LOGINلم تكن صفقة حب... بل حكمًا لم تعرف متى سيُنفَّذ. في الليلة التي قررت فيها التضحية بما تبقى من كرامتها لإنقاذ شقيقها، لم تكن تعرف أنها لا تطلب المساعدة من رجل ثري فحسب، بل تسلّم حياتها لشخص لا يمنح شيئًا دون مقابل. كان وريث إمبراطورية ضخمة، وضابطًا في الجيش اعتاد أن تُنفَّذ أوامره دون نقاش. رجلًا باردًا، لا يؤمن بالحب، ولا يسمح لأحد برؤية ما يخفيه خلف ملامحه الجامدة. وبعد وفاة والده، أصبح صاحب السلطة والنفوذ، والرجل الذي لا يجرؤ أحد على تحديه. ثم ظهرت هي. فتاة لا تملك المال لإنقاذ شقيقها، ولا الخيارات التي تسمح لها برفض عرضه. وضع العقد أمامها، وحدد شروطه ببرود، ثم منحها المال الذي جاءت من أجله. لم يطلب الزواج منها، ولم يعدها بالحب. أرادها عشيقته، وفق شروطه وحده، حتى يقرر هو أن يطلق سراحها. شهرًا، عامًا، أو ربما عمرًا كاملًا. كان يغيب لأشهر بسبب عمله العسكري، ثم يعود إلى المدينة ليفرض وجوده عليها، دون أن يهتم بما عاشته في غيابه. وكلما اقترب منها، اكتشفت جانبًا أكثر قسوة من الرجل الذي أصبحت أسيرة عقده. لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردها... لماذا اختارها هي، رغم قدرته على الحصول على أي امرأة يريدها؟ ولماذا كان ينظر إليها أحيانًا وكأنه يعرف عنها شيئًا تجهله هي نفسها؟ لم تكن تعرف أن وراء تلك الصفقة ماضيًا مدفونًا، وذنبًا قديمًا ربما لم ترتكبه، لكنها ستدفع ثمنه كاملًا. وحين تبدأ الحقيقة في الظهور، ستواجه السؤال الأكثر رعبًا: **هل أنقذ شقيقها لأنه أراد مساعدتها... أم لأنه كان ينتظر اللحظة التي تأتي فيها إليه بنفسها؟** ربما لم يكن العقد وسيلة لامتلاكها، بل فخًا أُعدّ منذ سنوات. والمأساة أنها حين تعرف السبب، لن يكون السؤال كيف تتخلص منه... بل كيف تنجو من الحقيقة التي قد تدمر كل ما تبقى لها.
View More1
لم أكن أعرف أن الإنسان قد يستيقظ من نومه وهو يتمنى لو أنه لم يستيقظ أبدا... فتحت عيني بصعوبة، وشعرت بثقل جسدي كأنني أحمل فوقه ما يفوق قدرتي على الاحتمال. كان الصمت يملأ الغرفة، ولم يكن هناك سوى صوت أنفاسي المتقطعة، والضوء الباهت الذي تسلل من خلف الستائر الثقيلة... حاولت الاعتدال في جلستي، لكن جسدي المنهك أجبرني على التوقف للحظات. أغمضت عيني، أقاوم الألم الذي اجتاحني، بينما أخذت أستعيد ببطء ما حدث... كان هو هنا... أدريان فالكوني. الرجل الذي دخلت حياته قبل ثلاث سنوات غريبة لا تملك شيئا سوى خوفها على أخيها، وخرجت من لقائه الأول وهي تحمل عقدا سيظل مصيرها معلقا به حتى يقرر هو إنهاءه.... ثلاث سنوات كاملة.. ثلاث سنوات منذ وقعت اسمي على الورقة التي غيّرت حياتي، موافقة على أن أصبح عشيقته مقابل أن يتكفل بعلاج إلياس، أخي الوحيد، الذي يرقد في غيبوبة منذ ذلك الحين... لم أكن أملك رفاهية الاختيار. كان إلياس يرقد في المستشفى، غائبا عن الوعي، بينما كانت مصاريف علاجه تفوق قدرتي على الاحتمال. لم يكن لديّ ما يكفي لإنقاذه، ولم يكن هناك باب آخر أطرقه... لذلك ذهبت إليه... لم أكن أعرفه شخصيا، لكن اسمه كان معروفا في مدينة الغيوم. وريث إمبراطورية ضخمة، وضابط قوي في الجيش، ورجل يكفي نفوذه ليجعل أبوابا كثيرة تُفتح أمامه، بينما يعجز الآخرون حتى عن الاقتراب منها... لم يمنحني فرصة للتفاوض طويلا. وضع شروطه، وترك لي الاختيار بين توقيع العقد أو العودة من حيث أتيت، بلا شيء أقدمه لأخي سوى عجزي.... وقعت.. