LOGINظل جورج يقود لعدة دقائق دون أن يرفع عينيه عن الطريق، لكنه لم يستطع التخلص من الصورة التي ظهرت أمامه قبل قليل. كلما حاول إقناع نفسه بأنها مجرد امرأة تشبه سيندي، عاد ذلك الشعور نفسه ليضغط على ذهنه. لم يكن قد رأى وجهها كاملًا، ولم يسمع صوتها، ولم يكن هناك أي سبب منطقي يجعله يعتقد أنها هي، ومع ذلك بقيت ملامحها الجانبية عالقة في ذاكرته بطريقة أزعجته.أوقف السيارة في أول محطة على الطريق، ونزل منها ليشتري زجاجة ماء. وقف بجانب السيارة وهو ينظر إلى الطريق الذي جاء منه، ثم أخرج هاتفه وبقي للحظات أمام الشاشة دون أن يعرف ماذا يريد أن يفعل.فتح قائمة جهات الاتصال، وظهر اسم سيندي أمامه.ظل إصبعه فوق الاسم للحظات.ثم أغلق الهاتف.قال لنفسه: "ماذا سأقول لها حتى لو كانت هي؟"لم يكن بينهما شيء يمكنه استخدامه ذريعة للاتصال بها. انتهت حياتهما الزوجية، وكل واحد منهما اختار طريقًا مختلفًا، وهو نفسه لم يعرف أين اختفت بعد مغادرتها.عاد إلى سيارته، لكنه قبل أن ينطلق فتح هاتفه مرة أخرى، ثم بحث عن آخر عنوان معروف لها في ملفاته القديمة. لم يجد سوى المعلومات التي كانت موجودة قبل انفصالهما، ولم يكن بينها عنوانها ا
بقيت سيندي واقفة أمام الطاولة، والدفتر الصغير بين يديها، تحدق في الكلمات التي كتبتها والدتها قبل سنوات طويلة: «إلى ابنتي، عندما تصبحين مستعدة لاختيار طريقك بنفسك». جلست بهدوء وفتحت الصفحة، بينما وقفت إيلين بالقرب منها دون أن تقاطعها، فقد فهمت أن ما ستقرأه سيندي الآن يخصها وحدها. «ابنتي العزيزة، إذا وصلت هذه الرسالة إلى يديك، فهذا يعني أنك عدت إلى المكان الذي حاولت أن أتركه خلفي، وربما تسألين نفسك لماذا لم أخبرك بكل شيء عندما كنت إلى جانبك. الحقيقة أنني لم أرد لك أن تعيشي حياتك وأنت تشعرين بأن اسم العائلة يفرض عليك طريقًا لم تختاريه. هذا الإرث مهم بالنسبة لي، لكنه ليس أهم منك، ولهذا أخفيت عنك الكثير حتى تكبري وتصبحي قادرة على اتخاذ قرارك بنفسك.» توقفت سيندي للحظة، ومسحت بطرف إصبعها أثر الرطوبة التي تجمع في عينيها، ثم تابعت القراءة. «لا أريدك أن تعودي إلى هذه الورشة لأنك تشعرين بأنك مطالبة بإحياء الماضي. عودي فقط إذا وجدت فيها شيئًا يشبهك. العطر الذي تركته لك العائلة لا يجب أن يبقى كما صنعناه نحن، ويمكنك أن تغيريه وتضيفي إليه لمستك الخاصة. إذا قررت أن تفتحي الورشة من جديد، فافعلي ذلك
دخلت سيندي مع إيلين إلى الغرفة القديمة خلف الورشة، بينما كانت الأخيرة تحمل مجموعة من المفاتيح التي احتفظت بها العائلة لسنوات طويلة. لم تعد الغرفة تبدو مخيفة كما تخيلتها في البداية، بل بدت أقرب إلى أرشيف عائلي نسيه الجميع مع مرور الوقت. رفوف خشبية طويلة امتدت على الجدران، وفوقها صناديق صغيرة تحمل تواريخ وأسماء، بينما بقيت رائحة العطر القديم عالقة في المكان رغم أن الورشة لم تعمل منذ سنوات. تقدمت سيندي ببطء نحو أول رف، ومدت يدها إلى صندوق يحمل اسم والدتها. توقفت للحظة قبل أن تفتحه، ثم قالت بهدوء: "أريد أن أعرف كل شيء تركته أمي هنا." أومأت إيلين وجلست إلى جانبها. "ستجدين أشياء كثيرة، لكن ليست كلها أسرارًا كما تتوقعين. والدتك كانت تحاول ترتيب أمور العائلة قبل أن ترحل، وكانت تعرف أن هذا المكان سيعود إليك يومًا." فتحت سيندي الصندوق، فوجدت مجموعة من الأوراق القديمة، صورًا بالأبيض والأسود، دفاتر صغيرة، وبعض الرسائل التي احتفظت بها والدتها بعناية. أخذت أول دفتر وفتحته، فظهرت أمامها ملاحظات مكتوبة بخط يد والدتها حول أنواع الزهور والزيوت المستخدمة في صناعة العطور. ابتسمت دون أن تشعر. "كانت
