Home / مافيا / في قبضة المهووس / الفصل الثالث

Share

الفصل الثالث

Author: ALANET
last update publish date: 2026-06-10 00:31:13

الفصل الثالث

تربط بين الجنرال والضابط علاقةٌ قديمةٌ بوالد رافـييل، منذ الصبا، واستمرّت تلك العلاقة مع الابن بعد وفاته.

وإلى جانبه، وقفت والدته لورينا دي فاليريو، المحامية المتقاعدة، زوجة  وزير الدفاع الإيطاليّ الرّاحل، والصديقة المقرّبة لكلٍّ من ماريا وأليسا.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يحتفل فيها الخمسة بتخرّجهم؛ فقد تخرّجوا قبل خمس سنوات من برنامج الدراسات الدبلوماسية في جامعة أوكسفورد — نزولًا عند رغبةِ عائلاتهم.

ومع ذلك، تبعوا شغفهم بعد ذلك، وتخصّص كلٌّ منهم في مجاله الحقيقيّ.

تقدّموا نحو عائلاتهم، لتبدأ لحظة التهاني.

كانت لورينا أوّل من تحرّك، فتقدّمت باكيةً نحو فاليريا وفلورا، واحتضنتهما بشوقٍ، كأنّها تحتضن الحلم الذي لم تُنجبه.

كم تمنّت أن تكون أمًّا لفتاتَين، فجاءتها الاثنتان كعوضٍ سماويّ.

التقت نظرات فاليريا بنظرات رافـييل، تلك النظرات التي تخفي الكثير.

تذكّرته حين كان يُلاعبهم صغارًا، قبل أن يختفي تدريجيًّا إثر التحاقه بالجيش.

لقد تغيّر، باتَ أكثر ضخامةً، وأكثر وسامة.

اقترب منها بخفّة، احتضنها بهدوء، وقبّل جبينها بفخر.

كان يعلم كم يعني لها هذا اليوم، وكم سعت لتحقّق هذا الحلم.

نقل نظراته نحو فلورا، التي ضمّها أيضًا — فلها في قلبه مكانة أخت، أمّا فاليريا، فهي شيءٌ أعمق بكثير.

اقترب من إخوته الثلاثة، وضمّهم بحضنٍ دافئ — حضنِ الأخ الأكبر، الذي حمل مسؤوليتهم بعد وفاة والدهم.

قطعت تلك اللحظة الشاعريّة، خطواتٌ واثقةٌ لرجلٍ طويل القامة، عريض المنكبين، أشقر الشعر، أزرق العينين.

إنه إدواردو مالديني، الضابط الرفيع الذي يعمل إلى جانب الجنرال.

في الثلاثين من عمره، التقت به فاليريا أكثر من مرّة، آخرها كان في عزاء والديه، اللذَين توفّيا في حادث سير.

اقترب منها، أمسك يدها برفق، قبّلها بنُبلٍ وقال بهدوء:

"لا بُدّ أنّكِ الآنسة فاليريا... مباركٌ لكِ التخرّج."

ردّت عليه بابتسامةٍ خفيفة، وإيماءةٍ مُهذّبة. ثمّ بارك للبقيّة.

قال الجنرال كارلو بنبرةٍ ملؤها الفخر:

"حسنًا، أيّها الشُبّان، حان وقت العودة إلى الوطن، أليس كذلك؟ لقد أعددت لكم حفلًا يليق بكم."

أجابه ريان معترضًا بمرح:

"عمّي، هل يمكننا تأجيل ذلك لأسبوعين؟ لقد خطّطنا لرحلةٍ إلى ألمانيا بعد كلّ هذا التعب."

نقل الجنرال نظره إلى البقية، ليجدهم يتهامسون موافقين.

تنهد رافـييل قائلاً:

"أجل، عمّي، دَعْهم يستمتعون قليلاً، لدينا وقتٌ كثير للاحتفال."

وافق الجنرال أخيرًا، ليُضيف لورينزو وهو يُخاطب كارلو ورافـييل وإدواردو:

"حسنًا، أيّها السادة، حان وقت العودة، فأنتم تعلمون... لدينا مهمّة."

اقتربت الأمّهات الثلاث، ودّعن أبناءهنّ بحبٍ، وغادروا المكان.

وقف الخمسة في ساحة الجامعة، يُلقي كلٌّ منهم نظرةً أخيرة على المكان الذي كان حُلمًا ذات يوم.

جامعة أوكسفورد البريطانيّة، التي حملت طموحاتهم وذكرياتهم، ها هم يغادرونها، وأحلامهم في أيديهم.

توجّه كلٌّ منهم إلى سيارته.

فاليريا وفلورا قادتا إلى منزلهما المشترك، الذي لا يبعد سوى عشر دقائق.

بينما تبعهم في الخلف، الشُبّان الثلاثة، نحو منزلهم المجاور.

دخلوا منازلهم، واتجهوا إلى غُرفهم.