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد لحياتي موعد أعرف عنده أن هذا كله سينتهي. لم يحدد العقد مدة تنتهي بعدها الصفقة، ولم يترك لي طريقا للخروج منها بإرادتي. كنت مرتبطة به حتى يقرر هو أن يحررني، ولم يكن لديّ ما أستطيع فعله لتغيير ذلك.... التفت نحو السرير، فرأيت النقود الملقاة فوقه. كانت أوراقا كثيرة، مبعثرة بلا اكتراث، كأنها لا تستحق حتى أن تُرتّب قبل أن تترك خلفه... حدقت فيها طويلا... لم أشعر بالامتنان، ولا بالغضب وحده. كان داخلي شيء أكثر تعقيدا من أن أستطيع تسميته. كنت أكرهه في بعض اللحظات، وأتمنى لو أنني أستطيع فهمه في لحظات أخرى، ثم أعود فأكره نفسي لأنني ما زلت أحاول البحث عن أي شيء يمكن أن يجعل معاملته لي أقل قسوة... ارتفع صوت خطواته من خلفي، فالتفتّ ببطء. كان أدريان يرتدي ملابسه استعدادا للمغادرة، بينما وقفت عيناي عليه دون إرادة مني... كان طويل القامة، عريض الكتفين، يمتلك جسدا متناسقا تشكل بفعل الانضباط والتمارين القاسية، لا مجرد مظهر أنيق يتباهى به. كانت ملامحه حادة، وفكه المحدد يمنحه صرامة يصعب تجاهلها، فيما انسدل شعره الداكن بترتيب دقيق زاد من وسامته الباردة. أما عيناه، فكانتا أكثر ما يربكني فيه.. نظرة ثابتة نافذة، لا تكشف عما يدور خلفها، وكأنها اعتادت أن ترى كل شيء دون أن تسمح لأحد برؤية شيء منها... كان حضوره يفرض نفسه على المكان دون جهد. حتى صمته كان يحمل شيئا يجعلني أتردد قبل أن أتكلم، وكنت أكره أنني ما زلت أتأثر بنظرته رغم كل ما حدث بيننا... لم يكن بحاجة إلى رفع صوته كي يفرض حضوره، ولم يكن مضطرا إلى تهديد أحد حتى يشعره بمدى سلطته. كان يكفي أن ينظر إليّ بتلك الطريقة التي تجعلني أشعر بأنني أمام رجل لا يتوقع الرفض، ولا يهتم كثيرا بما يتركه خلفه من أثر. توقفت عيناه عندي للحظة، ثم انتقلتا إلى النقود الملقاة فوق السرير. التقطها وألقاها بالقرب مني، بلا اكتراث، قبل أن يسألني ببرود: ــ هل تريدين المزيد من المال؟ حدقت في النقود، ثم رفعت عيني إليه. كان واقفا أمامي بكامل أناقته، بينما كنت أحاول جمع ما تبقى من قوتي لأجلس دون أن يظهر عليّ الإنهاك... لم أكن أعرف ما الذي آلمني أكثر سؤاله، أم الطريقة التي قالها بها، وكأن كل ما يمكن أن أحتاج إليه منه لا يتجاوز المزيد من المال. ابتلعت الغصة العالقة في حلقي، وقلت بصوت خافت: ــ لا، سيدي. خرجت الكلمة من فمي هادئة، لكنها لم تكن تعني أنني بخير، ولا أنني تقبلت ما يحدث لي. كانت مجرد إجابة قصيرة لرجل لم يعتد أن ينتظر مني أكثر من ذلك... لم تتغير ملامحه. لم يسألني عن السبب، ولم يحاول معرفة ما إذا كنت أقول الحقيقة أم أخفي خلف إجابتي شيئا آخر. اكتفى بالنظر إليّ لثوانٍ، بتلك العينين اللتين لم أستطع يوما أن أفهم ما تخفيانه، ثم استدار وغادر الغرفة دون كلمة أخرى... ظللت أنظر إلى الباب المغلق، وصدري يضيق بشعور لم أعد أعرف كيف أصفه... لم أكن أريد المزيد من المال فعلا.... كنت أريد فقط ألا يجعلني أشعر، في كل مرة، أن كل ما بيننا يمكن اختصاره في مبلغ يتركه فوق السرير قبل أن يرحل... لكن ما جدوى رغبتي.. لقد