Mag-log inالسكون غطى الجناح بالكامل، ومفيش صوت كان طالع غير هسيس المطر بره وشهقات ملاك المتقطعة اللي بدأت تهدأ تدريجياً. أدهم كان لسة قاعد على ركبته قدامها على الرخام، بيمسح إيديه المبلولة بفوطة جافة، وعينيه الرمادية باصة للحيطة بجمود، كأنه بيفتكر أحداث قديمة يحب يمسحها من ذاكرته.
ملاك سحبت إيدها الباردة من إيده ببطء شديد، ولمت رجليها لجسمها وهي بتسند راسها على الكنبة. بصت له بعيون حمرا ومجهدة من كثرة العياط، وصوتها خرج مبشوع وبطيء: «شريكك؟ بابا الله يرحمه كان راجل بسيط... عممره ما دخل في مشروعات بالمليارات زي اللي بتعملها، إزاي يكون شريكك؟» أدهم قام ببطء، مشي ناحية الخزنة الفولاذية المستخبية ورا لوحة زيتية في زاوية الجناح. ضرب الأرقام السرية، وفتحها وطلّع منها ملف جلدي قديم ولونه أسود، باين عليه إكسسوارات الزمن. رجع وقعد على الكرسي المقابل ليها، وحط الملف على الطاولة بيناتهم: «أبوكِ الله يرحمه ما كانش راجل أعمال... أبوكِ كان المهندس التنفيذي وأهم خبير أراضي في مصر. من ست سنين، لما بدأت أبني إمبراطورية الصقر، توفيق المنشاوي دخل معايا في مناقصة مشروع ضخم. توفيق حاول يستغل نقطة ضعف في تراخيص الأرض عشان يدمرني ويستولي على شقانا... وأبوكِ هو الوحيد اللي اكتشف التزوير في أوراق توفيق ورفض يوقع على التسليم.» ملاك بلعت ريقها وشريط الذكريات بدأ يمر قدام عيونها: «بابا كان بيجي زمان متضايق ومش قادر يتنفس... وكان بيشتكي من تهديدات.» أدهم هز راسه بنعم ونبرة صوته بقت أعمق وأشد جدية: «توفيق المنشاوي هو اللي هدد أبوكِ... ولما أبوكِ رفض يخضع له، توفيق لفق له قضية إفلاس وهمية ودمر سمعته السوقية في أسبوع واحد. أنا حاولت أتدخل واشتريت ديون الشركة عشان أنقذه من السجن... بس قلب أبوكِ ما استحملش الصدمة ومات بالسكتة القلبية قبل ما ألحق أثبت براءته قدام المحكمة.» انفجرت الدموع في عينين ملاك تاني، بس المرة دي كانت دموع حزن وذهول مش خوف. بصت للملف الجلدي وأصابعها بترتعش: «يعني... أنت ما دمرتوش؟ أنت كنت بتحاول تنقذه؟» — «أنا دايماً باخد حقي بيدي يا ملاك...» أدهم قالها ببرود، بس عينيه كان فيها لمعة غضب قديم: «توفيق المنشاوي فاكر إنه لما يقولك الكلمتين دول في الحفلة هيدمر الثقة بينّا ويخليكي تكرهيني وتسيبيني... هو عاوز الأرض اللي حيلتك عشان يكمل المشروع اللي أبوكِ حَرَمُه منه زمان.» ساد الصمت بيناتهم لبضع دقائق. ملاك كانت حاسة بعقلها هيتفرتك من كثرة المعلومات. كل حاجة كانت فاكراها حقيقة اتغيرت في ثانية. الصقر اللي كانت فاكراه الوحش اللي دمر عيلتها... طلع هو السد اللي كان واقف قدام الوحش الحقيقي! أدهم وقف، مسك كاس المية ومده ليها ببطء: «اشربي... يرتاح جسمك. وبكرة الصبح كل حاجة هتتغير.» سحبت ملاك الكاس وشربت نقطة بصعوبة، وبعدين بصت له بثبات جديد ولد من وسط الانهيار: «لو كلامك صح... ليه ما قولتليش من الأول؟ ليه أجبرتني على العقد والتفاهات دي؟» أدهم مال عليها، وعينيه رجعت حادة وثابتة زي الأول، بس من غير القسوة القديمة: «عشان أنتِ عنيدة يا ملاك... ولو كنت جيت قولتلك الحقيقة من غير ما أحطك في القفص، كنتِ هترميني وتجري لتوفيق المنشاوي برنيتك، وكنتِ هتقعي في فخ أشد.» التفت أدهم ورايح ناحية باب جناحه الخاص، وقبل ما يمسك الأوكرة، التفت ليها ونظرته بقت أعمق: «العقد هيفضل زي ما هو سنة... بس من النهارده، أنتِ مش أسيرة. أنتِ شريكتي في الانتقام من اللي دمر أبوكِ.» قفل الباب وراه بالراحة، وراحت ملاك في نوم عميق من كثرة التعب والإرهاق النفسي. بعد مرور أسبوعين... الجو في القصر بقى هادي بشكل غريب. أدهم بقى بيتعامل مع ملاك باحترام شديد، بيوفر لها كل طلباتها، وبيناقشها في تفاصيل قضايا الأرض وأوراق توفيق المنشاوي. ملاك بدأت تحس بلمسات دفء وتغير غريب في مشاعرها ناحيته؛ الكره القديم بدأ يتحول لفضول واهتمام وشغف بتفاصيله الباردة. وفي يوم... كانت ملاك قاعدة في مكتبة القصر الضخمة بتقرأ، لما دخل أدهم ومسك ملف جديد ورمى على الطاولة بابتسامة نصر: «توفيق المنشاوي وقع في الفخ... بكرة الصبح هيكون في النيابة بتهمة التزوير وإفلاس الشركات.» ملاك قامت بلهفة وفرحة: «بجد يا أدهم؟! يعني حق بابا راجع؟» — «راجع وزيادة...» قالها أدهم وهو بيبصلها بنظرة غريبة ودافية جداً، وقرب منها لحد ماقت المسافة بينهم معدومة: «وبكده... الشرط اللي جمعنا انتهى، وحقك رجع لك.» ملاك ضربات قلبها سارعت، وحست برعشة غريبة في جسمها... هي كانت مستنية اللحظة دي عشان تاخد حريتها وتجلس بعيد عنه، بس دلوقتي... الفكرة بقت مرعبة بالنسبة لها! وفجأة... تليفون أدهم رن بصوت عالي قطع اللحظة! فتح أدهم الخط، وبمجرد ما سمع الصوت، ملامح وشه اتغيرت تماماً... اللون هرب من وشّه، وعينيه وسعت برعب عممر ملاك ما شافته فيه قبل كده! صوت غريب ومرعب طالع من السماعة، صوت ضحكة خبيثة: «فاكر إنك كسبت يا صقر؟ بص من شباك المكتب بسرعة... وشوف هديتي لزوجتك العزيزة!» أدهم ألقى التليفون من إيده وركض بسرعة جنونية ناحية الشباك الكبير المطل على جاردن القصر... وملاك جرت وراه برعب. أول ما بصوا من الشباك... عيونهم اتجمدت من الهول!مرت سنواتٌ ثلاث على تلك الليلة التي اندحرت فيها آخر أذيال الخيانة والسواد. سنواتٌ كانت كفيلة بأن تداوي كل جرح، وتجعل جذر عائلتي "آل الشاذلي" و"آل الصقر" أعمق وأقوى في أرض السرايا، حتى باتت الحكايات تُحكى عنها كأساطير تُورّث للجيل الجديد.في صباح يومٍ مشمسٍ دافئ، كانت حديقة السرايا تتزين بأبها صورها. الزينة البيضاء تعلو الأشجار، وصوت ضحكات الأطفال يملأ الأرجاء حركةً ونشاطاً.ركضت الملاك الصغيرة "روان" بفستانها الوردي الرقيق وهي تحمل في يدها فانوس والدتها النحاسي الصغير، وتلاحقها أختها التوأم "ريڤان" بضحكات ناعمة، لترتما معاً في أحضان والدها مراد الذي كان يجلس على مقعده في الحديقة ببدلته الكحلية الأنيقة، فريداً بهيبته وشموخه.ضم مراد ابنتيه بابتسامة حنونة أذابت كل صرامة القوات الخاصة في عينيه، ورسّخت دفء الأب الحامي. رفع عينيه ليرى مايا وهي تقبل عليه، ترتدي فستاناً أبيضَ كالأميرات، وفي يدها النسخة المطبوعة النهائية من روايتها الجديدة التي كُتبت أوراقها بماء الذهبي تحت عنوان (عهد الصقر وصغيرة القلم).جلس مراد بجوارها، وسحب يدها ليقبلها أمام طفلتيهما، وهامسها بنبرة صوت تفيض عشقاً أزلياً:
