分享

الفصل الثالث

作者: ALANET
last update publish date: 2026-06-10 00:31:13

الفصل الثالث

تربط بين الجنرال والضابط علاقةٌ قديمةٌ بوالد رافـييل، منذ الصبا، واستمرّت تلك العلاقة مع الابن بعد وفاته.

وإلى جانبه، وقفت والدته لورينا دي فاليريو، المحامية المتقاعدة، زوجة  وزير الدفاع الإيطاليّ الرّاحل، والصديقة المقرّبة لكلٍّ من ماريا وأليسا.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يحتفل فيها الخمسة بتخرّجهم؛ فقد تخرّجوا قبل خمس سنوات من برنامج الدراسات الدبلوماسية في جامعة أوكسفورد — نزولًا عند رغبةِ عائلاتهم.

ومع ذلك، تبعوا شغفهم بعد ذلك، وتخصّص كلٌّ منهم في مجاله الحقيقيّ.

تقدّموا نحو عائلاتهم، لتبدأ لحظة التهاني.

كانت لورينا أوّل من تحرّك، فتقدّمت باكيةً نحو فاليريا وفلورا، واحتضنتهما بشوقٍ، كأنّها تحتضن الحلم الذي لم تُنجبه.

كم تمنّت أن تكون أمًّا لفتاتَين، فجاءتها الاثنتان كعوضٍ سماويّ.

التقت نظرات فاليريا بنظرات رافـييل، تلك النظرات التي تخفي الكثير.

تذكّرته حين كان يُلاعبهم صغارًا، قبل أن يختفي تدريجيًّا إثر التحاقه بالجيش.

لقد تغيّر، باتَ أكثر ضخامةً، وأكثر وسامة.

اقترب منها بخفّة، احتضنها بهدوء، وقبّل جبينها بفخر.

كان يعلم كم يعني لها هذا اليوم، وكم سعت لتحقّق هذا الحلم.

نقل نظراته نحو فلورا، التي ضمّها أيضًا — فلها في قلبه مكانة أخت، أمّا فاليريا، فهي شيءٌ أعمق بكثير.

اقترب من إخوته الثلاثة، وضمّهم بحضنٍ دافئ — حضنِ الأخ الأكبر، الذي حمل مسؤوليتهم بعد وفاة والدهم.

قطعت تلك اللحظة الشاعريّة، خطواتٌ واثقةٌ لرجلٍ طويل القامة، عريض المنكبين، أشقر الشعر، أزرق العينين.

إنه إدواردو مالديني، الضابط الرفيع الذي يعمل إلى جانب الجنرال.

في الثلاثين من عمره، التقت به فاليريا أكثر من مرّة، آخرها كان في عزاء والديه، اللذَين توفّيا في حادث سير.

اقترب منها، أمسك يدها برفق، قبّلها بنُبلٍ وقال بهدوء:

"لا بُدّ أنّكِ الآنسة فاليريا... مباركٌ لكِ التخرّج."

ردّت عليه بابتسامةٍ خفيفة، وإيماءةٍ مُهذّبة. ثمّ بارك للبقيّة.

قال الجنرال كارلو بنبرةٍ ملؤها الفخر:

"حسنًا، أيّها الشُبّان، حان وقت العودة إلى الوطن، أليس كذلك؟ لقد أعددت لكم حفلًا يليق بكم."

أجابه ريان معترضًا بمرح:

"عمّي، هل يمكننا تأجيل ذلك لأسبوعين؟ لقد خطّطنا لرحلةٍ إلى ألمانيا بعد كلّ هذا التعب."

نقل الجنرال نظره إلى البقية، ليجدهم يتهامسون موافقين.

تنهد رافـييل قائلاً:

"أجل، عمّي، دَعْهم يستمتعون قليلاً، لدينا وقتٌ كثير للاحتفال."

وافق الجنرال أخيرًا، ليُضيف لورينزو وهو يُخاطب كارلو ورافـييل وإدواردو:

"حسنًا، أيّها السادة، حان وقت العودة، فأنتم تعلمون... لدينا مهمّة."

