Home / الرومانسية / في قبضة الجبلي / 30- سُقُوطُ الشُّمُوخ

Share

30- سُقُوطُ الشُّمُوخ

Author: Hope49
last update publish date: 2026-09-04 22:17:17

واصلت سيرافينا تقدمها الثقيل وسط الساحة الحجرية الغارقة في الوحل، تشعر بكل خطوة كأنها ألم يمتد من أخمص قدميها إلى رأسها. لم تكن برودة الجو القارسة هي ما يحرق بشرتها، بل نظرات أهالي الجبل المتجمهرين حول طاولات المؤن الشتوية.

كانت الهمسات تسري بين الحشود كشرار سريع؛ نساء الجبل يرمقن ثوبها الشتوي القصير وجواربها الداكنة بنظرات يملؤها القرف والاستهجان، يعتبرن تأنقها المفرط ازدراءً لبيئتهن القاسية، بينما تعالت همهمات الوجهاء ورجال الحراس وهم يتأملون جسدها المتناسق وجمالها الأرستقراطي باهتمام غريب
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • في قبضة الجبلي   66- لستِ مثلي

    استمرت يد سيرافينا مستقرة على ذراعه لدقائق طويلة بعد تحرك المركبة في عمق الصقيع. وسط اهتزازات الطريق الهادئة، انتبهت فجأة لتماس أصابعها بقماش معطفه؛ سرعان ما سحبت يدها ببطء، محاولة استدراك الأمر وكأنها ترتكب خطأ بريئاً. لم يعلق فيكتور بحرف واحد، لكن نظرة خاطفة من طرف عينيه الرماديتين أكدت أنه لاحظ كل ثانية. بعد لحظات، هبط مطبّ قاسي مفاجئ فوق الثلج المتراكم، فمالت السيارة بقوة جانبية. وقبل أن تكمل سيرافينا ميلانها أو تختل توازنها، امتدت يد فيكتور الخشنة بسرعة البرق لتقبض على كتفها وتثبتها في مكانها بقوة حاسمة. قالت بصوت مقتضب وهي تعدل جلستها: — لا تقلق، لم يحدث شيء. رد بحدة غير معتادة، كأنما يوبخ شيئاً داخله: — أعرف. نظرت إليه باستغراب خفي؛ لم تكن نبرته خوفاً عادياً من سقوطها، بل ضيقاً صامتاً ومرعباً من مجرد احتمال أن يطالها الأذى فوق هذا الطريق. ما هي إلا دقائق حتى وصلوا إلى النقطة المتضررة من الطريق الجبلي، حيث تراكمت الصخور والثلج المنزلق. ترجل الرجال للعمل، وتقدم فيكتور معهم لتوجيههم. لم تتردد سيرافينا؛ نزلت بدورها مصممة على ألا تظل عالة. عرف فيكتور طباعها جيداً، فبدل أن يدخ

  • في قبضة الجبلي   65- القرب الذي لم يعد عابراً

    لم تكد صدمة اللاسلكي وتلك الآثار الغريبة تخترق سكون الليلة الباردة، حتى تجمد كل ما حولهما. أغلق فيكتور الجهاز ببطء شديد، وانتقلت عيناه من الشاشة إلى سيرافينا التي كانت تستوعب لتوها هول الموقف. لم يكن هناك مجال لمواصلة أي حديث خفي؛ فقد تبدد ذلك الدفء العابر الذي غلف مقصورة السيارة ليحل مكانه صمت معدني حذر. أمضيا ما تبقى من الليل على تلك الهيئة، عيون ساهرة وأذهان تحارب شبح مجهول يتربص بهما وسط الثلوج. مع خيوط الفجر الأولى، بدأت أصوات الرجال تعلو في الخارج، وهم يزيحون الكتل الثلجية ويههدون الطريق. في تلك الأثناء، كانت سيرافينا قد استندت برأسها إلى زجاج النافذة المتجمد، تحاول تهدئة نبضاتها المتقطعة، بينما ظل فيكتور يراقب الحراك الخارجي بملامح حجرية مصلتة لا تفرط بشيء. حين توقفت السيارة تماماً مع إعلان الرجال فتح الطريق، بادر فيكتور بفتح بابه والترجل أولاً لتفقد الوضع وتوجيه الحراس. فتحت سيرافينا بابها ووضعت قدمها على الثلج الكثيف، لكن ساقيها الخائرتين كادتا تخذلانها بعد ساعات الجلوس الطويل؛ فتكثرت خطواتها وكادت تفقد توازنها. قبل أن ترتطم بالأرض، كانت يد فيكتور الخشنة تحيط بمعصمها بقوة

