Se connecterأنا ديلدا، ابنة ديجوار، وحفيدة أميد، ابن إحدى أكبر وأعرق العائلات. ديلدا، التي قضت عمرها تكابد قسوة والدها وازدراء جدها... في المقابل، هناك باران؛ الرجل الذي يُرعب الجميع، تَهاب الكلمات الخروج في حضرته، ويتحاشى الناس حتى التقاطع معه في أزقة المدينة. ملامحه حادة، ورجل بلا رحمة، يُجمِع الكل على قسوته. ضربت ديلدا الطاولة بقوة وقالت وهي تستشيط غضبًا: "ماذا تعنون ببديل الزواج؟ هذا النذل خطف أختي! يجب أن ينال عقابه، كيف تقبلون بمثل هذا الاتفاق؟" جاءها الرد قاطعًا: "الأمر حُسم، والقرار أُتخذ." انهارت ديلدا على الأرض، ووضعت رأسها بين يديها في ذهول. كيف يحدث ذلك؟ كانت ليديها أحلامها؛ أن تبتعد أولًا عن بطش والدها، ثم تكمل تعليمها لتصبح محامية. كيف لعالمها أن ينهار هكذا؟ وكيف لها أن ترتبط بأشد رجال العائلات قسوة؟
Voir plusليس القلب دائمًا هو أكثر ما يؤلم في الإنسان... بل الذكريات.
لا أهمية لاسمي في الواقع، فما صنعني لم يكن اسمي، بل تلك الأصداء الصامتة التي كانت تتردد بين جدران طفولتي. كبرتُ في بيت... أسميه بيتًا، لكن دفأه كان كشمس لا يصلني شعاعها أبداً. كان لي أم وأب... لكنني لم أستطع يومًا لمس أيهما، ولا أن أجد لي متسعًا في قلبيهما.
كانت أمي تمر بجانبي وتتجاوزني دون أن تمس شعري، كأنها تعبر بجوار غريبة. أحيانًا كانت تنظر إلى وجهي، لكن لا لتراني، بل لخوفها من الخيبة التي تسكنني. أما أبي... فكان مشغولًا دائمًا بإصلاح كل شيء؛ إلا أنا.
لم أكن أفهم وأنا صغيرة، فكنت أسأل نفسي: "هل اقترفتُ خطأ ما؟"
ثم كبرت، وما زلت أسأل السؤال ذاته.
أكثر ما يحتاجه الطفل هو أن يسمع كلمات مثل:
"أنا فخور بكِ."
"وجودكِ في حياتنا بركة."
"ابنتي الحبيبة."
لم أسمع أيًا منها قط. كان انتظار المحبة من شخصين يبخلان حتى بصوتهما يُشبه الاحتماء بالصمت بحثًا عن الدفء... وقد تجمدتُ برداً.
أكثر ما أحزنني حقًا هو كيف يمكن لإنسان أن يُنسى بهذه البساطة بين غريبين يشاركهما البيت نفسه؛ أن يُتجاهل كأنه مجرد كرسي هامشي لا قيمة له.
والأشد إيلامًا... أنك تعتاد الأمر. اعتاد ألا يُلتفت إليك، ألا يُشعر بك، وألا تُحب.
ومن هنا تحديدًا تبدأ هذه القصة... قصة فتاة تتلمس طريقها في العتمة تبحث عن ضوء، وتقف في بيت عائلتها كما يقف الغريب... قصتي أنا.
---
كنت واقفة أمام المرآة أتأمل جسدي. جالت نظراتي في تفاصيله التي ما زلت أجد صعوبة في تقبل أنها ملكي... قوامٌ ممتلئ، وخصرٌ نحيل. جسدٌ يبدو لمن يراه من الخارج مكتملًا بغير عيب... لكنني كلما نظرتُ إلى المرآة، لم أكن أرى ما أبدوه، بل ما أحمله من ذكريات.
كانت هناك آثارٌ تركها أبي على مناطق متفرقة من جسدي؛ ندوبٌ لا تُنمحى ولا تزول، تؤلمني أحيانًا حتى دون أن يمسسها أحد. ضاق نفسي، ولم أحتمل مواجهة عيني الفتاة التي في المرآة.
جفلتُ حين طُرِق باب غرفتي، وسحبتُ عيني بعيدًا عن المرآة بسرعة. تسارعت دقات قلبي كأنني ضُبطت متلبسة بشيء، رغم أنني لم أكن أخفي شيئًا، لكنه ذلك التوجس الدائم الذي لا يفارقني.