اقتربت الأمّهات الثلاث، ودّعن أبناءهنّ بحبٍ، وغادروا المكان.

وقف الخمسة في ساحة الجامعة، يُلقي كلٌّ منهم نظرةً أخيرة على المكان الذي كان حُلمًا ذات يوم.

جامعة أوكسفورد البريطانيّة، التي حملت طموحاتهم وذكرياتهم، ها هم يغادرونها، وأحلامهم في أيديهم.

توجّه كلٌّ منهم إلى سيارته.

فاليريا وفلورا قادتا إلى منزلهما المشترك، الذي لا يبعد سوى عشر دقائق.

بينما تبعهم في الخلف، الشُبّان الثلاثة، نحو منزلهم المجاور.

دخلوا منازلهم، واتجهوا إلى غُرفهم.

كان يومًا طويلًا، مُرهقًا، ومُفعمًا بالعاطفة.

لكنّ فاليريا لم تستطع طرد نظرات رافـييل من ذاكرتها...

كانت تخفي خلفها ما هو أكثر من الحنين...

تنهدت بهدوء، وأغمضت عينيها، لتغرق في نومٍ عميق، إلى جوار صديقتها الوفيّة.

تستيقظُ مع بزوغ الفجر على وقع دقّاتٍ عنيفةٍ تَهزُّ بابَ منزلها، تنظر حولها فلم تجد فلورا بجانبها، ولا أثرًا لرفيقتها في ذلك الصباح الهادئ. تنهضُ بفزعٍ مُتسارع، وتسرع نحو الباب كأنها تلاحقُ سرًّا غادرها، لتفتح بيدٍ مرتجفةٍ، فإذا بالثلاثة الشبان واقفين أمامها، حقائب السفر معلّقة على أكتافهم، يوشكون على الرحيل وقد استعدّوا حتى أدق تفاصيل الطريق.

تقول وهي تغفو عيناها ببطء، وتدلك جفنيها:

— ماذا من أمر؟ ما حاجتكم في فجر اليوم؟

لعلَّ النعاسَ في عينيها يصارع يقظة الصباح، والدهشةُ تلونُ ملامحها.

يردّ ريان بلهجةٍ تكسوها العجلة والقلق:

— أَما زلْتِ لم تتهيئي؟ إن الطائرةَ تنتظرنا الآن، والدهر لا يرحم تأخيراتنا.

تعبّر بعبوسٍ مستغرِب، حاجباها يرتفعان كأنهما يسألان:

— أيُّ طائرة؟ ألم نتفق أن السفر غدًا؟! وأغراضي لم تُحضّر، ولم أقم بقَطع التذكرة بعد!

يخترق صمت الغرفة صفيرٌ آتٍ من الصالة، تدير وجهها فإذا فلورا جالسةٌ على الكنبة، وإلى جانبها ثلاث حقائب سفر وبطاقتي سفر بين يديها، صامتةً كأنها الوحي الذي لا يُردّ.

تنهض فاليريا مستقيمةً، كالسهم الذي أُطلق من قوسه، وتقول:

— هلمّي! ثيابك على السرير، لا مجال للتردد، فالوقت كالسيف لا يلين.

ترفع كتفيها مستسلمةً، وتهرع إلى غرفتها تستعد، بعد ترجياتٍ كثيرةٍ بالتعجيل، حتى انتهت في نصف ساعة.

ينطق مايك وهو يجذبها من يدها نحو الخارج:

— ما رأيك لو بقيتِ ساعتين إضافيتين؟

فتجيبه بغضبٍ يفور من بين شفتيها:

— اسكُت! قبل أن أضع الروج في عينيك!

يُقاطعه كيفين بنبرة حازمة:

— اصمتا كلّكما! وانطلقا معنا.

فجأة، دفعت فاليريا مايك وركضت، وفي اللحظة ذاتها ركض ريان، ووقفا عند باب السائق. تنطق فاليريا  بغضب مُكبوح:

— أنا سأقود.

فرد الآخر بعنفٍ يكاد يُسمع:

— كلا، أنا.