وقعت العقد بيدي، وكنت أعرف أنني لا أملك حق تحديد نهايته. لم يكن أدريان مضطرا إلى البقاء معي، ولا إلى شرح أسباب غيابه الطويل. كان يستطيع أن يختفي لأشهر، ثم يعود وكأن شيئا لم يحدث، بينما أبقى أنا عالقة في الحياة التي اختارها لي. لم أكن أعرف متى سيعود، ولا كم شهرا سيمضي قبل أن أراه مجددا. اعتدت غيابه الطويل، واعتدت أن أستيقظ أحيانا فلا أجد منه أثرا سوى ما يتركه خلفه، ومع ذلك لم أستطع يوما أن أعتاد الشعور الذي يخلّفه رحيله... مددت يدي نحو النقود، ثم توقفت قبل أن ألمسها... لماذا كان عليّ أن أشعر بالخجل في كل مرة أتذكر فيها أن إلياس ما زال يتلقى العلاج بفضل هذا الرجل.. ولماذا كان عليّ أن أتحمل كل هذا، بينما أخي لا يعرف حتى أنني أقاتل من أجله.. غطيت وجهي بيدي، وضغطت شفتيّ بقوة حتى لا يصدر عني صوت... لم يكن لدي وقت للانهيار... كان عليّ أن أنهض، وأن أستعد ليوم جديد، وأن أذهب إلى إحدى شركات أدريان حيث أعمل، وأتصرف كما لو أن حياتي طبيعية، وكأنني لست المرأة التي تنتظر قرار رجل واحد ليحدد متى تستعيد حريتها... سحبت الغطاء عن جسدي ببطء، وجلست على حافة السرير. استغرقت مني الحركة وقتا أطول مما ينبغي، لكنني أجبرت نفسي على الوقوف... هكذا كنت أعيش منذ ثلاث سنوات.... ثلاث سنوات أحاول فيها أن أبدو قوية، وأن أخفي عن الآخرين ما لا أستطيع حتى الاعتراف به لنفسي. ثلاث سنوات أتمسك فيها بالأمل أن يفتح إلياس عينيه يوما، وأن أستطيع عندها أن أخبره أنني فعلت كل ما بوسعي لأعيده إليّ... وفي كل مرة أظن أنني اعتدت الأمر، كنت أكتشف أنني لم أعتد شيئا، وأن هناك جزءا مني ما زال ينتظر يوما لن أضطر فيه إلى دفع ثمن نجاة أخي من حياتي أنا... يوما أستطيع فيه أن أنظر إلى نفسي في المرآة دون أن أتذكر العقد. دون أن أتذكر الرجل الذي وقعت من أجله. . ودون أن أسأل نفسي، للمرة الألف، كم بقي من عمري في عهدة أدريان فالكوني.... أنا لورا ريفيرا، وهذه بداية حكايتي مع الرجل الذي أنقذ أخي من الموت، دون أن أعرف أنني سأضطر إلى خسارة نفسي في المقابل9وجدت ادريان يميل برأسه قليلا، كأنه يمنحني فرصة أخيرة لأشرح سبب جرأتي على القدوم وقال: ــ إلياس مجددا؟تراجعت الكلمات في حلقي، وشعرت بحرارة الدموع تتجمع خلف جفنيّ. قاومتها بكل ما أملك، فلم أقطع كل هذه المسافة، ولم أنتظر أكثر من أربع ساعات، لأسمح لنفسي بالبكاء أمامه قبل أن أقول ما جئت من أجله: ــ أرجوك.. لا تتوقف عن دفع تكاليف علاجه.لم يجبني.. أخذت نفسا مرتجفا، ثم تابعت قبل أن أفقد شجاعتي:ــ أعلم أنني أخطأت، وأعرف أنني خالفت أحد شروط الاتفاق، ولم آتِ لأبرر ما فعلته. أنا آسفة، ولن يتكرر ذلك مرة أخرى. سألتزم بكل ما طلبته مني، ولن أسمح بحدوث شيء كهذا مجددا، لكن أرجوك، لا تجعل إلياس يدفع ثمن خطئي.ظل ينظر إليّ دون أن تتغير ملامحه. كنت أبحث في عينيه عن أي إشارة إلى أنه يستمع إليّ فعلا، أو أن كلماتي وصلت إليه ولو قليلا، لكنني لم أجد سوى ذلك الجمود الذي اعتدت أن أراه كلما تعلق الأمر بأخي. فتابعت: ــ أرجوك، إنه لا يزال في غيبوبة. لا يستطيع الأطباء إيقاف الأجهزة أو تقليل الرعاية التي يحتاج إليها، وأنا لا أملك المال الكافي لتغطية نفقاته وحدي. إذا توقفت عن دفع المصاريف، فلن أعرف ماذا أفعل.