— "ديلدا، هل أستطيع الدخول؟"
عندما سمعتُ صوته، استرخت كتفاي قليلاً. جلستُ على السرير وأبديتُ لـ "جيفان" ابتسامة صادقة وهو يدخل. لقد أصبحت الابتسامة والادعاء بأنني بخير مجرد رد فعل تلقائي لدي.
— "تفضل يا أخي، ادخل."
كان "جيفان" يكبرني بأربعة أعوام، وقد أتم للتو عامه الخامس والعشرين. أقبل وجلس بجواري، ليتغير جو الغرفة بوجوده. كانت تلك لحظات نادرة أشعر فيها بالأمان، ورغم ذلك لم تخف الشدة التي تعصر قلبي.
— "كيف حالكِ؟"
كان هذا السؤال... دائمًا هو الأصعب. لو قلت الحقيقة لما كفتني الكلمات، ولو سكت لخانقني ما بي. كنت بحالة سيئة... إلى حد لا أرغب معه بالتنفس، ولا بالاستيقاظ، بل أود فقط الهرب من التفكير.
— "أنا بخير، كيف حالك أنت؟"
نسجت الكذبة بسهولة على لساني، وكنت أتأمله متسائلة إن كان يراني حقًا. لو كان يراني، هل كان ليصدق كذبتي؟
وضع يده على ذراعي، فارتجف شيء في داخلي. كان هو الوحيد الذي يحميني ويقف في وجه أبي ليأخذني من بين يديه—إن استثنيتُ ابن عمي الأكبر. كنت أتمنى أحيانًا أن أشعر بجانبه بأنني مجرد طفلة... طفلة لا أكثر.
— "الحمد لله يا ديلدا."
كان صوته هادئًا، ووددتُ لو كان داخلي بهدوئه نفسه.
ابتسمتُ ونظرتُ إلى وجهه، ولم أستوعب سر تشتته وشروده. كانت عيناه تبدوان وكأنهم في مكان آخر وزمان آخر، ليتحرك في صدري قلقٌ لم أعرف له اسمًا.
— "أنا أسف."
نظرتُ إليه بذهول؛ لم أكن أتوقع منه هذه الجملة. علامَ يعتذر؟ انقبض قلبي وكأنني على وشك سماع سوء.
— "علامَ تعتذر يا أخي؟"
أخذ يدي بين كفيه ومسد عليها، فنظرتُ في عينيه بحيرة. كانت لمسته أليفة، لكن كلماته حملت ثقلًا يعسر على المرء تحمله. شعرتُ بأن شيئًا ما قادم، وكنت أخشى سماعه.
— "لأنني لم أستطع حمايتكِ من قسوة أبي وعذابه."
استقرت كلماته كالسهم في صدري، وانعقد لساني وضاقت أنفاسي. ترقرق الدمع في عينيّ فصرفتُ بصري حتى لا يراني أَبكي، وشعرتُ حينها وكأنني أنا المذنبة، وكأن عجزه عن حمايتي كان تقصيرًا مني أنا.
— "أنت تفعل كل ما بوسعك يا أخي."
ربما كنتُ أحاول إقناع نفسي بهذه الجملة وأنا أنطقها. ليت ذلك كان كافيًا... وليت قولها كان يصلح كل ما انكسر.
بهز رأسه نفيًا واحتضنني بقوة. في تلك اللحظة، انهارت كل دفاعاتي وإرادتي، وأغلقتُ عيني دون وعي مني. وددتُ لو أبتعد عن كل شيء ولو لبرهة قصيرة وأنا بين ذراعيه.
— "هيا لننزل، فهم بانتظارنا."
كان صوته حنونًا لكنه يعيدني إلى الواقع. ورغم أن وطأة صدري لم تتزحزح، هززتُ رأسي وابتعدتُ عنه.
مهما بلغت رغبتي في عدم النزول، لم يكن أمامي خيارٌ آخر. لم تكن الرغبة كافية يومًا في هذا البيت. وأنا أخرج من الغرفة، وقعت عيناي على باب غرفة أمي. كان مغلقًا... كعادته دائمًا. فمنذ أن جلب أبي زوجته الثانية عليها، قطعت أمي كلامها مع الجميع باستثناء "جيفان". كان هذا الصمت يمزقني في البداية، أما الآن فلم يعد سوى صدى فارغ في داخلي. فالمرء يعتاد كل شيء... وليته لا يعتاد.