فاقتضى الأمر أن يلعبا لعبةَ حجرةٍ ورقةٍ مقصًّا ليُحكما من سيرتدي ثوب القيادة في رحلتهم.

ارتفعت أهازيج الأغاني في السيارة، والجميع يغني بموهبةٍ وسرور، عدا ريان الذي جلس متجهمًا في المقعد الخلفي، بينما فاليريا تحاول استفزازه بعد فوزها.

وصلوا أخيرًا إلى المطار. نزل مايك من المقعد الجانبي، ففتح الباب لـفاليريا، ويمد يده ليعينها على النزول. فشهقت الأخرى بتمثيلٍ مبالغ فيه، وضعت يدها على فمها، وقالت بنبرة مفعمة بالسخرية:

— oh gentleman

كأنها لم تعتدّ على ذلك الأسلوب.

توجهوا إلى الطائرة الخاصة بهم، وبعد ساعةٍ وخمسين دقيقة وصلوا إلى مطار برلين الدولي.

ليست هذه أولى رحلاتهم، لكنها الأولى نحو أرض ألمانيا.

توجهوا إلى السيارة التي كان يقف عندها حارسان شخصيان، فهؤلاء الخمسة ليسوا كأي بشر.

انطلقت السيارة في هدوء نحو فيلتهم في حيّ ميدا (Mitts)، يتأملون بهدوء جمالها الخارجي، والمسبح الكبير يتلألأ كبحرٍ هادئٍ في منتصف الحديقة. دخل كل منهم غرفته ليستعدّ.

بعد ساعتين، اتجهوا إلى متحف بيرغامون (Pergamon Museum)، منارة الحضارة وأحد أعظم المتاحف الأوروبية.

تسارع في الأحداث

بعد ساعتين، تجمعوا أمام بوابة الفيلا.

كانت فاليريا ترتدي تنورةً بلون زهرة الربيع الرقيقة، تصل أسفل ركبتها، وبلوزة نصف كم بيضاء، مغلقة الصدر، تُظهر قليلاً من كتفها حيث نقش الهلال يزينه. وسبق لها ووشمت وفلورا في تلك المنطقة، لكن الأخيرة اختارت الشمس.

أكملت إطلالتها بحذاء أبيض ذي كعب رشيق، وحلقين ناعمين، وحقيبة بيضاء تليق بذوقها الرفيع.

أما فلورا، فارتدت تنورة بنفس الطول، ولكنها اختارت اللون الأبيض خاصًا بفليريا، مع بلوزة حمراء، وكم طويل، وحقيبة بيضاء، وقلادة نارية، وحذاء عالي الكعب أحمر كالدم.

الشبان الثلاثة، تجلّت أناقتهم في كل تفصيل:

    •    مايك يرتدي بنطالًا أبيض وبلوزة سوداء كمّها مرفوع، تكشف عن معصمٍ رشيق، مزين بساعة سوداء، وحذاء أسود كعتمة الليل.

    •    ريان بلوزة نصف كم سوداء، بنطال بني فاتح، وحذاء أبيض ناصع كثلج الصباح.

    •    كيفين اختار التناغم بين البنطال والبلوزة السوداء مع جاكيت أبيض يكسو ظهره كالغيمة، وحذاء أبيض.

بعد تبادل الإطراءات، اتجهوا نحو المتحف.

عند وصولهم، أظهروا بطاقات الدخول، ثم تفرقوا ليرى كل منهم ما يشتهيه.

توجهت فاليريا نحو تحفتها المنشودة:

مذبح بيرغامون (Pergamon Altar)

هو أشهر قطع المتحف، مذبح يوناني عتيق يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، تُزينه نقوش ضخمة تحكي معارك الآلهة والعمالقة. تحفة فنية وهندسية مدهشة لا مثيل لها.

بينما كانت تتفحص ذلك الصرح العظيم، لم تخطر على بالها أن هناك قناصًا يترصدها، مستعدًّا أن يزرع الموت في لحظة.

اصطدمت به كنسمةٍ هبّت فجأة من بعيد، كأنها صخرةٌ أوقعت طيفًا من الحلم. كادت تسقط، لكن يده كانت كالأفق الذي يمنع الغروب، تلتقطها برفق، وتحتضنها كأنها زهرةٌ نادرة تحتاج إلى حماية.