8لم أستطع النوم طوال الليل.. ظللت مستلقية فوق سريري، أحدق في الظلام بعينين متعبتين، بينما كانت كلمات أدريان تتردد في رأسي بلا رحمة. كلما أغمضت عينيّ، رأيت الصورة الممزقة أمامي، وسمعت صوته وهو يخبرني بأنه لم يعد يهتم إن مات إلياس أم لا. كنت أعرف أن أدريان قادر على فعل ما قاله. لم يكن من النوع الذي يتراجع عن تهديداته لمجرد أن الطرف الآخر يتوسل إليه، ولم أكن أملك ما أجبره به على تغيير قراره. كان مصير أخي بين يديه، أما أنا فلم أكن أملك سوى أن أطلب منه الرحمة، حتى لو اضطررت إلى ابتلاع ما تبقى لي من كرامة في سبيل ذلك.. لم أكن أريد التفكير فيما قد يطلبه مني مقابل موافقته، لكن عقلي لم يتوقف عن طرح الاحتمالات. كنت أعرف أن اعتذاري لن يكون كافيا، وأنه لن ينسى ما حدث بسهولة. لقد رأيت الكراهية في عينيه كلما ذكرت إلياس، وشعرت بها في الطريقة التي دفعني بها بعيدا، كأن وجودي أمامه وحده كان خطأ لا يغتفر. ومع ذلك، لم يكن أمامي خيار آخر. كان عليّ أن أذهب إليه... حين بدأ ضوء الصباح يتسلل عبر الستائر، نهضت من فراشي بجسد مثقل بالإرهاق. شعرت بالدوار للحظة عندما وقفت، فاستندت إلى حافة السرير وانتظرت حتى استع
7تعلقت عيناي به في يأس، بينما كنت أحاول كبح ارتجاف شفتيّ، لكن الخوف الذي استقر في صدري كان أقوى من قدرتي على التماسك: ــ أرجوك .. إلياس لا ذنب له فيما حدث. أنا من أخطأت، وأنا من خالفت الاتفاق. إن أردت معاقبة أحد، فعاقبني أنا، لكن أرجوك، لا تجعل أخي يدفع ثمن خطئي.ازداد وجهه تصلبا عند سماع اسم إلياس، وكأن مجرد ذكره كان كافيا لإشعال غضبه من جديد. حدّق بي بنظرة قاسية جعلتني أتراجع دون وعي، قبل أن يقترب مني خطوة، ويتحدث بنبرة مشحونة بالاحتقار: ــ أتجرؤين على إخباري بما ينبغي لي فعله؟!هززت رأسي بسرعة، وقد باغتني الرعب من أن تكون كلماتي قد زادت الأمر سوءا: ــ لا! بالطبع لا، لم أقصد...ــ إذن، اخرسيانقطعت كلماتي في حلقي... ارتجف جسدي كله عند صراخه، وأطبقت شفتيّ فورا... ظل ينظر إليّ للحظات، ثم ترك معصمي فجأة، فاختل توازني وكدت أسقط. حاولت الاستناد إلى الحائط، لكنني لم أستطع استعادة توازني قبل أن يدفعني بعيدا عنه... سقطت على الأرض، وارتطمت ركبتي بالبلاط، فاندفع الألم في ساقيّ. أطلقت أنينا خافتا. ثم رفعت رأسي إليه، عاجزة عن تصديق أنه دفعني بهذه القسوة. كان بإمكاني أن أرى الدماء على أصابعي
6تجمدت عيناي على الشيء الذي يمسكه أدريان بين أصابعه، وما إن تمكنت من تمييزه حتى شعرت بأن قلبي قد هوى إلى قدميّ.كانت صورة إلياس وسيلين. الصورة الوحيدة التي احتفظت بها منذ الحادث، والتي لم أستطع التخلي عنها رغم مرور كل تلك السنوات. كان أخي يقف إلى جوار خطيبته، يحيط كتفيها بذراعه، بينما ارتسمت على وجهيهما ابتسامتان لم أعد أراهما إلا في الصور. كانت سيلين تنظر إليه بحب واضح، وكان هو يبدو سعيدا بطريقة لم أعد أتذكر متى رأيتها على وجهه آخر مرة. مددت يدي نحوهما على الفور، وقد غمرني الذعر: ــ أرجوك، أعطني إياها.لم يجبني أدريان، بل رفع الصورة قليلا، وألقى عليها نظرة خاطفة قبل أن يعيد عينيه إليّ. كانت ملامحه قد تغيرت تماما، واختفت منها آخر بقايا الهدوء الذي حاول التمسك به منذ عودتي: ــ ما الذي قلته لكِ قبل ثلاث سنوات؟تجمدت في مكاني. لم أكن بحاجة إلى أن يشرح لي ما يقصده. كنت أعرف جيدا أي اتفاق يتحدث عنه، وأعرف الشرط الذي أصر عليه يوم وقعت العقد، رغم أنني لم أفهم يومًا السبب الحقيقي وراء إصراره عليه.كان هناك شرط واحد لم يسمح لي بمناقشته، ولم يمنحني أي فرصة للاعتراض عليه... ممنوع أن أحتفظ بأي






reviews