نزلت السلالم، ولمحت مائدة العائلة التي يُحظر عليّ الجلوس إليها. ارتسمت على شفاهي ابتسامة مريرة؛ فحتى المقاعد هناك كانت تتنكر لي، كأن ثمة صوتًا يهمس لي في كل مرة: "أنتِ لا تنتمين إلى هنا." ربما لم يعودوا بحاجة للهماس بعد الآن، فقد سلمتُ بذلك منذ زمن.
— "تعالي يا فتاة، ساعديني في المطبخ."
صرفتُ بصري عن أبي والتفتُّ إلى "نوروز". امتلات عيناي بالدموع لكنني صممتُ ألا أبكي. ماذا سيغير البكاء؟ مسحتُ عينيّ بصمت وتبعتها إلى المطبخ. كانت قدمي تحملاني، لكن روحي ظلت تخلف خطواتها في الخلف.
— "لا تحزني يا بنيتي، سيعوضكِ الله وسيأتي يوم يسعد فيه قلبكِ."
كان الجميع يلقبونني بـ "السمراء" لسواد شعري وحاجبيّ وعينيّ. كنتُ أستأنس بهذا اللقب أحيانًا وكأنه الشيء الوحيد الذي أملكه، لكنه كان يترك في نفسي أحيانًا خجلًا مبهمًا لا أفهمه... وكأن وجودي اختُزل في لوني فقط، ولا شيء غيره.
— "أتمنى ذلك."
خرجت الكلمة خاوية لم تجد لها صدى في داخلي؛ فالأمل بات بعيدًا عني، ورغم ذلك ابتسمت، فالمرء أحيانًا لا يملك إلا أن يبتسم.
فجأة، تملكني الفزع إثر صوت جلبة وصراخ هز أركان البيت، فقفزتُ في مكاني وأخذ قلبي يدق كالطبول. لم تكن الأصوات العالية في هذا البيت تبشر بخير قط.
عند خروجنا من القصر، التقت عيناي بعيني باران. ألقى عليّ نظرة ثقيلة تفحصني فيها من رأسي إلى قدمي، مع برودة غريبة تجسدت في عينيه. كان بالنسبة لي شخصاً غريباً بكل ما تعنيه الكلمة. صعدنا إلى السيارة، وساد صمتٌ أطبق على المكان؛ لا هو ينطق ولا أنا أتكلم. كسر هو الصمت قائلاً:— "لو كانت امرأة أخرى مكانكِ، لما وسعتها الأرض من الفرح."ترددت كلماته في صدري. لقد بدأتُ أعتاد على تحمّل هذا الجفاء. كان يتصرف وكأنه يستحق كل شيء، بينما أنا مجبورة على كل شيء.— "ولكن وجهكِ يقطر حزناً."كان يشيح بوجهك بعيداً. لم أعد أبحث عن إجابات، فقد تقبلتُ الانكسار المرتسم على ملامحي.— "ولماذا يتوجب عليّ أن أكون سعيدة؟"خرجت العبارة مني تلقائياً. تعدل هو في جلسته، وفتح قدميه بجمود واستند إلى الخلف براحة لم أألفها. كان يتصرف وكأن لا شيء يمسه، في حين أن كل تفصيلة كانت تطحنني.— "لأنكِ تزوجتِ بي."وقعت كلماته كالمطرقة، لكنني لم أعد أشعر بالمزيد من الألم. لقد أدركتُ مدى خاوية هذه الجوازة.تطلعتُ إليه بثبات وارتجاف مكتوم:— "أنا لم أتزوجكِ بإرادتي."التفت إليّ وعيناه تنضحان بالحنق:— " محقة. ولو كنتُ سأتزوج أحداً برغبت
أحياناً يشعر الإنسان بوطأة العالم فوق كتفيه؛ تتباطأ الخطوات، وتضيق الأنفاس، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل. تضيع شيئاً فشيئاً مع كل يوم يمشي، وتتسع الفجوة في الداخل؛ تعرف تماماً ما فقدته، لكنك تعجز عن تذكر ما وجدته.تكتفي أحياناً بدور المراقب لرحلتك من البعيد، بينما تظل الصرخات الحبيسة في صدرك على حالها. وحين تفرض عليك الأقدار مواجهة ظلال الماضي، يتضاعف ثقل كل شيء. في تلك اللحظة، عند فتح أبواب الخزانة، تدرك كيف تطوقك الذكريات بجسدك ومشاعرك. يتراكم كل شيء ليحاصرك، حتى يغدو خطو خطوة واحدة أمراً شبه مستحيل.