  • في قبضة الجبلي   64- حين تنسى أين هي

    مع انتهاء عاصفة الارتجاف وبدء تسلل الدفء إلى أوصالها، لم تعد سيرافينا تقاوم ذلك القرب. ظلت مستندة إلى صدره؛ في البداية كانت واعية جداً لكل تفصيل: دقات قلبه المنتظمة التي ترتطم بظهر كفها، ثقل يده الثابتة على ظهرها، ومحاولتها المستميتة لتبقى متصلبة كي لا يلاحظ أنها استسلمت للراحة. لكن مع مرور الساعات الثقيلة، تآكلت مقاومتها تحت تأثير التعب والعاصفة. بدأت عيناها تثقلان تدريجياً، وبدل أن تستمر في جلوسها الرسمي، تحركت دون وعي لتستقر أكثر فوقه. انزلق رأسها ببطء من كتفه ليستقر قرب عنقه مباشرة، وفتحت يدها التي كانت محجوبة بينهما لتستقر فوق صدره، متمسكة بقميصه بخفة عفوية. شعر فيكتور بذلك التغيير الجذري في حالتها. توقف عن تحريك أصابعه على معطفه، ولم يقل شيئاً رومانسياً يفسد الصمت. بدل ذلك، التفت ببطء لينظر إليها. كانت نائمة تماماً بين أحضانه؛ شعرها المبعثر يتناثر فوق صدره، ملامحها التي كانت قبل دقائق مشحونة بالتحدي والغيظ باتت ساكنة ووديعة، ويدها تقبض بخفة على قماش قميصه. ظل يحدق بها طويلاً في شبه عتمة السيارة، وكأنه يحاول فك شفرة هذا التأثير الغريب الذي أسره. لم يكن يعرف متى تحولت تلك المرأ

  • في قبضة الجبلي   63- حين يعجز الجبل

    بعد أن غادرا الكوخ، لم يكد موكب السيارات يقطع مسافة قصيرة حتى بدأت العاصفة تبتلع الطريق من جديد. كانت الثلوج تتساقط بكثافة جعلت الأشجار المحيطة تبدو كظلال باهتة خلف ستار أبيض، بينما أخذت عجلات السيارة تغوص في طبقات الثلج المتراكمة. كان فيكتور يقود بصمت، ويداه ثابتتان على المقود، لكن فكه المشدود كان يكشف عن ضيق لم يكن سببه الطريق وحده. جلست سيرافينا إلى جواره، تراقب الخارج من خلال الزجاج، ثم التفتت إليه حين لاحظت أنه خفف السرعة فجأة. — ما الأمر؟ لم يجبها فورًا. رفع عينيه نحو المرآة، ثم ضغط على زر الاتصال. — ما وضع الطريق خلفنا؟ جاءه صوت أحد رجاله متقطعًا بسبب التشويش: — الانهيار أغلق الممر بالكامل، سيدي. نحاول فتحه، لكن الصخور ما زالت تتساقط. لا يمكننا التقدم أو العودة الآن. انخفضت ملامح فيكتور أكثر. — وكم نحتاج؟ — لا نعرف. ربما ساعات… وربما حتى الصباح. أغلق الاتصال دون تعليق، ثم أوقف السيارة إلى جانب الطريق في منطقة تحيط بها أشجار كثيفة تمنحهم بعض الحماية من الرياح. توقفت السيارات الأخرى خلفه، ونزل الرجال لتفقد الوضع، بينما بقي هو في مكانه للحظات، يحدق أمامه وكأنه