بقيت سيندي تنظر إلى الوثيقة المفتوحة أمامها، بينما كانت أصابعها تمر ببطء فوق توقيع والدها. لم يكن اسم جوليان بالنسبة إليها مجرد اسم مكتوب على ورقة قديمة، بل كان آخر أثر واضح تركه والدها في هذا الجزء المجهول من حياة والدتها. طوال سنوات، عاشت وهي تظن أن والدها لم يكن يعرف شيئًا عن عائلة والدتها سوى ما أخبرته به، لكن الأوراق الموجودة أمامها بدأت تثبت العكس. رفعت عينيها نحو الرجل الجالس أمامها وقالت: «أريد أن أفهم ما الذي كان يعرفه والدي بالضبط.» أجاب الرجل: «كان يعرف أن والدتك تنتمي إلى عائلة عريقة في مجال العطور، وكان يعرف أن بعض حقوقها لم تُحسم بطريقة صحيحة. لكنه لم يعرف كل تفاصيل الإرث، ولم يكن يعرف مكان جميع الوثائق الأصلية.» «ولماذا أخفت عنه والدتي ذلك؟» «لأنها كانت تخشى أن يؤدي كشف كل شيء إلى وضعك في دائرة اهتمام أشخاص لا تريدهم أن يعرفوا بوجودك.» نظرت سيندي إلى بطنها، ثم عادت إلى الورقة. «كانت تخاف عليّ قبل أن أولد.» «كانت تعرف أن العالم الذي تنتمي إليه عائلتها لا يتعلق بالعطور وحدها. عندما تصبح الوصفة القديمة ذات قيمة كبيرة، تتحول الملكية إلى صراع، والصراع يجعل الناس يتخلون
ثبتت عينا سيندي على التوقيع الموجود أسفل الصفحة، وشعرت بأن يدها أصبحت أثقل وهي تقلب الورقة الأولى ببطء. كان اسم والدتها واضحًا أمامها، إلى جانبه تاريخ يعود إلى سنوات طويلة قبل ولادتها، وتحت التوقيع فقرة مكتوبة بخط رسمي تتحدث عن حقوق استخدام إحدى التركيبات العطرية القديمة التابعة للعائلة. رفعت رأسها نحو الرجل الجالس أمامها. «ما هذه الوثيقة؟» أجاب بهدوء: «اتفاقية مؤقتة لحماية إحدى تركيبات العائلة.» «ومن كان يحاول حمايتها؟» «والدتك.» قلبت سيندي الصفحة، فوجدت توقيعًا آخر. توقفت. كان توقيع والدها. مررت إصبعها فوق الاسم، ثم نظرت إلى الرجل من جديد. «والدي كان يعرف؟» «كان يعرف أن هناك شيئًا أكبر من الشركة التي كان يعمل معها، لكنه لم يعرف القصة كاملة.» «كيف ذلك؟» تنهد الرجل، وأسند ظهره إلى الكرسي. «والدتك لم تخبره بكل شيء في البداية. كانت تخشى أن يتحول الأمر إلى مشكلة بين عائلتين، خصوصًا بعدما بدأت بعض الأطراف تهتم بالتركيبة القديمة أكثر من اهتمامها بسلامة العائلة.» «هل كانت التركيبة بهذه الأهمية؟» «لم تكن مجرد تركيبة.» أغلق الرجل الملف للحظة، ثم قال: «كانت وا
رنّ الهاتف مرة أخرى في يد سيندي قبل أن تضعه على الطاولة، فترددت لحظة ثم أجابت، وهي تشعر بأن الاتصال الذي أنهته قبل دقائق لم يكن مجرد مكالمة عابرة. جاء الصوت نفسه من الطرف الآخر، هادئًا هذه المرة، وكأن الرجل أدرك أنها لن تكتفي بما قاله لها. «هل ما زلتِ هناك؟» جلست سيندي على الكرسي الخشبي قرب النافذة، ووضعت يدها على بطنها قبل أن تجيب: «نعم. لكنني أريد تفسيرًا واضحًا. من أنت؟ وكيف تعرف أمي؟ ولماذا كنت تعرف جيرالد؟» ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل: «لأنني كنت قريبًا من عائلتك قبل أن تولدي، ولأن والدتك طلبت مني في وقت من الأوقات أن أحمي شيئًا يخصك.» تجمدت أصابعها حول الهاتف. «شيئًا يخصني؟» «ليس مالًا فقط.» نظرت سيندي إلى الملفات المنتشرة فوق الطاولة، ثم إلى الزجاجة القديمة التي أحضرتها معها من المختبر، وشعرت بأن الخيوط التي بدأت تظهر أمامها خلال الأيام الماضية تتجمع ببطء حول شيء واحد. «إذن لماذا لم تظهر طوال هذه السنوات؟» «لأنني وعدت والدتك ألا أقترب منك ما دامت بعيدة عن هذا العالم. كانت تعتقد أن معرفتك بحقيقة عائلتك في وقت مبكر قد تعرضك للخطر، ولم تكن تريد أن يتحول اسم العائلة وإر