كان يومًا طويلًا، مُرهقًا، ومُفعمًا بالعاطفة.

لكنّ فاليريا لم تستطع طرد نظرات رافـييل من ذاكرتها...

كانت تخفي خلفها ما هو أكثر من الحنين...

تنهدت بهدوء، وأغمضت عينيها، لتغرق في نومٍ عميق، إلى جوار صديقتها الوفيّة.

تستيقظُ مع بزوغ الفجر على وقع دقّاتٍ عنيفةٍ تَهزُّ بابَ منزلها، تنظر حولها فلم تجد فلورا بجانبها، ولا أثرًا لرفيقتها في ذلك الصباح الهادئ. تنهضُ بفزعٍ مُتسارع، وتسرع نحو الباب كأنها تلاحقُ سرًّا غادرها، لتفتح بيدٍ مرتجفةٍ، فإذا بالثلاثة الشبان واقفين أمامها، حقائب السفر معلّقة على أكتافهم، يوشكون على الرحيل وقد استعدّوا حتى أدق تفاصيل الطريق.

تقول وهي تغفو عيناها ببطء، وتدلك جفنيها:

— ماذا من أمر؟ ما حاجتكم في فجر اليوم؟

لعلَّ النعاسَ في عينيها يصارع يقظة الصباح، والدهشةُ تلونُ ملامحها.

يردّ ريان بلهجةٍ تكسوها العجلة والقلق:

— أَما زلْتِ لم تتهيئي؟ إن الطائرةَ تنتظرنا الآن، والدهر لا يرحم تأخيراتنا.

تعبّر بعبوسٍ مستغرِب، حاجباها يرتفعان كأنهما يسألان:

— أيُّ طائرة؟ ألم نتفق أن السفر غدًا؟! وأغراضي لم تُحضّر، ولم أقم بقَطع التذكرة بعد!

يخترق صمت الغرفة صفيرٌ آتٍ من الصالة، تدير وجهها فإذا فلورا جالسةٌ على الكنبة، وإلى جانبها ثلاث حقائب سفر وبطاقتي سفر بين يديها، صامتةً كأنها الوحي الذي لا يُردّ.

تنهض فاليريا مستقيمةً، كالسهم الذي أُطلق من قوسه، وتقول:

— هلمّي! ثيابك على السرير، لا مجال للتردد، فالوقت كالسيف لا يلين.

ترفع كتفيها مستسلمةً، وتهرع إلى غرفتها تستعد، بعد ترجياتٍ كثيرةٍ بالتعجيل، حتى انتهت في نصف ساعة.

ينطق مايك وهو يجذبها من يدها نحو الخارج:

— ما رأيك لو بقيتِ ساعتين إضافيتين؟

فتجيبه بغضبٍ يفور من بين شفتيها:

— اسكُت! قبل أن أضع الروج في عينيك!

يُقاطعه كيفين بنبرة حازمة:

— اصمتا كلّكما! وانطلقا معنا.

فجأة، دفعت فاليريا مايك وركضت، وفي اللحظة ذاتها ركض ريان، ووقفا عند باب السائق. تنطق فاليريا  بغضب مُكبوح:

— أنا سأقود.

فرد الآخر بعنفٍ يكاد يُسمع:

— كلا، أنا.

فاقتضى الأمر أن يلعبا لعبةَ حجرةٍ ورقةٍ مقصًّا ليُحكما من سيرتدي ثوب القيادة في رحلتهم.

ارتفعت أهازيج الأغاني في السيارة، والجميع يغني بموهبةٍ وسرور، عدا ريان الذي جلس متجهمًا في المقعد الخلفي، بينما فاليريا تحاول استفزازه بعد فوزها.

وصلوا أخيرًا إلى المطار. نزل مايك من المقعد الجانبي، ففتح الباب لـفاليريا، ويمد يده ليعينها على النزول. فشهقت الأخرى بتمثيلٍ مبالغ فيه، وضعت يدها على فمها، وقالت بنبرة مفعمة بالسخرية:

— oh gentleman

كأنها لم تعتدّ على ذلك الأسلوب.

توجهوا إلى الطائرة الخاصة بهم، وبعد ساعةٍ وخمسين دقيقة وصلوا إلى مطار برلين الدولي.

ليست هذه أولى رحلاتهم، لكنها الأولى نحو أرض ألمانيا.

توجهوا إلى السيارة التي كان يقف عندها حارسان شخصيان، فهؤلاء الخمسة ليسوا كأي بشر.

انطلقت السيارة في هدوء نحو فيلتهم في حيّ ميدا (Mitts)، يتأملون بهدوء جمالها الخارجي، والمسبح الكبير يتلألأ كبحرٍ هادئٍ في منتصف الحديقة. دخل كل منهم غرفته ليستعدّ.

بعد ساعتين، اتجهوا إلى متحف بيرغامون (Pergamon Museum)، منارة الحضارة وأحد أعظم المتاحف الأوروبية.