وفي هذه اللحظة، أطلق الرصاص كصرخةٍ في قلب الصمت، مرت فوق رأسه، لتثبت أن الموت أحيانًا يمرّ كالريح العابرة، لكنّ الحياة تُقاوم.

تلفتت إلى ثقب الرصاصة في الجدار، وحين دقّت عيناها في عينيه، وجدت في ملامحه الأمان، وسمت في صمته حكمة السفير الإيطالي

رافييل دي فاليريو

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسابع عشر

    الفصل المئة وسابع عشر وصل ريان إلى المستشفى بسرعةٍ جنونية، حتى إن صوت احتكاك إطارات سيارته بالأرض جذب انتباه الموجودين عند مدخل الطوارئ. لم ينتظر أحدًا. ترجل من السيارة في اللحظة نفسها، ثم اندفع إلى الجهة الأخرى، فتح الباب، وحمل فلورا بين ذراعيه مرةً أخرى. كانت رأسها مستندة إلى صدره، وعيناها نصف مغمضتين، بينما كانت أنفاسها بطيئة بصورة أرعبته أكثر. ركض بها نحو مدخل الطوارئ وهو يصرخ بصوتٍ مرتفع: — طبيب! بسرعة! — زوجتي فقدت وعيها! التفت الطاقم الطبي فورًا نحوه، وركض أكثر من ممرض مع سريرٍ طبي متحرك. اقتربوا منه بسرعة، وساعدوه في وضع فلورا على السرير. كانت إحدى الطبيبات تضيء مصباحًا صغيرًا في عينيها، بينما أخذ ممرض آخر يقيس ضغطها ونسبة الأكسجين في دمها. قالت الطبيبة بجدية: — انقلوها إلى غرفة الطوارئ حالًا. بدأ السرير يتحرك بسرعة داخل الممرات البيضاء الطويلة. ركض ريان خلفهم دون أن يبتعد خطوة. كان ينادي اسمها بين الحين والآخر، علّها تفتح عينيها أو تجيبه. — فلورا…فلورا، أنا هنا. لكنها لم تستجب. ازدادت سرعة خطواته، حتى وصل إلى باب غرفة الطوارئ. وما إن همّ بالدخول معهم، حتى

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وسادس عشر

    الفصل المئة وسادس عشر ما إن أنهت فلورا كلماتها الأخيرة، حتى خيّم الصمت على المكان. لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتسارعة، وعقارب الساعة المعلقة على الجدار، التي كانت تواصل حركتها وكأن شيئًا لم يحدث. ظل ريان ينظر إليها، وقد بدأ يستوعب حجم ما كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية. فتح فمه ليقول شيئًا… ليعتذر، أو يبرر، أو حتى يخفف من حدة التوتر. لكن الكلمات لم تخرج. لأن فلورا، فجأة، تغير لون وجهها. اختفت الحمرة التي كانت تغطي وجنتيها بسبب الغضب، ليحل محلها شحوبٌ واضح. رمشت عدة مرات، وكأن الرؤية أمامها أصبحت ضبابية. رفعت يدها إلى رأسها بتلقائية، وأغمضت عينيها لثانية. شعرت بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. دارت الغرفة من حولها ببطء… ثم بسرعة أكبر. حاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الدوار ازداد. مدّت يدها بسرعة نحو حافة الطاولة المجاورة، واستندت إليها بكل قوتها، بينما انحنى رأسها قليلًا. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: — ر… ريان… في اللحظة نفسها، انتبه ريان إلى حالتها. اختفى أثر الشجار من ملامحه في ثانية واحدة. اتسعت عيناه وهو يندفع نحوها. — فلورا! وصل إليها قبل أن تخونها ساقاها