***اغتسلتُ علّني أسترد بعض طافتي، وبعد الخروج بدأتُ بوضع المرهم على مواضع الجراح فوق جسدي. غداً موعد الزفاف، غير أن الفراغ الذي يسكنني كان يتسع. مهما بلغت استعدداتي، ما الذي ينتظرني غداً؟ وإلى أين سيمضي كل هذا؟كانت أفكاري متضاربة، والمشاعر تتزاحم في رأسي. تصرفات باران المتوقعة تثير في نفسي ذعراً لا يهدأ. ماذا لو أقدَم على أمرٍ لا أرغبه؟ ماذا لو أُجبرتُ على شيء رغماً عني؟ كيف سأتصرف؟ ربما يتوجب عليّ القبول بالواقع، لكن كيف لي أن أتغلب على هذا الخوف الدفين؟كيف سأتقاسم الغرفة والعيش مع رج
كان هناك فراغ ينهك روحي، وكأن كل شيء في حياتي بُتر قبل أن يكتمل. رغم أن كل من حولي يبدون مكتملين، إلا أنني طالما شعرتُ بأنني القطعة المفقودة خارج اللوحة. للجميع في هذه الحياة وجهة؛ حب، أحلام، أو أمل... أما أنا فكنتُ أعيش دومًا في هامش بعيد. تارةً أشعر بوجود الشيء قبالة عيني ثم يختفي فجأة، وتارةً لا أكون سوى أثر باهٍ تخلف عن الراحلين.المشاعر التي يمتلكها الآخرون كالحب، والسعادة، والطمأنينة... كانت تبدو لي دومًا غريبة وبعيدة، أعرفها دون أن أذوقها. كَبُر هذا الفراغ في صدري يومًا بعد يوم، وكان أشد ما يمزقني أنني لم أفهم السبب قط؛ لم أدرك متى أضعتُ نفسي، أو كيف غدوتُ ناقصة إلى هذا الحد. كل ما عشته هو هذا الشعور الثقيل الذي يتفاقم مع كل ذرة أكسجين أستنشقها.جافاني النوم، فخرجتُ إلى فناء المنزل. جثوتُ على ركبتيّ ووسدتُ رأسي إلى يديّ كعادتي. كانت أحداث اليوم تتزاحم في مخيلتي كشريط لا يتوقف. الصفعة التي تلقيتها من "جيفان" ظلت شاخصة أمام عيني بوضوح مرعب. تذكرتُ نظرات أمي الباردة، وصوتها القديم وهو يتردد في أذني: "ليتكِ لم تكوني ابنتي". كانت تكررها دومًا حتى اعتاد قلبي الندبة. لم تحبني يومًا؛ أ
شعرتُ بضيق في صدري وانقباض في قلبي. تنفستُ بصمت وابتلعتُ كلماتي بصعوبة.— ثم...التفتُّ إليه، ولابد أنه لاحظ الفراغ ونظرات التشتت في وجهي. لم أعرف ما أقول، وصارعتُ لأتمالك نفسي.— ثم جاء أبي، ومسكني من شعري، وظل يضرب جسدي الصغير في الفناء لساعات. قضيتُ يومين في العناية المركزة. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، والأمر يتكرر.عندما نظر إلى وجهي لم أجد فيه شيئًا، كان جمودًا وبرودًا تامين. لكن مهما حاولتُ، لم أستطع إخفاء مشاعري. طالما كنتُ هكذا؛ أجد صعوبة في التعبير عما أشعر به، لكن إخفاء الألم المتراكم لم يكن أبدًا بالأمر السهل.— وهل هذا الأحمق "جيفان" يفعل ذلك أيضًا؟وضعتُ يدي على وجهي دون وعي. ألمه هو قد مضى، أما ألمي فلم يمضِ بعد، أستشعر وجوده في منتصف صدري، في نقطة تحترق دومًا بنفس الطريقة.— لا، لم يكن كذلك... حتى اختطفتْ أختُك.قادني فضولي للالتفات نحو "باران". كان يشعل سيجارة أخرى من بقايا الأولى، وكل حركة منه تزبد من تشتت أفكاري.— ماذا فعل أبي لعمك؟ ما سبب هذه العداوة؟ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها احتوت على شيء آخر غير الغضب؛ حيرة وغرابة. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها شعورًا مختلف






commentaires