تسارع في الأحداث

بعد ساعتين، تجمعوا أمام بوابة الفيلا.

كانت فاليريا ترتدي تنورةً بلون زهرة الربيع الرقيقة، تصل أسفل ركبتها، وبلوزة نصف كم بيضاء، مغلقة الصدر، تُظهر قليلاً من كتفها حيث نقش الهلال يزينه. وسبق لها ووشمت وفلورا في تلك المنطقة، لكن الأخيرة اختارت الشمس.

أكملت إطلالتها بحذاء أبيض ذي كعب رشيق، وحلقين ناعمين، وحقيبة بيضاء تليق بذوقها الرفيع.

أما فلورا، فارتدت تنورة بنفس الطول، ولكنها اختارت اللون الأبيض خاصًا بفليريا، مع بلوزة حمراء، وكم طويل، وحقيبة بيضاء، وقلادة نارية، وحذاء عالي الكعب أحمر كالدم.

الشبان الثلاثة، تجلّت أناقتهم في كل تفصيل:

    •    مايك يرتدي بنطالًا أبيض وبلوزة سوداء كمّها مرفوع، تكشف عن معصمٍ رشيق، مزين بساعة سوداء، وحذاء أسود كعتمة الليل.

    •    ريان بلوزة نصف كم سوداء، بنطال بني فاتح، وحذاء أبيض ناصع كثلج الصباح.

    •    كيفين اختار التناغم بين البنطال والبلوزة السوداء مع جاكيت أبيض يكسو ظهره كالغيمة، وحذاء أبيض.

بعد تبادل الإطراءات، اتجهوا نحو المتحف.

عند وصولهم، أظهروا بطاقات الدخول، ثم تفرقوا ليرى كل منهم ما يشتهيه.

توجهت فاليريا نحو تحفتها المنشودة:

مذبح بيرغامون (Pergamon Altar)

هو أشهر قطع المتحف، مذبح يوناني عتيق يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، تُزينه نقوش ضخمة تحكي معارك الآلهة والعمالقة. تحفة فنية وهندسية مدهشة لا مثيل لها.

بينما كانت تتفحص ذلك الصرح العظيم، لم تخطر على بالها أن هناك قناصًا يترصدها، مستعدًّا أن يزرع الموت في لحظة.

اصطدمت به كنسمةٍ هبّت فجأة من بعيد، كأنها صخرةٌ أوقعت طيفًا من الحلم. كادت تسقط، لكن يده كانت كالأفق الذي يمنع الغروب، تلتقطها برفق، وتحتضنها كأنها زهرةٌ نادرة تحتاج إلى حماية.

وفي هذه اللحظة، أطلق الرصاص كصرخةٍ في قلب الصمت، مرت فوق رأسه، لتثبت أن الموت أحيانًا يمرّ كالريح العابرة، لكنّ الحياة تُقاوم.

تلفتت إلى ثقب الرصاصة في الجدار، وحين دقّت عيناها في عينيه، وجدت في ملامحه الأمان، وسمت في صمته حكمة السفير الإيطالي

رافييل دي فاليريو

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع عشر

    الفصل السابع عشر ‎12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري ‎حطّت الطائرة بهدوء، ‎فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ‎ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، ‎لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. ‎تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ‎ـ دي فاليريو يتكلم... ‎صوت جافّ على الطرف الآخر: ‎ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... ‎لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. ‎اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ‎ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ‎ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ‎ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. ‎نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ‎ـ انتبه على نفسك، رافـي. ‎أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، ‎كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، ‎وافترقا... ⸻ ‎في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا ‎في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، ‎أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. ‎انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ‎ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ‎ثم انقطع الاتصال. ‎وفي

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس عشر

    الفصل السادس عشر ‎– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد ‎دخلت فاليريا القاعة الواسعة، ‎وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، ‎وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: ‎"مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." ‎أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، ‎من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، ‎يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. ‎وسط ذلك الزخم، ‎وقف رافـييل بجانبها، ‎ممسكًا بيدها برقة، ‎كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: ‎"أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." ‎سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، ‎تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، ‎مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. ‎انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، ‎توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ ‎في طريق العودة إلى الفندق ‎جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، ‎كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ‎ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... ‎التفت رافـييل إليها، متفهمًا، ‎فأكملت: ‎ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس عشر

    الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. ‎مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ‎ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ‎ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. ‎في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ‎ـ هل لاحظتَ ذلك؟ ‎أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ‎ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ ‎الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – ‎دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. ‎الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. ‎وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، ‎خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... ‎كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. ‎خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ‎ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."

  • في قبضة المهووس    الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني عشر

    الفصل الثاني عشر ‎📍قاعة الاجتماعات: ‎كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. ‎المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. ‎دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. ‎دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ‎ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. ‎وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ‎ــ "شكراً لحضوركم السريع... ‎أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. ‎الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status