير بنظامها الصارم ودون أدنى ارتباك. كانت مايا تقف عند الدرج ترتدي زياً رقيقاً باللون الكحلي، تتأمل الحركة في الأسفل بقلب يدق باضطراب خفي. تقدم منها مراد ببدلته الرسمية الداكنة، وساعته الفضية الفاخرة تلمع تحت أنوار البهو. وقف أمامها مباشرة بثباته المعهود، ونظر في عينيها بنبرة حادة لكنها تحمل دفئاً خاصاً: — «إحنا راجعين البيت يا مايا.. بس ده مش معناه إن الحراسة هتقل خطوة واحدة هنا. تليفونك يفضل في إيدك، وأي تحرك بره السرايا لازم أكون بلغت بيه شخصياً.» أومأت مايا برأسها وابتسمت بتوتر: — «فاهمة يا مراد.. بس أنت كمان خذ بالك من نفسك، الشركة فيها حركة غريبة اليومين دول وأنا حاسة إن المنافسين مش هيسكتوا بسهولة.» عدل مراد ياقة قميصه وقال بثقة ثاقبة:
أشرقت شمس الصباح الدافئة لتشق ظلام الصحراء، معلنةً عن ميلاد يوم جديد وانتهاء واحدة من أصعب الليالي التي مرت على عائلة الصقر. كانت سيارات الحراسة والقوات الخاصة تهز الطريق في طريق عودتها، وتتوسطها سيارة مراد التكتيكية. في المقعد الخلفي، كانت مايا تسند رأسها المجهد على كتف مراد، ملفوفة بمعطفه الأسود الضخم الذي يغطيها بالكامل. كانت يدها الصغيرة متشبثة بيده بصلابة، وكأنها تخشى أن تفلته فيعود الكابوس مجدداً. أما مراد، فكان ينظر إليها بين الحين والآخر، يربت على يدها بحنان بالغ، وعيناه اللتان كانت تشعان غضباً منذ ساعات، أصبحت للتو تفيضان بالدفء والأمان. وصل الموكب أخيراً إلى بوابة السرايا الرئيسية. كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، والجميع في حالة ترقب وانتظار يقطع الأنفاس. لحظة اللقاء ودموع الفرح بمجرد أن توقفت السيارة، ركض آدم الشاذلي وملاك ونور نحو الباب. فتح مراد الباب ونزل أولاً، ثم استندت عليه مايا وهي ترتجف خفية من أثر التعب. — «مايا! بنتي!» صرخت ملاك بصوت يحمل كل لوعة الأمومة، وارتمت في أحضان ابنتها تضمها بلهفة وحرقة وهي تقبل رأسها ووجهها ودموعها تسيل بلا توقف: «الحمد لله يا رب!
كانت دقائق الليل الأخيرة تمر كأنها دهور ثقيلة على قلب مايا. في ذلك القبو الأسمنتي المظلم، كانت برودة الأرض تتسرب إلى جسدها، لكن ما كان يرعبها حقاً ليس الظلام ولا البرد، بل النظرات المريضة التي كانت تلاحقها من الخاطف ومساعده الخشن الذي دخل للتو يحمل في يده زجاجة كحول نيسف منها نصفها.وقف الخاطف الرئيسي—المعروف بـ "الديدان"—ينظر إلى ساعته بنفاذ صبر، ثم التفت إلى مساعده وقذف الهاتف على الطاولة الصدئة:— «أدهم الصقر ومراد ما رديوش على الرسالة الأخيرة.. فاكرين إننا بنهوش!»سيطر الغضب والشر على ملامح المساعد الشاحب، واقترب ببطء نحو مايا، تعلو وجهه ابتسامة خبيثة ومقززة جعلت شعر جسدها يقف رعباً.— «يبقى لازم نخليهم يحسوا إن الكلام جد يا معلم.. البنت دي هي القلم اللي هيوجع مراد الصقر العمر كله، ما تيجي نكسر مناخيره ونعرفه إن الله حق؟»اتسعت عينا مايا بذعر شديد، وحاولت التراجع بكرسيها للكنب الخشب المقيد، وسرى الرعب في أوصالها كالنار:— «ابعد عني! أوعى تقربلي يا مجرم يا نذل!»ضحك المساعد بقهقهة شيطانية، واقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه الكريهة على مسافة شبر من وجهها. امتدت يده القذرة لتمسك بياقة ثو