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وخامس عشر

    الفصل المئة وخامس عشر بعد ساعات في مكانٍ آخر تمامًا… داخل منزل ريان وفلورا، لم يكن الهدوء الذي يملأ أرجاء المنزل يعكس أبدًا ما كان يحدث بين جدرانه. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً، والعشاء الذي أعدّته فلورا قبل أكثر من ساعة لا يزال على الطاولة، وقد برد تمامًا. وقفت أمام النافذة في غرفة المعيشة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى الطريق خارج المنزل. كل بضع دقائق كانت تلتقط هاتفها، تنظر إلى الساعة، ثم تعيده إلى مكانه وهي تزفر بضيق. ليس اليوم الأول… ولا الثاني… بل أصبح الأمر يتكرر كل مساء تقريبًا. يخرج ريان بعد انتهاء عمله بحجة لقاء أصدقائه، ولا يعود إلا في وقتٍ متأخر من الليل. وفي كل مرة كانت تقنع نفسها بأنها لن تفتح الموضوع، وأنها ستتجاهله… لكن مع تكرار الأمر، بدأ صبرها ينفد. وفي تلك اللحظة… سمعت صوت باب المنزل يُفتح. دخل ريان وهو يخلع سترته بابتسامةٍ عادية، وكأنه لا يرى شيئًا غير طبيعي. — مساء الخير. لم تجبه. أغلق الباب، ثم التفت إليها. كانت لا تزال واقفة في مكانها، تنظر إليه بصمت. اختفت ابتسامته تدريجيًا. — ماذا؟ قالها وهو يعرف الإجابة مسبقًا. اقتربت منه ب

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة والرابع عشر

    الفصل المئة ورابع عشر في مكانٍ آخر… كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، بينما غمرت أشعة الشمس الهادئة الطابق العلوي من المبنى الإداري الذي يضم مكتب إدواردو. خلف الواجهة الزجاجية الضخمة، امتدت مدينة روما بكل صخبها، السيارات تتحرك في الأسفل بلا توقف، والناس يعبرون الأرصفة مسرعين، أما داخل المكتب فكان الهدوء سيد المكان. جلس إدواردو خلف مكتبه الخشبي الواسع، وأمامه كومة من الملفات التي تنتظر توقيعه، إلى جانب حاسوبه المحمول الذي امتلأت شاشته بالجداول والتقارير الخاصة بالجزء الشمالي من البلاد. كان يقرأ أحد التقارير بتركيز، يدوّن ملاحظاته بقلمٍ أسود، ثم يوقع على آخر صفحة قبل أن يضع الملف جانبًا ويطلب من مساعده إدخال الملف التالي. دخل المساعد، وضع الملف الجديد على المكتب، ثم غادر بعد أن ألقى تحيةً سريعة. فتح إدواردو الملف، لكن قبل أن يقرأ السطر الأول… اهتز هاتفه الموضوع بجانب الحاسوب. توقف قلمه في الهواء. نظر إلى الشاشة. كرستين. ارتسمت ابتسامةٌ صغيرة على شفتيه، تلك الابتسامة التي لم يكن يدرك أنها أصبحت تظهر تلقائيًا كلما رأى اسمها. فتح المحادثة. كرستين: “هل أنت مشغول اليوم؟” قر

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثالث عشر

    الفصل المئة وثالث عشر بعد يومين… كان رافييل وفاليريا يقفان داخل منزل الجبل، ذلك المنزل الذي اختاراه ليكون بداية حياتهما الجديدة بعد الزواج. كان المكان ما يزال شبه فارغ، إلا من بعض الأثاث القديم الذي سيُستبدل بالكامل، بينما كانت النوافذ الواسعة تكشف منظر الغابة الممتدة والجبال التي يكسوها اللون الأخضر. وقف إلى جوارهما أحد أشهر مصممي الديكور في إيطاليا، يحمل بين يديه مجموعة كبيرة من المخططات وعينات الأقمشة والأخشاب. بدأ يشرح أفكاره بهدوء، بينما كان الثلاثة يتنقلون بين أرجاء المنزل. — هنا ستكون غرفة المعيشة، أقترح استخدام الحجر الطبيعي مع مدفأة كبيرة في المنتصف، حتى تحافظ على طابع المنزل الجبلي. أومأ رافييل موافقًا، بينما أخذت فاليريا تتخيل المكان بعد اكتماله. اقتربت من النافذة الكبيرة المطلة على الغابة وقالت بابتسامة: — أريد أريكة كبيرة هنا… بحيث نستطيع الجلوس أمام المدفأة في الشتاء. التفت إليها رافييل مبتسمًا. — وكتاب في يدك… وكوب قهوة لا يفارقك. ضحكت وهي تنظر إليه. — وأنت؟ أجاب دون تردد: — سأكون بجانبك… هذا يكفي. ابتسمت بخجل، بينما دوّن المصمم الملاحظة وهو يبتسم بصمت