مرت شهور على سبوع "روان" و"ريڤان"، والسرايا ظاهرياً كانت عايشة في هدوء وسكينة، بس في العالم المظلم اللي صقر وأدهم وزين بيباشروه من تحت لتحت، كان في بركان بيتجهز ينفجر.في المقر الخفي لقطاع الأمن الوطني، كان زين قاعد قدام أجهزة المراقبة والشاشات، عينيه حمرا من كتر السهر، سجارتين ورا بعض بيتفحموا في المطفأة قدامه. الشاشة كانت بتعرض حركة شاحنات مشبوهة بتتحرك في طريق الساحل الشمالي، شاحنات تابعة لشركة ملاحة كبرى، والشركة دي للأسف.. اسمها مرتبط باستثمارات آل الشاذلي وآل الصقر!الباب اتفتح بحدة، ودخل إياد وهو شايل لاب توب ووجهه مشحون بغضب مرعب، ملامحه اللي كانت دايماً ضاحكة ومستهترة اتقلبت لشرار!إياد رزع اللاب توب على الطاولة قدام زين:— «زين! شوف المهزلة دي بنفسك! حد بيخترق السيستم المالي للشركة عندنا في المقطم، وفي صفقات بالمليارات بتتنقل لرحلات وهمية باسم بابا صقر وعمي أدهم! فيه ثعبان جوة الشركة ومحدش حاسس بيه!»زين وقف بسرعة، عينيه اتسعت وهو بيبص للأرقام اللي بتتحول على الشاشة:— «إيه الجنان ده؟! مين اللي يقدر يوصل للبصمة الإلكترونية بتاعة عمي صقر؟! دي مش لعبة مهربين عادية يا إياد.. ده
تسللت خيوط الفجر الأولى الذهبية عبر نافذة الشرفة الكبرى في فيلا مراد ومايا، لتضيء الفانوس النحاسي الصغير الذي طالما شهد على أدق تفاصيل حكايتهما. كان الجو دافئاً وساكناً، يمتلئ بعبير الورد البلدي المنشور في حديقة سرايا آل الشاذلي المجاورة. لكن هذا الهدوء الشديد لم يكن سوى السكون الذي يسبق العاصفة، عاصفة الفرح الأكبر التي انتظرها الجميع على مدار تسعة أشهر كاملة. في العناية الفائقة والديكور الداخلي المميز في جناح مايا، كانت الأيام الأخيرة من الحمل ثقيلة ومحملة بالتعب والشغف. كانت مايا تستريح على الأريكة الحريرية الكبيرة، ترتدي فستاناً واسعاً من اللون السماوي الرقيق، وتضع يدها الناعمة على بطنها البارزة بشكل ملحوظ. إلى جوارها، كان مراد يجلس على الكرسي الخشبي المريح، يرتدي بنطالاً كاجوال وقميصاً أبيض خفيفاً، وقد ترك مهامه العسكرية والتزاماته القيادية بالكامل خلال الأيام الأخيرة، ليكون ظلها وسندها وقريبها المقرب في كل لحظة. مسح مراد على شعرها الغجري المنسدل بحنان بالغ، ومال بنظراته نحو عينيها الخضراوين اللتين أرهقهما السهر والإجهاد: — «حبيبتي وأميرتي.. حاسس بيكِ وبكل ثانية تعب بتعدي علي
في سرايا آل الشاذلي، كان الهواء يحمل أنساماً دافئة تشبه عبق الذكريات. كان هذا اليوم مخصصاً بالكامل للاجتماع العائلي الكبير الذي يضم جميع إخوة وأخوات مراد ومايا، ليقضوا معاً أوقاتاً تملؤها البهجة والضحكات قبل التفاصيل الأخيرة المتبقية.في الحديقة الوسطى، التفّ الجميع حول الأريكة الخشبية الكبيرة والمظلة التي كستها زهور الجاسمين.