كانت غرفة العمليات في مقر السرايا قد تحولت إلى خلية نحل لا تهدأ؛ شاشات عملاقة معلقة على الجدران تعارض خرائط تتبع رقمية، وحواسيب محمولة تعمل بأعلى كفاءة. كان أدهم الصقر يقف كالطود الشامخ، ينظر إلى الخارطة الرئيسية بعينين تتأقدان جمرة غضب مكتوم، وإلى جواره آدم الشاذلي الذي كان يجري اتصالات رفيعة المستوى لضمان إغلاق كافة الطرق الصحراوية والمنافذ الرئيسية.أما مراد، فقد كان في حالة مختلفة تماماً. كان يرتدي زيه العسكري التكتيكي الأسود، وواقي الرصاص يشد على صدره، وعلى وجهه ملامح حادة كالموس. يدوه كانتا تلتفان حول السلسلة الذهبية ذات قلادة الصقر، يفركها بين إبهامه وسبابته كأنها زجاجة عطر تمد روح ه بالأنفاس وسط هذا الاختناق.اقترب فهد بخطوات سريعة من الطاولة الرئيسية، وأصابعه تعزف على لوحة المفاتيح بسرعة فائقة:— «مراد! أجهزة التتبع لقطت حركة للسيارة السوداء اللي خطفت مايا. استبدلوا لوحاتها المعدنية بعد ثلاث كيلومترات من السرايا، ودخلوا بيها في منطقة المحاجر القديمة طريق بلبيس المهجور!»رفع مراد رأسه فوراً، وتجلت في عينيه نظرة المفترس الذي وجد أثر فريسته:— «المحاجر القديمة؟ ده مكان مهجور ومف
لم تدم حالة الهدوء والسكينة التي خيمت على السرايا إلا لساعات معدودة. في منتصف الظهيرة، وبينما كان مراد يغط في نوم عميق ليستعيد قواه، كانت الأحداث في الخارج تتسارع بوتيرة مرعبة.في مبنى شركة "الصقر للحديد والصلب"، دخل فهد إلى مكتب والده أدهم وهو يحمل في يده ملفاً أسود اللون، وعلامات الصدمة والوجوم تعلو وجهه. أغلق الباب خلفه بإحكام، واقترب من المكتب حيث كان أدهم يتابع حركة الأسهم العالمية.— «بابا.. إحنا اتخدعنا. ضربة امبارح على الطريق الصحراوي كانت مجرد تمويه واستنزاف لقوات العمليات الخاصة وليك إحنا شخصياً!» قالها فهد بصوت خافض ومليء بالتوتر.اعتدل أدهم في جلسته، وضيق عينيه بنظرة ثاقبة:— «وضح كلامك يا فهد.. يعني إيه تمويه؟»فتح فهد الملف وألقى بالتقارير أمامه:— «الخلية اللي اتقبض عليها امبارح كانت مجرد طعم! الهدف الحقيقي كان اختراق الخزنة الرقمية للمجموعة وتسريب تصاميم وخلطات الصلب الخاصة بالعقود الأوروبية. التسريب حصل أثناء ما كان كل التركيز الأمني على الشحنة والمصانع! واللي عمل الاختراق ده.. حد من جوه الشركة، ومعاه صلاحيات عالية جداً.»في هذه اللحظة، قطعت سكون المكتب ضربات هادئة عل
غادر مراد مقر القطاع بعد انتهاء المعاينة والتحقيقات المبدئية، وكانت أشعة شمس الصباح الأولى تغمر شوارع القاهرة بهدوء دافئ. كان التعب ينخر في جسده بعد ليلة حبلى بالأحداث والمخاطر، لكن ذهنه كان يتوق إلى شيء واحد فقط: رؤية وجهها والاطمئنان على أن البيت الذي يحميه بخير.على الجانب الآخر، وفي السرايا الكبيرة لآل الصقر والشاذلي، كان الصباح قد بدأ بالفعل بشكل مختلف. الحديقة الخارجية والشرفة الواسعة المطلة على المسبح شهدتا تجمع العائلة بالكامل حول طاولة الإفطار الضخمة. كانت الأطباق الدافئة ورائحة القهوة الخضراء والمستكة تفوح في الأجواء، لكن ملامح القلق كانت تبدو جلية على الوجوه.جلس أدهم الصقر على رأس الطاولة، ينظر في ساعته بين الحين والآخر، وبجواره زوجته "ملاك" التي كانت توزع نظراتها بين البوابة ورأس الطاولة. وعلى الجانب الآخر كان "آدم الشاذلي" يتابع بعض الأخبار على هاتفه الذكي بينما "نور" تجلس بجانبه وتحاول تهدئة "مايا" التي كانت تجلس هادئة تماماً، تحرك ملعقتها في كوب الشاي دون أن تتذوق منه شيئاً، ممسكة بيدها الأخرى القلادة الذهبية تحت ثيابها.— «يا جماعة ارحموا الأكل شويه، الأكل بيبرد ومراد