  • في قبضة المهووس    الفصل المئة وثاني عشر

    الفصل المئة وثاني عشر في مكانٍ آخر… في أحد الأزقة الهادئة لمدينة روما، كانت هناك مكتبة صغيرة قديمة، لا يعرفها إلا القليل. واجهة زجاجية تتدلى فوقها لافتة خشبية عتيقة، وأصصٌ مليئة بالزهور الموسمية تزين المدخل، بينما كانت رائحة القهوة تمتزج برائحة الورق القديم، لتصنع أجواءً لا تشبه أي مكان آخر. لم تكن مجرد مكتبة… بل ملاذًا لكل من يبحث عن الهدوء. في الزاوية البعيدة، قرب نافذةٍ كبيرة تطل على الشارع المرصوف بالحجارة، جلس إدواردو وكرستين متقابلين. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج، لترسم خطوطًا ذهبية فوق الطاولة الخشبية التي امتلأت بالكتب والأوراق والأقلام الملونة. أمام كرستين، كانت عشرات المخططات الهندسية مبعثرة بعناية. مسطرة معدنية طويلة، قلم رصاص، ممحاة صغيرة، وحاسوبها المحمول الذي يعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لمشروعها الجامعي. منذ أكثر من ساعة… لم ترفع رأسها إلا نادرًا. كانت غارقة تمامًا في عالمها. ترسم. تمحو. تعيد الرسم. تقيس الزوايا. وتكتب الملاحظات الصغيرة على هامش الورق، ثم تعود لتحدق في الشاشة وكأنها تحاول رؤية المبنى الذي تصممه أمامها حقيقةً لا خيالًا. وفي كل مرة لا

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني

    الفصل الثاني وقف إلى جانبه تحت ظلال الذكرى، أمهم التي حملت عبء الفقد وحدها، تقف بقوةٍ رغم الألم، عيناها تحملان حزنًا صامتًا، وأملًا يتشبث بالأيام القادمة. في تلك اللحظة، كان الصمت يثقل الأجواء، وكأن العالم يترقب ما سيحدث، وتلك النظرات التي يوجهها رافييل إلى فاليريا، تكاد تخبر بأن خلف ذلك الغموض ق

  • في قبضة المهووس    الفصل الاول

    الفصل الاول ٱلشَّمْسُ لَم تَظْهَر ، والْهَوَاءُ يَحْمِل ثِقْل يَوْم لَم يُكْتَب بَعْدُ. ٱلسُّكُون يَسْكُن ٱلْمَدِينَة كَغِطَاء مِن ظِلَال لا تُرَى، والأَنْفَاس تَحْبِس دُون حَرَكَة، تَنْتَظِر بزوغ لَحْظَة تَكْسِر الصَّمْت وتُحَرِّك الْقَلْب. في سَاعات ٱلْفَجْر ٱلْمُقْبِلَة، تَتَسَلَّل خُيُوط ٱلظ

  • في قبضة المهووس    الفصل التاسع

    الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع

    الفصل الرابع تعلّقت أنفاسُها بين صدرها وصدره... لا هي تعرف إن كانت حيةً فعلاً، أم أنها سقطت في عالمٍ آخر، حيث لا وجود فيه سوى لعينيه. يده كانت تحيط بخصرها، تُبقيها قريبة، ثابتة، كأنّما أراد أن يقول لها: "أنا هنا... ولن أدعكِ تسقطين." لم ينبس بحرف، ولم تفعل. كان الصمتُ بينهما أبلغ من كلّ الكلام.

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status