مشاكسات إخوة مراد وماياكان إياد يمسك بيده دفتر المخططات العائلية، يجلس بجوار زين الذي كان يحاول إغلاق لابتوبه، بينما فريدة تبادلت النظرات الضاحكة مع مايا التي كانت ترتدي فستاناً هادئاً وتجلس بجوار مراد.صاح إياد بنبرة مرحة متصنّعاً الجدية:— «يا جماعة الخير، بصفتي مهندس العيلة والمخطط الرسمي للأحداث، أنا شايف إننا محتاجين نعمل جدول تنظيم للزيارات بعد كده! مش معقول كل ما أجي أزور مراد ومايا ألاقي زين قاعد بياكل التورتة كلها ومخلص القهوة!»رد زين بضحكة عالية وهو يرمي عليه وسادة صغيرة:— «يا ابني احترم نفسك! أنا أخو العريس وقائد في القوات الخاصة، يعني لي أولوية في التورتة والقهوة وفي أي مكان هنا! وبعدين أنت متوفر عندك الدلع كله مع فريدة، سيبلي أنا الأكل!»فريدة ضح
انطوى ضجيج حفل الزفاف، وتهادت أنوار حديقة السرايا بالتدريج ليتسلل الهدوء والسكينة إلى أرجاء الفيلا الجديدة المجاورة لسرايا آل الشاذلي، الفيلا التي اختارها أدهم الصقر لتكون مملكة مراد ومايا الخاصة.كانت الفيلا تكتسي بتصميم مودرن دافئ، أضواء الصفراء الخافتة تنسكب من السقف الزجاجي، ونسيم الليل العليل يعبر من النوافذ المطلة على الحديقة الخاصة التي زُرعت بزهور الياسمين والورد البلدي.دخل مراد وحمل مايا برفق بين يديه رغم اعتراضها الخجل، وعبر بها عتبة المنزل ليغلق الباب بقدمه، ثم وضعها ببطء على قدميها في الصالون الرئيسي الداخلي.كانت مايا تقف بفستانها الأبيض الملكي، تفرك يديها بتوتر واضح، ووجهها مشتعل بالخجل والكسوف. رفعت عينيها ببطء لتتأمل أرجاء المكان، فوجدت فانوسها النحاسي الصغير موائماً ومضيئاً على طاولة خشبية في منتصف الصالون، وإلى جواره الدفتر الأنيق الذي تدوّن فيه رواياتها!التفتت لمراد بذهول وابتسامة رقيقة:— «مراد!.. أنت اللي نقلت الفانوس والدفتر هنا؟!»ابتسم مراد ابتسامة دافئة تفيض حباً وهو يخلع سترته الرسمية العسكرية ويضعها على الكرسي، ثم اقترب منها بخطوات هادئة ورجولية تفيض بالهي
ترتيبات الزفاف وهمس القلوبمرت الأيام متسارعة مليئة بالبهجة والتحضيرات المكثفة في سرايا آل الشاذلي وفيلا آل الصقر. كانت أرجاء المكان تعج بالحركة؛ المصممون يترددون لاختيار ديكورات الحفل، والأنوار العبقرية تُعلق على طول الحديقة الفسيحة، استعداداً لليوم الموعود: ليلة كتب كتاب وزفاف مراد ومايا، إلى جانب خطوبة إياد وفريدة.في جناح مايا الفاخر، كانت الأجواء تفيض بالأنوثة والدفء. تقف مايا أمام المرآة الكريستالية الطويلة وهي ترتدي فستان الزفاف الأبيض الملكي المصنوع من الدانتيل والساتان، المطرز بحبات اللؤلؤ الدقيقة. كانت تبدو كأميرة إغريقية خرجت من إحدى رواياتها الخيالية.تقف بجوارها ملاك ودموع الفرح تترقرق في عينيها وهي تعدل لها الطرحة الطويلة:— «ما شاء الله.. تبارك الله يا قلب أمك! مش مصدقة إن صغيرة قلبي كبرت وستبقى عروسة أحلى صقر في الدنيا النهاردة.»مايا التفتت لأمها وهي تبتسم بكسوف، لكنها مسكت إيد ملاك بتوتر:— «ماما.. أنا خايفة ومتروتة أوي! مش عارفة ليه حاسة إن قلبي هيقف من كتر الدقات!»دخلت نور الجناح وهي تحمل صندوقاً مخملياً أحمر، وبمجرد ما شافت مايا، حطت إيدها على فمها وشهقت بفرحة:—