  • في قبضة الجبلي   62- الطريق الذي لا يُنتظر

    في صباح اليوم التالي، استيقظت سيرافينا على ألم خفيف ونابض في شفتها، ليوقظ معها ذكرى حارقة لأصابع فيكتور وهي تثبت ذقنها بقسوة، وصوته الآمر يتردد في أذنها: *"لا تعضيها."* حاولت جاهدة طرد هذا الطيف المزعج من رأسها، ونزلت إلى قاعة الطعام حيث وجدته واقفاً قرب النافذة الكبيرة، يرتدي معطفه الجلدي الثقيل ويشد رباط ساعته، بينما يتابع تقرير أحد رجاله عبر الهاتف بصمت مطبق. ما إن وقع نظره عليها حتى تحولت عيناه الرماديتان مباشرة نحو وجهها، متفحصتين أثر التورم الذي وإن خف، إلا أنه لا يزال يرسم علامة واضحة. قالت بحدة مسبقة لتقطع الطريق على أي تعليق محتمل: — لا تبدأ. رفع فيكتور حاجبه ببرود، ورد بصوته الرخيم المعتاد: — لم أقل شيئًا. — لكنك كنت على وشك أن تقول إنني أفسدت العلاج مجددًا. نظر إلى شفتها نظرة عميقة، وقال بلهجة جافة تخفي خلفها شيئاً: — كنت على وشك أن أقول إنك تأخرت عن الطعام. تجهّمت ملامحها واتجهت نحو الطاولة وهي تتمتم بغيظ: — كاذب. رد دون أن يلتفت إليها، مكملاً حديثه المقتضب: — ولسانك أيضًا لم يتورم؛ يبدو أن الحظ لا يزال إلى جانبك. توقفت للحظة، وحدقته بنظرة مشتعلة، بينما ظهرت عل

  • في قبضة الجبلي   61- عادة سيئة

    بعد عودتهما من الطريق الجبلي، جلست سيرافينا قرب المدفأة الحجرية في الجناح، وما زالت اجواء البرد والضيق تطوق ملامحها من كلام فيكتور الأخير في السيارة. حاولت إشغال نفسها بتجاهله، بينما استقر هو على المقعد المقابل تماماً، مخلعاً قفازيه الجلديين الثقيلين ليبدأ بتفقد الأوراق والمستندات الرسمية التي أحضرها معه من موقع الانهيار الصخري. كان الصمت بينهما ثقيلاً ونابضاً بتوتر خفي، إلى أن رفعت سيرافينا عينيها فجأة، وقطعت السكون بصوت محتد: "بالمناسبة، لا تظن أن جملتك الأخيرة في السيارة جعلتك محقًا." لم يرفع فيكتور عينيه عن الأوراق، وقال بصوت جاف: "أي جملة؟" "حين قلت إنني أعتاد الوقوف أمام الأبواب وكأنني أنتظر من ينقذني." أجاب ببرود مقتضب: "إن كنتِ لا تريدين سماع رأيي، فلا تسأليني عنه." ضاقت عيناها بغيظ مكتوم، وكعادتها دائماً حين تشعر بالتوتر أو الانزعاج، رفعت شفتها السفلى وعضت عليها بخفة دون أن تنتبه لتبعات ذلك. لكنها، للأسف، عضّت تحديدًا على موضع التورم والإصابة القديمة. انقطع نفسها فجأة، وتراجعت للخلف بحركة سريعة بينما وضعت أصابعها المرتجفة فوراً على فمها. تحول وجهها المشتعل بالغضب إل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status